المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الفصل الأربعون: مملكة الغساسنة ‌ ‌مدخل … الفصل الأربعون: مملكة الغساسنة وحكم عرب بلاد الشام - المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام - جـ ٦

[جواد علي]

الفصل: ‌ ‌الفصل الأربعون: مملكة الغساسنة ‌ ‌مدخل … الفصل الأربعون: مملكة الغساسنة وحكم عرب بلاد الشام

‌الفصل الأربعون: مملكة الغساسنة

‌مدخل

الفصل الأربعون: مملكة الغساسنة

وحكم عرب بلاد الشام في دولة البيزنطيين، عرب عرفوا بـ"آل غسان"، وبـ"آل جفنة" وبـ"الغساسنة" وقد استمر ملكهم إلى الإسلام. فلما فتح المسلمون بلاد الشأم، زالت حكومتهم، وذهب سلطانهم كما ذهب ملك "آل لخم" منافسوهم في العراق.

وقد نقلت كلمة "غسان" في زعم الأخباريين من اسم ماء يقال له "غسان"، ببلاد "عك" بزبيد وربيع، نزل عليه آل غسان، وأصلهم من الأزد، بعد خروجهم من اليمن قبيل حادث سيل العرم أو بعده، فلما أقاموا عليه وشربوا منه، أخذوا اسمهم منه، فسموا "غسان"1، وعرف نسلهم بالغساسنة وبـ"آل غسان".

ولم يحدد أهل الأخبار زمان حدوث سبيل العرم، وتهدم السد. لذلك لا نستطيع أن نستنبط شيئًا من رواياتهم عن هذا الحادث في تحديد وقت وصول الغساسنة إلى بلاد الشأم. وحادث تصدع السد لم يكن حادثًا واحدًا، حتى نعتبره مبدأ لتأريخ هجرة الأزد وغيرهم من قبائل اليمن نحو الشمال. فقد تصدع السد مرارًا ورم

1 حمزة "ص76"، المروج "2/ 30"، القاموس "4/ 253"،

أما سألت فأنا معشر نجب

الأزد نسبتنا والماء غسان

البرقوقي "ص413"، شرح ديوان كعب بن زهير لابن سعيد السكري، "ص32 وما بعدها"، "طبعة دار الكتب المصرية" الاشتقاق "ص259" ديوان حسان "ص""هرشفلد".

ص: 77

مرارًا. والذي يفهم من أقوال الأخباريين أن هذا التصدع كان قد وقع قبل الإسلام بزمن، وقد بقيت ذكراه عالقة في الذاكرة إلى أيام الإسلام.

وأما سبب تسميتهم بآل جفنة وبأولاد جفنة، فلانتسابهم إلى جد أعلى يدعونه "جفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر" على رأي1، أو إلى "جفنة" قبيلة من غسان من اليمن2. ويذكر "ابن دريد" أن "جفنة" إما من "الجفنة" المعروفة، أو من "الجفن"، وهو "الكرم"، وجفن السيف وجفن الإنسان. ويذكر أن المثل المشهور بين الناس: "وعند جهينة الخبر اليقين"، هو خطأ تقوله العامة، وأن صوابه:"وعند جفينة الخبر اليقين"3.

ولم نظفر حتى الآن باسم غسان في نصوص المسند. كذلك لم نظفر به في الأرضين التي عدها الأخباريون في جملة ممتلكات هذه القبيلة.

ويزعم الأخباريون أن الذي قاد الغساسنة في خروجهم من اليمن، هو عمرو المعروف بـ"مزيقيا"، وهو ابن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث4. ولهم في نسبه على هذا النحو من ذكر الآباء والأجداد والألقاب أقوال وحكايات5.

وروى "ابن قتيبة الدينوري" أن "عمرو بن عامر مزيقياء" لما خرج من اليمن في ولده. وقرابته ومن تبعه من الأزد، أتوا بلاد عك، وملكهم "سملقة""سلمقة"، وسألوهم أن يأذنوا لهم في المقام حتى يبعثوا من يرتاد لهم المنازل ويرجعوا إليهم، فأذنوا لهم. فوجه عمرو بن عامر ثلاثة من ولده: الحارث بن عمرو، ومالك بن عمرو، وحارثة بن عمرو، ووجه غيرهم روادًا فمات عمرو بن عامر بأرض عك قبل أن يرجع إليه ولده ورواده، واستخلف ابنه ثعلبة بن عمرو، وأن رجلًا من الأزد يقال له جذع بن سنان احتال في قتل سلمقة "سملقة"،

1

أولاد جفنة حول قبر أبيهم

قبر ابن مارية الكريم المفضل

شرح ديوان حسان بن ثابت، "إخراج البرقوقي""طبع المطبعة الرحمانية" القاهرة 1929 م "ص309" شمس العلوم "ج1 ق1 ص342"، اللسان "13/ 91"، "جفن"

2 شمس العلوم، "ج 1 ق 1 ص342".

3 الاشتقاق "ص259"، اللسان "13/ 91"، "صادر"، "ج ف ن".

4 حمزة "ص77".

5 مروج "2/ 30".

ص: 78

ووقعت الحرب بينهم، فقتلت عك أبرح قتل وخرجوا هاربين، فعظم ذلك على ثعلبة بن عمرو، فحلف أن لا يقيم، فسار ومن اتبعه حتى انتهوا إلى مكة وأهلها يومئذ جرهم، وهم ولاة البيت، فنزلوا بطن مر وسألوهم أن يأذنوا لهم في المقام معهم، فقاتلتهم جرهم، فنصرت الأزد عليهم، فأجلوهم عن مكة، ووليت خزاعة البيت، فلم يزالوا ولاته حتى صار "قصي" إلى مكة، فحارب خزاعة بمن تبعه، وأعانه قيصر عليها، وصارت ولاية البيت له ولولده، فجمع قريشًا، وكانت في الأطراف والجوانب، فسمي مجمعًا، وأقامت الأزد زمانًا1.

فلما رأوا ضيق العيش شخصوا، فصار بعضهم إلى السواد، فملكوا بها. منهم "جذيمة بن مالك بن الأبرش" ومن تبعه وصار قوم إلى عمان وصار قوم إلى الشأم، فهم "آل جفنة" ملوك الشأم. وصار جذع بن سنان قاتل سلمقة إلى الشأم أيضًا، وبها سليح، فكتب ملك سليح إلى قيصر يستأذنه في إنزالهم، فأذن له على شروط شرطها لهم. وأن عامل قيصر قدم عليهم ليجيبهم فطالبهم وفيهم جذع، فقال له جذع خذ هذا السيف رهنًا أن نعطيك. فقال له العامل: اجعله في كذا وكذا من أمك، فاستل جذع السيف فضرب به عنقه. فقال بعض القوم: خذ من جذع ما أعطاك، فذهبت مثلًا.

فمضى كاتب العامل إلى قيصر فأعلمه، فوجه إليهم ألف رجل وجمع له خذع من الأزد من أطاعه، فقاتلوهم فهزموا الروم، وأخذوا سلاحهم، وتقووا بذلك، ثم انتقلوا إلى يثرب وأقام بنو جفنة بالشام وتنصروا. ولما صار جذع إلى يثرب وبها اليهود، حالفوهم، وأقاموا بينهم على شروط فلما نقضت اليهود الشروط، أتوا تبعًا الآخر، فشكوا إليه ذلك، فسار نحو اليهود حتى قتل منهم وأذلهم، وصار الأمر في يثرب للأزد2.

وللأخباريين تفاسير في سبب تلقيب عمرو بن عامر بمزيقياء. وقد ذكر "حمزة" بعض الآراء الواردة في ذلك، فقال: "وتزعم الأزد أن عمرًا إنما سمي مزيقياء لأنه كان يمزق كل يوم من سني ملكه حلتين لئلا يلبسهما غيره، فسمي هو مزيقياء، وسمي ولده المزاقية. فهذا قول وقيل: إنما سمي مزيقيا؛ لأن الأزد

1 المعارف "ص640"، "تحقيق ثروت عكاشة".

2 المعارف "ص278 وما بعدها"، "640"، "تحقيق ثروت عكاشة".

ص: 79

تمزقت على عهده كل ممزق عند هربهم من سيل العرم، فأتخذت العرب افتراق الأزد عن أرض سبأ بسيل العرم، فقالوا:"ذهبت بنو فلان أيادي سبأ"1. ومال "نولدكه" إلى هذا التفسير الأخير، فرأى أنه مأخوذ من الآية: {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} 2.

ويظهر أن الغساسنة اخترعوا أسطورة تمزيق الثياب، للإشارة إلى غنى جدهم "عمرو" واقتداره3. وأما ما ذهب إليه "نولدكه"، فهو في نظري نوع من الظن، استخرجه من هذا التفسير الثاني الذي رواه الأخباريون في تفسير الكلمة الخاص بتفرق الأزد عن أرض سبأ لحدوث السيل.

وقد زعم أنه نزح معهم من اليمن قومهم من الأزد، فنزل المدينة رهط "ثعلبة العنقاء بن عمرو بن عامر ومنهم الأوس والخزرج، ونزل مكة رهط حارثة بن عمرو بن عامر، وهم خزاعة، ونزل جفنة بن عمرو. بن عامر بالشام، وهم الغساسنة ونزل لخم في العراق ومنهم المناذرة أو آل نصر"4. فوصل أهل الأخبار بذلك تأريخ خزاعة والأوس والخزرج وآل لخم بآل غسان. وجعلوا ابتداء ظهورهم في أماكنهم منذ ذلك العهد، أي منذ وقوع حادث "سيل العرم".

