الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قصص القرآن من الناحية البيانية:
75-
ومن المواضع التي يحسن فيها الإطناب بل التكرار أحيانًا قصص القرآن، ولا نذكره هنا من ناحية أنَّه من وجوه الإعجاز في ذاته، فلذلك موضع خاص من القول، إنما نذكره من ناحية التكرار فيه، وموضع ذلك من سرِّ الإعجاز وبلاغة القرآن التي لا تساميها بلاغة في الوجود، وإنَّ ذلك التكرار من تصريف القول الذي هو وجه من وجوه البيان القرآني الذي قصد إليه الكتاب العزيز.
لقد تكرَّرت قصص الأنبياء، فذكرت قصة نوح عدة مرات بالإطناب أحيانًا، والإيجاز أحيانًا، وذكرت عيسى عدة مرات، وذكرت قصة إبراهيم عدة مرات، وذكرت قصة موسى عدة مرات، وإنه يبدو بادي الرأي أنَّ ذلك من مكرور العقول، وفيه التكرار، فما وجه البلاغة في هذا التكرار؟
إننا إذا نظرنا نظرة فاحصة تليق بمقام القرآن ومكانته في البيان العربي، نجد أن التكرار فيه له مغزى؛ ذلك أنَّ القرآن ليس بكتاب قصص، وليس كالروايات القصصية التي تذكر الحوادث المتخيلة أو الواقعة.
إنما قصص القرآن وهو قصص لأمور واقعة يساق للعبر وإعطاء المثلات، وبيان مكان الضالين ومنزلة المهتدين، وعاقبة الضلال وعاقبة الهداية، وبيان ما يقاوم به النبيون، ووراءهم كل الدعاة للحق، فهو قصص للعبرة بين الواقعات، لا لمجرد المتعة من الاستماع والقراءة، ولذلك قال الله تعالى في آخر قصة نبي الله يوسف عليه السلام:{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111] .
ولكي يتبين للقارئ الكريم أنَّ التكرار بتسبب تعدد العبر التي هي المقصد الأول من القصص، نذكر قصة إبراهيم وقصة موسى -عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، فإنهما ذكرتا كثيرًا في القرآن الكريم.
قصة إبراهيم:
76-
ذكرت قصة إبراهيم في القرآن عدة مرات؛ لتعدُّد العبر فيها، وإنَّ إبراهيم كان أبا العرب، فقصصه له مقامه عند العرب، ونذكر من قصة بعضه لا كله، فإنه ليس هذا مقام ذكره في القرآن.
أ- أول ما نذكر من قصة إبراهيم هو ما يربطه بالعرب، وما كان شرف العرب به بناء الكعبة، فقد ذكر هذا البناء الذي قام به، وعاونه فيه ابنه إسماعيل -عليهما الصلاة والسلام، وبإبراهيم وإسماعيل تشرَّف العرب بأنهم سلالتهما، وبالبيت الحرام اعتزوا، وعلوا في العرب؛ إذ كان مثابة للناس وأمنًا، وقد قال تعالى في هذا البناء الذي قام بأمر رباني:
ثم بَيِّنَ سبحانه وتعالى من عد ذلك بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان استجابة لدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وبذلك تتبين الصلة بين الإسلام ودعوة إبراهيم، فإذا كان العرب يفتخرون بإبراهيم عليه السلام، فهذه دعوته قد استجيبت في محمد صلى الله عليه وسلم.
ب- نجد بعد هذه القصة قصة النفس البشرية في نبيّ الفطرة إبراهيم عليه السلام؛ إذ النفوس ولو كانت مؤمنة تتمتع بكثرة الدليل؛ لتزداد إيمانًا، وإن كان أصل الإيمان قائمًا، فزيادة البينات تزيد المؤمن إيمانًا، وتزيد الجاحد كفرًا وعنادًا.
واقرأ قصة طلبه زيادة الإيمان: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260] .
