المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الزواجر الاجتماعية: 205- هذا هو القسم الرابع من الأحكام التي اشتمل - المعجزة الكبرى القرآن

[محمد أبو زهرة]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات

- ‌الافتتاحية

- ‌تمهيد

- ‌معجزة القرآن:

- ‌القسم الأول:‌‌ نزول القرآن

- ‌ نزول القرآن

- ‌حكمة نزوله منجَّمًا:

- ‌المكي والمدني:

- ‌كتابة القرآن وجمعه:

- ‌جمع القرآن في عهد عثمان أو الأحرف السبعة:

- ‌تحريق غير المصحف الإمام وغير ما نسخ منه:

- ‌ترتيب الآيات والسور:

- ‌قراءات القرآن:

- ‌فائدة وجوه القراءات:

- ‌القسم الثاني:‌‌ إعجاز القرآن

- ‌ إعجاز القرآن

- ‌تلقي العرب للقرآن:

- ‌سر الإعجاز:

- ‌الصرفة وبطلانها:

- ‌وجوه الإعجاز:

- ‌الإعجاز البلاغي:

- ‌وجوه الإعجاز البلاغي:

- ‌ ألفاظ القرآن وحروفه:

- ‌نظرات في ألفاظ القرآن:

- ‌الكلمة مع أخواتها والعبارات مع رفيقاتها:

- ‌ الأسلوب القرآني:

- ‌التآلف في الألفاظ والمعاني:

- ‌صور بيانية للطمع والشح ثم الندم

- ‌النفس الفرعونية:

- ‌قوة البلاغة في الأسلوب من كلمات متآلفة:

- ‌التلاؤم:

- ‌ تصريف البيان:

- ‌التكرار في القرآن:

- ‌قصص القرآن من الناحية البيانية:

- ‌الدعوة في أوساط الشعب:

- ‌موسى مع بني إسرائيل:

- ‌بنو إسرائيل والأرض المقدسة:

- ‌ قصص القرآن لون من تصريف بيانه:

- ‌أسلوب القصص في القرآن:

- ‌القصص الحق المصور في أهل الكهف:

- ‌التصريف في صور العبارات القرآنية:

- ‌الاستفهام والنفي:

- ‌الحقيقة والتشبيه والاستعارة في القرآن:

- ‌التشبيه في القرآن:

- ‌الاستعارة:

- ‌المجاز والكناية:

- ‌الكنايات في القرآن:

- ‌نظم القرآن وفواصله

- ‌التلاؤم:

- ‌الفواصل:

- ‌أفي القرآن سجع

- ‌الإيجاز والإطناب في القرآن:

- ‌أقسام الإيجاز:

- ‌طوال السور وقصارها:

- ‌الإعجاز بذكر الغيب:

- ‌ جدل القرآن واستدلاله:

- ‌أسلوب جدل القرآن:

- ‌مسلك القرآن في سوق الأدلة:

- ‌علم الكتاب:

- ‌معجزات سيدنا موسى:

- ‌الخوارق التي جاءت على يد سليمان:

- ‌معجزات عيسى عليه السلام:

- ‌البعث واليوم الآخر:

- ‌يوم القيامة:

- ‌الميزان والحساب:

- ‌الجنة والنار:

- ‌البعث والجنة والنار أمور حسية

- ‌علم الحلال والحرام:

- ‌العدالة:

- ‌العدالة الدولية:

- ‌الأحكام الفقهية في القرآن:

- ‌الأسرة في القرآن

- ‌الميراث في القرآن الكريم:

- ‌الزواجر الاجتماعية:

- ‌المعاملات المالية:

- ‌العلاقات الدولية في القرآن:

- ‌العلاقة في السلم والحرب:

- ‌علم الكون والإنسان في القرآن:

- ‌قصة يوسف في سورته:

- ‌المجتمع المصري في عصر يوسف:

- ‌تفسير الكتاب

- ‌مدخل

- ‌تفسير القرآن بالرأي:

- ‌الظاهر والباطن:

- ‌ ترجمة القرآن

- ‌بيان ما اشتمل عليه الكتاب

الفصل: ‌ ‌الزواجر الاجتماعية: 205- هذا هو القسم الرابع من الأحكام التي اشتمل

‌الزواجر الاجتماعية:

205-

هذا هو القسم الرابع من الأحكام التي اشتمل عليها القرآن الكريم، وقد شرع القرآن من العقوبات الرادعة ما تتطهر به المجتمعات من الرذيلة، وتتجه ناحية الفضيلة، ويتحقق الخير في كل مظاهر الحياة خاليًا من أدران الشر.

والعقوبات في الإسلام قسمان: عقوبات مقدرة، وعقوبات غير مقدرة، والعقوبات المقدرة تعد أعلى العقوبات في نوعها، وغير المقدرة تعد دون الأعلى، وقد تولى القرآن الكريم بيان أكثر العقوبات المقدرة، والعقوبات غير المقدرة ترك تقديرها للقاضي أو ولي الأمر إن رأى أنّ يقيد القضاة، فالإسلام يذكر الحد الأعلى للعقوبة، وترك للقاضي ما دونها على ما قررنا.