وقد روى الأخباريون في ذلك شعرًا لنفر من الأنصار، ورد فيه انتساب أهل يثرب إلى "عمرو بن عامر"، واتصال نسبهم بنسب غسان. ومن ذلك شعر للشاعر الأنصاري المعروف "حسان بن ثابت"، يقول فيه:

أَلَم تَرَنا أَولادَ عَمروِ بنِ عامِرٍ

لَنا شَرَفٌ يَعلو عَلى كُلِّ مُرتَقي5

ومن ذلك شعر زعم أن قاتله أحد الأنصار هو:

أنا ابن مزيقيا عمرو، وجدي

أبوه عامر ماء السماء6

1 حمزة "ص77"، "وهو مزيقياء. كان يمزق كل يوم حلة لئلا يلبسها أحد بعده"، الاشتقاق "ص258".

2 سورة سبأ، 34، الآية 18، نولدكه: أمراء غسان، "ص3"، ملحوظة 1 "الترجمة العربية".

3 أمراء غسان "ص3 وما بعدها"، "ص5" من النص الألماني.

4 شرح ديوان حسان، للبرقوقي "ص286".

5 البرقوقي "ص286".

6 شرح ديوان حسان بن ثابت الأنصاري، للبرقوقي "ص286".

ص: 80

فالأنصار، أي أهل يثرب، وهم من الأوس والخزرج، هم من الدوحة التي أخرجت الغساسنة، وقد ظهر تأريخهم من يثرب بعد حادث سيل العرم في نحو ما رأيت.

وافتخار أهل يثرب بآل جفنة يزيد كثيرًا على افتخارهم بآل لخم، مع أنهم على حد قولهم من أصل واحد، وقد افترقوا جميعًا في وقت واحد، وهم في درجة واحدة من القرابة، ونجد لحسان بن ثابت شعرًا في الغساسنة، هو أضعاف ما قاله في المناذرة. ويظهر أن لقرب الغساسنة من يثرب، وللمصالح الاقتصادية وللهبات والعطايا التي كان ينالها حسان وأمثاله من الغساسنة بيسر وسهولة، لقربهم منهم، أثر كبير في هذا المدح والتعصب لغسان على آل لخم.

وأما عن نعت عامر بماء السماء. فقال حمزة: "إنه إنما سمي ماء السماء لأنه أصابت الأزد مخمصة، فمانهم حتى مطروا، فقالوا: عامر لنا بدل ماء السماء"1.

وقد عرف أشخاص آخرون بـ"ماء السماء" من غير غسان، منهم "المنذر بن امرئ القيس اللخمي" و"ماء السماء بن عروة" من ملوك "الحيرة" على زعم "ابن الكلبي"2. وقد نعت "حسان بن ثابت" الغساسنة الذين جاءوا من بعده بـ"أولاد ماء المزن". و"المزن = المطر". يريد بذلك "أولاد ماء السماء"، أي:"بني ماء السماء"، وماء السماء هو المطر، وذلك كناية عن الجود والكرم والإغاثة. والمطر هو غوث للناس ورحمة والجود هو غوث لمن يجاد عليه، فهو بمنزلة المطر للأرضين. فقصد الشاعر بذلك أن "آل غسان". للناس بمنزلة المطر للأرض. وقد يكون جد الغساسنة قد عرف بكرمه وسخائه، فنعت بهذا النعت الدال على السخاء والجود. ولا أستبعد أن تكون هذه النعوت من النعوت التي أطلقها الشعراء على المذكورين، فلازمتهم حتى اليوم3.

ونسب آل غسان إلى جد آخر، يعرف بـ"ثعلبة". وقد أشير إلى "عرب الروم من آل ثعلبة"4. وقد ذكر "محمد بن حبيب"، أن رئيس غسان

1 حمزة "ص77""مانهم، أي احتمل مؤنتهم، أي قوتهم حتى يأتيهم الخصب"، البرقوقي "ص287".

2 المحبر "ص365".

3

كخفنة والقمقام عمرو بن عامر

وأولاد ماء المزن وابني محرق

البرقوقي "ص287".

4 غسان "ص4".

ص: 81

الذي قضى على "الضجاعمة"، وانتزع الملك من "سليح"، هو "ثعلبة" ابن عمرو بن المجالد بن عمرو بن عدي بن مازن بن الأزد1. ومن نسله كان ملوك غسان، فهو أذن "ثعلبة" المذكور.

ويظهر من روايات الأخباريين أن الغساسنة أخذوا الحكم بالقوة من أيدي عرب كانوا يحكمون هذه المنطقة قبلهم، ويدعون بـ"الضجاعمة"، وهم من "سليح بن حلوان"2.

وبنو سليح، هم عرب ينسبهم النسابون إلى "سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة"3. وقد نسبهم "ابن دريد" إلى "سليح بن عمران بن الحاف"، وجعل لـ"سليح" شقيقًا هو "تزيد" جد "التزيديين"4.

ونسبهم "السكري" إلى "سليح بن عمرو بن الحاف بن قضاعة"5. ولكن اختلاف النسابين هذا في نسبهم، يقف عند نهاية سلاسل النسب، إذ تنتهي هذه النهاية في "قضاعة" حيث يتفق الكل أن "سليحًا" هم من قضاعة. أما صاحب كتاب المعارف، فقد جعل سليحًا من غسان، إلا أنه عاد فاستدرك على ذلك بقوله:"ويقال من قضاعة"6.

وقد ذكر أهل الأخبار أن "بني سليح" بقوا في بلاد الشأم، إذ ذكروهم في أخبار الفتوح، وكانوا في جملة من أقام على النصرانية من عرب الشأم. وقد أسلم قسم منهم، وكانوا في "قنسرين" في أيام المهدي7.

ومن ملوك سليح الذين ذكرهم الأخباريون زياد بن الهبولة ملك الشأم، جعلوه من معاصري حجر بن معاوية بن الحارث الكندي آكل المرار، وذكروا أنه سمع بغارة قام بها حجر على البحرين، فسار إلى أهل حجر ومن تركهم، فأخذ الحريم والأموال وسبى منهم هند بنت ظالم بن وهب بن الحرث بن معاوية. فلما سمع

1 المحبر "ص371".

2 حمزة "ص76 وما بعدها".

3 حمزة "ص76 وما بعدها"، الإكليل "1/ 182".

4 الاشتقاق "2/ 314".

5 المحبر "ص370".

6 المعارف "ص278"، "أول من دخل الشام من العرب: سليح، وهو من غسان، ويقال من قضاعة"، "ص640، "تحقيق ثروت عكاشة".

7 فتوح البلدان، للبلاذري "ص152" "طبعة القاهرة: 190".

ص: 82

حجر وكندة وربيعة بغارة زياد، عادوا عن غزوهم في طلب ابن هبولة، ومع حجر أشرف ربيعة: عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان، وعمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وغيرهما. فأدركوا قوم زياد بـ"البردان" دون عين أباغ، فحمل أتباع حجر على أتباع "ابن الهبولة"، فانهزموا، ووقع زياد أسيرًا ثم قتل1.

وتذكر رواية أن "حجرًا" أرسل "سدوس بن شيبان" و"صليع بن عبد غنم" إلى عسكر "زياد" يتجسسان له الخبر، ويعلمان علم العسكر، ثم عادا فأخبره، فسار على جيش ابن الهبولة، واقتتلوا قتالًا عنيفًا، فشد "سدوس" على زياد واعتنقه وصرعه، وأخذه أسيرًا، فلما رآه "عمرو بن أبي ربيعة" حسده فطعن زيادًا فقتله، فغضب سدوس لأنه قتل أسيره، وطالب بديته، ودية الملوك، فتحاكما إلى حجر، فحكم على عمرو وقومه لسدوس بدية ملك، وأعانهم من ماله2.

ويقتضي على هذه الرواية أن يكون ملك "زياد بن الهبولة" في وقت متأخر إذ لا ينسجم هذا القول مع ما يذكره أهل الأخبار من أن ملك "بني سليح" كان قبل الغساسنة3. ولو أخذنا بالخبر المتقدم، وجب علينا القول بأن زيادًا كان يحكم في أيام الغساسنة لا قبل ذلك.

وقد ذكر "ابن الأثير" أن "زياد بن هبولة" لم يكن ملكًا على الشأم؛ لأن ملوك سليح كانوا بأطراف الشأم مما يلي البر من فلسطين إلى قنسرين والبلاد للروم، ولم تكن سليح ولا غسان مستقلين بملك الشأم ولا بشبر واحد، وزياد بن هبولة السلخي أقدم من حجر آكل المرار بزمان طويل. ولم يكن زياد آخر ملوك سليح. ثم خلص من قوله برأي توفيقي، بأن افترض أن زياد بن هبولة المعاصر لحجر كان رئيسًا على قوم أو متغلبًا على بعض أطراف الشأم، فهو غير ذلك الملك المذكور4.

1 ابن الأثير "1/ 208"، حمزة "ص92"، الأغاني "15/ 82"، أيام العرب "42".

2 أيام العرب "45".

3 ابن الأثير "1/ 208".

4 أيام العرب "45".

ص: 83

وقد تحدث "أبو عبيدة" عن ذلك اليوم، ولم يذكر ان ابن هبولة من سليح بل قال: هو غالب بن هبولة ملك من ملوك غسان1.