ومن قبل ذلك في الذكر كانت قصته مع الملك عندما ناقشه في إثبات وجود الله وكيف استطاع إبراهيم عليه السلام أن يفحمه؛ إذ هو لا يؤمن إلَّا بالمحسوس؛ إذ قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] .
وترى في قصة إبراهيم والطير أنَّه صوَّر النفس الإنسانية، ولو كانت نفس نبي مؤمن يدعو إلى تكشّف المجهول، وتعرُّف المستور، والمؤمنون يهديهم الله تعالى، ومن لا يريدون الهداية يتركون في غيهم يعمهون.
وفي قصة إبراهيم مع الملك نجد إبراهيم الأريب يأخذ بالطريق الذي يحسم الخلاف دون الطريق الذي يحدث لجاجة من غير إفحام؛ إذ الملك فهم أن القتل إماتة
وتركه إحياء، فلم يسترسل رسول الله الفطن الأريب في تعريف للموت والحياة، بل عمد إلى ما يفحمه حسيًّا، فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين.
ومن هذا نرى أنَّه ليس ثمَّة تكرار في المعاني والعبر والعظات، وإن كان الموضوع في الأحوال الثلاث يتعلق بإبراهيم عليه السلام.
ج- ولننتقل إلى قصة أخرى موضعها يتعلق أيضًا بإبراهيم عليه السلام، وهو تدرُّج النفس الإنسانية في الاتجاه إلى طلب الحقيقة الإلهية، والإيمان بالوحدانية. كيف ابتدأ إبراهيم عليه السلام تأمله في الكون؛ ليتعرَّف من الوجود سر الوجود، وعظمة الخالق، فأوَّل ما استرعاه نجم ساطع تألَّق فحسبه ربه، ولكنَّ الرب موجود دائمًا، فلمَّا غاب نفر مما زعم، ثم رأى القمر فحسبه كذلك، ثم رأى الشمس، وهكذا حتى هدي إلى أن سرَّ الوجود يجب أن يكون غير هذا كله، فاتجه إلى الله، وإليك القصة كما ذكرها القرآن، وكما وقعت، قال تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَاَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 74-80] .
ونرى من القصة أنَّها مغايرة تمام المغايرة لما سبق، وإنْ كانت غير معارضة لها، بل هي متمِّمة، ولا تكرار في القصص، إنما الموضوع وهو إبراهيم عليه السلام هو المتكرر، ونرى أنه ابتدأ بنفي عبادة الأصنام على أساس أنَّ البديهة تدعو إلى ذلك، وأنَّ ضلال العقل هو الذي يؤدي إلى عبادتها، ثم أخذ يبين أنَّ طريق اليقين يبتدئ بالشك في صدق ما تضل فيه الأفهام، فأخذ يعرض على عقله ما يتصور أن يكون فيه نفع، فاتَّجَه إلى الكوكب الساري، ثم إلى القمر المنير، ثم إلى الشمس السراج، فوجد أنَّ كل ذلك يأفل، ويجري عليه تغيُّر، فاتَّجَه إلى خالق ذلك كله، ولذلك يقول بعض العلماء، ومنهم ابن حزم الظاهري: إن إدراك الله ضروري إذا استقامت الفطرة، ولم تركس في ضلال الأوهام.
د- انتقل سيدنا الخليل من الاهتداء إلى الله تعالى إلى عمل إيجابي نحو الأصنام، دفعه الشباب ونور الله إلى أن يحطِّمها، وهذا يجيء في قصص القرآن الكريم، فيذكر سبحانه أنَّه عقب أن نال إبراهيم رشده، وهو في حياطة الله، تقدَّم
[الأنبياء: 51-70] .
