الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الحادي والأربعون: العرب والحبش
مدخل
…
الفصل الحادي والأربعون: العرب والحبش
صلات العرب بالحبشة صلات قديمة معروفة ترجع إلى ما قبل الميلاد. فبين السواحل الإفريقية المقابلة لجزيرة العرب وبين السواحل العربية اتصال وثيق قديم، وتبادل بين السكان. إذ هاجر العرب الجنوبيون إلى السواحل الإفريقية وكونوا لهم مستوطنات هناك، وهاجر الأفارقة إلى العربية الجنوبية، وحكموها مرارًا، وقد كان آخر حكم لهم عليها قبل الإسلام بأمد قصير.
ويرى بعض الباحثين أن أصل الحبش من غير اليمن من سفوح الجبال، وفي اليمن جبل يسمى جبل "حُبَيْش"، قد يكون لاسمه صلة بالحبش الذين هاجروا إلى إفريقيا وأطلقوا اسمهم على الأرض التي عرفت باسمهم، أي "حبشت" أو الحبشة1.
ويرون أيضًا أن "الجعز" أو "جعيزان" كما يدعون كذلك، هم cesani الذين وضع "بليني" منازلهم على مقربة من "عدن". فهم من أصل عربي جنوبي، هاجر إلى الحبشة وكون مملكة هناك2. وإلى هؤلاء نسبت لغة الحبش، حيث عرفت بالجعزية، أي لغة الجعز3.
1 Beitrage، S. 75، 119، Conti Rossini، In Expeditions et Possesslons des gabasat en Arabia، jounal asiatiqye، 1921، p. 5، die araber I، S. 114، E. Littmann، In: Handbuch der orietalistik، III، 2-3، 350، 376
2 Die Araber، II، S. 274
3 Die Araber، I، S. 114
ويظن أن العرب الجنوبيين هم الذين موَّنوا السواحل الإفريقية المقابلة بالعناصر السامية. وكانوا قد هاجروا مرارا إليها، ومن بين تلك الهجرات القديمة، هجرة قام بها السبئيون في القرن الخامس قبل الميلاد. وقد هاجر معهم "الحبش" في ذلك الوقت أيضًا. وقد توقف سيل الهجرات هذا حين تدخل "البطالمة" في البحر الأحمر، وصار لهم نفوذ سياسي وعسكري على جانبي هذا البحر. غير أنها لم تنقطع انقطاعًا تامًّا؛ إذ يرى بعض الباحثين أن العرب كانوا قد دخلوا الحبشة والسواحل الإفريقية المقابلة فيما بعد الميلاد أيضًا. فنزحوا إليها فيما بين السنة "232" والسنة "250" بعد الميلاد مثلًا، حيث ركبوا البحر ونزلوا هناك1.
وقد تبين أن السبئين كانوا قد استوطنوا في القرن السادس قبل الميلاد المناطق التي عرفت باسم "تعزية" ta'izziya من أرض "أريتريا" ونجد الحبشة وكونوا لهم حكومة هناك. وأمدوا الأرضين التي استولوا عليها بالثقافة العربية الجنوبية2. ولم يقطع هؤلاء السبئيون صلاتهم بوطنهم القديم، بل ظلت أنظارهم متجهة نحوه في تدخلهم. وهم في هذا الوطن بشئونه وإرسالهم حملات عليه واحتلالهم له في فترات من الزمن ولعل ما جاء في أحد النصوص من "مصر" الحبشة، قصد به هؤلاء الذين كانوا قد استوطنوا تلك المنطقة من إفريقيا3.
وفي القرن السادس قبل الميلاد، كان الأوسانيون قد نزحوا إلى السواحل الإفريقية الشرقية، فاستوطنوا الأرضين لـpemba ولـ"زنزبار" zanzibar وهي "عزانيا" azania، وتوسعوا منها نحو الجنوب. وقد عرف هذا الساحل في كتاب "الطواف حول البحر الأريتري"، اسم ausaniteae، وهو اسم يذكرنا بـ"أوسان". وقد ذكر مؤلف الكتاب، أنه كان خاضعًا في أيامه "القرن الأول بعد الميلاد"، لحكام 4mapharitis. ويريد بهم حكام دولة "سبأ وذو ريدان"5.
وقد عثر الباحثون على حجر مكتوب في حائط كنيسة قديمة بالقرب من
1 Die Araber، I، S. 126
2 Arabien، S. 25
3 Glaser 1076، Arabien، S. 25
4 Periplys Maris Erythrael، 22، Arabien، S. 25
5 Arabien، S. 25
"أكسوم"، وإذا به كتب بالسبئية، وفيها اسم الآلهة السبئية "ذت بعدن""ذات بعدن""ذات البعد" وعثر على بقايا أعمدة في موضع "يحا" الواقع شمال شرقي "عدوة" adua، تدل على وجود معبد سبئي في هذا المكان، كما عثر على مذبح سبئي خصص بالإله "سن""سين". وعثر على كتابات وأشياء أخرى تشير كلها إلى وجود السبئين في هذه الأرضين1.
وعرف ملك الحبش بـ"النجاشي" عند العرب. واللفظة لقب تطلقه العربية على كل من ملك الحبشة، فهي بمنزلة "قيصر"، اللفظة التي يطلقها العرب على ملوك الروم، و"كسرى" التي يطلقونها على من حكم الفرس، و"تبع" التي يطلقونها على من يحكم اليمن. أما في العربية الجنوبية، فقد أطلقت لفظة "ملك" على من ملك الحبشة. وقد ورد "ملك أكسمن" أي "ملك أكسوم" وورد "ملك حبشت"، أي ملك الحبشة، فأخذ العرب اللفظة من الحبش.
وهي في الحبشية بمعنى جامع الضريبة، والذي يستخرج الضريبة، فهي وظيفة من الوظائف في الأصل، ثم صارت لقبًا2. وورد في بعض النصوص العربية الجنوبية إذ لقب به "جدرة" مثلًا3.
ويظن أن مملكة "أكسوم" التي ظهرت في أوائل أيام النصرانية، قد كانت دولة أقامها العرب الجنوبيون في تلك البلاد، وقد استطاع الباحثون من العثور على عدد من الكتابات تعود إلى ملوك المملكة، دون بعض منها باليونانية مما يدل على تأثر ملوك هذه المملكة بالثقافة اليونانية وعلى وجود جاليات يونانية هناك نشرت ثقافتها في الحبشة، وقد عرفت هذه المملكة بمملكة "أكسوم""أكسمن" نسبة إلى عاصمتها مدينة "أكسم""أكسوم"4.
وقد كان ملوك أكسوم وثنيين. بقوا على وثنيتهم إلى القرن الرابع أو ما بعد ذلك للميلاد. ويظن أن الملك "عزانا" EZANA وهو ابن الملك "الأعميدا" ELA - AMIDA، هو أول ملك تنصر من ملوك هذه المملكة وذلك لعثور الباحثين على آثار تعود إلى عهده، ترينا القديمة منها أنه كان وثنيًّا، وترينا الحديثة منها
1 Handbuch، I، S. 34
2 Die Araber، II، S. 293
3 Die Araber، I، S. 115، II، S. 295
4 Die Araber، I، S. 114
أنه كان نصرانيًّا، مما يدل على أنه كان وثنيًّا في أوائل أيام حكمه، ثم اعتنق النصرانية، فأدخل شعارها في مملكته، وذلك بتأثير المبشرين عليه1.