وقد تحدثت بعض الروايات عن "زياد بن هبولة" على هذا النحو: "منهم داود اللثق بن هبالة بن عمرو بن عوف بن ضجعم، كان ملكًا، ومنهم زياد بن هبالة بن عمرو بن عوف بن ضجعم، وكان ملكًا، وهو الذي أغار على حجر آكل المرار. وهو محرق، وكان أول من حرق بالنار"2. فجعلت والد زياد رجلًا اسمه "هبالة"، وجعلت "داود اللثق" شقيقًا له. أما الروايات الشائعة، فتجعل "داود اللثق" ابنًا لـ"هبالة" أي أنه أخو "هبولة بن عمرو بن عوف"، فهبولة على هذا وهبالة أخوان، وزياد وداود ابنا عم3.

وأما ملوك "سليح" على رواية "ابن قتيبة الدينوري"، فهم:"النعمان بن عمرو بن مالك"، وقد عينه ملك الروم على قومه -على حد قوله- بعد أن دانوا بالنصرانية، ثم مالك وهو ابنه، ثم "عمرو"، وهو ابن مالك.

قال: ولم يملك منهم غير هؤلاء الثلاثة. إذ انتقل الملك من بعد "عمرو" إلى الغساسنة4.

ونسب الأخباريون "الضجاعمة" إلي "بني ضجعم بن حماطة بن سعد بن سُليح بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة"5. فهم على هذا النسب، ومن "بني سليح" ومن قبايل قضاعة، وقد حكموا بعد حكم "بني سليح".

ونسب بعض الأخباريين "ضجعم" إلى "سعد بن سليح"، أي بإسقاط اسم "حماطة" من النسب، بأن جعلوا "سعد بن سليح" والدًا لضجعم. وقد ذكروا أن منهم "داود اللثق بن هبولة بن عمرو" وهو شقيق "زياد بن هبولة" المذكور. وذكر بعض منهم أن "داود بن هبولة" هو شقيق "هبالة بن عمرو بن عوف بن ضجعم"6.

1 أيام العرب "45".

2 الاشتقاق "2/ 319".

3 الاشتقاق "2/ 319".

4 المعارف "ص278 وما بعدها"، "ص640"، ثروت عكاشة".

5 المحبر "ص370"، الاشتقاق "2/ 319"، ابن خلدون "2/ 279"، حمزة "76"، غسان "6"، الإكليل "1/ 182".

6 الاشتقاق "2/319".

ص: 84

ويظهر أن "داود اللثق" كان قد اعتنق النصرانية. وكان قد عمل للروم. وإليه ينسب "دير داود""دير الداود"1.

ويظهر من بعض الروايات عن "زياد بن هبولة" الذي حارب. "حجرًا آكل المرار"، كان أخًا لـ"داود". ويظهر من روايات أخرى أنه كان ابن عم له2. وإذا أخذنا برواية من زعم أن "زيادًا" هذا حارب "حجرًا أكل المرار"، فمعنى هذا أن "جفنة"، وهو مؤسس إمارة آل جفنة، أي الغساسنة، قد حكم بعد "زياد". وقد زعم "حمزة" أن ملكًا من ملوك الروم اسمه "نسطورس" هو الذي ملك جفنة على عرب الشام3. وذهب بعض أهل الأخبار إلى أن القيصر الذي عين "جفنة" على عرب الشام هو "أنسطاسيوس" "anastasius" الأول، الذي حكم من سنة "491" حتى سنة "518" للميلاد. فتكون نهاية حكم الضجاعمة وبداية حكومة "آل جفنة" في هذا العهد4.

و"ضجعم" هو "zocomus" أحد "العمال""phylarch" الذي نصبهم الروم على عرب بلاد الشأم، حرف اسمه فصار على الشكل المذكور، وقد حكم في أواخر القرن الرابع للميلاد. وقد ذكره "ثيوفلكتوس" "theophlactus" على هذه الصورة5:"zeokomos"، وذكر أنه هو وقبيلته دخلوا في النصرانية وأن الله وهبه ولدًا بفضل دعاء النساك النصارى6.

وقد كان الضجاعم من القبائل العربية المعروفة عند ظهور الإسلام. وقد كانوا مثل سائر القبائل المستعربة المستنصرة ضد الإسلام. وقد وقفوا مع "دومة الجندل" في عنادهم ومقاومتهم لخالد بن الوليد، وكان رئيسهم إذ ذاك هو "ابن الحدرجان"7. لقد أشار المؤرخون اليونان والسريان إلى ملكة عربية دعوها "ماوية" "mauia" "mavia" "mawiya"، حكمت القبائل العربية الضاربة في بلاد الشأم، وهاجمت

1 Die Araber، II، S. 331

2 الاشتقاق "2/ 319"، ابن الأثير "1/ 372"، ابن خلدون "2/ 278".

3 حمزة "ص77".

4 die araber، ii، s. 332

5 Sozomenus، VI، 38، Teophylactus، 2، 2، Die Araber، II، S. 330

6 غسان "ص6"، "ص8" من النص الألماني.

Zosimus، 6، 38، Socrates، 4، 30، Rufinius، II، 6، Theodoretus، 40، 21

7 الطبري "3/ 378""خبر دومة الجندل".

ص: 85

فلسطين و"فينيقية"، ويظهر أن هذا الهجوم كان قد حدث بعد ترك القيصر "وألنس""valens""364-378م" أنطاكية وذلك سنة "378م"1 وقد حاربت الروم مرارًا، وانتصرت غير مرة، ثم تصالحت معهم. وكان من جملة ما اشترطته عليهم أن يسقف على عربها راهب يدعى موسى كان يتعبد في بادية الشأم، فوافق القيصر على ذلك. وكان هذا الراهب كاثوليكيًا معارضًا لمذهب أريوس2.

ويذكر المؤرخون أن غارات تلك الملكة على حدود الروم، كانت عنيفة كاسحة، أنزلت الدمار والخراب بقرى وبمدن عديدة، وألحقت خسائر فادحة بالأرواح والمال. وقد شملت تلك الغارات أرض فلسطين و"الحدود العربية""arabici limites". وتذكر أن عربها كانوا من الـ"سارسين""سرسين"3 "saracene".

وقد وليت "ماوية" الحكم بعد وفاة زوجها، ويظهر أن نزاعًا وقع بينها وبين الروم أدى إلى توتر العلاقات بينهما، آل إلى هجوم الملكة على حدود الروم. ولما عجز الروم من الانتصار عليها، استعانوا ببعض سادات القبائل للتغلب عليها، ولما وجدوا أن القبائل لم تفعل شيئًا، اضطروا على التفاوض معها، وعلى ترضيتها على نحو ما ذكرت4.

وقد قام موسى "moses" بنشاط كبير في نشر النصرانية بين العرب. وقد كان من مصلحة الروم تنصر الأعراب؛ لأن في تنصرهم تأييدًا لهم، حتى وإن خالف مذهبهم مذهب الروم5.

وقد حكم قبل "ماوية""عامل" عربي أشار إليه المؤرخ "أميانوس""ammianus"، غير أنه لم يذكر اسمه، قال إنه "assanitarum" وإنه من "السرسين""phylarchus saracenorum assanitarum"، وقد حكم

1 Provincia Arabia، III، S. 286، Theophanes، 64، (Ed. De Boor) ، Socrates، IV 36، Sozomenus، VI، 38 Eusebios، 2، 2،

2 المشرق، السنة العاشرة، العدد 11، حزيران، 1907، "ص524"، theodoretus، 4، 21. socrates، hist. eccl،4 ، 36

3 Die Araber، II، S. 328

4 Die Araber، II، S. 328

5 Die Araber، II، S. 328

6 Ammianus، 24، 4، 2، Provincia Arabia، III، S. 286

ص: 86

في أيام "يوليان" جوليان" "julian" "361-363 م". ويظن البعض أن مراد المؤرخ بـ"أسانيته" "assanitae" الغساسنة، أي أن الكلمة من أصل "غسان"1.

غير أن هذا الظن معناه أن حكم الملكة "ماوية"، كان في أيام الغساسنة، وأنها أزعجت الروم في وقت كان فيه "آل جفنة" على عرب بلاد الشأم. وهذا ما لا تؤيده الموارد التأريخية المتوفرة لدينا الآن. لذلك أرى أن حكم "ماوية" كان قبل تولي "الغساسنة" الحكم رسميًّا من الروم، أو أن الملكة كانت تحكم في الأقسام الجنوبية من بادية الشأم، ومنها أخذت تهاجم حدود الروم المؤلفة لكورة فلسطين، وتتوغل بها حتى بلغت "فينيقة" و"مصر"، ولم يكن حكم الغساسنة متمكنًا إذ ذاك، فاستغلت هذا الضعف، وأخذت تهاجم الحدود.

وزعم المسعودي أن ملك العرب بالشأم يعود إلى أيام "فالغ بن هور" فالغ بن يغور". وقد صيره من صميم أهل اليمن. ملك ثم ترك الحكم إلى "يوتاب" سومات"، وهو "أيوب بن رزاح". ثم انتقل ملك الشأم على رأيه أيضًا إلى الروم. وكانت قضاعة من مالك بن حمير أول من نزل الشأم، وانضافوا إلى ملوك الروم، فملكوهم بعد أن دخلوا في النصرانية على من حوى الشام من الرعب. وكان النعمان بن عمرو بن مالك أول من تولى من تنوخ بالشأم. ثم ملك بعده عمرو، ثم "الحواري بن النعمان" ثم انتقل الملك إلى سليح. وانتقل الملك منهم إلى آل غسان2.