هذه قصة من قصص إبراهيم عليه السلام ذكرها القرآن الكريم في موضع غير المواضع السابقة، ولا نرى تكرارًا فيها، وإذا كان قد ذكر في قصة تتبع الكواكب والقمر والشمس الحكم على أبيه وقومه بالضلال، فقد ذكر ذلك مجملًا في الأول، أما هنا فقد ذكر المناقشة التي جرت بينهم في ذلك، ثم ذكر تدبيره في حطم الأصنام، وإثبات عجز الأصنام بالدليل القاطع، ثم نجاته من النار، فكان بهذا مثبتًا بالعمل أنهم لا ينفعون ولا يضرون، ولما سألوه عمَّا فعل بالأصنام قال متهكمًا:{قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} ، فأنطقهم بضلالهم؛ إذ نكسوا ثم قالوا:{لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} ، وقد أثبت الواقع أيضًا أنَّ الله وحده هو الذي يضر وينفع؛ إذ جعل سبحانه وتعالى النار {بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} .
وهنا لا نجد تكرارًا مطلقًا، وإن الموضوع واحد، فهذه قصة إبراهيم، ولكن فرقت في أبواب شتَّى؛ لأن النسق القرآني المعجز اقتضى ذلكح إذ يكون كل جزء مكونًا لقصة ذات عبرة مستقلة في ذاتها، فهي قصة واحدة الموضوع، في قصص متعددة العبر.
هـ- ولندخل إلى جزء آخر من قصة إبراهيم، ونراه مستقلًّا غير مكرَّر، وهو صلة إبراهيم بأبيه، وكيف كان حريصًا عليه مع رفق الدعوة وإحسان البنوة، وطرق الهداية الرشيدة، يقول الله تعالى حكاية عن إبراهيم بعد أن صار صدِّيقًا نبيًّا:
وهنا نجد رفق الدعوة التي تفيض بحنان البنوة في عباراتها، وفي نغماتها الهادئة، وفي معانيها العاطفة، ولا يمكن أن يوجد في أيِّ لغة في أيِّ كلام عبارات برفق الدعوة والعطف والرعاية بمثل هذه العبارات؛ لأنها كلام العليم الحكيم العزيز الكريم.
وبمقدار ما في عبارات الابن من رفقٍ واسترضاءٍ واستعطاف كانت عبارات الأب كما صوَّرها القرآن جفوة، وكأنَّها الجنادل تصك الآذان، ولم يمنع ذلك الابن العطوف من أن يعد أباه بأن يستغفر له ربه؛ لأنه له مكانة عند الله تعالى:{إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} .
ولكن الله تعالى يخبره بأنه ليس له أن يستغفر لأبيه؛ لأن كل امرئ بما كسب رهين، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وكل إنسان وما قدَّمت يداه، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وقد نهى الله تعالى عن الاستغفار للمشركين، وعفا عن إبراهيم إذ استغفر لأبيه، ولكنه أمره بالبراءة منه فتبرأ، وقال تعالى في ذلك:
هذه قصة إبراهيم عليه السلام، قبضنا منها قبضة؛ لكيلا يتوهَّم القارئ للقرآن، أو المستمع لتلاوته أنَّ فيها معاني مكررة وألفاظًا مرردة، ومنها يتبين أنه لا تكرار قط فيها، ولكن حكمة العليم الخبير تعالت كلماته اقتضت ذكرها متفرقة الأجزاء في مواضع؛ لتكون كل عبرة بجوار خبرها في القصة، ولو اجتمعت في مكان واحد لاختلطت العبرة بالقصة الخبرية، وما تميزت كل عبرة تميزًا يجعلها كونًا مستقلًّا مقصودًا بالذات، وبقية الأجزاء التي لم نرطّب قمنا بذكرها لا تكرار فيها، بل كل
واحدة لها عبرتها.