والعقوبات المقدرة قسمان: قسم من حقوق العباد واضحة، كالقصاص، وقسم كان لحماية المجتمع من شروره، وحق العباد ليس في وضوح الأول.

وفي الأول كان للمجني عليه وأوليائه حق العفو، كما سنبين، أما الثاني فلا عفو فيه؛ لأنه حق الله تعالى.

وأول نص في العقوبات التي كانت لحق العبد أو حق العبد فيها أوضح من غيره، عقوبة القصاص، وهي عقوبة تومئ إليها الفطرة؛ لأن العقوبة مساوية للجريمة ومن جنسها، وقد نصَّ عليها في القرآن في عدة آيات، منها قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 178-179] .

وفي هذه الآية نجد القصاص في الأنفس، وآية أخرى تعمّم القصاص في الأنفس والأطراف، بل الجروح، ويقول سبحانه وتعالى في ذلك مبينًا ما كان في التوراة، وهو في الشرائع السماوية كلها:{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 44، 45] .

وهذه الآيات الكريمات تدل -أولًا- على أنَّ القصاص شريعة النبيين أجمعين، طبقه النبيون على الذين هادوا، وطبقه من بعدهم الربانيون والأحبار، ويطبقه أهل الإيمان من أمة محمد كما قال سبحانه وتعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48] .

ص: 335

وإن هذا النص الكريم يدل -أولًا- على وحدة الشرائع السماوية فيما يتعلق بالقصاص، فهو شريعة عامَّة مشتقة من الفطرة الإنسانية، فهي عقوبة طبيعية لا مراء فيها.

وتدل -ثانيًا- على أنَّ القصاص كما يقع في الأنفس؛ لأن فيه حياة الجماعة آمنة مطمئنة، يقع أيضًا على الأطراف؛ لأن فيه حفظ سلامة الإنسان ومنع التشويه؛ إذ إن التشويه الإنساني يكثر إذا لم يكن عقاب رادع يجعل الجاني عندما يقدم على جريمته يتوقع أن يقع عليها مثلها، وذلك أمنع للجريمة، كما قرَّر بعض علماء القانون الذين درسوا النفس الإنسانية في الآحاد والجماعات.

وتدل -ثالثًا- على أنَّ الجروح يجري فيها القصاص ما أمكن، وقد استنبط من هذه بعض الفقهاء أنَّ القصاص يجري في اللطم والضرب بالسوط وغيره.

وتدل -رابعًا- على أنَّ في الترغيب في العفو إبعادًا لإحن القلوب، وتقريبًا للنفوس، ولذلك اعتبر العفو في موضعه من غير تشجيع للجريمة صدقة، وقال سبحانه وتعالى:{فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} .

وإن القصاص في موضعه إحياء للنفس المجني عليها، وإحياء للجماعة، وهو القضاء على الأحقاد والضغائن المستكنة في القلوب إن لم يكن سبيل لردعها، فقد قال تعالى بعد أن اعتدى قابيل على أخيه هابيل شفاءً لغيظه وحسدًا وحقدًا:{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32] .

وإن هذا يدل على أن القصاص إحياء للنفوس وتهذيب للجماعة.

206-

وإن القصاص فيه حفظ للنفس، فإن حفظ النفس يقتضي حفظ الأطراف وحفظ كل الأجزاء، وهو حق للعباد؛ لأنه عقوبة اعتداء مباشر عليهم، ولذلك كان قابلًا للعفو، كما ذكرنا وكما تلونا.

وأما حقوق الله أو حقوق المجتمع، كما يجري التعبير في هذا الزمان، فإن العقوبة المقررة فيها تختص بخاصيتين، إحداهما: إنَّها حماية للفضيلة، وحماية للمجتمع من أن تتغشاه الرذائل، والخاصية الثانية: إنَّها غير قابلة للعفو؛ لأنها إصلاح ليس فيه أيّ معنى من معاني الانتقام أو شفاء الغيظ، كما هو الحال في الدماء؛ ولأن إقامة الحدود عبادة، وهي العقوبات المقررة للمجتمع، فيُعَدُّ عبادة، فإذا كان العفو في القصاص يعد أحيانًا صدقة كما عبَّر القرآن الكريم، فإقامة الحدود من ولي الأمر القائم على رعاية مصالح المجتمع، وإقامة الفضائل ومحاربة الرذائل تعد عبادة، بل هي أعلى العبادات بالنسبة له، وأيّ عبادة أعلى من تطهير المجتمع من الشر.

ص: 336

وإن الحدود شرعت محافظة على المصالح المقررة الثابتة، وهي المحافظة على النفس وأمنها، والمحافظة على النسل، والمحافظة على العقل، والمحافظة على المال.

وأشد الحدود تكون لأقصى أنواع الاعتداء، وهو الاتفاق على الجرائم التي يكون فيها اعتداء على النفس وعلى المال، بل وعلى الأعراض والعقول، وهو ما يسمَّى حد الحرابة.

