الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سابعًا: كتبُ الوجوه والنظائر
هذا العلمُ من العلومِ التي نشأت على يد المُفسِّر مقاتل بن سليمان البلخيِّ (ت: 150)(1)، وكلُّ الذينَ كتبوا هذا العلمَ بعده عيالٌ عليه، فكتابُه أصلٌ معتمدٌ لهم، وغايتهم أن يستدركوا وجهًا لم يقل به، أو نظيرًا لما ذكره.
ومن الكتبِ المطبوعةِ في هذا العلمِ:
1 -
الوجوه والنَّظائر، لمقاتلِ بنِ سليمان (ت: 150) (2).
2 -
الوجوه والنظائر، لهارون بن موسى (ت: 170 تقريبًا) (3).
(1) ذكرَ ابن الجوزيِّ في كتابه نزهة الأعين النواظر (ص:82) كتابًا لمحمد بن السائب الكلبي (ت: 146)، وهو معاصرٌ لمقاتل، وكتابه هذا لم يشتهر كشهرة كتاب مقاتل، واللهُ أعلمُ.
(2)
حققه الدكتور عبد الله شحاتة، وجعله باسم الأشباه والنظائر، لوجود هذا الاسم على المخطوط، وهو غير صحيح، بل الصواب ما ذكره المترجمون لمقاتل، وهو الوجوه، وكذا ورد في أول الكتاب (ص:89)، حيث جاء فيه:«مما ألَّفه أبو نصر من وجوه القرآن الكريم عن مقاتل بن سليمان» .
(3)
ذكر هذا الكتاب ابن الجوزي في نزهة الأعين النواظر (ص:82)، وقد حقَّقه =
3 -
تفسير القرآن مما اشتبهت أسماؤه وتصرَّفت معانيه، أو (التَّصاريف) ليحيى بن سلام البصريِّ (ت: 200) (1).
4 -
نزهة الأعين النَّواظر في علم الوجوه والنَّظائر، لأبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزيِّ (ت: 597) (2).
معنى مصطلح الوجوه والنظائر:
كان أوَّل من ألَّفَ في هذا العلمِ مقاتل (ت: 150)، ولكن لا يوجدُ في المطبوعِ من كتابه تعريفٌ لهذا المصطلحِ، ومن ثَمَّ فالمعوَّلُ عليه في معرفةِ مراده به الاستقراءُ.
وقد ظهرَ لي من استقراءِ كتابهِ، وكتبِ من جاء بعده ما يأتي:
الوجوه: المعاني المختلفةُ للَّفظِ القرآنيِّ.
والنَّظائرُ: الآياتُ الواردةُ في الوجهِ الواحدِ.
= الدكتور حاتم صالح الضامن، والكتاب يكاد يكون نسخةً أخرى لكتابِ مقاتل؛ لأنه اعتمد عليه، وزاد عليه قليلاً. وقد ذكر المحقق أنه يزيد على كتاب مقاتل أربعًا وعشرين لفظةً.
ومما أثارَ انتباهي ـ وهو محتاجٌ إلى تحقيق ـ أنَّ راوي الكتاب عن ابن هارون عن أبيه، هو أبو نصر مطروح بن محمد بن شاكر، وهذه الكنية هي في أول كتاب مقاتل، كما سبق ذكرها!
(1)
حقَّقته الدكتورة هند شلبي، وقد اعتمد على كتاب مقاتل، وقد يزيد عليه بشيءٍ من التفسيراتِ في الوجوه التي يذكرها.
(2)
حققه محمد عبد الكريم الراضي.
وقد طُبع كتاب باسم: الأشباه والنظائر، لعبد الملك بن محمد الثعالبي (ت: 429)، وهو في الحقيقة مختصرٌ لكتاب ابن الجوزي، فكيف نُسبَ إلى عالمٍ مات قبله!. يُنظر في تحقيق هذا: مقدمة محقق نزهة الأعين النواظر (ص:50 - 51).
ومن ثَمَّ، فطريقتُهم في هذا العلمِ أن يكونَ للَّفظِ القرآنيِّ أكثرُ من معنى في سياقاتِه في النَّصِّ القرآنيِّ، فيذكرُونها أوجُهًا لهذا اللَّفظِ.