وفي جملة ما يستدل به على تأثير العرب الجنوبيين في الحبش، هو الأبجدية الحبشية المشتقة من الخط العربي الجنوبي. وقرب لغة الكتابة والتدوين عندهم من اللهجات العربية الجنوبية. وبعض الخصائص اللغوية والنحوية التي تشير إلى أنها قد أخذت من تلك اللهجات. ثم عثور العلماء على أسماء آلهة عربية جنوبية ومعروفة في كتابات عثر عليها في الحبشة والصومال، ووجودها في هذه الأرضين هو دليل على تأثر الإفريقيين بالثقافة العربية الجنوبية، أو على وجود جاليات عربية جنوبية في تلك الجهات.
وكما تدخل العرب في شئون السواحل الإفريقية المقابلة لهم. فقد تدخل الإفريقيون في شئون السواحل العربية المقابلة لهم. لقد تدخلوا في أمورها مرارًا.
وحكموا مواضع من ساحل العربية الغربية ومن السواحل الجنوبية وتوغلوا منها إلى مسافات بعيدة من الداخل حتى بلغوا حدود نجران.
ويظهر من الكتابات الحبشية، أن الحبش كانوا في العربية الجنوبية في القرن الأول للميلاد، وقد كانوا فيها في القرن الثاني أيضًا. ويظهر أنهم كانوا قد استولوا على السواحل الغربية، وهي سواحل قريبة من الساحل الإفريقي ومن الممكن للسفن الوصول إليها وإنزال الجنود بها. كما استولوا على الأرضين المسماة بـ KINAIDOKOLPITAE في جغرافية "بطلميوس"2.
وورد في نص من النصوص الحبشية، أن ملك "أكسوم". كان قد أخضع السواحل المقابلة لساحل مملكته، وذلك بإرساله قوات برية وبحرية تغلبت على ملوك تلك السواحل من الـ"ARRHOBITE""الأرحب""الأرحبية""أرحب"3 والـ kinaidokolpite، وأجبرتهم على دفع الجزية، وعلى العيش بسلام في البر
1 Handbuch، S. 34، D.H. Muller، Epigraph، S
2 44، Aksum Expedition، 1913، BD، IV. S. 32
3 "أرحب: حي أو مكان. وفي المعجم: أنه مخلاف باليمن يسمى بقبيلة كبيرة من همدان"، "أرحب: بلد على ساحل البحر بينه وبين ظفار نحو عشرة فراسخ"، تاج العروس "2/ 492"، "طبعة الكويت"، "رحب".
وفي البحر. ويرى بعض الباحثين أن المراد بـ"Arrhabite" بدو الحجاز. وأن Kinaidokolpite، هم "كنانة". وأن السواحل التي استولى الأحباش عليها تمتد من موضع "لويكه كومه" leuke kome "القرية البيضاء" إلى أرض السبئيين1.
ويرى "فون وزمن" أن احتلال الحبش لأرض Kinaidokolpitae، الأرض المسماة باسم قبيلة لا نعرف من أمرها شيئًا، والتي ورد اسمها في كتابة Monumentum adulitanum فقط وفي جغرافية "بطلميوس"، كان قبل تدوين تلك الكتابة وربما في حوالي السنة "100" بعد الميلاد. ويراد بها ساحل الحجاز وعسير من ينبع ianbia في الشمال إلى السواحل الجنوبية الواقعة على البحر العربي شمال "وادي بيش"، فشملت الأرض المذكورة والتهائم والساحل كله2.
غير أننا نجد أن مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري" يشير من جهة أخرى إلى أن الساحل الإفريقي المسمى بـ"تنجانيقا" في الوقت الحاضر كان في أيدي الحميريين في ذلك الوقت3. ومعنى ذلك أن ملك حمير استطاع في أيام ذلك المؤلف من الاستيلاء على ذلك الساحل ومن ضمه إلى ملكه. كما فعل أهل حضرموت وعمان فيما بعد.
ووردت جملة "أحزب حبشت" في النص الموسوم بـ"cih 314 + 954".
وهي تشير إلى وجود "أحزاب" أي جماعات من الحبش في العربية الجنوبية.
وقد يراد بها مستوطنات حبشية وقوات عسكرية كانت قد استقرت في تلك البلاد4.
كما وردت في النص الموسوم بـryckmans 535 الذي يتحدث عن حرب أعلنها "الشرح يحضب" على "أحزب حبشت"، و"ذي سهرتن" و"شمر ذي ريدان"5.
وأشار "أصطيفان البيزنطي" إلى قوم دعاهم abasynoi، يظهر من قوله أن مواطنهم كانت في شرق حضرموت. ويفهم من كلامه أن هؤلاء كانوا حبشًا
1 Beltrage، S. 119
2 Le Museon، 1964، 3-4، P. 472
3 Le Museon، 1964، 3-4، P. 480
4 Die Araber، II، S. 275
5 Le Museon، 1956، P. 154، Die Araber، II، S. 275
يقيمون في هذه الأرضين. وقد يكونون قد استولوا عليها بالقوة وألحقوا ما استولوا عليه بمملكة أكسوم1.
وورد في كتابات تعود إلى أيام "علهان نهفان"، بأن هذا الملك كان قد تفاوض مع "جدرت""جدرة" ملك "أكسوم" والحبشة لعقد صلح معه.
ويظهر من جملة "وأقول وقدمن واشعب ملك حبشت"، أي:"وأقيال وسادات وقبائل ملك الحبشة"، الواردة فيها، أن ملك الحبشة كان يحكم جزءًا من العربية الجنوبية في ذلك الوقت، وإن الملك "علهان نهفان" فتفاوض معه لتحسين العلاقات السياسية فيما بينه وبين الحبش ولضمان مساعدتهم في حروبه مع منافسيه وخصومه2. ويرى "فون وزمن" أن تلك المفاوضات كانت قد جرت في حوالي السنة "180" بعد الميلاد3.
وقد عقد "علهان" حلفًا مع الحبش، ويظهر أنه عقده بعد انتهائه من الحرب التي أعلنها على حمير. تلك الحرب التي اشترك الحبش فيها أيضًا وكذلك أهل حضرموت. ولما عقد "علهان" الحلف مع الحبش، كان ابنه "شعر أوتر" قد اشترك معه في الحكم4.
ولم يدم الحلف الذي عقد بين "علهان" وابنه "شعر أوتر" من جهة والحبش من جهة أخرى؛ إذ سرعان ما نقض ووقعت الحرب بين "شعر أوتر" وبين "الحبش" على نحو ما ذكرت في أثناء حديثي عن حكم "شعر أوتر".
إلا أنه لم يتمكن من القضاء عليهم. ولم يزحهم عن اليمين. بل بقوا في الأرضين التي كانت خاضعة لهم والتي تقع في الجزء الغربي من اليمن5
وقد جاء اسم "جدرت""جدرة" على هذه الصورة: "جدر نجش أكسم" في النصوص. وورد على هذه الصورة: "جدرت ملك حبشت وأكسمن" في النص الذي وسم بـjamme 6316. ومعنى الجملة الأولى "جدر نجاشي أكسوم".
1 Die Araber، II، S. 275
2 Nami 71 +73، CIH 308
3 Le museon، 1964 3-4، P. 47. F
4 CIH 308، 308a، Le Museon، 1964، 3-4، P. 471
5 Le Museon، 1964، 3-4، P. 475
6 Die Araber، II، S. 284، IV، S. 274
ومعنى الجملة الثانية "جدرة ملك الحبشة وأكسوم". وقد قدر بعض الباحثين زمان حكم هذا النجاشي بحوالي السنة "250" بعد الميلاد1.
ويظهر أن الحبش كانوا قد تمكنوا من دخول "ظفار" عاصمة خمير، وذلك فيما بين السنة "190" و"200" بعد الميلاد. وذلك في أيام "لغزز يهنف يهصدق"2.
ولا ندري إلى متى بقوا فيها. والظاهر أن حكمهم فيها كان قصيرًا.