والحرابة اتفاق طائفة من المجرمين على الخروج على الجماعة، بارتكاب مفاسد من أنواع الاعتداء المختلفة من قتل أو اغتصاب أموال، وارتكاب جرائم أخرى كما قرَّر الإمام مالك في تفسير معنى الحرابة، وقد سمَّاهم القرآن الكريم محاربين، لأنهم يحاربون الأمن والنظام بقوة يدَّرَّعون بها، وقد قال الله تعالى فيها:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 33، 34] .

ونلاحظ في النص الكريم أمورًا ثلاثة:

أولها: إنَّ الآية الكريمة سمَّتهم محاربين لله ورسوله؛ ذلك لأنهم يحاربون أحكام الشرع، وينتقضون على الحكم المنفذ لأحكام الله تعالى ورسوله الحكيم -صلى لله تعالى عليه وسلم، وسمَّاهم ساعين في الأرض بالفساد؛ لأن معاندة الشرع والإخلال بأحكامه ومحاربة الفضائل وإزعاج الناس وقطع الطريق عليهم هو عين الفساد.

وثانيها: إنَّ العقوبة هي التقتيل أو القتل، أو القتل والصلب، ليكونوا عبرة لغيرهم، أو قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو تفريق جمعهم، ونفيهم من الأرض بإبعادهم حيث لا يستطيعون أن يجتمعوا.

وقد قرَّر مالك من بين الفقهاء أنَّ ولي الأمر مخيّر في هذه العقوبات يختار منها ما يناسب حالهم.

ثالثها: إنَّ الجريمة الأساسية في اجتماعهم واتفاقهم مع قوة تمكنهم من جرائمهم، فإن تابوا من تلقاء أنفسهم، فقد ذهب أصل الجريمة وهو الاتفاق الجنائي، والخروج بقوة لتنفيذه، وما داموا قد تابوا فقد عدلوا عن الارتكاب، وهو جريمة مستمرة، فإذا أنهوها، لا تستمر عقوبة الحد.

ص: 337

ولكن يحاسبون على ما ارتكبوا قبل التوبة، وللفقهاء كلام طويل في هذا، وفي توزيع العقوبات على الجرائم، فليرجع إليه في كتب الفقه، ففيها ما يشفي غلة الصادي المتطلع.

ومن الناس من يلهجون باستغلاظ هذه العقوبة، ويحسبون آثمين أنها ليست إنسانية، وأولئك ينظرون إلى العقوبة ولا ينظرون إلى الجناية، ويرحمون الجاني ولا يرحمون المجني عليه، والمجني عليه هنا الجماعة، أولئك يخرجون بقوة واتفاق، لا ليقيموا حقًّا أو يخفضوا باطلًا، بل لمجرد أذى الجماعة، وينتهكون كل حركة، يقطعون الطريق على السابلة، ويزعجون الجماعة، فلا بُدَّ أن تكون العقوبة كفاءً لما يرتكبون ورادعة، والعدالة الإنسانية توجب المساواة بين مقدار الجريمة ومقدار العقاب، وكلما عظمت الجريمة كان لا بُدَّ من عقوبة تناسبها، وكما قال النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم:"من لا يرحم لا يُرْحَم"، وذلك هو منطق العدل، ومنطق العقل.

ولو أنَّ تلك العقوبة عوقبت بها العصابات المخرّبة التي لا تبقي على شيء إلَّا انتهكت حرماته، ولها ميزانية من السرقات تبلغ أحيانًا ميزانية الولاية أو الدولة التي تكون فيها، {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} .

207-

وإنَّ الجريمة التي تقترب من جريمة الحرابة جريمة السرقة، بيد أنهما يفترقان، فالسرقة أخذ المال في خفية من حرز مثله، بينما الحرابة أخذ المال بقوة لا يلاحظ فيها الاختفاء، ولكن يلاحظ الأمن من الاستغاثة وإجابة المستغيث، فهي في خفاء عن المجتمع، لا في خفاء عن صاحب المال، ويفترقان في أن هذه جماعية تخرج بقوة تقاوم قوة الدولة، ويفترقان في أنَّ الحرابة تتعدد فيها أنواع الجرائم، والسرقة لا تتعد فيها أنواع الجرائم، ولذلك تتعدد فيها العقوبة.

ويتفقان في أمرين: أحدهما: إن في الجريمتين إفزاع الناس وإزعاج الآمنين، فلا يأمن أحد على نفسه أو ماله، ويتفقان أيضًا في أنَّ التوبة تقبل من قطّاع الطريق قبل القدرة عليهم، وتقبل في السرقة على قول كثيرين من الفقهاء، وهذا يتفق مع نص القرآن الكريم.

وعقوبة السرقة نص عليها في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 38، 39] .

وقد اشترط في التوبة في هذه الحال أن يصلح لا أن يتوب بلسانه، ولا شك أنه إذا سرق من بعد التوبة فإنه تقطع يده.

ص: 338

ولهذا التشابه بين السرقة والحرابة قالوا: إن الحرابة هي السرقة الكبرى، وتلك التسمية صحيحة، وإن كان معها جرائم القتل.