والآيات التي تَرِدُ في أحد الأوجه هي النظائرُ؛ لأنَّ معنى اللَّفظِ في هذه الآية، نظيرُ معناه في الآيةِ الأخرى.
ومن أمثلةِ ذلك:
قال مقاتل (ت: 150): «تفسيرُ أرساها على وجهين:
فوجه منها أرساها؛ يعني: أثبتها، فذلك قوله في النازعات:{وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} [النازعات: 32]؛ يعني: أثبت بها الأرضين؛ لئلاّ تزول بمن عليها.
كقوله: {وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 13]؛ يعني: ثابتاتٍ.
كقولِه: {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} [ق: 7]؛ يعني: الجبالَ؛ لتُثبِّتَ الأرضين.
والوجه الثاني: مرساها؛ يعني: حينها، فذلك قوله في الأعرافِ:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} [الأعراف: 187]؛ يعني: متى حينُها؟
نظيرها في النازِعات: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} [النازعات: 42]؛ يعني: متى حينها؟» (1).
تحليلُ هذا المثال:
جعل مقاتل بن سليمان (ت: 150) الأوجه: المعاني المتعددة للفظِ
(1) الأشباه والنظائر، لمقاتل بن سليمان (ص:213)، وقد زاد هارونُ وجهًا ثالثًا (ص:214)، وذكرها يحيى بن سلام كما عند مقاتل (ص:275)، ولم يذكر لفظ:«نظيرها» ، وجعل الآية التي استشهد بها هارون للوجه الثالث من الوجه الثاني الذي ذكره مقاتل.
الإرساء، وجعل النَّظائر: المواطن التي تكرَّر فيها المعنى، فمعنى مراساها في آية الأعراف نظيرُ معناها في آية النازعاتِ.
ملاحظُ على كتبِ الوجوه والنَّظائرِ:
* إذا وازنت هذه الوجوه بأقوالِ المفسِّرينَ ممن قبلهم، فإنَّك ستظفرُ بكثيرٍ منها عندهم، فكتب الوجوهِ والنظائرِ إنَّما هي جَمْعٌ لِلمُتَفَرِّقِ من أقوالِ المفسِّرينَ، وإنْ لم يَنْسُبْ من ألَّف في الوجوه والنَّظائرِ أقوالَهم إليهم.
* كتبُ الوجوهِ والنَّظائرِ تَعْمِدُ إلى بيانِ المعنى السِّياقيِّ للَّفظةِ، لذا تكثرُ في هذه الكتب معاني بعض الألفاظ، وهي متداخِلةٌ، ولا حاجةَ لفصلِها عن بعضِها؛ كالوجوه التي أوردها مقاتلٌ (ت: 150) في «المشي» ، وهي: المُضيُّ، والهُدى، والمرور، والمشي بعينه (1).
وثلاثةُ أوجهٍ منها بمعنى واحدٍ، وهي: المُضيُ، والمرورُ، والمشيُ بعينه. ولو جعلها وجهًا واحدًا لكان أولى، ولست أدري ما عِلَّةُ تكثيرِه لأوجه هذه اللَّفظةِ، وعنده من أشباه هذا التَّكثيرِ كثيرٌ.
* كما أنَّ بعضَ هذه الوجوهِ فيه تكلُّفٌ لا داعي له سوى التَّكثُّرُ.
(1) ينظر: الأشباه والنظائر، لمقاتل، تحقيق: الدكتور عبد الله شحاتة (ص:104)، وقد ذكرها بغير زيادةٍ هارون الأعور في الوجوه والنظائر، تحقيق: الدكتور حاتم الضامن (ص:42)، ويحيى بن سلام في التصاريف، تحقيق: الدكتورة هند شلبي (ص:117)، والدامغاني في الوجوه والنظائر، حققه وأعاد ترتيبه عبد العزيز سيد الأهل (ص:346 - 347)، وابن المعاد في كشف السرائر في معنى الوجوه والأشباه والنظائر، تحقيق: فؤاد عبد المنعم أحمد (ص:55 - 57)، ولم يذكر هذه اللفظةَ ووجوهها ابن الجوزي في نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر.