قصة موسى عليه السلام:
77-
قصة سيدنا موسى ذكرت في القرآن الكريم كثيرًا؛ لأنه هو الذي نزلت عليه التوراة، وفيها المبادئ المقررة في الشرائع السماوية، وكثير من أحكام المعاملات فيها لم ينسخ، بل جلها صدَّق عليه القرآن الكريم كما وصفه الله تعالى؛ إذ قال سبحانه:{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} [آل عمران: 50] ؛ ولأنها تبيِّن أحوال اليهود؛ ولأنَّ فيها أوصافهم الحقيقية من الشكِّ والتردد في الحق وخذلانه، وما وسموا به من خنوع وخضوع، إلى آخر ما ذكره القرآن عنهم، وكل ذكر لهم يجيء معه ذكر لنبي من الأنبياء، ففيهم تجارب الإنسانية الفاسدة، وحالهم في هذه الأيام هي امتداد لما ذكره القرآن من أوصافهم.
وإن المتتبع لقصة سيدنا موسى في القرآن يجدها متعددة العبر، في جهاده وفي قومه، وفيما لقيه وهو من أولي العزم من الرسل الذين جاهدوا في الله حق جهاده، ففي كل واقعة من وقائع حياته عبرة، ولا تكرار بالقدر الذي يتوهَّمه التالي للقرآن أو المستمع لتلاوته، ولنقبس قبسات من ميلاده إلى جلاده مع فرعون الطاغية الذي كان من أغنى ملوك العالمين، وأشدّهم طغيانًا، ولسنا نحصي كل المواضع، بل نذكر ما يتوهم فيه التكرار من قصد لجديد.
وفي هذه القصة نجد عِدَّة خوارق للعادات اقترنت بنبيّ الله موسى عليه السلام في نشأته، فقد وُلِدَ فخافت عليه أمه؛ إذ إنَّ فرعون اللعين الذي يعدّ أستاذًا لكل طاغة في الأرض كان يرهق بني إسرائيل، يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم؛ لكيلا تكون منهم في القبائل قوة تناوئ حكمه، وترد طغيانه، ولكنَّ الله تعالى ألهم نفس أمه الصافية أن تصنع له تابوتًا، وتلقي فيه فلذة كبدها، وتدفعه إلى البحر، فكان الوحي
أو الإلهام صادقًا كل الصدق، مصدِّقًا كلَّ التصديق، فالتقطه آل فرعون ليكون المصير والمآل أن ينجو، وأن تكون رسالته عدوًّا للشرك، وحزنًا على آل فرعون؛ إذ إنه سيقاوم فرعون ويقتلعه من أرض مصر، وقد وهب امرأة فرعون الرحمة لهذا المُلْقَى في اليم، وقد ألهم الله أمّ موسى أن تتقصَّاه حتى تعرف أنه آل أمره إلى بيت فرعون، ويجيء الأمر الثالث الخارق للعادة، فيمتنع الرضيع عن المراضع بأمر الله التكويني، وتعرف أخته التي تقصَّت أخباره، فتدلهم -وهي المترقبة المترصدة- على من يكفله، تدلهم على أمه، وبذلك يرده الله تعالى إليها كما وعد، وهو أصدق الواعدين، وقد اقترنت هذه الخوارق بنشأة موسى، كما تقترن الخوارق بنشأة كل رسول من رب العالمين، وقد رأيناها من بعد مقترنة بولادة محمد خاتم الأنبياء، وآخر لبنة في صرح النبوة، مما هو مذكور في السيرة النبوية المعطَّرة، وإنَّ سورة القصص يرى التالي لها المتتبع للقصة أنها ذكرت بالإجمال ولادته ونشأته في بيت فرعون إلى أن أرسله الله رسولًا نبيًّا، ولاقى فرعون في عزمة المؤيد من الله تعالى، وفيها ختام حياة فرعون، وما انتهى إليه من غرق في اليمّ.
ابتدأت بعد نشأته ببيان أنَّه فهم طغيان فرعون، وظلمه لبني مصر عامة، وتخصيصه بني إسرائيل بظلم خاص، فيقول الله سبحانه:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 14-17] .
