الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالث عشر: كتبُ الوقف والابتداءِ
إنَّ لعلم الوقف والابتداءِ علاقةً أكيدةً بعلمِ التَّفسيرِ، إذ هو أثرٌ من آثارِ التَّفسيرِ. ذلك أنَّ مَنِ اختارَ وقفًا، فإنَّه اعتمد المعنى أوَّلاً، ثُمَّ وقفَ، فالواقفُ يفسِّرُ، ثُمَّ يقِفُ، فهو بوقفِه على موضعِ الوقفِ يبيِّنُ وجه المعنى الذي يراه.
وإذا نظرتَ في كتبِ هذا العلمِ، أو في وقوفِ المصاحفِ، فإنَّكَ
= الألفاظ بما يخالفُ المعنى القريب، وذكر تفسير مجاهدٍ هذا، وقد غفل عن أنَّ مجاهدًا لا يُفسِّرُ قراءة الفتح، وهو قد ذكر في موطنٍ آخر ما يدلُّ عنده على أنَّ مجاهدًا يفسِّرُ قراءةَ الضَّمِّ، لكنه غفلَ عن الجمع بينهما، فأطلق ذلك الحكم على مجاهدٍ، وهو ليس كذلك، وقد ذكر ذلك عند ذكرِه تميُّزَ مجاهدٍ بالدِّقةِ في التفريقِ بين المفردات المتشابهة، وقال:«ومن ذلك ما رويَ عنه عند قوله سبحانه: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ}، قال: ما كان في القرآن ثُمُر بالضَّمِّ، فهو المالُ، وما كان بالفتحِ، فهو النَّباتُ» . وهذا يعني أنَّ مجاهدًا لما فسَّر لم يفسِّر قراءة الفتحِ، وأنه على علمٍ بالفرقِ بين القراءتينِ، ومن ثَمَّ لا يُحكمُ على تفسيرِه أنه خالفَ المعنى القريبِ، والله الموفق.
تنطلقُ من الوقفِ إلى المعنى، وليس في ذلك مخالفةٌ لما ذكرتُ لك، وإنَّما اختلفت زاويةُ النَّظرِ، فكاتبُ الوقفِ تفهَّمَ المعنى، ثُمَّ وقفَ، وأنتَ نظرتَ في وقفه، ثُمَّ عرفتَ المعنى الذي اختارَه.
وهذا يعني أنَّ بين المعنى والوقفِ تلازمًا، وهو أنَّ من قصدَ الوَقفَ على موضعٍ، فإنَّه قد فسَّرَ، وأنَّ من فسَّر فإنَّه دلَّ بتفسيرِه على الموضعِ الصَّالحِ للوقفِ.
ولهذا فإنَّ تفسيرَ السلف يُعَدُّ عمدةً في اختيارِ الوقوفِ، وقد كان أبو عمرٍو الدَّانيُّ (ت: 444) يعتمدُ على تفسيراتِهم في بعض ترجيحاتِه في الوقفِ.
ومن ذلك ما ورد من الوقف على لفظِ «الحسنى» من قوله تعالى: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى} [الرعد: 18]، فقد حكم بالوقف على هذا الموضع بالتَّمامِ.
ثُمَّ قال: «والحسنى ها هنا الجنَّةُ، وهي في موضع رفع بالابتداءِ، والخبرُ في المجرور قبلها، الذي هو {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا} .
حدثنا محمد بن عبد الله المري، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا ابن سلام، قال: قال قتادة: الحسنى: الجنَّة.
وقال ابن عبد الرَّزَّاق: ليس {الأَمْثَالَ} [الرعد: 17] بتمامٍ؛ لأنَّ {الْحُسْنَى} [الرعد: 18] صفةٌ له، فلا يتمُّ الكلامُ دونها، والمعنى على التَّقديمِ والتأخيرِ؛ أي: الأمثالُ الحسنى للذين استجابوا لربِّهم.
والأوَّلُ هو الوجهُ (1).
(1) المكتفى في الوقف والابتدا للداني، تحقيق: الدكتور يوسف المرعشلي (ص:335). والأمثلة في اعتماد تفسير السلف في بيانِ مواضعِ الوقوف كثيرةٌ في كتاب الدَّانيِّ.
والأمثلةُ في علاقة الوقوفِ بالتَّفسيرِ كثيرةٌ، ويكفي في بيانها هذا المثالُ، ومن الأمثلةِ التي هي مرتبطةٌ بالتَّفسيرِ، ولها علاقةٌ بعلمِ الفقهِ، ما ورد في آيةِ القذفِ من سورة النور، وهي قوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ *إِلَاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 4، 5].
فمن لم ير قبول شهادة القاذف بعد التوبة، كان الوقف عنده على قوله تعالى:{وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} .
ومن كان رأيُه قبولَ شهادةِ القاذفِ بعد التَّوبة، كان الكلامُ عنده متَّصِلاً، وكانَ الوقفُ عنده على قول الله تعالى:{فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1).