وقد كانت سليح -كما يذكر الأخباريون- يجبون من نزل بساحتهم من مضر وغيرها للروم. فأقبلت غسان في جمع عظيم يريدون الشأم حتى نزلوا بهم، فقالت سليح لهم: إن أقررتم بالخرج، وإلا قاتلناكم. فأبوا عليهم، فقاتلهم سليح، فهزموا غسان. ورئيس غسان يومئذ "ثعلبة بن عمرو بن المجالد بن عمرو بن عدي بن مازن بن الأزد". فرضيت غسان بأداء الخرج إليهم. فكانوا يجبونهم لكل رأس دينارًا، ودينارًا ونصفًا، ودينارين في كل سنة على أقدارهم فلبثوا يجبونهم حتى قتل "جذع بن عمرو الغساني" جابي سليح، وهو سبيط بن المنذر بن عمرو

1 Musil، Kusegr 'Amra، Wien، 1907، P. 130

2 مروج "2/ 29 وما بعدها"، "2/ 82 وما بعدها"، "طبعة دار الأندلس".

ص: 87

ابن عوف بن ضجعم بن حماطة. فتنادت سليح بشعارها وتنادت غسان بشعارها.

فالتقوا بموضع يقال له "المحفف"، فأبارتهم غسان، وخاف ملك الروم أن يميلوا مع فارس عليه، فأرسل إلى ثعلبة، فقال: أنتم قوم لكم بأس شديد وعدد كثير، وقد قتلتم هذا الحي، وكانوا أشد حي في العرب وأكثرهم عدة وإني جاعلكم مكانهم، وكاتب بيني وبينكم كتابًا: إن دهمكم دهم من العرب أمددتكم بأربعين ألف مقاتل من الروم بأداتهم، وإن دهمنا دهم من العرب فعليكم عشرون ألف مقاتل على أن لا تدخلوا بيننا وبين فارس. فقبل ذلك ثعلبة، وكتب الكتاب بينهم. فملك ثعلبة وتوجه. وكان ملك الروم يقال له "ديقيوس"1.

وقد تحدث الأخباريون وأصحاب كتب الأمثال عن هذا الحادث في معرض كلامهم عن المثل: "خذ من جذع ما أعطاك". وقد اتفقوا كلهم في اسم القائل، هو منصوص عليه في المثل، ولكنهم اختلفوا في اسم المقتول، فقال بعضهم إنه سبيط، وقال آخرون: إنه سبطة2، ويقول بعض آخر: إنه كان رجلًا من الروم3.

وقد زعم بعض أهل الأخبار، إن اليوم الذي انتصر فيه الغساسنة على الضجاعمة هو "يوم حليمة" وذلك أن الحرب لما ثارت بين الضجاعمة والغساسنة للسبب الذي ذكرته، وقالوا "خذ من جذع ما أعطاك"، كان لرئيس غسان ابنة جميلة يقال لها "حليمة"، فأعطاها خلوفًا لتخلق به قومها، وانتصر الغساسنة بذلك اليوم على الغساسنة. فقالوا:"ما يوم حليمة بسر"4.

ونسب ابن خلدون "سبطة" القتيل إلى المنذر بن داود5، ويظهر أنه قصد "داود اللثق". وإلى داود ينسب دير داود، وذلك يدل على أنه كان نصرانيًّا6، كما أشرت إلى ذلك قبل قليل.

وعندي أن "سبطة" هو "aspehetos""aspehbet""aspatylatos"،

1 المحبر "ص370 وما بعدها"، حمزة "ص76".

2 ابن خلدون "2/ 279".

3 اليعقوبي "1/ 167""طبعة النجف".

4 البلدان "2/ 325 وما بعدها""طهران 1965م".

5 ابن خلدون "2/ 279".

6 غسان "ص7"، الأصل الألماني "ص8".

ص: 88

الذي قيل إنه كان عاملًا "فيلارك""phylarch" عربيًّا من عمال الفرس، فأغار على "الكورة العربية""arabia provincia"، وذلك في أواسط القرن الخامس للميلاد، وأعلن نفسه عاملًا على الأرضين التي استولى عليها، واعترف به وبأبنائه عمالًا عليها1.

وزعم المؤرخ حمزة أن أول ملك ملك من غسان هو جفنة بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث. وقد زعم أنه ملك في أيام نسطورس، وهو الذي ملكه على عرب الشأم. فلما ملك، قتل قضاعة من سليح الذين يدعون الضجاعمة، ودانت له قضاعة ومن بالشام من الروم، وبني جلق والقربة وعدة مصانع، ثم هلك. وكان ملكه خمسًا وأربعين سنة وثلاثة أشهر2.

وقد ابتدأ "حسان بن ثابت" بجفنة هذا في قصيدته التي افتخر فيها بنسبة3.

وبجفنة هذا سمي ملوك الغساسنة "آل جفنة"، كما سمي خصومهم "المناذرة" بـ"آل لخم". إلى هذا الرأي ذهب "الأصمعي"، حيث قال:"وجفنة أول ملك ملك من غسان، وإليه تنسب ملوك غسان التي ذكرها حسان بن ثابت الأنصاري في شعره"4. وقد نسب الأصمعي له وصية زعم أنه أوصى بها بنيه في كيفية السير بالناس، وتسيير الملك5.

وعند المسعودي أن أول من ملك من بني غسان بالشأم الحارث بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن غسان بن الأزد بن الغوث، ومن بعده الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو بن عامر بن حارثة، وهو ابن مارية

1 Provincia Arabia، III، S. 286، Euthymili Vita، Ed: Cotelerius، Ecclesiae Graeca Monumenta، II، P. 221

2 حمزة "ص76"، "جفنة بن علية بن عمرو بن عامر"، اليعقوبي "1/ 167""طبعة النجف""جفنة بن مزيقيا"، ابن خلدون "2/ 281"، شرح ديوان النابغة الذبياني، للبطليموس "ص6"، التنبيه "ص158".

3

أولاد جفنة حول قبر أبيهم

قبر ابن مارية الكريم المفضل

الأصمعي، تأريخ ملوك العرب الأولية، "ص102"، "محمد حسن آل ياسين"

كجفنة والقمقام عمرو بن عامر

وأولاد ماء المزن وابني محرق.

البرقوقي "ص287".

4 الأصمعي، تاريخ ملوك العرب الأولية "ص102".

5 المصدر نفسه "ص101".

ص: 89

ذات القرطين1. أما ابن قتيبة، فذهب إلى أن أول من ملك منهم هم الحارث بن عمرو المعروف بـ"محرق". وسمي بمحرق لأنه أول من حرق العرب أو ديارها، وهو الحارث الأكبر ويكنى بأبي شمر2.

وقد ذكر ابن دريد أن الحارث بن عمرو بن عامر، "وهو محرق، وهو أول من عذب بالنار"3. فأيد بذلك رواية من يرى أنه أول من عذب وحرق الناس بالنار.

وذهب "محمد بن حبيب" إلى أن أول من ملك من الغساسنة بالشأم هو "ثعلبة بن عمرو بن المجالد بن عمرو بن عدي بن عمرو بن مازن بن الأزد"، وذلك بعد فتك "جذع" بالضجاعمة فعهد إليه ملك الروم "ديقيوس" أمر تولي رئاسة عرب بلاد الشأم، وملكه وتوجه، فصار بذلك أول ملك من ملوك غسان4، على نحو ما ذكرته قبل قليل.

و"جفنة" الذي صيره حمزة أول من ملك من غسان، هو "جفنة بن عمرو، وهو مزيقيا بن عامر ماء السماء". وقد نجل عمرو بن عامر على رواية ابن خلدون، جملة أولاد، منهم: جفنة، والحارث وهو محرق، وثعلبة وهو العنقاء "العنقاه"، وحارثة، وأبو حارثة، ومالك، وكعب، ووادعة، وعوف، وذهل، وواكل5. فيكون جفنة على هذه الرواية أخًا للحارث بن عمرو الذي عده المسعودي وابن قتيبة أول من تملك من الغساسنة في ديار الشأم.

وتولى الحكم بعد جفنة على رواية حمزة ابنه عمرو بن جفنة، وكان ملكه خمس سنين. ونسب حمزة إليه بناء عدة أديرة، منها: دير حالي، ودير أيوب. ودير هند6.

أما "الأصمعي" فقد أورد اسم "الحارث بن جفنة بن ثعلبة بن عمرو"، بعد اسم "جفنة". وقال عنه "وهو الحارث الأكبر" ثم ذكر له وصية وصى

1 مروج "1/ 298""طبع المطبعة البهية".

2 المعارف "ص280"، "ولد عمرو بن عامر الحارث، وهو محرق. وهو أول من عذب بالنار"، الاشتقاق "ص259".

3 الاشتقاق "ص259".

4 المحبر "ص371 وما بعدها".

5 ابن خلدون "2/ 279"، الاشتقاق "259".

6 حمزة "ص77".

ص: 90

بها ابنه "عمرو بن الحارث" وهو وصية نظمها شعرًا. وقد قال له فيها إن هذه الوصية هي وصية أبي لي، وبها يا عمر أوصي وفيها الملك مرسوم1.

وأما "محمد بن حبيب"، الذي جعل ثعلبة أول من ملك من الغساسنة، فقد جعل الحكم للحارث بن ثعلبة من بعده، ثم لابنه جبلة بن الحارث بن ثعلبة، ثم لابنه الحارث، وهو ابن مارية ذات القرطين، ثم للنعمان بن الحارث ثم للمنذر بن الحارث ثم للمنيذر بن الحارث، ثم لجبلة بن الحارث2.