وقد كان نزول الحبش في أرض اليمن في أيام حكم الملك الحبشي "عذبة" على ما يظن. وكان هذا الملك على صلات حسنة بالرومان، ففتح بلاده للمصنوعات الرومانية النفيسة، وظل الحبش في اليمن في أيامه حتى وفاته، فلما توفي أو عزل تولى ملك آخر مكانه هو "زوسكالس zoskales وقد أدى هذا التغير إلى تبدل الحال؛ إذ اضطر الحبش إلى النزوح من الأماكن التي كانوا قد استولوا عليها. ويرى بعض الباحثين أن ثورة قامت في الحبشة على حكم "عذبة" وأحلت "زوسكالس" محله. فانتهز أهل اليمن فرصة انشغال الحكومة بالاضطرابات التي وقعت بهذه الثورة. ونهضوا على الجيش فأخرجوهم عن ديارهم، وأخرج الحبش من السواحل التي كانوا قد استولوا عليها، المعروفة بـ kinaidokolpitae، ويراد بها ساحل الحجاز وعسير3.
ووردت في النص الموسوم بـ"ryckmans 535"، لفظة "وذ ب هـ" "وذبه" ثم ذكرت بعدها جملة:"ملك أكسمن"، أي "ملك أكسوم"، أو "ملك الأكسوميين". وهو الملك الذي استعان به "شمر ذو ريدان". وقد قرأ بعض الباحثين لفظة "وذبه" على هذه الصورة "عذبة" أو "وزبة" وذهبوا إلى أنه ملك الحبشة الذي استعان به "شمر ذو ريدان"4، والذي تدخل في شئون اليمن فيما بين السنة "300" و"320" بعد الميلاد5.
ويظهر من اللقب الطويل الذي تلقب به ملك "أكسوم"، أي الحبشة ethiopia وهو الملك "عيزانا" ezana، أن اليمن وما جاورها من أرضين كانت خاضعة
1 Le Museon، 1958، 147، Die Araber، II، S. 285
2 Le Museon، 1964، 3-4، P. 498
3 Le Museon، 1964، 3-4، P. 480
4 Die Araber، II. S. 285
5 Die Araber، II، S. 295
لحكم الحبش في أيامه أيضًا. أما لقبه الذي تلقب به فهو: "ملك أكسوم وحمير وريدان وسبأ وسلحن"، ويذكر بعد هذا اللقب أسماء ثلاثة مناطق إفريقية كانت تحت حكمه، ثم ختم هذا اللقب بتتمته، وهي جملة:"ملك الملوك"1.
و"سلحن""سلحين"، هو قصر ملوك سبأ وذو ريدان بمأرب.
وكان الملك "عيزانا""عزانا"، قد دخل في النصرانية بتأثير المبشر "فرومنتيوس"، الذي أرسله إليه الملك "قسطنطين" ملك البيزنطيين عام "350" للميلاد أو "356". وقد فرض هذا الملك النصرانية على شعبه وأعلنها ديانة رسمية لمملكته كما جعلها الديانة الرسمية للعربية الجنوبية2.
وكانت العربية الجنوبية خاضعة لحكم أبيه، ولعله هو الذي أدخلها في حكمه إذ كان أبوه وهو "الأعميدا" ella' amida، قد لقب نفسه باللقب المذكور3.
ويرى بعض الباحثين أن حكم "عيزانا" لم يكن فيما بين السنة "330" و"350" بعد الميلاد أو بعد ذلك كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين، بل كان في حوالي السنة "450" للميلاد. ويرى أن ملكًا آخر كان قد تدخل في شئون اليمن واستولى على ساحل Kinaidokolpitae، هو الملك "سمبروتس" sembruthes وقد حكم على رأيهم في حوالي السنة "400" بعد الميلاد4.
ويرى بعض الباحثين أن الحبش استولوا على العربية الجنوبية بعد وفاة "شمر يهرعش"، وأن ذلك كان حوالي السنة "335م". وأن "ثيوفيلس" نصَّر عرب اليمن في حوالي السنة "354م"، إذ أنشأ كنيسة في "ظفار". وقد صار رئيس أساقفة "ظفار" يشرف على الكنائس التي أنشئت في اليمن وفي ضمن ذلك كنيسة "نجران" والكنائس الأخرى التي بنيت في العربية الجنوبية إلى الخليج5.
وأعرف تدخل للحبش في العربية الجنوبية، تدخلهم في شئون اليمن في النصف الأول للقرن السادس واحتلالهم اليمن، إذ بقوا فيها أمدًا حتى ثار أهل اليمن
1 Le Museon، 1964، 3-4، P. 448
2 Handbuch، I، S. 35، 36
3 Gandbuch، I، S. 36، 104، E. Littmann، Deutsche Aksum Expedltlon
4 Altheim-Stiehl، Geschichte der Hannen، 5، 175، Die Araber، II، S. 295
5 Grohmann، S.29
عليهم، فتمكنوا من إنقاذ بلادهم من الحبش بمعونة من الفرس. وتركوا بذلك اليمن أبدًا.
ويظهر من بعض الكتابات أن حصن "شمر" والسهل المحيط به كان في أيدي الحبش، وقد ورد فيها اسم موضع "مخون"، وهو "مخا". ويرد اسم هذه المدينة لأول مرة. وتتناول هذه الكتابات حوادث وقعت سنة "528" بعد الميلاد1.
وتبدأ قصة دخول الحبش إلى اليمن على هذا النحو: لما قتل ذو نواس من أهل نجران قريبًا من عشرين ألفًا، أفلت منهم رجل يقال له "دوس ذو ثعلبان" أو رجل آخر اسمه "جبار بن فيض" أو غير ذلك، ففر على فرس له، فأعجزهم حتى خرج فوصل الحبشة، وجاء إلى ملكها، فأعلمه ما فعل "ذو نواس" بنصارى نجران، وأتاه بالإنجيل قد أحرقت النار بعضه، فقال له: الرجال عندي كثير، وليست عندي سفن. وأنا كاتب إلى قيصر أن يبعث إليَّ بسفن أحمل فيها الرجال. فكتب إلى قيصر في ذلك وبعث إليه بالإنجيل المحرق. فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة عبر فيها البحر ودخل اليمن2.
وفي رواية أخرى أن "دوس ذو ثعلبان" قدم على قيصر صاحب الروم، فاستنصره على "ذي نواس" وجنوده وأخبره بما بلغ منهم، فقال له قيصر: بعدت بلادك من بلادنا ونأت عنا، فلا نقدر على أن نتناولها بالجنود. ولكني سأكتب لك إلى ملك الحبشة، فإنه على هذا الدين، وهو أقرب إلى بلادك منا، فينصرك ويمنعك ويطلب لك بثأرك ممن ظلمك. فكتب معه قيصر إلى ملك الحبشة يذكر له حقه وما بلغ منه ومن أهل دينه، ويأمره بنصره وطلب ثأره ممن بغى عليه وعلى أهل دينه. فلما قدم دوس ذو ثعلبان بكتاب قيصر على النجاشي، بعث معه سبعين ألفًا من الحبشة، وأمر عليهم رجلًا من أهل الحبشة يقال له أرياط، وعهد إليه إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم، وأخرب ثلث بلادهم، واسب ثلث نسائهم وأبنائهم. فخرج أرياط ومعه جنوده، وفي جنوده أبرهة الأشرم، فركب البحر ومعه دوس ذو ثعلبان حتى نزلوا بساحل اليمن. وسمع بهم ذو نواس، فجمع إليه حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن، فاجتمعوا إليه على
1 Le Museon، 1964، 3-4، P. 438
2 الطبري "2/105"، المحبر "ص368"، تفسير القرطبي "19/ 293".