وقد يقول الذين يرحمون المجرم ولا يرحمون الآمن معترضين على ذلك متعللين بأمرين:

أحدهما: إن العقوبة ليست متكافئة مع الجريمة مهما يكن نصاب السرقة، فهل تقطع يد في سرقة عشرة دراهم أو ربع دينار كما قال الإمام مالك، ويرددون قول أبي العلاء:

يد بخمس مئين عسجد وديت

ما يالها قطعت في ربع دينار

والثاني: إنَّ العقوبة في ذاتها غليظة تكثر من المشوهين الذين تفذى الأعين برؤيتهم.

ونجيب عن الأمرين، فنقول في الإجابة عن الأمر الأول: إنه ليس التساوي بين العقوبة في الحدود بين الفعل والعقاب، إنما التساوي بين العقاب وآثار الجريمة، فبالنسبة للسرقة لا يكون التساوي بين المال الذي سرق وبين قطع اليد، إنما ينظر إلى الإفزاع وإزعاج الآمنين في سرقة تقع في حيّ أو قرية، فكم من حراس يقومون، وكم من مغالق يحترس بها من السارقين، فجريمة السرقة ليست آثارها واقعة فقط على المسروق منه، بل تتعداه إلى كل من يكونون معه في الحياة.

والجواب عن الأمر الثاني: إنَّ هذه العقوبة لا تقع إلَّا إذا كان التكرار؛ إذ إنه إذا سرق ابتداء وتاب وأصلح، ولم يعد يسرق، فلا تقطع يده.

وإن قطع يد واحدة تمنع السرقة، فلا يكون ثمَّة من بعد ما يوجب القطع، وهناك دولة عربية تقيم حدّ السرقة، لا تقطع في العام يدًا أو اثنتين، فالقطع يمنع سبب القطع.

وفوق ذلك، فإن القطع لا يكون إلا حيث تنتفي الشبهات، فالشبهات تسقط الحدود، وإن عدد السرقات التي تنتفي فيها الشبهات، ويجب فيها الحد يقدَّر بنحو خمسة في الألف من السرقات التي تقع، ومن الشبهات التي اعتبرها السلف أن يكون السارق في حال جوع أو مظنّة جوع، كأن يكون ثمَّة مجاعة، فإنه لا يقام الحد للشبهة، كما فعل الإمام عمر عام المجاعة.

وعلى الذي يستغلظون عقوبة السرقة في الحدود التي بيَّنَّا أن يبينوا لنا كم من السرقات قطعت فيها أيدي نساء ورجال لأجل الوصول إلى غاية السارق، وكم من النفوس أزهقت في السرقات بالإكراه، أو في إخفاء الجريمة وعدم معرفتها.

ص: 339

إنكم إن وازنتم بين هذه الجرائم التي ترتكب في سبيل السرقة وجدتم أن قطع اليد لا يساوي في عدده عشر معشار هذه الجريمة، واعتبر ذلك بالبلاد التي طبّقت حد السرقة، فإن الأيدي التي تقطع في البلاد كلها لا يتجاوز إن تواضعنا عدد أصابع اليد.

لقد عجزت القوانين من علاج جريمة السرقة، فهلَّا نستعين بحكم الله تعالى، ولكن آفة الجماعات في هذه الأيام أولئك الذين تذهب أنفسهم حسرات على المجرمين، ولا تنظر نظرة عطف على الذين كانوا فريسة للعابثين والمجرمين، وذلك فساد منطقي غريب، ومع ذلك يعدون أنفسهم اجتماعيين.

الاعتداء على النسل:

208-

أوضح جريمة في الاعتداء على النسل جريمة الزنى، فإنها إذا شاعت في قوم ضعف نسلهم، وانحدروا إلى الفناء، كما رأينا في أمم حاضرة، وجماعات ماضية.

وقد تعرَّض القرآن الكريم لبيان هذه الجريمة وعقوبتها، أو بالأحرى لبيان هذه العقوبة مع التعرّض الإجمالي للجريمة، مفصلًا العقوبة، فقد قال تعالى:{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا، وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 15، 16] .

وإن هذا النص الكريم دل على أمور ثلاثة:

أولها: إنَّ الشهادة على الزنى لا تكون إلّا بأربعة، فلا تصح الشهادة بما دون ذلك، وقد أكَّد هذا المعنى قوله تعالى في حد القذف:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] .

ثانيها: إنَّ الرجل والمراة إذا ارتكبا الفاحشة، وهي الزنا في الآية الأولى والثانية، كان لا بُدّ من عقوبة مناسبة، إذا لم تكن توبة يكون معها إصلاح أمورهم، وأنهم إن كرروا لا تقبل التوبة، وكذلك قرر كثيرون من الفقهاء كما قيل في السرقة.

الثالث: أن النساء يختصصن بعقوبة لا تمنعها التوبة، وهي أن يمسكن في البيوت حتى الوفاة، أو يجعل الله له سبيلًا بالزواج، وهذه في الحقيقة ليست عقوبة، ولكنها صيانة وحمل على التوبة، فإن كان منهم من بعد فاحشة كان الإيذاء.

وقد ذكر هنا الأمر بالإيذاء جملًا، وفصّل في سورة النور، فقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ

ص: 340

تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلَاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2، 3] .