أدرك موسى بنفاذ بصيرته القدرة على الحكم على الأمور والعلم بمداخلها، فأعطاه الله تعالى حكمة وعلمًا، وخرج من سجن القصر إلى حيث الشعب، يتحسّس الأمور، ويتعرَّف مقتضياتها وغايتها ومآلاتها، فدخل المدينة في وقت لا يعلم أهلها أنه من قصر فرعون، ورأى الإسرائيلي الذي يدل ظاهر الحال على أنه من المظلومين، يقتتل مع المصري الذي يدل ظاهر الحال على أنه من الظالمين، فاستنصر به الذي من شيعته على الذي من عدوه، وقتله ولكنه ندم؛ إذ قتل قبل أن يتبيِّن، وتاب إلى الله، واعتزم على ألَّا يعود لمثلها.
ولكن تتكرَّر المأساة، وتعاوده رغبته في الانتصار لمن هو من شيعته، فينبهه الآخر إلى أنَّه لا يصح أن يكون جبَّارًا في الأرض؛ إذ جاء من شيعته من يستنصر به على مصري آخر فيعرفه المصري فينبهه.
عندئذ يحس الطبيب الأمين الذي أراد الله تعالى له أن يكون من المصطفين الأخيار، بأنَّه صار في خطر أن يبطش به فرعون وأعوانه، وقد جاء النذير بذلك:{وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 20، 21] .
خرج من المدائن إلى حيث الأمن والاستقرار، خرج إلى الصحراء؛ حيث السماء الصافية، والنور المشرق، فتوجه تلقاء مدين، وارتبط حاله بشعيب كبير مدين، وخاطبه الله تعالى من وراء الشجرة، وقد آنس نارًا ذهب ليصطلي هو وأهله بها، فهداه الله تعالى، وبعثه إلى فرعون وقومه ليلقى الطاغي الول في العالم، وأُعْطِي المعجزة الأولى، وكانت لأنَّ الله تعالى يخاطبه، وقد قال الله تعالى لما أتى إلى جذوة النار:{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ، اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ، وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ، قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ، وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ، فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [القصص: 30-40] .
إلى هنا بَيِّنَ القرآن حياة الكليم عليه السلام، من وقت أن نشأ رضيعًا، وكيف كلأته عناية الله تعالى وهو يتدرَّج حتى صار شابًّا سويًّا قادرًا، ورأى الظلم عيانًا، وصقلته الحاجة الشديدة حتى صاح ضارعًا إلى ربه {إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} ، فصار من تربَّى في تَرَف فرعون في حاجة إلى عيش الكفاف، ووجده في أن يكون أجيرًا لشعيب بمهر إحدى ابنتيه، فالتقى فيه ترف النعمة ابتداء حتى زهد فيه، لما تأشب حياته فيه من إحساس مرير بالظلم، فأقبل على الشعب يعيش في وسطه عيشًا مريرًا، ولكنه هنئ، وحياة لأغبة، ولكنها في راحة الضمير والوجدان.
عندئذ بدت أرهاص النبوة، ثم كانت الرسالة، وشعر بشدة التكليف؛ لأنَّه سيكون في مواجهة فرعون الذي قتل من قومه نفسًا، والتقى فرعون بطغوائه وجهله، فحسب أنَّ الله في السماء الدنيا، وأراد ان يتخذ الأسباب للارتفاع إليه، ومع جهله بالحقائق الإلهية استكبر هو وجنده، فكأنَّ الجند في جانبه، والشعب ليس في جانبه، أو هو مغلوب على أمره لا يحرك ساكنًا حيث يجب أن يتحرك، ولا يدفع ظلمًا يجب أن يدفع، ثم نزل العقاب بفرعون وجنده، فألقوا في البحر. هذه قصة موسى رضيعًا فشابًّا قويًّا، فأجيرًا فتيًّا، فمبعوثًا نبيًّا، فمجاهدًا مجالدًا، حتى أدال الله تعالى من الطاغي المتغطرس.