اختلاف وتفرق لانقطاع المدة وحلول البلاء والنقمة، فلم تكن له حرب، غير أنه ناوش ذا نواس شيئًا من قتال، ثم انهزموا ودخلها أرياط بجموعه. فلما رأى ذو نواس ما رأى مما نزل به وبقومه، وجه فرسه إلى البحر، ثم ضربه فدخل فيه، فكان آخر العهد به، ووطئ "أرباط" اليمن بالحبشة، فقتل ثلث رجالها وأخرب ثلث بلادها وبعث إلى النجاشي بثلث سباياها، ثم أقام بها1.
ويظهر من دراسة هذا المروي أن الرواة كانوا على اختلاف بينهم في حديثهم عن "أصحاب الأخدود" وقد أشار العلماء إلى هذا الاختلاف2. وقد اختلفوا في زمانهم أيضًا، واكتفى بعضهم بقولهم: "وكانوا بنجران في الفترة بين عيسى ومحمد"3. وقال بعضهم: إنهم كانوا باليمن قبل مبعث الرسول بأربعين سنة، أخذهم "يوسف بن شراحيل بن تبع الحميري، وكانوا نيفًا وثمانين رجلًا، وحفر لهم أخدودًا وأحرقهم فيه4. وجعل بعضهم عدد من قتل من نصارى نجران عشرين ألفًا، وجعله بعضهم اثني عشر ألفًا، وذكر بعض آخر أن أصحاب الأخدود سبعون ألفًا. وقد قتلهم "ذو نواس اليهودي" واسمه "زرعة بن تبان أسعد الحميري" واسمه أيضًا "يوسف" وجعله بعضهم "يوسف بن ذي نواس بن تبع الحميري"5. وجعلوا زعيم نصارى نجران، والذي ثبت النصرانية فيها ونشرها بين النجرانيين رجل من أهل نجران، اسمه "عبد الله بن ثامر".
وكان قد أخذ النصرانية عن راهب، رآه فلازمه وتعلق به، وأثر في قومه بشفائه الأمراض بالدعاء لهم إلى الله لشفائهم، فدخل كثير ممن شفوا وبرئوا بدينه، وبذلك انتشرت النصرانية في نجران6.
ولم يبين رواة الخبر المتقدم الأسباب التي دعت نجاشي الحبشة إلى الطلب من قائده "أرياط" بأن يقتل ثلث رجال اليمن، ويخرب ثلث البلاد، ويسبي
1 الطبري "2/ 105 وما بعدها"، ابن قتيبة "ص311"، الكشاف للزمخشري "2/ 1594". تفسير البيضاوي "2/ 295".
2 تفسير القرطبي "19/ 287".
3 تفسير القرطبي "19/ 287".
4 تفسير القرطبي "19/ 289".
5 تفسير القرطبي "19/ 290".
6 تفسير القرطبي "19/ 289 وما بعدها".
ثلث النساء وأبناءهم وأن يتبع هذا النظام الثلاثي في العقوبة. ولم يذكروا الموارد التي أخذوا منها خبرهم على طريقتهم في أخذ الأخبار من غير تمحيص.
وزعم "ابن الكلبي" أن السفن لما قدمت على النجاشي من عند قيصر، حمل جيشه فيها، فخرجوا في ساحل المندب. فلما سمع بهم ذو نواس، كتب إلى المقاول يدعوهم إلى مظاهرته، وأن يكون أمرهم في محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحدًا. فأبوا، وقالوا: يقاتل كل رجل عن مقولته وناحيته. فلما رأى ذلك، صنع مفاتيح كثيرة، ثم حملها على عدة من الإبل، وخرج حتى لقي جمعهم فقال: هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها. فلما وجه الحبشة ثقات أصحابهم في قبض الخزائن، كتب "ذو نواس" إلى كل ناحية أن اذبحوا كل من يريد إليكم منهم. ففعلوا. فلما بلغ النجاشي ما كان من ذي نواس، جهز سبعين ألفًا، عليهم قائدان: أحدهما أبرهة. فلما صار الحبشة إلى صنعاء ورأى ذو نواس أن لا طاقة له بهم، ركب فرسه واعترض البحر فاقتحمه، فكان آخر العهد به1.
هذا مجمل ما ورد في كتب المؤرخين الإسلاميين والأخباريين عن ذي نواس.
وقد أخذ بعضه مما علق في أذهان أهل اليمن عن ذلك الحادث، وأخذ بعض آخر مما علق بأذهان أهل الكتاب عنه، ويعود الفضل في تدوينه وجمعه إلى القرآن الكريم؛ إذ أشار بإيجاز إليه:{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} 2. فكانت إشارته هذه إلى أصحاب الأخدود حافزًا دفع بالمفسرين وأصحاب التأريخ والأخبار على جمع ما علق بالأذهان من هذا الحادث، فجاء على الصورة المذكورة3.
ولم يرد إلينا شيء من هذا القصص الذي رواه الأخباريون عن ذي نواس مكتوبًا في المسند. وكل ما ورد مما له علاقة بحادث دخول الحبشة اليمن، هو ما جاء في النص المهم المعروف بنص حصن غراب والموسوم بـrep - epigr. 2633 من أن الأحباش فتحوا أرض حمير وقتلوا ملكها وأقياله الحميريين والأرحبيين.
1 الطبري "2/ 127""دار المعارف بمصر"، المحبر "ص368".
2 سورة البروج: رقم 85، الآية 4 وما بعدها.
3 Loth، Tabarl's Korancommentar، Die "Leute der Grbe" in ZDMG، 1881، S. 610
ولم يذكر في النص اسم هذا الملك. ويعود تأريخه إلى سنة "640" من التقويم الحميري الموافقة لسنة "525" للميلاد1.
ويرى ونكلر مستندًا إلى نص "حصن غراب" أن "ذا نواس" كان هو البادئ بالحرب، وأن السميفع أشوع وأولاده أصحاب النص كانوا في معية الملك ذي نواس في حملته على الحبشة، غير أنه لم يكتب له التوفيق، وأصيب بهزيمة إذ سقط فهزم جمعه. وعندئذ غزا الحبش أرض اليمن واستولوا عليها. فأسرع السميفع أشوع وأولاده في الذهاب إلى حصن "ماوية" للتحصن فيه ولتقوية وسائل دفاعه، ولم تكن قلوب هؤلاء مع ذي نواس، وإنما أكرهوا على الذهاب معه. وبقوا في حصنهم هذا إلى أن دخل الحبش أرض اليمن، فتفاهم معهم2.
وقد أشرت إلى ملخص ما جاء في التواريخ الإسلامية عن ذي نواس وعن حادث تعذيب نصارى نجران، وهو حادث لم يكن بعيد العهد عن الإسلام. فقد أشير إليه بإيجاز في القرآن الكريم:{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} 3 فجمع المفسرون والأخباريون على ما علق بالأذهان من هذا الحادث ورووا أخبارًا متناقضة متباينة في أصحاب الأخدود.
أما رأي اليهود -وهم طرف من أطراف هذا النزاع- عن حادث نجران فلا علم لنا برأي رجاله المعاصرين في الحادث؛ إذ لم يصل إلينا شيء مدون بقلم مؤلف يهودي معاصر له. وقد أخذ الأخباريون -كما قلت- ما كان علق عن ذلك الحادث بأذهان يهود اليمن ويثرب، على لسان وهب من منبه، وأضرابه، أخذوه عن طريق "الرواية والحفظ، فهذا المدون في كتب أهل الأخبار والمنصوص على سنده هو كل ما نعرفه من رأي اليهود المتأخرين في حادث نجران.