وإنَّ هذا النص يدل على ثلاثة أمور: أولها: إنَّ عقاب الزاني والزانية مائة جلدة قوية شديدة رادعة لا رأفة فيها.

وثانيها: إنَّ هذا العقاب الشديد الرادع يكون علنيًّا يشهده طائفة من المؤمنين. ثالثها: إنَّ الزاني الذي يعلن زناه لا يرضى به إلا ز انية أو مشركة، وأن الزانية لا يرضى بالزواج منها إلّا زانٍ أو مشرك، وأنَّه من المحرَّم على المؤمنين أن يتزوجوا من الزناة، ومفهوم النص أن ذاك التحريم إن لم تكن توبة.

عقوبة العبد على النصف من الحر:

2059-

هذا التقدير للعقوبة في الزنى إنما هو على الأحرار من الرجال والنساء، أما العبد والإيماء فعقوبتهم نصف هذه العقوبة، فلا يجلدان إلّا خمسين جلدة، وقد ثبت ذلك بنص القرآن الكريم بالنسبة للإماء، وثبت بقانون المساواة بين الرجل والمراة أنَّ العبد تنصف عنه العقوبة، وهذا نص القرآن الكريم الحكيم؛ إذ يقول سبحانه وتعالى:{مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: 25، 26] .

وإن هذا النص يدل على أنَّ الأَوْلَى بالمؤمن ألَّا يتزوج إلَّا حرة، ولا يتزوج أمة إلا إذا عجز عن الزواج بالحرة، حتى لا يعرض أولاده للرق، وأنَّ الإماء أولى بهنّ مالكهن يدخل بهن، فيكون أولاده منها أحرارًا، وتعتق هي بولدها من مالكها، فيكثر الأحرار.

وتدل الآية ثالثًا على أنَّ الأمة المتزوجة عقوبتها خمسون جلدة.

وبمقتضى المساواة في الأحكام كما أشرنا تكون عقوبة العبد أيضًا منصفة.

ونظرة صغيرة في الموازنة بين شريعة القرآن وشريعة الرومان، لقد كان الرومان يضاعفون عقوبة العبد إن ارتكب جريمة، ويخففون العقوبة على الحر، فهم يقولون: إنَّ العبد إذا زنى بحرة يقتل، وأمَّا الشريف الروماني فإنه إذا زنى يغرم غرامة بسيطة،

ص: 341

فمنطقهم الظالم يسير سيرًا عكسيًّا، تصغير العقوبة عندهم بكبر المجرم وتكبر بصغره، أمَّا الإسلام فإنه ينظر في الأمر بمنطق مستقيم، فالجريمة تكبر بكبر المجرم، ويكون العقاب على قدرها، وتصغر بصغر المجرم، ويكون العقاب على قدرها؛ وذلك لأنَّ الجريمة هوان، وأن الهوان يسهل على الضعيف؛ إذ لا قوة نفس تعصمه وتنهاه، وأن العبد والأمة في ذلٍّ وهوان، فالجريمة منها قريبة، فيعذران، ويخفف عليهما العقاب، وذلك هو منطق العدل المستقيم، وهو شرع الله العظيم.

حد القذف:

210-

القذف هو رمي المحصنات والمحصنين بالزنى، من غير دليل مثبت، بل بمجرَّد الظنّ الواهم، أو الإيذاء الآثم، وفي ذلك تهوين للجريمة وإشاعة للفاحشة في الذين آمنوا، ولذلك كان العقاب الصارم على من يقذف، ويرمي المحصنين والمحصنات من غير تثبت ولا تحرج، ولقد قال الله تعالى في ذلك مبينًا له بعد حد الزنى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 4، 5] .

وهذا النص السامي دلَّ على أمور ثلاثة:

أولها: إنَّ الرمي بالزنى لا بُدَّ أن يكون ثابتًا بشهادة أربعة من الشهداء وإلّا عُدَّ قذفًا باطلًا، وكان له عقوبة قاسية، وهو الجلد ثمانين جلدة، وهو عقوبة مادية لا هوادة فيها.

ويدل ثانيًا على أنَّ هناك عقوبة أدبية أو تبعية كما يقول علماء القانون، وهو ألا تقبل لهم شهادة أبدًا؛ لأنَّهم دنسوا ألسنتهم بقول أفحش الباطل، فيعاقبون على ذلك بألَّا يقبل منهم قول في قضاء، والتأييد يقتضي أنَّ التوبة لا تسوغ سماع شهادتهم.

ويدل ثالثًا على أنَّ التوبة تقبل عند الله إذا تابوا وأصلحوا، وذلك لا يمنع نزول العقاب الأصلي والتبعي؛ لأن التبعي أبدي.

وإنَّ هذه العقوبة لمنع إشاعة الفاحشة؛ لأنَّ الاتهام بالنى وخصوصًا للأبرياء يسهل ارتكابه، ولقد قال الله تعالى في ذلك:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ} [النور: 19] .

ولقد ضرب الله سبحانه وتعالى مثلًا للذين آمنوا بحال أم المؤمنين السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها، وهي الطاهرة بنت الطاهرة، وزوج أطهر من في هذا الوجود، تطاول المفترون عليها بالإفك، وقال الله تعالى فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى

ص: 342

كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ، لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور: 11-18] .