وأما "ابن قتيبة"، الذي جعل "الحارث بن عمرو بن محرق" أول ملوك آل غسان، فقد وضع "الحارث بن أبي شمر" من بعده. وقال: إنه الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر، وأمه مارية ذات القرطين. وكان خير ملوكهم، وأيمنهم طائرًا، وأبعدهم مغارًا. وكان غزا "خيبر"، فسبى من أهلها، ثم أعتقهم بعد ما قدم الشأم. وكان سار إليه المنذر بن ماء السماء في مائة ألف، فوجه إليهم مائة رجل، فيهم لبيد الشاعر وهو غلام، وأظهر أنه إنما بعث بهم لمصالحته، فأحاطوا برواقه فقتلوه، وقتلوا من معه من الرواق، وركبوا خيلهم فنجا بعضهم وقتل بعض وحملت خيل الغسانيين على عسكر المنذر فهزموهم، وكانت له بنت يقال لها "حليمة" كانت تطيب أولئك الفتيان يومئذ وتلبسهم الأكفان والدروع وفيها جرى المثل:"ما يوم حليمة بسر". وكان فيمن أسر يومئذ أسارى من بني أسد، فأتاه النابغة، فسأله إطلاقهم، فأطلقهم، وأتاه علقمة بن عبدة في أسارى بن بني تميم، فأطلقهم إكرامًا لشأنه. وفي جملة من أطلق حريتهم شأس بن عبدة شقيق علقمة3.

وروى "ابن قتيبة" أيضًا أن "علقمة بن عبدة" قال في "الحارث بن أبي شمر" هذه الأبيات:

إلى الحارث الوهاب أعلمت ناقتي

بكلكلها، والقصرين وجبيب

وفي كل حي قد خبطت بنعمة

فحق لشأس من نداك ذنوب

فقال الحارث: نعم وأذنبة4.

1 الأصمعي، تاريخ "103وما بعدها".

2 المحبر "ص372".

3 المعارف "ص280"، "ص614 وما بعدها"، "طبعة ثروت عكاشة".

4 المعارف "ص280"، "ص641 وما بعدها"، "ثروت عكاشة".

ص: 91

وزعم "ابن قتيبة" أن الذي ولي الملك بعد "الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر"، هو ابنه "الحارث بن الحارث بن الحارث" ويسميه بالحارث الأصغر ابن الحارث الأعراج بن الحارث الأكبر. وكان له إخوة، منهم: النعمان بن الحارث، يقول، وهو الذي قال فيه النابغة:

هَذا غُلامٌ حَسَنٌ وَجههُ

مُستَقبِلُ الخَيرِ سَريعُ التَمام

لِلحرثِ الأَكبَرِ وَالحرثِ الأَصغَرِ

والحرثِ َالأَعرَجِ خَير الأَنام

وله يقول النابغة أيضًا، وكان خرج غازيًا:

وَإِن يَرجِعِ النُعمانُ نَفرَح وَنَبتَهِج

وَيَأتِ مَعَدًّا مُلكُها وَرَبيعُها

وَيَرجِع إِلى غَسّانَ مُلكٌ وَسُؤدُدٌ

وَتِلكَ المُنى لَو أَنَّنا نَستَطيعُها1

وقد وهم "ابن قتيبة" في "الحارث بن أبي شمر" إذ صيره الملك الثاني، وجعله ابنًا للحارث الأكبر، في حين أنه "الحارث بن جبلة" الذي حارب المنذر بن ماء السماء، وهو صاحب يوم حليمة، ووهم في "الحارث الأصغر" أيضًا حين صيره في هذا المكان، وجعله على هذا النسب، ولابن قتيبة أوهام أخرى من هذا القبيل.

وتولى بعد عمرو بن جفنة ابنه ثعلبة على رواية حمزة، وكان ملكه سبع عشرة سنة. ونسب إليه بناء عقة وصرح الغدير في أطراف حوران مما يلي البلقاء2.

وقد نسب البطليوسي إليه بناء صريح السدير في أطراف حوران مما يلي البلقاء. وذكر مثل حمزة أنه حكم سبع عشرة سنة3.

ثم تولى من بعده "الحارث"، وهو ابنه، وكانت مدة ملكه عشرين سنة، وذكر حمزة أنه لم يبن شيئًا. ثم ذكر من بعده "جبلة بن الحارث"، وهو ابنه، وحكم على روايته عشر سنين4. وجعل "البطليوسي" مدة حكمه عشر سنين أيضًا5.

1 المعارف "ص280".

2 حمزة "ص77".

3 البطليوسي "ص6".

4 حمزة ص77".

5 البطليوسي "ص6".

ص: 92

وجبلة هو أول من يمكن أن نطمئن إلى وجوده من ملوك الغساسنة كل الاطمئنان وهو "جبلس""jabalac" عند ثيوفانس. وقد ذكر عنه أنه غزا فلسطين حوالي سنة 500 للميلاد1. ولا نعرف من أمر هذا الرجل شيئًا يستحق الذكر.

وقد نسب حمزة والبطليوسي إليه بناء القناطر وأدرج والقسطل. وقالا إنه حكم عشر سنين2. وذكره "ابن دريد" على هذا النحو: "ومنهم جبلة بن الحارث الملك. وهو ابن مارية التي يقال لها قرطا مارية"3.

وجاء بعد "جبلة" ابنه "الحارث بن جبلة"، الذي يمكن عده أول ملك نعرف من أمره شيئًا واضحًا يذكر من ملوك آل جفنة. وهو في نظر "نولدكه""أريتاس""aretas""arethas" الذي ذكره المؤرخ السرياني "ملالا""malalas". وقد ذكر أنه كان عاملًا للروم4. ويظن أن حكمه كان من حوالى سنة "529" حتى سنة "569" للميلاد تقريبًا5. وأرى أن حكمه كان قبل سنة "529" للميلاد بقليل؛ إذ ذكر أنه حارب "المنذر""alamundarus" في حوالي السنة "528" للميلاد6. ومعنى ذلك أنه ولي الحكم في هذه السنة، أو قبلها بقليل.

وقد عرف الحارث هذا عند أهل الأخبار بـ"الحارث الأعرج" وبـ"الحارث الأكبر".

وذكر حمزة والبطليوسي وآخرون أن والدة الحارث هي "مارية ذات القرطين، بنت عمرو بن جفنة"7. وذكر المسعودي ومحمد بن حبيب أنها "مارية بنت الأرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة". واستدرك "محمد بن حبيب" على ذلك بقوله: "ويقال: بل هي مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية بن ثور، من كندة"8. وهي أخت هند الهنود امرأة حجر الكندي، وقد

1 غسان "ص8"، Theophanes، 218، o leary، p. 164

2 حمزة "ص77"، البطليوسي "ص6".

3 الاشتقاق "ص259".

4 غسان "ص9"، Malalas، "melalas"، 2. 166

5 Provincia Arabia، II، S. 174، III، S. 285

6 Provincia Arabia، III، S. 352

7 حمزة "ص87"، البطليوسي "ص6".

8 المحبر "ص372".

ص: 93

ضرب المثل بحسنها، فقيل:"خذوه ولو بقرطي مارية". وقالوا: وكان في قرطيها مائتا دينار1.

وذكر البطليوسي أن الحارث كان يسكن البلقاء. وبها بني "الحفير" ومصنعة بين "دعجان" وقصر أبير ومعان2، وكان حكمه على رأيه عشرين سنة3. وهو دون العدد الذي يقدره الباحثون لحكمه، حيث قدر بأربعين سنة؛ إذ حكم على تقديرهم من حوالي السنة "529" حتى السنة "569" للميلاد4.

ويشك بعض الباحثين في صحة نسبة الأبنية الذكورة إلى الحارث؛ إذ يرون أنها من عمل شخص آخر. غير أنهم يرون احتمال بنائه للقصر الأبيض في "الرحبة". ولقصر الطوبة5.

وجعل "ابن دريد" للحارث بن جبلة من الولد: النعمان والمنذر والمنيذر وجبلة وأبا شمر، ذكر أنهم ملوك كلهم6.

وذكر الأخباريون أن الحارث بن مارية الغساني، كان قد اجتبى أخوين من بني نهد اسمهما حزن وسهل، وهما ابنا رزاح، فحسدها زهير بن جناب الكلبي وسعى بهما لدى الحارث، وأظهر له أنهما عين للمنذر ذي القرنين عليه حتى قتلهما. ثم تبين له فيما بعد بطلان قول زهير، فطرده من عنده. واسترضى الحارث والد القتيلين رزاح، وأبقاه عنده، فلم يطق زهير على ذلك صبرًا، حتى تخلص منه بمكيدة انتهت بقتل الحارث له وبرجوع زهير إلى ما كان عليه7.

وهي قصة من هذه القصص التي يرويها الأخباريون تشير إلى معاصرة زهير للحارث وللمنذر الأكبر ذي القرنين، أي المنذر بن ماء السماء.

وقد ذكر ملالا أن الحارث بن جبلة حاربت "المنداروس""alamundarus""alamoundros" أمير عرب الفرس، وانتصر عليه في شهر نيسان من سنة "528م"8، وذكر معه اسم أميرين، هما:"جنوفاس""jnophas"،

1 المحبر "ص372"، البرقوقي "ص309".

2 حمزة "ص78"، البطليوسي "ص7"، provincia arabia، ii، s. 8

3 البطليوسي "ص7"، حمزة "ص87".

4 Provincia Arabia، II، S. 174

5 Probincla Arabia، II، S. 174

6 الاشتقاق "259".

7 الأغاني "5/ 118 وما بعدها".

8 غسان "ص10" Melalas، 2، 166

ص: 94

و"نعمان""naaman". ويرى "نولدكه" أن "جنوفاس" هو "جفنة" وهو اسم أحد الأمراء الجفنيين، سمي باسم جفنة مؤسس تلك الأسرة. وأما نعمان فهو أيضًا اسم أمير من أولئك الأمراء الجفنيين1.

