الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد تكون في الآيات القصار آية بين كل آية، وأخرى تدعو إلى التفكير بصراحة، كما دعت فواصل الآيات إلى التدبر في ميزات الفاصلة، اقرأ قوله تعالى في سورة الرحمن:
هذه نصوص قرآنية من الآيات القصار تجد كل آية منها تدعو إلى التدبر والتفكير فيما تدعو إليه وما تدل عليه، وقد كانت الفاصلة منبّهة إلى الترويّ في معناه، والتدبر في مغزاه، وهي متضامنة مع سابقتها ولاحقتها لتأتي بمعنى كلي جامع، وصورة بيانية رائعة.
وهكذا تكون آيات القرآن وألفاظه وجمله، وكله إعجاز في إعجاز، تدل على أنه من اللطيف الخبير العزيز الحكيم السميع البصير.
الإعجاز بذكر الغيب:
138-
هذا باب من أبواب الإعجاز، فيه جزء من القصص، والجزء الثاني من الأخبار التي يتحدَّث القرآن فيها عن المستقبل، فالغيب المذكور في القرآن نوعان، أحدهما غيب مضى، وهو جزء القصص، والثاني عن أمور تقع في المستقبل وكلاهما إعجاز مع البلاغة والبيان، ومع العلوم القرآنية، والأحكام التي اشتمل عليها القرآن الكريم.
ووجه الإعجاز في الماضي وقصصه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نشأ أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولم تكن نشأته بين أهل الكتاب، حتى يعلم بالتلقين علمهم، وكان قومه أميين لا يسود فيهم علم من أيّ طريق كان إلَّا أن يكون علم الفطرة والبيان، وإرهاف أحاسيسهم بالشعر والكلام البليغ، وتذوق الكلمات، والمعاني.
ولم يكن عندهم مدرسة يتعلّمون فيها، ولا علماء يتلقون عليهم، وكانوا منزوين بشركهم عن أهل الكتاب، والمعرفة في أيِّ باب من أبوابها، وكانت رحلة الصيف
والشتاء إلى الشام واليمن تجاريتين، لا تتصلان بالعلم في أيِّ باب من أبوابه، ولا منزع من منازعه.
وجاء القرآن الكريم في ذلك الوسط الأمي يذكر لهم أخبار الأنبياء السابقين وأحوال أممهم معهم، وما حلَّ بالذين كفروا وضلوا، وهم يرون هذه الآثار في الأمم التي تصاقبهم.
جاء القرآن الكريم بتفصيله الصادق المحكم عن أخبار هؤلاء النبيين، وقد وافق كثير منهم الصادق عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وما اختلفوا فيه عمَّا جاء في القرآن، فإنَّ الفحص الدقيق يثبت تحريفه، وصدق القرآن الكريم، فيما حكاه الله، فإنه علام الغيوب الذي أحاط بكل شيء علمًا.
ولقد ذكر القرآن ذلك الوجه من الإعجاز، فقد قال تعالى بعد ذكر قصة مريم وكفالة نبي الله تعالى زكريا لها:{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] . فإن هذا النص يشير إلى الدلالة على أنَّ القرآن من عند الله، وعلى أنَّ ذلك النوع من العلم ما كان عند العرب، وليس لهم به دراية.
وإنه لم تذكر قصة مريم البتول في التوراة، ولا الإنجيل، ولا رسائل الرسل قط، والقرآن الكريم وحده هو الذي بيِّن اصطفاءها، وفضلها على نساء العالمين.
ويقول الله تعالى بعد قصة نوح عليه السلام: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] .
وفي هذه الآية والتي قبلها إشارة واضحة إلى أنَّ هذا النوع من العلم ما كان معروفًا عندهم وما كانوا يتذاكرون به.
وقد قال تعالى في ذلك أيضًا: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102] فذكر القرآن أدق الأخبار، وما لا يعلمه أحد إلَّا الله تعالى.