هذا توجيه عظيم لمن يسمع إفكًا على طاهر من الطاهرين، أو طهارة بينة الطهارة، فأول واجب على المؤمن إذا سمع إفكًا أن يظنّ خيرًا بالمؤمن، ويجعل حال الصلاح هي الظاهرة، وهي الحاكمة، فإن كان ممن يظن الظنون فعليه أن يثبت حتى يجيء الدليل، وهو أربعة شهداء، ليكون الدليل مقابلًا لظنِّ الخير بأهل الإيمان، فإن لم يكن الدليل كان على المؤمن أن يقول هذا بهتان عظيم، وأنه لا يسوغ لمؤمن أن يتلقى قولًا يرمى من غير دليل، ولا تثبت، ثم يزيد الظن به، فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويحسبونه تسلية، وأمرًا هينًا، وهو عند الله عظيم.

وفي هذا النص السامي بيان للمستهينين الذين يشيعون القول الفاسد، وما ينبغي أن يكون عليه المؤمن، وأنَّ الإسلام يريد جماعة طاهرة عفيفة لا يسودها إلَّا الكلام الطيب النزيه العف.

اللعان:

211-

جاء رجل إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- يبثه شكواه ويقول: "إن الرجل يجد الرجل مع أهله، فإن قتله قتلتموه، وإن تكلم ضربتموه، وإن سكت سكت على غيظ، اللهم بيِّن"، فكان اللعان.

وهو يكون في حال رمي الرجل زوجته بالزنى، فقد جعل الله تعالى حكمًا خاصًّا مخصصًا لمن يرمي أيَّ محصنة غير زوجته؛ لأنه لا يمكن أن يرمي زوجته إلا وهو في عذر غالبًا، فكان اللعان للتثبت من الواقعة التي تتضمن الوقوع في الفاحشة من الزوجة، وقد بيِّنَ الله تعالى اللعان بقوله تعالت كلماته: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ

ص: 343

اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [النور: 6-10] .

والشهادة هنا هي الحلف بالله تعالى؛ لأن الحلف فيه إشهاد لله سبحانه وتعالى، فالرجل يحلف أربع مرات أنه صادق فيما رماها به من الزنى، أو نفي الولد إن كان الرمى بعدم نسبة الولد إليه، ويتضمَّن ذلك الرمي بأنها حملت به من الزنى، فإذا حلف هذه المرات الأربع، حلف الخامسة بأن يحلف بالله أنَّ لعنة الله تنزل به إن كان من الكاذبين.

والمرأة ينزل عليها العقاب، وما حده القرآن الكريم، فتحلف أربع مرات إنه لمن الكاذبين، وتحلف الخامسة بأنَّ عليها غضب الله إن كان من الصادقين.

وأنَّ التحالف إن تمَّ على هذا الوجه رفع عن الرجل عقوبة القذف، وهو ثمانون جلدة، وعن المرأة عقوبة الزنى، ولقد حكم النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بذلك.

ولكنه -صلى الله تعالى عليه وسلم- فرَّقَ بينهما فرقة أبدية ما داموا على هذه الحال؛ لأنَّ الحياة الزوجية تقوم على المودة، والمودة تقتضي الثقة بين الزوجين، وبعد هذا الترامي وتكذيب كل واحد لصاحبه ذهبت الثقة، ولا مودة مع فقد الثقة، فلا يتحقق معنى الزوجية الذي نصَّ عليه في كتابه الكريم {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] ، ولا تراحم بين زوجين يشك أحدهما في صاحبه، ولا يطمئن إليه.

212-

وإن ما ذكرناه من نصوص القرآن من الزنى والقذف واللعان يتجه بالمؤمن إلى أن يكون طاهرًا نزهًا عفيفًا، ويتجه بالجماعة الإسلامية إلى أن تسودها الفضيلة، فلا تترامى برفث القول وفسوقه؛ لأنَّ القول يؤدي إلى فعله، والترامي بالفاحشة يؤدي إلى ارتكابها.

وإن الرذائل لا تنمو إلَّا في أجواء فاسدة، والفضائل لا تخبو إلَّا في أوباء الرذائل.

ولعلَّ فساد مجتمعاتنا الحاضرة سببه الترامي بالفحشاء صراحة، أو بلحن القول إذ يحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله.

الخمر:

213-

ذكرنا حدودًا أقيمت لحفظ النفس والمال، وحدودًا أقيمت لحفظ النسل وحفظه البيئة الاجتماعية، والآن نذكر ما يفسد العقل، وقد ترك الله سبحانه لنبيه تقدير العقوبة لها، وإن كانت الجريمة قريبة من جريمة القذف ومن جنسها، ولذلك فهم فقيه

ص: 344

الصحابة علي -كرَّم الله وجهه- عقوبتها من عقوبة القذف، وقد جاءت النصوص القرآنية مشيرة إلى مضار الخمر، وأنها شراب مذموم، وجاءت بالنهي عنها، وأول آية نزلت مشيرة إلى أنها أمر غير حسن قوله تعالى:

{وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 67] .