وقد تحدث الطبري عن الحرب التي وقعت بين المنذر بن النعمان ملك الحيرة، والحارث بن جبلة، إلا أنه وهم في اسمه قصيره "خالد بن جبلة" وقال عن الحرب:"وقع بين رجل من العرب كان ملكه يخطيانوس على عرب الشأم، يقال له خالد بن جبلة، وبين رجل من لخم، كان ملكه كسرى على ما بين عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ومن فيها من العرب، يقال له المنذر بن النعمان نائرة، فأغار خالد بن جبلة على حيز المنذر، فقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وغنم أموالًا من أمواله، فشكا المنذر إلى كسرى، وسأله الكتاب إلى ملك الروم في إنصافه من خالد. فكتب كسرى إلى يخطيانوس2، إلا أنه لم يحفل بكتاباته فغزا كسرى بلاده. وتوغل فيها واضطر "يخطيانوس" عندئذ إلى عقد صلح معه، وإلى إرضائه.

ويرى "نولدكه" أيضًا أن هذا الحارث هو الحارث الذي ذكر عند المؤرخ ملالا أنه أخمد ثورة السامريين الذين ثاروا في فلسطين في سنة "529"3.

وقد ورد في تأريخ "بروكوبيوس""procopius" أن المنذر ملك العرب "سركينوي""sarakynou" الذين كانوا في مملكة الفرس، لما أكثر من الغارات على حدود إمبراطورية الروم، وعجز قواد الروم من أرباب لقب "duxe""duce""dux" وسادت القباب من أرباب لقب "فيلارخ""phylarchus" المحالفين للروم عن صده والوقوف أمامه، رأى القيصر "بسطانوس""justinianus" أن يمنح الحارث بن جبلة الذي كان يحكم عرب العربية "arabia" لقب "ملك" ليقف بوجه "المنذر""alamoundaros". وقد ذكر أن هذا اللقب لم يمنح لأحد من قبل. ولكن المنذر لم يرعو مع ذلك من غزو الحدود الشرقية لبلاد الشأم والعبث بها مدة طويلة من الزمن4. وقد ذهب "نولدكه" إلى أن هذه الحوادث

1 غسان "ص10".

2 الطبري "2/ 149 وما بعدها""طبعة دار المعارف بمصر".

3 غسان "ص10"، O'leary، p. 164، malalas، 2 180

4 Procopius، I، XVII، 43-48، J. B. Bury، II، P. 91

ص: 95

كانت في سنة "529 م"1.

وقد بلغ المنذر في هجومه على بلاد الشأم أسوار "أنطاكية"، ولكنه تراجع بسرعة حينما سمع بمجيء قوات كبيرة من قوات الروم، تراجع بسرعة أعجزت الروم عن اللحاق به2. ويشك نولدكه في رواية بروكوبيوس بشأن منح الحارث لقب ملك، ذلك لأن لقب ملك كان خاصًّا بقياصرة الروم، فلا يمنح لغيرهم3.

ويلاحظ أن بعض كتبة اليونان أطلقوا أيضًا لقب ملك على الأمراء العرب، مثل "ماوية"، فقد لقبت بـ"ملكة". ولم يستعملوا كلمة "فيلارخوس""phylarkos""phylarque""phylarcos" التي تعني العامل أو سيد قبيلة.

وأما الكتبة السريان، فقد لقبوا رؤساء القبائل العربية بلقب "ملك" في بعض الأحيان على نحو ما نجده في الشعر العربي4. ولكن نولدكه يرى أن هذا الاستعمال لا يمكن أن يكون سندًا لإثبات أن الروم أطلقوا لقب ملك على الحارث أو على خلفائه رسميًّا؛ لأن الوثائق الرسمية لم تطلق هذا اللقب عليهم.

والذي صح إطلاقه من الألقاب على أمراء الغساسنة، وثبت وجوده في الوثائق الرسمية، هو لقب "بطريق""patricius"، ولقب "عامل" أو سيد قبيلة "فيلارخوس""phylarchus""phylarkos""phylarcos" مقرونًا بنعت من النعوت التابعة له، أو مجردًا منه، كالذي جاء عن المنذر الذي حكم بعد الحارث بن جبلة البطريق الفائق المديح، ورئيس القبيلة "فلارخوس المنذر"، و"المنذر البطريق الفائق المديح" وما ورد عن الحارث "الحارث البطريق ورئيس القبيلة"5.

ولقب "البطريق" من ألقاب الشرف الفخمة عند الروم، ولذلك فلم يكن يمنح إلا لعدد قليل من الخاصة، ولصاحبه امتيازات ومنزلة في الدولة حتى إن بعض الملوك كانوا يحبذون الحصول على هذا اللقب من القيصر6. وقد منح القيصر

1 غسان "ص11".

2 j. b. Bury، i، p.81

3 غسان "ص12"، المشرق، السنة الأولى، الجزء 11، حزيران 1898 "ص485".

4 غسان "ص12".

5 غسان "ص12 وما بعدها".

6 المشرق. السنة الأولى. الجزء 11، حزيران 1898 "ص485".

ص: 96

"يسطنيانوس""justinianus""الحارث" هذا اللقب، وكذلك لقب "فيلارخ" فكان بذلك أول رجل من الغساسنة يمنح هذين اللقبين الذين انتقلا منه إلى أبنائه فيما بعد1.

ويلاحظ أن نص أبرهة الذي ذكر في جملة ما ذكره أن الحارث بن جبلة أرسل رسولًا عنه إلى مدينة مأرب ليهنئه بترميمه سد مأرب، لم يدون كلمة "ملك" مع اسم الحارث، ولكن ذكر "ورسل حرثم بن جبلت"، أي:"ورسول الحارث بن جبلة"2. فلم يلقبه بلقب "ملك"، ويدل عدم إطلاق أبرهة لقب ملك على الحارث على أنه اتبع الأصول الدبلوماسية المقررة عند البيزنطيين وإن لقب ملك لم يكن لقبًا رسميًّا له مقررًا دوليًّا. وقد كان وصول رسول الحارث أو رسله في سنة "542م".

ويتبين من رواية المؤرخين بروكوبيوس وملالا أن الحارث بن جبلة كان قد اشترك في المعركة التي نشبت بين الفرس والروم في 19 نيسان سنة "531م"، وانتهت باندحار الروم، وكان قائدهم "بليزاريوس"3. وذكر أن الفرس أسروا رجلًا اسمه "عمرو" "amros" وكان حائزًا على درجة "قائد"4 "dux".

وقد أثار تصرف الحارث في الحرب التي نشبت في سنة "541م" بين الفرس والروم، شبك الروم في إخلاصه لهم، والحذر منه، إذ ما كان يعبر هذا الأمير نهر دجلة مع القائد بليزاريوس حتى بدا له فرجع إلى مواضعه بعد أن سلك طريقًا آخر غير الطريق الذي اتبعه معظم الجيش دون أن يقوم بعمل يذكر في هذه الحرب5. وهذا مما حمل الروم على الشك في صداقته لهم. وجعلهم يحذرون منه ويراقبون حركاته؛ خوفًا من انقلابه عليهم وإلحاقه الأذى بهم وإتفاقه سرًّا مع الفرس.

وقد عاد النزاع فتجدد بين الحارث والمنذر حوالي سنة "544م"، وانتهى

1 Provincia Arabia، II، S. 174

2 راجع النص الموسوم Glaser 618

3 غسان Musil، palmyrena، p. 274، procoplus، i، 8

Malalas، 2، 199

4 غسان "ص18". Malalas، 2، 202

5 غسان "ص18". Malalas، 2، 203، procopius 2، 5، 16، 18،

Musil، palmyrena، 266

ص: 97

بسقوط ملك الحيرة قتيلًا في معركة حدثت في سنة "544م"، على مقربة من "قنسرين" بالقرب من الحيار. وهذه المعركة هي معركة يوم حليمة على رأي نولدكه1. ويظهر أن المنذر كان قد هاجم بلاد الشأم، وتوغل فيها حتى وصل إلى حدود قنسرين، فصرع هناك. حدث ذلك في السنة السابعة والعشرين من حكم "يوسطنيانوس""justinianus" على رواية ابن العبري.

وقد كان سبب اختلاف الحارث مع المنذر. تنازعهما على أرض يطلق الروم عليها اسم "strata" جنوب تدمر، تمر بها الطرق البرية الموصلة إلى بلاد الشأم وهي من الطرق العسكرية المهمة ومرعى مهم للأعراب، يرعى فيها أعراب العراق وأعراب بلاد الشأم. وقد ألف "جستنيان" لجنة تحكيم، لم تتمكن من فض النزاع. وقد اتهم الفرس أعداءهم الروم بأنهم يريدون الاتصال سرًّا بالمنذر ورشوته لتحريضه على القيام على الفرس2.

وقد ذكر ابن العبري في أثناء كلامه على هذه الحرب أن "برحيرت"، "bar-herath" أي "ابن الحارث" سقط قتيلًا في الحرب3. وكان قد ذكر قبل كلمات أن المنذر بن النعمان، لما هاجم منظمة "rhomaye" وتوغل فيها، نازله "الحارث بن جبلة" "herath bar geblala" بهجوم مقابل، فهزمه وقتله في قنسرين. ثم ذكر أن ابن الحارث سقط قتيلًا في هذا الموضع. ويعرف هذا الولد باسم جبلة4.

ونجد في شعر "حسان بن ثابت" إشارة إلى "زمين حليمة" أي زمن حليمة5. كما نجد في الأمثال "ما يوم حليمة بسر6"، دلالة على شهرة ذلك اليوم.