ولذا يمكنُ أن يتداخل عددٌ من الوجوهِ في وجهٍ واحدٍ، كما سبقَ.
كما أنَّ بعضَ الوجوهِ لا تظهرُ له علاقةٌ باللَّفظِ الذي يذكرونه، ومن ذلك:
قال مقاتل (ت: 150): «تفسيرُ شِيَعًا على خمسة وجوه:
فوجه منها، يعني: فِرَقًا، فذلك قوله في الأنعامِ:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} [الأنعام: 159]؛ يعني: أحزابًا، فِرَقًا من يهود ونصارى وصائبين ومجوس.
نظيرُها في الرُّومِ، حيث يقولُ: {
…
وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} [الروم: 31، 32]؛ يعني: أحزابًا، فِرَقًا. وقال في القصص:{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} [القصص: 4]؛ يعني: فِرَقًا. فِرقة القِبْطِ، وفرقةَ بني إسرائيلَ.
وكقولِه في الحِجْرِ: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ} [الحجر: 10]؛ يعني: فِرق الأوَّلينَ،؛ يعني: قوم نوحٍ وهودٍ والأمم.
الوجه الثاني: الشِّيعُ؛ يعني: الجيش (1)، فذلك قوله في القصص لموسى:{فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ} ؛ يعني: كافرين، {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ}؛ يعني: من بني إسرائيل، {وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ}؛ يعني: والآخر من عدوِّه؛
(1) لعلَّها «الجنس» ، إذ لا معنى للجيشِ في تفسيرِ هذه الآيات التي ذكرها، وقد فسَّرها ابن المعاد على هذا اللفظ «الجنس» ، مما يُشعرُ بخطأ قراءة محقق كتاب مقاتل وكتاب هارون الذي يظهر أنه اعتمد على محقق كتاب مقاتل في قراءتها، وقد قرأها محققٌ آخر لكتاب هارون «الجنس» ، وهو الدكتور سليمان القرعاوي، في أطروحته للماجستير، تحقيق الوجوه والنظائر، لهارون الأعور. ينظر (ص:171) من الرسالة، في كلية التربية/ جامعة الملك سعود.
القبط، {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ}؛ يعني: من جيشِ موسى، {عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15]: القبطي.
الوجه الثالث: الشِّيع؛ يعني: أهل مكة، فذلك قوله في اقتربت السَّاعة:{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ} [القمر: 51] يا أهل مكة.
كقولِه في سبأ: {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ} [سبأ: 54]؛ يعني: أهل مكة.
كقولِه في مريم: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ} [مريم: 69]؛ يعني: أهل مكة.
كقوله في الصَّافَّات: {وَإِنَّ مِنْ شِيْعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ} [الصافات: 83]؛ يقول: إنَّ من أهل ملَّتِه ـ ملة نوح ـ لإبراهيم.
والوجه الرابع: (تشيعَ) نفسُها. فذلك قوله في النُّور: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} [النور: 19]؛ يعني: أن تَفْشُوَ الفاحشةُ في الذين آمنوا (1).
والوجه الخامس: شِيعًا؛ يعني: الأهواء المختلِفةَ، فذلكَ قوله في الأنعام:{أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} [الأنعام: 65]؛ يعني: الأهواء المختلفة» (2).
وإذا تأمَّلت هذه الأوجه، ظهر لك ما يأتي:
1 -
إن كانت قراءةُ المحقِّقِ للوجه الثَّاني صحيحةً، وهو الجيش،
(1) لم يذكر ابن الجوزي في نزهة الأعين النواظر هذا الوجه.
(2)
الأشباه والنظائر (ص:153 - 154). وينظر: الوجوه والنظائر، لهارون الأعور (ص:143)، ونزهة الأعين النواظر، لابن الجوزي (ص:376 - 377) وكشف السرائر، لابن المعاد (ص:206 - 207).
فإنه لا علاقةَ له بمعنى الشِّيَعِ، ولا معنى لإدخالِه فيه.