هذا، وَوُجودُ بابٍ في علمِ التَّجويدِ يتعلَّقُ بالوقفِ والابتداءِ لا يعني أنَّه نابعٌ من علمِ القراءةِ، بل هو أثرٌ من آثارِ التَّفسير، ولكن إذا بانَ المعنى، ظهرَ للقارئ مكانُ الوقفِ، وهذا يعني أنَّه إنَّما يتعلَّقُ بالأداءِ بعد فهمِ المعنى؛ لأنَّ القارئَ يَحْسُنُ أداؤه بإبرازِ المعاني بالوقفِ على ما يتمُّ منها، وبه تظهرُ جودةُ ترتيلِه، والله أعلم.
ولا تخلو كتبُ علمِ الوقفِ والابتداءِ من حكايةِ بعضِ الوقوفِ الغريبة، التي قد يستملحها بعضُ النَّاسِ، ولكنَّها خلافُ الظاهرِ المتبادرِ من نظم القرآنِ، ومن أمثلةِ ذلكَ:
ما وردَ من الوقفِ على لفظِ «ربكم» ، والابتداء بقوله:{عَلَيْكُمْ أَلَاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} في قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ
(1) انظر تفصيل الأقوال في: القطع والائتناف (ص:94 - 95).
عَلَيْكُمْ أَلَاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [الأنعام: 151]، قال الأشمونيُّ: «
…
{مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} حَسَنٌ، ثمَّ يبتدئُ:{عَلَيْكُمْ أَلَاّ تُشْرِكُوا} على سبيل الإغراءِ؛ أي: الزموا نفيَ الإشراكِ» (1).
والظاهرُ المتبادرُ من النَّظمِ القرآنيِّ أنَّ الوقفَ يكونُ على لفظِ {عَلَيْكُمْ} ، وتحتملُ جملة:{ألا تشركون به شيئا} على هذا وجهينِ من الأعراب:
الأولُ: أن تكونَ هذه الجملةُ خبرًا لمبتدأ محذوف، ويكونُ تقديرُ الكلام: هو ألَاّ تشركوا (2)، أو يكون تقديرُه: ذلك ألَاّ تشركوا (3)، وعلى هذا الوجه الإعرابيِّ يصلح الابتداءُ بها على سبيلِ الاستئنافِ.
الثاني: أن تكونَ هذه الجملةُ في موقع عطفِ البيانِ من جملةِ {أَتْلُ مَا حَرَّمَ} ، ويكونُ التَّقديرُ: قل تعالوا أتلُ ما حرَّمَ ربُّكم عليكم: أتلُ ألا تشركوا به شيئًا (4).
ومن الوقوفِ الغريبةِ المستنكرةِ ما حكاه النَّحاسُ في قوله تعالى: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23]، قال: «ومن القُصَّاصِ الجُهَّالِ من يقفُ على: {وَلَهَا عَرْشٌ} ، فقال عبد الله بن مسلمٍ (5): وقال من لا يعرفُ اللُّغةَ والوقفَ: {وَلَهَا عَرْشٌ} ، ثُمَّ يبتدئُ:{عَظِيمٌ * وَجَدْتُّهَا} [النمل: 23،
(1) منار الهدى في بيان الوقف والابتداء، للأشموني، نشر مكتبة الحلبي، طـ3.
(2)
ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (12:215).
(3)
ينظر: القطع والائتناف، للنحاس (ص:326).
(4)
ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (12:216)، والقطع والائتناف (ص:326)، والتحرير والتَّنوير (8:157).
(5)
هو ابن قتيبة.
24 -
]، وقد أخطأ. ولو كان كما قال، لقال: عظيمٌ أن وجدتها.
قال أبو جعفر: وهذا من قولِ القتبيِّ حسنٌ جميلٌ» (1).
ولهذا لا يحسنُ أن يستحسنَ القارئُ وقفًا دونَ أن يكونَ عنده فيه نظرٌ صحيحٌ، وكم تسمع من مستنكراتِ الوقفِ التي يقصدُ أئمَّةُ المساجد أو غيرُهم من القراءِ الوقفَ عليها لشيءٍ لاح لهم بادي الرَّأي، وهي عند التَّمحيصِ هباءٌ منثورٌ لا حقيقةَ له؟!
وأشهر ما طُبِعَ من كتبِ الوقف والابتداء: إيضاحُ الوقف والابتداء، لابن الأنباريِّ (ت: 328)، والقطعُ والائتنافُ للنَّحَّاس (ت: 338)، والمكتفى في الوقف والابتدا، لأبي عمرو الدَّانيِّ (ت: 444)، وعلل الوقوف، للسِّجاوَنْديِّ (ت: 560)، والمقصد لتلخيص ما في المرشد في الوقف والابتداء، لأبي زكريا الأنصاريِّ (ت: 926)، وتقييد وقوف القرآن، لمحمد بن أبي جمعة الهَبْطيِّ (ت: 930)، ومنار الهدى في الوقف والابتدا، للأشمونيِّ.
(1) القطع والائتناف (ص:535).