وأما ما رواه النصارى عنه، وهم الطرف الثاني في النزاع، فإنه أطيب جدًّا وأوضح مما ورد في الموارد الإسلامية وفي الرواية اليهودية الشفوية إذا اعتمدت
1 RIP. EPIGR, V. I. P. 5> Glaser، Die Abessinler. S. 131-132 Mordtmann، in ZDMG، XLIV، 1890. S. 176
2 Winckler، AOF، IV، 1896. "Zur Alten Geschichte Temens und Abessiniens" S. 327.
3 سورة البروج: رقم 85، الآية 4 وما بعدها.
المواد الإسلامية واليهودية على منابع شفوية، هي السماع والرواية، فجاء وصفها للحادث مزوقًا. أما الموارد النصرانية فقد اعتمدت على السماع والمشافهة أيضًا، ولكنها أخذت من موارد ووثائق مسجلة دون بعضها بعد وقوع الحادث بقليل، وكان لتدوينها الحادث أهمية كبيرة بالنسبة لمن يريد تأريخه والوقوف على كيفية حدوثه، وإن كانت لا تخلو أيضًا من المبالغات والتهويل، والعواطف؛ لأنها كتبت في ظروف عاطفية حماسية. ونقلت من محيط للمبالغة فيه مكانه كبيرة ومن أفواه أناس ليس لهم علم بمنطق المحافظة على صدق الواقع. وقد دونت لبعث حمية النصارى على إنقاذ أبناء دينهم المضطهدين في اليمن.
وقد أدرك بعضها زمن الحادث وأخذ سماعًا من رجال شهدوه، أو من رجال نقلوا رواياتهم من شهود العيان. فلهذه الوثائق إذن شأن عظيم في نظر المؤرخ.
ومن هؤلاء الرحالة: "قزما"، والمؤرخ "بروكوبيوس" المتوفى في حوالي السنة "560" للميلاد1. ومن المتأخرين: المؤرخ "ملالا"2 johannes malala.
وقد نقل من كتابة بعض المؤرخرين المتأخرين عنه، مثل "ثيوفانس"3 "theophanes""758-818" و"سدرينس" georg cedrenus، و"نيقيفورس كالستي"4 nicephorus callissti.
وكان "قزما" المعروف بـ cosmas indicopleutes أي "قزما بحار البحر الهندي"، وصاحب كتاب "الطبوغرافية النصرانية" christian cosmography وكتاب "البحار الهندية""بحار البحر الهندي" indicopleutes في مدينة "أدولس" adulis، الواقعة على ساحل الحبشة على المحيط الهندي ينقل كتابة "بطلميوس" ptolemaeus اليونانية بأمر النجاشي "elesboas""elesboan" في العهد الذي كان فيه النجاشي يتهيأ لغزو أرض حمير5. فكتب في جملة ما كتبه
1 Procopius، Gistory of the wars، Musil، Palmyrena، P. 336
2 Johannes Malala، Chron، ED: Bonn
3 Theophanes، Chronographia، ZDMG، 1881
4 Nicephorus Callisti، Hist، Eccl، Lib، XVII، Cap. 32
5 ED: Montfaucon، P. 141، ZDMG، 1881، S. 5
مجلة المجمع العلمي الغربي بدمشق: المجلد الثالث والعشرون: الجزء الأول، 1948، "ص18 وما بعدها".
قصة غزو الحبشة لليمن بعد 25 عامًا من وقوعه1. فلروايته عن الحملة شأن كبير لأنها غير بعيدة عهد عن الحادث، ثم إن صاحبها نفسه كان قد أدركها وقد سمع أخبارها من شهود عيان، ولعله كان نفسه من جملة أولئك الشهود، شاهد السفن وهي تحمل الجنود لنقلهم إلى اليمن، واتصل بالرسميين الحبش واستفسر منهم عن الحملة.
ويفهم من رواية "قزما"، أن الحملة كانت في أوائل أيام حكم القيصر "يسطينوس" justinus "518-527م"2. أما "ثيوفانس" theophanes و"سدرينوس" cedrenus ومن اعتمد عليهما، فقد جعلوا الحملة في السنة الخامسة من حكم هذا القيصر، وذكروا أن الذي حمل النجاشي على هذا الغزو هو تعذيب ملك حمير لنصارى نجران، وقد قتل هذا الملك3.
ويحدثنا "ثيوفانس" و"سدرينوس" عن غزو ثان قام به الحبش على حمير لاعتداءاتهم على تجار الروم، وذلك في السنة الخامسة عشرة من حكم "يوسطنيانوس" justinianus "527-565م"، وفي عهد النجاشي "أدد" adad.أما ملك حمير، فاسمه "دميانوس"damianus. وقد ذكر "ملالا" هذا الحديث محرفًا بعض التحريف، فجعل اسم النجاشي "أندس" andas بدلًا من أدد، وصير اسم ملك حمير "دمنوس" damnus عرضًا عن "دميانوس" damianus، وذكر حملة "أندس" هذه قبل جملة elesbaas. وأشار إلى أن النصرانية كانت قد انتشرت في الحبشة قبل أيام "أندس". وذكر المؤرخان الآخران أن "أدد" تنصر على أثر إحرازه النصر على الحميريين4.
وتحدثنا رواية سريانية أن النجاشي المسمى "أيدوك" aidog حارب الملك "أكسينودون xenedon ملك الهنود. ثم حارب "دميون" dimion ملك حمير لاعتدائه على التجار الروم واستيلائه على أموالهم. فانتصر "أيدوك" على ملك حمير، ثم تنصر، وعين على حمير ملكًا نصرانيًّا. فلما مات هذا الملك،
1 J.B. Bury، Gistory of the roman Empire، II، P. 323
2 Cosmas، P. 141، ZDMG، 31، 1877، 66
3 Mordtmann، In ZDMG، 31، 1877، S. 67، Theophanes،
4 I، 346، Cedrenus، I، 656
عذَّب خلفه نصارى نجران، فغزا "أيدوك" حمير وانتصر عليها. وأقام عليها "إبراهام""إبراهيم"1 abraham. ولا يشك المستشرق "فيل" fell في أن المراد بـ"adad""andas""aidog" رجل واحد هو النجاشي "كالب"، وهو elesbaas "كلب إلا أصبحه""كالب إلا أصبحه". وأما dimion و dimianus و xenodon، فيراد بها "ذو نواس". وقد تحدث "فل" fell بإطناب عن مختلف الروايات الواردة عن النجاشي "كالب""كلب إلا أصبحه" و"الأعاميدة""عيلاميده" وعن انتشار النصرانية في الحبشة، وأمثال ذلك، فإليه يرجع من يطلب المزيد2.
وفي المرويات اليونانية عن الشهداء أن الذي قام بتعذيب نصارى نجران هو الملك "ذو نواس" dunaas ملك حمير، وأن ذلك كان في السنة الخامسة من حكم "يوسطينوس" justinus، أن الذي غزا اليمن هو النجاشي ela atzbeha elesbas. فلما دخلت جيوشه أرض حمير، فر dunaas إلى الجبال فتحصن فيها، حتى إذا سنحت له الفرصة خرج فقتل من بقي من جيش النجاشي في اليمن واحتل مدينة "نجران" فقام عندئذ elesbas بحملة ثانية فانتصر بها على "dunaas" وعين abrames في مكانه3.
وفي جملة ما لحق بقصص الشهداء الحميريين، المناظرة التي جرت بين أسقف "ظفار" المسمى "كريكنتيوس" gregentius وبين herban اليهودي، والظاهر أنها من القصص الذي وضع في السريانية وليست لها قيمة تأريخية بالطبع4.