وكان الحارث من أنصار "المنوفستيين""monophysites"، أي القائلين بوجود طبيعة واحدة في المسيح، ويقال إنه سعى لدى الإمبراطورة "ثيودورة"

1 غسان "ص20".

2 J. B. Bury، II، P. 92

3 Bar Hebraeus، Vol، I، P. 76

4 Michael the Syrian، Chronicle، (ED: Chabot) ، Vol، 4، PP. 323، Musil، Palmyrena، P. 144

5 البرقوقي "ص146".

6 كذلك "ص146".

ص: 98

في تعيين "يعقوب البرادعي" ورفيقه "ثيودورس"، أسقفين للمقاطعات السورية العربية. فنجح في مسعاه هذا في سنة "542-543م"، وبذلك وطد هذا المذهب في بلاده1.

ونسب المؤرخ السرياني "ميخائيل الكبير" إلى الحارث محاورة جربت بينه وبين البطريق "إفرام""526-545م" في السريانية أو اليونانية في طبيعة المسيح وفي مذهبه القائل بوجود طبيعة واحدة فيه. وهو مذهب "يعقوب البرادعي" المتوفى سنة "578م". وقد صيغت الحكاية بأسلوب يفهم منه أنه تغلب بأدب ولطف على خصمه البطريق2.

ولمعارضة مذهب اليعاقبة أتباع يعقوب البرادعي لمذهب الكنيسة الرسمي للإمبراطورية عد الروم هذا المذهب من المذاهب المنشقة المعارضة فقاوموه وناضلوا أصحابه ولا سيما في أيام القيصر يوسطنيانوس، باعتباره مذهبًا من المذاهب المناهضة لسياسة الملوك والدولة، كمعارضة الأحزاب السياسية في الزمن الحاضر3. إلا أن الحارث سعى جهد إمكانه في تخفيف حدة غضب الحكومة على رجال هذا المذهب، ومن التقريب ما أمكن بين آراء رجال الكنيستين. ولجهود الحارث ومسعاه في حماية هذا المذهب فضل كبير ولا شك في بقائه، وفي انتشاره بين السريان وعرب الشأم4.

وقد زار الحارث القسطنطينية في تشرين الثاني في سنة "563م"، فاستقبل استقبالًا حافلًا. وأثر أثرًا عميقًا في نفوس أهل العاصمة وفي رجال القصر والحاشية، ويقال إن رجال البلاط كانوا يخوفون القيصر "يوسطينوس""justinius" بعد خرفه بالحارث، فكان يهدأ ويسكت روعه حين سماعه اسمه5. والظاهر أن الغاية التي من أجلها ذهب الحارث إلى القسطنطينية هي مفاوضة رجال الحكم فيمن سيخلفه على عرشه بعد وفاته من أولاده، وفي السياسة التي يجب سلوكها تجاه عمرو

1 Francois Nay، Les Arabes Chrestiens، PP. 52

2 المشرق، المجلد 34 "السنة 1936"، الجزء الأول "ص61 وما بعدها".

3 E. Gibbon، Der Sieg، S. 66

4 المشرق. السنة الأولى، الجزء 11، حزيران 1898، "ص486".

5 غسان "ص20".

J. of Ephesus Eccl، 3، 2، O'leary، P. 165، Huart، I، 60، Les Arabes Chrestiens، PP. 58، Michel the syrer، Chronique، I، II، P. 314

ص: 99

ملك الحيرة1.

وإلى هذا الحارث قصد امرؤ القيس الكندي الشاعر، ليوصله إلى القيصر ليشكو له ظلامته، ويطلب منه مساعدته في استرجاع حقه وأخذه بالثأر حسب رواية الأخباريين، وإليه تنسب أيضًا قصة مطالبة السموءل بن عاديا بإعادة دروع امرئ القيس التي أودعها لديه في القصة الشهيرة التي يحكيها الأخباريون في معرض كلامهم على امرئ القيس وقصة السموءل والوفاء. وهناك جماعة من الأخباريين ترى أن الحارث الذي طالب بتسليم دروع امرئ القيس إليه هو شخص آخر اسمه الحارث بن ظالم2. ولكنها لم تذكر الصلة التي كانت بين الحارث بن ظالم وامرئ القيس، وحملته على المطالبة بتلك الدروع.

وقد ذكر "الجمحي" أن "الحارث بن أبي شمر الغساني" هو الذي طلب إلى "السموءل بن عادياء" أن يدفع إليه سلاح "امرئ القيس" الذي استودعه عنده، فأبى السموءل أن يسلمه إليه3. وقد ذكر "أبو زبيد الطائي" أنه زاره ونعته بأنه "الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام". وقد كان "أبو زبيد" هذا "من زوار الملوك، ولملوك العجم خاصة. وكان عالمًا بسيرها"4.

وقد تعرض "ابن قتيبة" لموضوع "امرئ القيس"، فقال:"وكان امرؤ القيس في زمان أنو شروان ملك العجم؛ لأني وجدت الباعث في طلب سلاحه الحارث بن أبي شمر الغساني، وهو الحارث الأكبر، والحارث هو قاتل المنذر بن امرئ القيس الذي نصبه أنو شروان بالحيرة. ووجدت بين أول ولاية أنو شروان وبين مولد النبي، صلى الله عليه وسلم، أربعين سنة"5.

وذكر أيضًا أن "الحارث بن أبي شمر الغساني، وهو الحارث الأكبر، لما بلغه ما خلف امرؤ القيس عند السموءل، بعث إليه رجلًا من أهل بيته يقال له "الحارث بن مالك" وأمره أن يأخذ منه سلاح امرئ القيس وودائعه فلما انتهى إلى حصن السموءل أغلقه دونه، وكان للسموءل ابن خارج الحصن يتصيد فأخذه

1 غسان "ص20".

2 الأغاني "6/ 331 وما بعدها".

3 طبقات الشعراء "ص70".

4 طبقات الشعراء "ص132".

5 الشعر والشعراء "ص50".

ص: 100

الحارث، وقال للسموءل: إن أنت دفعت إلي السلاح وإلا قتلته، فأبى أن يدفع إليه ذلك، وقال له: اقتل أسيرك، فإني لا أدفع إليك شيئًا، فقتله، وضربت العرب المثل بالسموءل في الوفاء"1.

وذكر الأخباريون أن الحارث الأعرج -وهو في روايتهم هذه الحارث بن أبي شمر الغساني- غزا قبيلة تغلب، وكان السبب الذي حمله على هذا الغزو مروره بجماعات منها لم تهتم به كما كان يجب أن يكون. وقد نصحه الشاعر "عمرو بن كلثوم" -على حد قولهم- بعدم غزوهم، واعتذر عنهم إليه.

ولكنه لم يأخذ بنصيحته، فلما تقابل معهم، انهزم مع قومه من غسان، وقُتل منهم عدد كثير كان في جملتهم أحد إخوة الحارث2.

ويظن بعض الباحثين أن الحارث هو الذي أمر ببناء كنيسة الرصافة الكبرى لا الملك يوسنيانوس، ذلك لأن المؤرخ "بروكوبيوس" لم يشر في أثناء كلامه على هذا القيصر إلى أي أثر له في هذه المدينة، على حين أشار إلى تسوير الحارث لها وإلى احترامه العظيم للقديس "سرجيوس" المدفون بها، وهو قديس له منزلة كبرى في نفوس نصارى عرب الشأم3.

وينسب إلى الحارث إصلاح ذات البين فيما بين قبائل طيء، وكانت متخاصمة متحاربة، فلما هلك عادت إلى حربها، ووقع بينها يوم اليحاميم حيث دارت الدائرة فيه على جدلية من طيء، ويعرف أيضًا بقارات حوق4.

ومن الأمراء العرب الذين عاصروا الحارث بن جبلة، أمير اسمه "أبو كرب بن جبلة"، لعله شقيق الحارث، وقد ورد اسمه في نص "أبرهة"، حيث كان "أبو كرب" قد أرسل إليه رسولًا لتهنئته بترميمه سد مأرب. والأمير "قيس""kaisus" وكان عاملًا على "فلسطين الثالثة" في حوالى سنة 530م. والأسود، ويظهر أنه كان قد تحارب مع الحارث5.

1 الشعر والشعراء "ص46"، "طبعة ليدن".

2 ابن الأثير "1/ 222".

3 Rusafah، P. 12، Hertzfeld، I، S. 167

4 أيام العرب "60".

5 غسان "ص17 ملحوظة 48".

ص: 101

وعثر في إحدى الكتابات في حران على اسم أمير يدعى "شرحيل بن ظالم" يرى نولدكه أنه أمير كندي؛ لأن هذين الاسمين من الأسماء الشائعة في كندة ويرجع تأريخ هذه الكتابة المدونة باليونانية والعربية إلى حوالي سنة "568م".

وقد دونت عند تدشين هذا العامل بناء إقامة للقديس يوحنا المعمدان، فيكون "شراحيل" شرحيل إذن من المعاصرين للحارث بن جبلة1. ويستنتج نولدكه من ذلك أن عددًا من المشايخ ظلوا يتمتعون بسلطانهم حتى بعد تألق نجم آل غسان. ويرى أن ذلك مما يوافق سياسة الروم الذين لم يكن من مصلحتهم ظهور أمير واحد قوي وإنما كان من مصلحتهم وجود جملة أمراء متنافسين؛ ليتمكنوا بذلك من السيطرة عليهم جميعًا بضرب بعضهم ببعض2.

وقد دعي الأمير المذكور بـ"asaraelus" ودعي أبوه بـ"talemus" وكان يحكم "اللجاة" فيظهر من ذلك أن إمارات كانت تنافس إمارة الغساسنة في هذا العهد3.

