الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدعوة في أوساط الشعب:
79-
سرت الدعوة بين المصريين سريان النور في الظلمة، ومع قوة فرعون الطاغية سرت الدعوة بين الشعب، بل كان من ملأ فرعون نفسه من آمن، ودعا إلى الإيمان، وتجري المجاوبة في ربوع مصر حاضرها وريفها، وفرعون يرعد ويبرق، ولا مستمع يستمع؛ لأن الحق أبلج، فالله تعالى يقول عنه:{فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ، وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ، وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ، يَا قَوْم لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ، وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْم إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ، وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} [غافر: 25-34] .
استمرَّت المجاوبة بين الذين آمنوا وبين فرعون، وكان فرعون ومن معه يصدون عن سبيل الله تعالى، والذين آمنوا يدعون إلى سبيل الرشاد {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْم اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْم إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} إلى قوله تعالى: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ، تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ، فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} [غافر: 38-45] .
استمرَّت المجاوبة بين الحق والباطل في داخل الشعب المصري وبين آل فرعون والمؤمن، ولعله -والعلم لله وحده- أنَّ الذين آمنوا من آل فرعون وأهل مصر عدد قليل؛ كالذين آمنوا بمحمد من بعد قد كانوا عددًا قليلًا، ومن الضعفاء، فكان لا بُدَّ من هجرة موسى من مصر، كما هاجر محمد من مكة إلى المدينة، وكان معه الذين اتبعوه بإحسان، ونالهم ما نالهم من الأذى.
خروج بني إسرائيل وموسى من مصر:
80-
كان أتباع موسى عليه السلام من بني إسرائيل الذي جاء لاستنقاذهم وبعث للدعوة إلى الوحدانية أولًا، واستنقاذ المظلومين من الظالمين ثانيًا، فكان لا بُدَّ من الهجرة، ومن أراد أن يلحق بهم من المصريين.
لقد جاء الأمر بالهجرة وأن تكون ليلًا، كما كانت هجرة محمد عليه السلام خفية، وقد ساق سبحانه وتعالى قبل الخروج قصة الدعوة الموسوية، وما لاقته من فرعون وشيعته؛ ليتبين أنَّه لا أمل في إيمان غير الذين آمنوا من قبل، لذلك جاء الأمر بالهجرة كما جاء بعد ذلك الأمر بالهجرة لمحمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى في ذلك:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ، فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ، فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ} [الشعراء: 52-64] .
انتهى أمر فرعون بهذا الإغراق، ولكنَّه لمَّا أوشك على الغرق جاء إليه الإيمان متأخرًا، فكانت المعجزة أنَّ الله أبقاه مثلًا للأخرين، وأنَّ الله سبحانه يقول مفصِّلًا مهلكه من غير تكرار، وإن ذكر المقدمات مفصّلًا، قال سبحانه:{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [يونس: 90-92] .
انتهى فرعون، ونلاحظ هنا ثلاث ملاحظات:
أولاها: إنَّ فرعون كان دائمًا يذكر جنوده على أنهم الذين يوالونه في طغيانه، ويمالئونه في عدوانه، وينصرونه، والشعب لا يذكر في مقام المناصرة لفرعون.
وثانيتها: إنَّ الذين آمنوا من الشعب عدد لا يكون كثرة تهزّ ملك فرعون، وإذا كانوا كثرة لم يذكروا مع فرعون؛ لأنهم فريسته، فلم ينصروا بكثرتهم دعوة موسى، وكانوا كشأنهم فيم يتعلّق بملوكهم إن خالفوا الحقّ نافق منهم من ينافق، وتملّق من يتملق، والشعب وقف موقف النظارة، ولذلك كانت الهجرة؛ إذ قلَّ النصير المؤيد، وكثر العدو المناهض.
وثالثتها: إنَّ الله تعالى أجرى على يد موسى معجزات تتصل بمصر الزراعية كما ذكر في سورة الأعراف، ولقد ذكر في السورة موسى وفرعون، وذكرت هنا كما ذكرت في غيره العصا والسحرة، وكررت لأنَّها المعجزة الكبرى التي تحدَّى بها، كما كان القرآن الكريم يذكر كثيرًا في القرآن؛ لأنه المعجزة الكبرى التي جاء بها محمد -صلى الله تعالى عليه وسلم، فقد اختبر الله تعالى آل فرعون بمعجزات زراعية تتعلق بالزرع والضرع، فقال تعالى:{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ، وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ، فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 130-136] .
وهكذا توالت المعجزات حتى بلغت تسعًا، كما قال تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا، قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا، وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا، وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الإسراء: 101-105] .
هذه قصة موسى مع فرعون ومع أهل مصر، قد ذكرنا جزءًا منها، وهي في فصول متعددة من أجزاء القرآن الكريم، ونلاحظ مع بلاغة القصص وقوة تأثيره الذي قد نتكلم عليه من بعد، أنَّه لا تكرار في جزء من القصة، فلا يكرر جزء بمعناه في آيات واحدة، بل يذكر أيضًا بمعناه في آيات أخرى، وإنَّ كل جزء من القصة في معناه وجزئياته وغاياته ومراميه إلى مقصد، بل لكل جزء معنى سيق له، لم يسق له غيره، وإذا كانت بعض العبارات أو المعاني تكررت، فإنَّ ذلك لبيان المقصد الأصلي من الجزء، فمثلًا رأينا في لقاء موسى لفرعون أنه ذكرت عبارات النعم وهو رضيع، وكيف سهَّل الله سبيل العيش الرغيد؛ ليبين له سبحانه أنَّه معه في لقاء فرعون، كما كان مع أمه في إلقائه في اليمِّ؛ ليلْقَى فرعون وهو رابط الجأش، وهكذا نجد تكرار بعض المعاني؛ لأنها ذكرت في موضعها الأول مقصودة، وذكرت في موضعها الثاني تمهيدًا لقصده، وتثبيتًا لمغزاه، فالتكرار لم يكن لمجرد التكرار، بل هو تجديد للمعاني، ليس ترديدًا، والفرق بين التجديد ومجرَّد الترديد أنَّ الترديد يكون تكرارًا لا غاية لها، أو يكون لمجرد التوكيد، أما التجديد في تكرار اللفظ فإنه يكون لغاية بعده لا تتمّ إلا به.