78-
جاء بعد هذا الإجمال تفصيل لما ذكر بالإجمال من الوقائع، وكان في التفصيل ذكر للنعم التي أنعم الله بها على موسى.
وأوَّل تفصيل كان في ذكر التأهب للقاء فرعون، فقد توقَّع أنه سيلقى عنتًا، وما ذكر من بعض التكرار؛ فلأنه لا بُدَّ منه ليقوى موسى على اللقاء، وليذكر بالنعم التي أنفذته سابقًا؛ ليعلم أنَّ الله تعالى معه ومؤيده ومنقذه، ذكَّره بنعمه عليه رضيعًا ثم كيف ابتدأ التكليف، ثم كيف استعان بأخيه، ثم كيف استعدَّ للقاء الرهيب؛ إذ قال:{قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا، قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى، وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى} [طه: 25-37] ، ثم ذكَّره بعظم مِنَنِه السابقة؛ ليتأكَّد أن الله تعالى مؤيده بنصره، وليعلم أنَّه مهما يكن أمر فرعون فإن الله تعالى لن يمكنه منهما.
ثم جاء التكليف بالرسالة ومخاطبة فرعون نتيجة للآات التي ذكرها أولًا، ثم ذكرها ثانيًا؛ ليربط التكليف بها، وهذا نص التكيف الخطير:{اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى، قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى، فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} [طه: 43-47] .
وفي هذا النص دعاهم إلى التقدُّم برقيق القول إرشادًا لسبيل الدعوة؛ إذ هي تكون بالتي هي أحسن ليلين الطاغي وليسكن الناقر، وقد أبديا لله سبحانه الخوف من أن يطغى، فوعدهما سبحانه بأنه سيكون معهما، وقد سبق القول بسابغ نعمه وصادق وعده، وكان لا بُدَّ من ذكر ذلك عند دعوتهما إلى ذلك الإقدام الخطير.
وقد كانت إجابة فرعون أن سألهما عن ربهما، فأجابا قائلًا أحدهما ومصدقًا من الآخر:{قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى، قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى، قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى، كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} [طه: 50-54] .
وأخذا يذكران أسباب الهداية مبينين حقائق الوجود كله، ولما تقدَّم موسى له بالعصا التي قُلِبَت ثعبانًا مبينًا، وقال سبحانه وتعالى:{قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى، فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى} [طه: 57، 58] . التقى السحرة وموسى، ووقعت المعارك بين الحق يؤيده الله، والسحر يؤيده الباطل، والله يطمئن عبده الرسول وقد رأى السحرة، فيقول له:{قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} [طه: 68] .
وقد كانت نتيجة المعركة بين الحق والباطل أن خرَّ السحرة ساجدين لله، وهنا تتجلَّى الحقيقة، ويتجلَّى الفداء في سبيل الحق، والطغيان الفرعوني الذي يستكثر أن من المصريين من يذعن للحق قبل أن يأذن الطاغوت الأثيم، وينذر بالعذاب {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} .
وهنا تتجلَّى قوة الإيمان؛ لأنه إذا سكن القلب واطمأنت به النفس هان تهديد العباد ولو كان من فرعون ذي الأوتاد، {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا، وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى} [طه: 72-75] .
وينتهي هذا الجزء من قصة موسى وفرعون بأنه مقصد قائم بذاته، وهو تفصيل اللقاء بين الحق يؤيده الدليل، وبين الباطل يؤيده الطاغوت، وفيه قوة الإيمان عند المؤمن، وما جاء من ذكر لآلاء سبق بيان فيها، فلكي يتخذ من التأييد الأول والوعد به وصدق الوعد دليلًا على صدق الوعد الجديد، وقد اشتدت الشديدة.