وقد دون "يوحنا الأفسي" john of ephesus المتوفى في حوالي سنة "585" للميلاد في تأريخه الكنسي وثيقة مهمة جدًّا عن حادث تعذيب نصارى نجران، هي رسالة وجهها "مار شمعون" أسقف "بيت أرشام" simon of beth arsham المعاصر لهذا الحادث إلى "رئيس دير جبلة" abt von gabula يصف فيها ما سمعه وما قصَّه عليه شهود عيان من أهل اليمن عن تعذيب نصارى نجران
1 Mordtmann، in ZDMG، 31، 1877، S. 67، Assemani، Bibl. Orient،
2 359، Fell، in ZDMG، 35، 1881، S. 19
3 Mordtmann، in ZDMG، 31، 1877، S. 67، Anecdota Graecca، vol، V، P. I، Cboissonade Ed)
4 Mordtmann، in ZDMG، 31، 1877، S. 69، Bury، I، P. 327
وما لاقوه هناك من أصناف العذاب1. ومنه أخذها البطريق "ديونيسيوس" patriarch dionysius، فأدخلها في تأريخه المؤلف بالسريانية. وقد نشرها "السمعاني" في مؤلفه "المكتبة الشرقية". وتجد هذه الرسالة أيضًا في تأريخ "زكريا" zacharias von mitylene المتوفى في حوالي سنة "568" للميلاد، وهو بالسريانية أيضًا2. وفي الرسالة اختلافات على نسخ الرسالة الأخرى، ولكنها غير مهمة على كل حال ولا تغير من جوهرها شيئًا3.
وقد ذكر "شمعون" في رسالته أنه كان قد رافق "إبراهيم""إبراهام" abraham والد "نونوسوس" nonnosus الشهير في رسالة خاصة أمر بها القيصر "يوسطينوس" justinus الأول إلى ملك الحيرة "المنذر الثالث". وكان ذلك في العشرين من كانون الثاني من سنة "835" من التأريخ السلوقي، وتقابل هذه السنة سنة "524" للميلاد. فلما بلغا قصر الملك، سمعا بأخبار استشهاد نصارى نجران. وعلم به "شمعون" من كتاب وجهه ملك حمير إلى ملك الحيرة، يطلب منه أن يفعل بنصارى مملكته ما فعله هو بنصارى نجران. وقد قرئ الكتاب أمامه، فوقف على ما جاء فيه، وعلم به أيضًا من رسول أرسله في الحال إلى نجران ليأتيه بالخبر اليقين عن هذه الأعمال المحزنة التي حلت بالمؤمنين4.
وقد وجه شمعون في نهاية الرسالة نداء إلى الأساقفة خاصة أساقفة الروم ليعلمهم بهذه الفاجعة التي نزلت بإخوانهم في الدين، وإلى بطريق الإسكندرية ليتوسط لدى
1 مجلة المجمع العلمي العربي، بدمشق، المجلد الثالث والعشرون الجزء الأول السنة 1948 "كتاب الشهداء الحميريين"، لمار أغناطيوس أفرام، النصرانية "1/ 61".
Fell، "Die Christenvetfolgung، in Sudarabien und Himjarish Athiopischen Kriege nach Abessinischer Uberlieferung" in ZDMG 35، 1881، S. 2. Assemani، Bibi. Orient، I، P. 364، Bury، II، P. 323
2 النصرانية "1/ 61"، مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، الجزء المذكور "ص18"، اللؤلؤ المنثور في تأريخ الآداب والعلوم السريانية "254"، حمص سنة 1943.
Assemani، Bibl. Orient، I، 369، ZDMG.. 35، 1881، S. 3
3 Zacharias، Hisroria Miscellanea، by J.P.N. Land، Entitled Zacharlae Epicopi Mitylenes Aliorumquae Scripta Gisrotica Graeca Plerumque
4 ZDMG، 35، 1881، S. 3، Bury، II، P. 323، Fragmanta Histori، Greega، IV، P. 177.
نجاشي الحبشة في مساعدة نصارى اليمن، كما وجه نداءه إلى أخبار "طبرية" للتأثير على ملك حمير، والتوسط لديه بالكف عن الاضطهاد والتعذيب1.
وقد درس عدد من الباحثين هذه الرسالة، ونقدوها، وهي في الجملة صحيحة ووثيقة مهمة لا شك في ذلك بالنسبة إلى من يريد الوقوف على موضوع استشهاد نصارى نجران أما ما جاء فيها على لسان ملك حمير من جمل وعبارات استخلصت على حد قول "شمعون" من الرسالة التي وجهها ملك حمير إلى المنذر، فمسألة فيها نظر، وقضية لا يمكن التسليم بها، فلا يعقل أن يكون ما قيل فيها على لسانه قد صدر منه. وما دون فيها من عبارات بحق الشهيد "حارثة" الحارث" arethas ونصارى نجران لا يعقل أن يكون قد صدر من ملك يهودي. ولكننا لا نستطيع أن ننكر أو نتجاهل أمر الرسالة التي أرسلها الملك إلى المنذر لحثه على اضطهاد نصارى مملكته مقابل مبلغ يقدمه ملك حمير إليه. ولا داعي يدعو إلى نكرانها والشك فيها. وكل ما نستطيع أن نقوله إن الرسالة صحيحة، ولكن ما دونه شمعون من جمل وعبارات على أنها من كلام ملك حمير، هو من إنشائه وكلامه، لا ترجمة حرفية للكتاب. وخلاصة ما يقال في الرسالة أنها وثيقة مهمة، ولها قيمة تأريخية في الجملة بغض النظر عن التفصيلات الواردة فيها وعن عواطف كاتبها وعن المبالغات التي وردت فيها. وفي مركز صاحبها والمكانة التي كان فيها ما يسوغ صدور مثل هذه الأمور منه ووقفه عليها2.
ومن الوثائق التأريخية التي تتعلق بشهداء نجران كتاب ينسب إلى "يعقوب السروجي" في السريانية في نصارى نجران، وقصيدة في رثاء الشهداء لـ"بولس" paulus bishop of eddessa أسقف "الرها" eddassa = edessa ومدحه إياهم، ونشيد كنسي سرياني لـ"يوحنا بسالطس" johannes psaltes رئيس دير قنسرين المتوفى سنة "600" للميلاد3، وميمر ليعقوب الرهاوي4.
1 ZDMG. 35، 1881، S. 3
2 ZDMG، 35، 1881، S. 4
3 مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، الجزء المذكور "18"، اللؤلؤ المنثور في تأريخ الآدب والعلوم السريانية "254"، وفي رواية أنه توفي في 30 أكتوبر 526 للميلاد راجع:
Bury، II، P. 324، ZDMG، XXXI، 324، 363، 400، XXXV، 1881، S. 4
4 النصرانية "1/ 61"، Bedjan، Acta Martyrum et Sanctorum، I، 372، 397
ويظهر مما ورد في "كتاب الشهداء الحميرين"1 وفي رسالة "شمعون الأرشامي" أن "يعقوب السروجي" أسقف "سرجيوبولس" sergiopolis، أي "الرصافة" كان من رجال البعثة المذكورة التي أوفدها القيصر "يوسطين الأول""يسطينوس" justin I إلى الملك "المنذر". و"الرصافة" sergiopolis هي "متروبولية منطقة الفرات" metropolis of euphratensis بالنسبة إلى نصارى العرب. ويذكر مؤلف الكتاب المذكور أنه عمد وهو في "حيرة النعمان""حيرتا دي نعمانا" hirtha dhe' na 'mana أحد سادات حمير، واسمه "أفعو"u ' af، وكان أحد الوثنيين الذين جاءوا من اليمن إلى الحيرة، وقد شاهد بنفسه تعذيب نصارى "نجران"2. وقد كلفه ملكه، أي ملك حمير، السفارة عند ملك الحيرة، ولكنه كان رقيق القلب، فرق قلبه وهو في الحيرة على النصرانية، فتنصر على يديه3.