وكان ذلك القصص الحكيم إخبارًا بالغيب الذي لا يعلمه إلَّا علَّام الغيوب دليلًا على أنه من عند الله العزيز الحكيم، وموافقته للصحيح من أخبار النبيين دليل على أن القرآن من عند الله وأنه ليس حديثًا مفترى، وليس أساطير الأولين اكتتبها ولا يمكن أن تملى عليه، ولا يوجد من يمليها عليه، وإذا كانوا قد ادَّعَوْا أنه تلقاها من بعض الناس في مكة، فهو لم يثبت اتصاله به، ولسانه أعجمي، وهذا كتاب عربي مبين، وفوق ذلك ففي القرآن من صادق الأخبار ما لم يكن في كتب أهل الكتاب المسطورة، ولا يأتيه الباطل فيما يقول.
139-
هذه الأخبار عن الماضي يشتمل عليها القرآن الكريم، وهي فيما احتوت دليل قاطع على أنَّ القرآن من عند الله؛ إذ جاء بها أمي لا يقرأ ولا يكتب، كما قال تعالى:{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] .
وأمَّا الإخبار عن أمور وقعت في المستقبل كما أخبر القرآن الكريم، وما كان لأحد أن يعلمها إلَّا من قِبَل العليم الحكيم اللطيف الخبير، الذي لا يغيب عن علمه شيء في السماء ولا في الأرض فهو كثير.
ومن ذلك إخبار القرآن عن هزيمة الفرس بعد غلبهم، فقد قال سبحانه:{الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 1-4] .
وقد حدث ما أخبر به القرآن، فقد دارت رحا الحرب من بعد ذلك وهزم الفرس في بضع سنين، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ممن حضر هذه الحرب، وعرف سبب الغلب، وما يتوقع من بعده، وقد تفاءل المشركون من هزية الروم وهم أهل كتاب، وعلو الفرس وهم أهل شرك، وحسبوا من ذلك أن دعوة محمد مآله الخسران، وشأنهم في ذلك هو شان الذين يبنون علمهم غلى الأوهام، وتخيل ما يحبون.
ومن ذلك أيضًا ما كان قبيل غزوة بدر الكبرى؛ إذ يقول -سبحنه وتعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} [الأنفال: 7] لقد خرجت قريش بعيرها التي كانت فيها ثروة قريش كلها، وأراد المؤمنون أن يترصَّدوها مضايقة للكفار، وأن يأخذوها نظير ما أخرجوا المؤمنين من ديارهم وأموالهم، ولكنَّ أبا سفيان التوى عن طريق يثرب، ونجا بالعير، وكان قد طلب إلى قريش أن ترسل جيشًا يحمي عيرها، ويغزو موطن الخطر، فكانت المعركة، فهم أرادوا ابتداءً العير، وليست ذات الشوكة، وأراد الله تعالى الجيش، وكان ذات الشوكة.
وما كانوا يتوقّعون النصر على المشركين، ولكنها حرب الفداء للعقيدة، لا ينظر فيها إلى الاستيلاء، بل ينظر فيها إلى الاستشهاد، ولكن الله تعالى أخبرهم بالنتيجة قبل وقوعها، فقال -تعالت قدرته:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] فكان هذا إخبارًا بمغيب لم يكن إلّا في علم الله تعالى.
ومن ذلك إخباره عن اليهود بقوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ} [البقرة: 96] .
ويقول تعالى عن المشركين أنَّهم عاجزون عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]، وقوله تعالى:{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24] .
وهكذا تجد في القرآن أخبارًا عن أمور قابلة وتقع كما أخبر، وصدق في ذلك كله، وذلك لا يكون إلَّا من عند الله، ولا يمكن أن يكون بالتقدير الشخصي أو الحدسي، فإن ذلك يصدق أحيانًا ويكذب أحيانًا، والأمر هنا كله صدق لا تخلف فيه، وكان دليلًا على أنه من عند الله الحليم الخبير اللطيف البصير، أودعه كتابه الكريم.