وقد كان ذلك النص متضمنًا استهجانًا لها، وهو استهجان ببيان أنها شيء غير مستحسن في ذاته، فهو مقابل للأمر المستحسن. والمقابل للمستحسن لا يكون إلا مستهجنًا.

وكان ذلك أول تنبيه للعرب باستهجانها؛ لأنهم كانوا يألفونها في جاهليتهم ويتفاخرون بشربها كما يفعل أهل الجاهلية في هذا الزمان الذي نعيش فيه.

وهذه الآية نزلت في مكة، فلما كانت الهجرة، وأشرب المسلمون حب الإسلام أشار القرآن إلى ما يوجب تحريمها، فقال تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219] .

وقلنا: إنَّ هذا النص السامي يوجب تحريمها؛ لأنَّ كل أمر غلبت مضاره على منافعه يوجب العقل أن يحرمه الإنسان على نفسه، لأنه ما من شيء إلا فيه نفع نسبي وضرر نسبي، والعبرة بما يغلب، ولكنه ليس تحريمًا صريحًا، ولذلك بعد هذا النص كان عمر رضي الله عنه يقول: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا.

وإن النفس العربية كانت قد ألفت شربها وتعودته، فلا بُدَّ من تربية تخلع هذه العادة غير الحسنة، فجاء النصّ الآخر الكريم ليربِّي النفس على البعد عنها، فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] .

وإنَّه لا يتصور إيمان من غير صلاة، فالصلاة أمر محتوم، وقد نهى عن أن يقربها وهو سكران، حتى يعلم ما يقول: والعلم بما يقول هو العلم ما ينبغي قوله، وما لا ينبغي، ونتائج القول، وتحري الصدق، وكل هذا لا يكون إلَّا من ذوي وعي كامل مدرك لحقائق الأمور وغاياتها، ولا يكون ذلك إلَّا إذا كان على بعد من الشرب بوقت طويل، وقال سبحانه وتعالى:{لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ} ، ولم يقل: لا تدخلوا في الصلاة؛ لأنَّ النهي عن المقاربة أبلغ من النهي عن الدخول.

وإذا كانت الصلوات خمسًا موزَّعة في النهار وزلفًا من الليل، فإنه لا بُدَّ أن يكون على صحوٍ كامل من قَبْل الفجر حتى لا يقرب صلاة الفجر وهو لا يعلم ما يقول، ولا بُدَّ أن يكون في صحو قبل الظهر، ولا بُدَّ أن يكون الصحو مستمرًّا إلى العصر،

ص: 345

لقرب ما بينهما، ومثل ذلك المغرب والعشاء، وبذلك يذوق المسلم حلاوة البعد عنها، كما تعوَّدها من قبل، وهي شراب غير مريء.

فكان ذلك النص الكريم تربية للنفس المؤمنة، وعلاجًا لترك أمر مذموم ألفوه بأمر حسن عرفوه وذاقوا حلاوته.

ولم يجد عمر المدرك بنور الله في ذلك بيانًا شافيًّا؛ لأنه يغرب في نهي قاطع، لا تردد فيه.

ولقد نزل بعد ذلك الأمر الحاسم القاطع الناهي نهيًا لازمًا فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90، 91] .

وقد قال علماء البلاغة: إنَّ قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} هي أبلغ صيغ النهي، ويجدر بنا هنا أن ننبه إلى أمرين:

الأمر الأول: إنَّ أهل الجاهلية في هذا العصر يقولون: إنه لم يكن ثمَّة نص على النهي مثل قوله: "لا تشربوا"، وأن ذلك القول التافه كان غير جدير بالالتفات إليه، ولكن كثير ترداده، فحق علينا البيان فنقول:

إن النص الكريم شدَّد في النهي من وجوه كثيرة:

أولها: إنه قرن الخمر والميسر بالعبادة بالذبح على النصب، وتلك قريبة التحريم في ذاتها.

وثانيها: إنَّه وصفها بأنها من عمل الشيطان، وأنها رجس، أي: أمر قذر في ذاته، فهي ضارة، ولا تتقبلها النفس الفطرية، ومضارّها الجسمية معلومة لكل مدرك أريب.

وثالثها: إنَّه طالب باجتنابها، والاجتناب يقتضي البعد عنها، وعن مجالسها، وعن شاربيها، وذلك أبلغ من قولك: لا تشربها.

ورابعها: إنها تدفع إلى العداوة والبغضاء، وهما أمران مفسدان، مقوضان لبناء المجتمع.

وخامسها: إنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، والصلاة فرض لازم هو شعار الإسلام، والصدّ عنه أشد الأمور في الإسلام فهو حرام، فكل ما يؤدي إليه يكون حرامًا مثله؛ لأنَّ ما يفضي إلى الحرام يكون حرامًا.

وسادسها: قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ، وقد قلنا أنَّها أبلغ صيغة في النهي عن الفعل.

ص: 346

الأمر الثاني الذي يجب التنبيه إليه: هو أنَّ الخمر كل ما يخامر العقل ويستره، ويمنعه من الإدراك المستقيم، سواء أكان النيئ من ماء العنب، أم كان المطبوخ منه، وسواء أكان من العنب أو البلح، أو غيرهما.