وقد نقل مؤلف كتاب الشهداء الحميريين صورة الكتاب الذي أرسله ملك حمير، وقد دعاه "مسروقًا" masruq، إلى "المنذر بن الشقيقة""منذر بر شقيقة" mundhar bar zaqiqa وهو يحرضه فيه على النصارى4.
ولا بد من الإشارة إلى الأثر المهم المنشور باليونانية لـ"يوحنا بولند" johann bolland وجماعته في عشرات المجلدات، وإلى أثر آخر نشره "بويسونا" boissona في اليونانية كذلك في خمسة مجلدات5. فقد دونت في الكتاب الأول قصة الشهد القديس "الحارث" arethas وبقية شهداء نجران، وقصة الحرب التي وقعت بين النجاشي وذي نواس، ودونت في الأثر الثاني مضامين رسالة "مار شمعون". وقد بين "فينند فل" winand fell رأيه فيما جاء في مجموعة "بولند"6 bolland
1 Axei Moberg. The Book of the Himyarites، Lund، 1924، Le Museon، 1963، 3-4، P. 349
2 Shshid، The Book of the Himyarites، In، Le Museon، 1963، 3-4، P. 354
3 Le museon، 1963، 3-4، P. 352
4 The book of himyarites، Chapter XXV
5 النصرانية "1/ 61"، وفي مكتبة الآباء اليسوعيين نسخة عربية من هذه الأعمال:"أعمال البولنديين".
Acta Snctorum oct Tem X 721. Antwerp، 1643
6 ZDMG، 35، 1881، S. 5
وللنصوص الحبشية ولا شك أهمية عظيمة عند من يريد تدوين غزو الأحباش لليمن وتأريخ شهداء نجران إذ كانوا الطرف الرئيسي في هذا الحادث، وهم الذين أغاروا على اليمن فقتلوا ملك حمير. لذا وجه الباحثون أنظارهم نحوها وفتشوا عنها، غير أنهم لم يعثروا على نصوص فيها أمور جديدة عن الحادث تنفرد بها. وما عثر عليه ليس بكثير. ومن ذلك كتابة عثر عليها "يوسف سابيتو" j. sapeto أشير فيها باختصار إلى القديس الحارث "حيروت" herut وبقية الشهداء، وجملة مخطوطات حبشية محفوظة في المتحف البريطاني وردت فيها أخبار الشهداء وغزو الحبشة لليمن، وأمر "ذو نواس" المسمى فيها بـ"فنحاس"، وهي لا تختلف في الجملة اختلافًا كبيرًا عما جاء في أعمال "البولنديين" وأعمال القديس "أزقير" التي نشرها "روسيني"، وهو الذي استشهد بأمر ملك حمير "شرحبيل بن ينكف" مع "38" آخرين1.
يتبين من بعض الموارد الإغريقية والحبشية أن الأحباش كانوا قد نزلوا بأرض حمير قبل قيام ذي نواس بتعذيب نصارى حمير بسنين، وأنهم انتصروا على5 ذي نواس، فاضطر إلى التقهقر إلى الجبال للاحتماء بها، وأنهم تركوا في اليمن جيشًا لحماية النصارى والدفاع عنهم. فلما مات قائد الجيش ونائب الملك، انتهز ذو نواس هذه الفرصة فأغار على الحبش فتمكن منهم، وعذب من وجد في بلاده من النصارى واضطهدهم، وأغار على نجران، وحاضرها مدة طويلة بلغت سبعة أشهر على زعم الرواية الحبشية. فلما طال الحصار، عمد ذو نواس إلى الخداع والغش، ففاوض النجرانيين على التسليم له، وتعهد إن فتحوا له المدينة، ألا يتعرض لهم بسوء. فلما صدقوه وفتحوا المدينة له، أعمل فيهم السيف، فحمل ذلك الجيش على غزو اليمن2.
وورد في كتاب الشهداء الحميرين، ما يفيد بأن الحبش بعد أن نزلوا أرض حمير، عارضهم رجل اسمه "مسروق" وحاربهم وقاومهم، وهاجم مدينة
1 النصرانية "1/ 61 وما بعدها" Sapeto، Biaggio e Mission e Cattllca fra I Mensa I bogos etc، Roma 1857، P. 412، ZDMG، 35، 1881، S. 9، Conti Rossini، Redic. D. Reale Accad. D. Lencei، 1910، Ser، V، Vol، XIX، P. 705
2 ZDMG، 35، 1881، S. 13. Bury، II. P. 323
"ظفار" عاصمة حمير، وكان الحبش قد استولوا عليها وتحصنوا بها، ولما رأى "مسروق" أنه لا يتمكن من التغلب على الحبش الذين كانوا يحاربونه في مدينة "ظفار"، أوفد إليهم كهانًا ويهودًا من طبرية ورجلين من الحيرة كانا نصرانيين في الاسم، يحملون معهم كتابًا يعدهم فيه أنهم إن سلموا له "ظفار" فلن يؤذيهم، بل يعيدهم إلى الحبشة سالمين. فوثقوا بكلامه وصدقوه، وخرجوا إليه وكانوا ثلاث مائة محارب على رأسهم القائد "أبابوت"، فقبض عليهم وغدر بهم، إذ سلمهم إلى اليهود فقتلوهم. ثم أرسل من حرق بيعة ظفار بمن كان فيها من الحبش. عددهم مائتان وثمانون رجلًا، وكتب إلى الحميريين آمرًا بقتل النصارى قاطبة إن لم يكفروا بالمسيح ويتهودوا. وكتب إلى الحارث من أشراف مدينة نجران أن يأتيه مع من عنده من حملة السلاح لحاجته الشديدة إليهم. فلما بلغ الحارث مدينة ظفار، وسمع بما حدث، رجع إلى نجران، فحاصر مسروق المدينة، وطال الحصار، فراسل أهلها على الأمان. فلما فتحوا له مدينتهم، غدر بهم، وأحرق بيعتهم وأحرق خلقًا منهم بالنار رجالًا ونساءً وأطفالًا. وكان بعض قسيسيهم من حيرة النعمان ومن الروم والفرس والحبشة1.
فلما تمادى مسروق في غيه وفي قتل النصارى في نجران وغير نجران من مدن اليمن وقراها، سار سيد من سادات القوم اسمه "أمية" إلى الحبشة فأخبر مطرانها "أوبروبيوس" و"كالب" النجاشي بما حل بنصارى اليمن، فأمر "كالب" جيوشه بغزو حمير، فغزتها وقضى على "مسروق" اليهودي، وهو "ذو نواس" في كتب الإسلاميين2.
هذه رواية في السبب المباشر لغزو اليمن. وفي رواية أخرى أن الملك "دميون" dimion "دميانوس" dimianos، ملك حمير homeritae، كان قد أمر بقتل التجار الروم الذين كانوا في بلاده وبنهب أموالهم انتقامًا من الروم الذين أساءوا في بلادهم معاملة اليهود واضطهدوهم، فتجنب التجار الروم الذهاب إلى اليمن أو إلى الحبشة وإلى المناطق القريبة من حمير، فتأثرت التجارة مع الحبشة، وتضرر الأحباش، فعرض النجاشي على ملك حمير عروضًا لم يوفق عليها، فوقعت
1 مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، الجزء المذكور "11 وما بعدها". Fell، in zdmg ، 35 1881 ، S. 48
2 مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، الجزء المذكور "15".