2 -
أنَّ بعض هذه الوجوه متداخلٌ، ولا معنى لفصلِه عن غيره؛ لأنها تجتمعُ في المعنى الغالبِ على اللَّفظِ، وهو المعاضدةُ والمناصرةُ (1)، فكلُّ مجموعةٍ متناصرةٍ ومتعاضدةٍ على شيءٍ شيعةٌ، وبهذا سُمِّيتِ الفِرَقُ شِيَعًا، ويدخلُ في هذا المعنى الوجه الأول: الفِرَق، والثاني، على قراءتها:«الجنس» ، والثالث: أهل مكة، والخامس: الأهواء المختلفة.
أما الوجه الرابع، فهو المعنى الآخرُ من معاني «شيع» ، وهو البثُّ والإشاعة والإشادة (2).
3 -
ما ذكره في الوجه الخامس، وهو تفسيرُ:{أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} [الأنعام: 65]؛ يعني: الأهواء المختلفة، هو من الوجه الأول، بمعنى الفِرَقِ؛ أي يجعلكم فِرَقًا مختلطةً.
وهذا التفسيرُ المطابقُ لمعنى اللَّفظِ، وهو الذي أشار إليه السُّدِّيُّ (ت: 128) في تفسيره فقال: «يُفَرِّق بينكم» (3).
أمَّا ما ذكره في تفسير الآية فإنَّه تفسيرٌ بالمعنى، لا بمطابقِ اللفظِ، وهذا التَّفسيرُ بالمعنى هو تفسيرُ مجاهد (ت: 104) وغيره من السَّلفِ (4).
* وهذه الوجوهُ مرجِعها اللُّغةُ؛ أي أنَّ بينَ معنى هذه الوجوهِ في سياقاتِها القرآنيَّةِ وبين المعنى اللُّغويِّ للوجهِ = مناسبةٌ.
(1) ينظر: مقاييس اللغة (3:235).
(2)
ينظر: مقاييس اللغة (3:235).
(3)
تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (11:419).
(4)
ينظر: تفسير الطبري، تحقيق: شاكر (11:419 - 420).
وقد تكونُ المناسبةُ مرتبطةً بأصلِ معنى اللَّفظِ في لغةِ العربِ، وقد تكونُ بالمعنى المشهورِ من دلالاتِ اللَّفظِ.
* كما قد تفيدُ حكايةُ هذه الوجوهِ في معرفةِ المعاني التي يجتمعُ فيها اللفظُ، ولا يخرجُ عنها في القرآنِ.
وقد تفيدُ هذه الوجوه من يبحثُ في مصطلحِ القرآنِ الغالبِ على بعضِ الألفاظِ، ويظهرُ ذلك بتتبُّعِ النظائرِ المذكورة للوجوهِ.
ومن أمثلةِ حصرِ هذه الوجوه للمعاني التي ترادُ باللَّفظِ، ما ذكرهُ مقاتل (ت: 150) في تفسيرِ وجوه لفظ «النَّجمِ» ، قال: «تفسيرُ النَّجمِ على ثلاثةِ وجوهٍ:
فوجهٌ منها: النَّجمُ؛ يعني: الكوكب، فذلك قوله في السماء والطَّارق:{النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق: 3]؛ يعني: الكوكبَ المضيءَ
…
والوجه الثَّاني: النَّجمُ؛ يعني: نجوم القرآنِ، إذ كان ينْزلُ القرآنُ نجومًا على النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام ورحمةُ اللهِ وبركاتُه ـ الآيةَ والآيتينِ والسُّورةَ والسُّورتينِ، ونحوه كثيرٌ، قولهُ:{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم: 1]
…
والوجه الثالثُ: النَّجمُ؛ يعني: النَّبت الذي ليس له ساقٌ، فذلك قوله في الرَّحمنِ:{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6]
…
» (1).
فيُستفادُ من ذكرِ هذه الأوجهِ أنَّ لفظَ النَّجمِ إذا وردَ لا يحتملُ غيرَ هذه المعاني المذكورة، واللهُ أعلمُ.
(1) الأشباه والنَّظائر (ص:272 - 273).