وعندما نزل ذلك النص القاطع في التحريم أراق الصحابة كل ما عندهم من دنان الخمر، ولم يكن فيها النيئ من ماء العنب، بل كانت كلها أنبذة.

فكل شراب من شأنه أن يسكر أو يؤدي إلى السكر يكون حرامًا، سواء أكان نبيذ العنب أو التفاح أو البلح أو البصل أو نيئ القصب، وسائر ما يخترعه الإنسان ليفسد عقله، وسواء أكان سائلًا أم كان جامدًا.

ولقد عرضنا لهذا الأمر لأنَّ بعض الفقهاء الكبار ظنَّ أن الخمر هي النيئ من ماء العنب إذا غلا فاشتدَّ وقذف بالزبد، فتعلق به الجاهلون، وحسبوا أنه يبيح الأنبذة، وهو يعلم أنَّها مسكرة، وطاروا بذلك القول؛ ليستبيحوا الخمر ويبيحوها، ونقول: إن ذلك الإمام الجليل قد أخطأ، وما كان عليهم أن يقلدوه في الرأي ليتمكنوا من شربها، بل كان عليهم أن يقلدوه في فعله، فقد قال رضي الله عنه وعفا عنه:"لو أغرقت في الفرات على أن تناول قطرة من الأنبذة ما تناولتها".

214-

وإنَّ القرآن إذ شدَّد في تحريم الخمر فإنه يعتبر ارتكابها جريمة تستحق العقاب، ولكن ليس في القرآن نصّ على عقوبة لها، وفيه نصّ على جريمة هي في كثير من الأحيان نتيجة لها، فإنَّ السكران لا يدري ما يقول، فينطق برفث القول وبالفسوق وهي جريمة القذف، ولقد قال علي بن أبي طالب في الارتباط بين الجريمتين، قال في عقوبة الشرب:"إذا شرب افترى، فيحد حد الافتراء، وهو حد القذف".

وقد ترك تقدير العقاب النص الصريح، أو بالعمل المبين للنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد روي عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- أنه قال في الشارب:"إذا شرب فاضربوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه".

وقد قيل له عليه الصلاة والسلام: إننا بأرض برد نستدفئ بالخمر، فقال عليه الصلاة والسلام:"لا تشربوها" فقال القائلون: إنهم لا يستطيعون، فقال عليه الصلاة والسلام:"فقاتلوهم".

ص: 347

وثانيها: أن يكون البغاة لهم قوة بعسكر مناوئة لحكومة الإمام.

وثالثها: أن يكون خروجهم لإقامة العدل لا لمجرد الخروج، والمحاربة والسعي في الأرض بالفساد، وبذلك يفترقون عن قطاع الطريق؛ لأنَّ قطاع الطريق يخرجون على الحاكم من غير تأويل للإفساد، وانتهاك حرمات العباد، وقد كانت عقوبة أهل البغي قتالهم من غير أن يكفروا ولا يعتبروا محاربين، بل يقاتلون حتى تفلَّ شوكتهم، وأنَّ على المؤمنين أن ينصروا الإمام العادل.

وهذا نص ما جاء في كتاب الله تعالى خاصًّا بذلك: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9، 10] .

ويستفاد من هذا النص الكريم أنه قبل القتال يجب العمل على رأب الصعدع بجمع القلوب المتفرقة، وتحري أسباب التقاتل بين الطائفتين، فإن أمكن إزالة أسباب الخصام فإنه بهذا يستقر السلام، وإن تبين الظلم من إحدى الطائفتين كانت الباغية، وحلّ قتالها، وكان القتال فرضًا كفائيًّا على المؤمنين، يعاونون العادل ويدفعون الآثم.

وتدل ثانيًا: على أنَّ القتال له غاية، وهو أن تعود إلى أمر الله تعالى ويستقيم أمرها على جادة العدل، فلا يؤسر منهم أسير، وبالتالي لا يسترق منهم، ولا تنهب أموالهم، ولا يجهز على جريحهم.

وتدل ثالثًا: على أنها إن عادت إلى صفوف المؤمنين تعامل بالعدل، ولا تعامل بالانتقام، فليست بينها وبين الحاكم خصومة، إنما بينهما الأخوة الجامعة، ولذلك عقب ذكر العقوبة بقوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10] .

وقد ذكر حكم البغاة مجملًا، ولم يكن بغي في عصر النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم؛ لأنَّ الخروج على حكمه كفر، وليس ببغي يكون أساسه التأويل، فلا تأويل، وعمل النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- صريح.

وكذلك لم يحدث بغي في عهد أبي بكر، بل حصلت ردة وكفر، وكذلك لم يحصل بغي في عهد الفاروق، وفي عهد عثمان كان بغي، ولم تكن مقاومة للبغاة، حتى قتل الشهيد ذو النورين رضي الله عنه قتلة فاجرة، وفي عهد عليّ فارس الإسلام، والمجاهد الأول بعد النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- كان البغي، بشروطه.

ص: 348