الحرب. وتزعم الرواية أن النجاشي لم يكن نصرانيًّا، فقيل له: إن كتب لك النصر فأدخل في دين المسيح. فوافق على ذلك. فلما انتصر، تنصَّر، وانتقم من حمير. ثم أرسل رجلين من ذوي قرابته إلى القيصر يلتمس منه إرسال أسقف وعدد من رجال الدين. وبعد بحث واستقصاء وقع الاختيار على johannes paramonaris من كنيسة القديس يوحنا، فذهب مع عدد من الكهان، فعمد النجاشي وأتباعه، وأقام الكنائس، وأرشد الناس إلى الدين الصحيح1.
وقد عرف ذو نواس في النصوص النصرانية باسم dimnus = damian و damnus = dimianos و"مسروق"2. ونرى تشابهًا كبيرًا بين dimnus و damian و damnus وكلمة "ذو نواس" العربية. فالظاهر أنها تحريف نشأ عن هذا الأصل. وأما النصوص الحبشية فقد دعته "فنحاس" phin 'has، وهو اسم من أسماء يهود3.
أما النجاشي الذي حارب حمير وغزا أرضها، فقد دعاه "بروكوبيوس" باسم 4hellestheaeus. ودعاه غيره بأسماء قريبة منه مثل elisbahaz = elesbowan و elesboas = elesbaas = ela - atzbeha. ويظهر أنها أخذت من "إيلا أصباح" ela - asbah أو "إيلاصباح" ela - sebah في الحبشية5. ودعي أيضًا باسم آخر، هو aidug، دعاه به "يوحنا الأفسي"6 johannes von ephesus و"أندس" andas وقد دعاه "ملالا" بذلك7. و adad ودعاه به "ثيوفانس" و"سدرينوس" edrenus8. أما في الروايات الحبشية، فقد سمي "كالب"
1 Glaser، Die Abesslnler، S. 175، Bury، II، P. 322،
Dillmann، in ZDMG.، VII، 357، Noldeke، Tabarl، S. 188
2 Glaser، Die Abessinler، S. 177، Fell، In ZDMG.، 35، 8. 17،
1881، Ludolf، Comm. Ad. Hist Aeth.، P. 233
مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، الجزء المذكور 15.
3 Fell، In ZDMG.، 35، 1881، S. 17، Ludolf، Comm.'، P. 233
4 Procopius، History of the Wars، P. .189
5 ZDMG.، 35، 1881، s' 18
6 Galser، Die Abesslnler، S. 176، ZDMG.، 35، 1881، 8. 19،
Assemani، Blbl. Orient. I، 359-
7 ZDMG.، 35، 1881، S. 19، Malala، P. 434، Glaser،
Die Abesslnier، 8. 176
8 Theophanes، I، P. 346، Cedrenus، I، P. 656
1kaleb. فهو إذن "إلا أصبحة كالب" elle ' asbeha kaleb وتعني "إلا" elle = ells "ذو" أو من "آل". وأما "أصبحة"، فاسم أجداده وعشيرته التي انحدر منها. كما أن "ذا نواس"، لا يعني اسم الملك، بل لقب أسرته، فاسمه هو "يوسف". ويكون النجاشي، أي ملك الحبشة الذي جهز الجيش وفتح اليمن هو "كالب" من "آل أصبحة" أو "إلا أصبحة كالب". كما عرف بذلك2.
وقد تحول اسم النجاشي ela sebah = elesboass إلى "أصحمة" في العربية. فقد ذكر بعض العلماء أن "أبرهة ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي"3 فـ"أصحمة" إذن هو النجاشي المذكور.
والنجاشي ela atybeba = elesboas، وهو ابن النجاشي tayena الذي كان على النصرانية. وقد خلف هذا النجاشي، النجاشي andas الذي كان قد أقسم أنه إذا انتصر في الحرب يتنصر. فانتصر، فدخل في النصرانية. وصارت النصرانية ديانة رسمية للحبشة. وقد لقب tayena بلقب "ملك أكسوم وحمير homer وريدان وسبأ وسلحين" في كتابة من كتاباته، مما يدل على أنه كان قد حكم اليمن4.
وقد عثر في خرائب مدينة "مأرب" القديمة، على نص مصاب بتلف في مواضع عديدة منه، تبين من دراسة ما بقي منه أنه مدون بلغة أهل الحبشة، وأنه يتحدث عن غزو بحري لميناء لم يذكر اسمه في النص، وقد يكون ذلك بسبب التلف الذي أصاب النص، قام بذلك الغزو مدون النص، وقد كان في سفينة تبعتها إحدى عشرة سفينة أخرى، فنزل بذلك الميناء وتغلب عليه ونزل المحاربون من سفنهم ودخلوا الميناء، فأخذوا غنائم وأسرى. ثم تلت هذه السفن دفعة ثانية من سفن جاءت محملة بالمحاربين، نزلوا في موضع يقع جنوب الموضع الذي نزل هو فيه. لم يذكر اسمه في النص كذلك. وقد انتصر الغزاة على الأماكن
1 ZDMG. 35، 1881، S. 20
2 Die Araber، III، S. 28
3 تفسير النيسابوري "30/ 163"، "حاشية على تفسير الطبري".
4 Dilimann، in ZDmG، VII، 357، Noldke، Tabari، S. 188، Bury، II، P. 223
التي هاجموها؛ لأنهم كانوا مع الحق والشرع، فكان الله معهم، وكان أهل الميناء على الباطل وضد الشريعة الحقة فعوقبوا بالهزيمة1.
والنص المذكور -وإن كان خلوًا من كل إشارة إلى "ذي نواس"، أو إلى اسم "نجاشي" الحبشة، أو إلى زمن وقوع الغزو والأماكن التي وقع عليها- يشير إلى غزو الحبش لليمن في حكم "ذي نواس"، وإلى تغلب الحبش عليه.
ويظهر منه القافلة الأولى تركت ساحل الحبشة من موضع "أدولس""عدولس""عدولي" adulis على ما يظهر وكانت بإمرة "إلا أصيحة"، فعبرت باب المندب، حتى وصلت إلى ساحل اليمن. وقد اختارت ميناء "مخا" موضعًا للنزول، فنزلت به وتغلبت على أصحابه. ثم جاءت قافلة أخرى نزلت في موضع يقع جنوب هذا الميناء، وتغلبت على أصحابه كذلك. وبذلك تم النصر للحبش. ولم يشر النص إلى أسماء الموانئ التي تحرك منها الجيش، أو الموانئ التي نزل بها في ساحل اليمن.
وقد عالج الباحثون هذه الأسماء. فرأى قسم منهم أنها تعني شخصًا واحدًا هو ملك الحبشة الذي حارب ذا نواس. ورأى آخرون أن المراد بـaidug و adad و andas شخص واحد هو نجاشي حكم قبل هذا العهد، أي في القرن الرابع للميلاد، وهو "إلا عاميدة""علا عاميدة" ela amida، المعاصر للقيصر قسطنطين، وكان أول من تنصر من ملوك الحبشة على بعض الروايات.
وذلك لعدم انسجام هذه الرواية التي تنص على تنصر aidug بعد انتصاره على حمير، كما أشرت إلى ذلك، مع روايات أخرى تشير إلى تنصر ملوك الحبشة قبل غزو اليمن هذا بكثير2.
وترى الروايات العربية أن ذا نواس لما غُلب على أمره ورأى مصيره السيئ، ركب فرسه وسار إلى البحر فدخله فغرق فيه، أما الروايات الحبشية والإغريقية، فإنها ترى أنه سقط حيًّا في أيدي الأحباش فقتلوه3.
1 Die Araber، III، S. 24. ff، Journ. Af. Semit، Stud، 9 (1964) ، p. 56
2 ZDMG، 35، 1881، S. 20
3 ZDMG، 35، 1881، S. 16، Procopius، I، XX، I، Malala. S. 433