وقد توفي الحارث في سنة "569م" أو "570م" على رأي نولدكه، استنتج ذلك من ورود اسمه في الوثائق الكنسية التي يعود تأريخها إلى سنتي "568 و569"، وإلى ربيع سنة "570م" حيث حل اسم ابنه المنذر في محله، فاستدل من هذا التغيير على أنه توفي في هذا الزمن4.

وقد حكم "المنذر" من سنة "569-570م" حتى سنة "581م"، على تقدير بعض الباحثين5.

وقد عرف المنذر بـ"alamoundaros""alamundaros" عند اليونان والسريان وقد استهل حكمه بالحرب مع ملك الحيرة قابوس. والظاهر أن عرب الحيرة كانوا هم البادئين بها، فانتصر عليهم في يوم 20 أيار "مايس" من سنة 570م6.

1 غسان "ص17".

Waddington، Inscriptions Grecques، 3، P. 563، ZDMG، 38، 53

2 غسان "ص16"، النص الألماني "ص16".

3 Provincia Arabia، III، S. 268، Waddington 2464، Noldeke، S. 13، Anm: 2

4 غسان "ص25".

5 Die araber، i، s. 10

6 غسان "ص25". Land: i، 13

ص: 102

ثم انتصر عليهم في معركة أخرى فيما بعد1. ويرى نولدكه أن المعركة الأولى هي عين أباغ2.

والمنذر هو أبو كرب الذي ذكر اسمه في نص سرياني عثر عليه في إحدى ضواحي تدمر، وهو نص ديني ورد فيه اسم الأسقفين يعقوب وثيودور، وهما: يعقوب البرادعي وصاحبه3.

لقد حث سوء تفاهم بين القيصر "يسطينوس""justinus" وبين المنذر تطور حتى صار قطيعة. ولما أحس المنذر بأن القصر قد دبر له مؤامرة، وأنه أمر عامله البطريق "مرقيانوس""marcianus" بأن يحتال عليه ليقتله، تمرد على الروم، وغادر أرضهم إلى البادية، فانتهز عرب الحيرة هذه الفرصة المؤاتية فأمعنوا في غزو بلاد الشام، وإيقاع الرعب في نفوس سكان القرى المجاورة لهذه الحدود مما حمل الروم على مراسلة المنذر والتودد إليه لاسترضائه، حتى إذا ما تلطف الجو أرسلوا إليه البطريق "يوسطنيانوس" ليجتمع به في مدينة الرصافة عند قبر القديس "سرجيوس" لإقناعه بترك موقفه والموافقة على العودة إلى محله. وعند القبر المقدس عقد الصلح بينهما في صيف سنة "578 م". فعاد المنذر إلى أرضه، ليقوم بالدفاع عن حدود الشأم4.

وقد أشار ابن العبري إلى هذا الحادث، فذكر أن العرب "طياية" كانوا منقسمين إلى جماعتين: جماعة المنذر بن الحارث "منذر برحيرت""mundar bar herath"، وكان نصرانيًّا وكذلك كان جنوده وجماعة قابوس، فهاجم قابوس وجنوده العرب النصارى، وقصد بذلك الغساسنة، واستاق ما وجده أمامه من ماشية، ثم قفل إلى بلاده. فلما رأى المنذر ما حدث، جمع جيشًا هجم به على قابوس، فتغلب عليه، ورجع بغنائم عديدة وعدد كبير من الإبل. وعاد قابوس فهاجم المنذر. غير أنه مُني بهزيمة ثانية اضطرته إلى طلب النجدة من الفرس. فأخبر القيصر يسطينوس بذلك، وطلب منه إمداده بالمال ليؤلف به جيشًا يقف أمام الفرس، فاستاء القيصر منه، وقرر التخلص منه بقتله، لظنه

1 J. of Ephesus، 6، 3

2 غسان "ص27 وما بعدها"، provincia arabia، iii، s. 355

3 غسان "ص27" provincia arabia، ii، s.174

4 غسان "ص26" j. Of ephesus، 6، 3-46، provincia arabia، ii، s. 174

ص: 103

أنه كان السبب في غزو الفرس لـ"rhomaye" وكتب إلى عامله مرقيانوس وكان معسكرًا يومئذ في منطقة "نصيبين""nisibis" أن يتربص بالمنذر فيقبض عليه، ويقطع رأسه، وقد أخطأ كاتب الرسالة، فأرسل الرسالة الخاصة بالبطريق مرقيانوس إلى المنذر، وأرسل الرسالة الخاصة بالمنذر إلى البطريق، فلما قرأ المنذر الكتاب وعرف بما أراد القيصر أن يفعله به، غضب غضبًا شديدًا، وتصالح مع قابوس، وصارا يهاجمان بلاد الشأم. فظن يسطينوس أن مرقيانوس قد خانه، وأنه أخبر المنذر بالمؤامرة، فأمر بالقبض عليه، وحبسه ولما صار "طيباريوس""tiberius" قيصرَ. ذهب المنذر إلى القسطنطينية، فلامه القيصر على ما صنع، ولكنه قدره واحترمه كثيرًا حينما أراه رسالة يسطينوس التي أراد توجيهها إلى عامله لاغتيال المنذر، وأنعم عليه بهدايا كثيرة، وألطاف سنية، ثم عاد مكرمًا إلى مركزه السابق1.

لقد قام المنذر بالزيارة المذكورة للقسطنطينية في اليوم الثامن من شباط سنة 580م مصطحبًا معه ابنين من أبنائه. فلما بلغها، استقبل بكل احترام وتبجيل، وأنعم القيصر "طيباريوس""tiberius" عليه بلقب "rex" وبالتاج وهو لقب كان له شأن كبير في إمبراطورية الروم، ويرى نولدكه أن الروم لم يمنحوا عمالهم العرب على بلاد الشأم من قبل إلا "الإكليل"، ودرجته دون درجة "التاج"2. وقد أغدق القيصر عليه بالهدايا الثمينة النفيسة ومن بينها مصوغات من ذهب وفضة، مما لم ينعم به على أي ملك عربي من قبل. كما أنعم على ولديه بدرجات عسكرية3.

وكان المنذر مثل والده من القائلين بمذهب "الطبيعة الواحدة" والمدافعين عنه، ولذلك انتهز فرصة وجوده في القسطنطينية، فسعى في إقناع رجال القصر بالتسامح مع رجال مذهبه والصفح عنهم. ويظهر أنه عقد هناك مجمعًا في اليوم الثاني من شهر آذار سنة "580م" لمعاضدة هذا المذهب والدفاع عنه، كما اتصل بالبطاركة للتوفيق بين رجال الكنيستين، غير أنه خابت مساعيه بالرغم من إظهار البطاركة رغبتهم في ذلك وعدم ممانعتهم فيه4.

1 Bar Hebraeus، Vol، I، P. 80، 82

2 غسان "ص26". j. Of ephesus، 4، 39 ، 42، p. 265، 271

3 J. of Ephesus، 4، 39، P. 265، 4، 43، P. 271، Prvincia Arabia، II، P. 174، Die Araber، I، S. 10

4 غسان "ص27"، المشرق، السنة 34 ج1 "ص64"، السنة 1936.

J. of Ephesus، 4، 40، Les Arabes Chrestiens، P. 63، Die Araber، I، S. 10

ص: 104

وقد ذكر أن المنذر بنى صهاريج لإيصال الماء إلى الرصافة مدينة القديس "سرجيوس" ذي المكانة العظيمة عند عرب الشأم. وظهر من كتابة عثر عليها في أنقاض كنيسة في الرصافة أن المنذر بنى أو جدد بناء تلك الكنيسة. وأما بناؤها فهو على الطراز البيزنطي1.

ولم تمنع قدسية مدينة الرصافة الأعراب، ولا سيما أعراب العراق من التحرش بها، فغزتها مرارًا، وأخذت قبيلة تغلب صورة القديس بعد عودتها من غزو المدينة2، وهدم أهل الحيرة صهاريج المدينة مرارًا، ولحمايتها من الهجمات أحاطها القيصر "يوسطنيانوس" بسور قوي، بدلًا من سورها القديم3.

وذكر أن المنذر لما كان في القسطنطينية طلب من البيزنطيين مساعدته في بناء قصر يكون أعظم قصر غساني بُني حتى أيامه، وذلك بأن يرسلوا إليه أحسن المعماريين والبنائين الحاذقين. فلبى البيزنطيون طلبه فأمدوه بما يحتاج إليه من معماريين ومن مواد بناء. ومن أبنيته الخربة المعروفة اليوم بناء يعرف باسم "البرج" وقد عثر على اسمه مدونًا على حجارة من ذلك البناء4.

ولما حاول الروم غزو حدود الفرس في سنة "580م"، وجدوا الجسر المنصوب على نهر الفرات مهدمًا، فاضطروا إلى التراجع وترك الغزو. وكان المنذر معهم في هذه الحملة، فذهبوا إلى أن المنذر كان على اتفاق سري مع الفرس، وأنه هو الذي أوعز بهدم الجسر، ليكتب للحملة الإخفاق، وقرروا القبض عليه والإيقاع به؛ انتقامًا منه للخيبة التي منوا بها. ولما عاد المنذر فغزا أرض الحيرة بنفسه فيما بعد ملحقًا بالمدينة أذًى كثيرًا، جاعلًا إياها طعمة للنيران، اتخذ الروم هذه الغزوة دليلًا على تحدي المنذر لهم، ورغبته في الخروج على طاعتهم، فقرروا الانتقام منه بقتله، فأصدروا إلى حاكم بلاد الشأم "ماكنوس""magnus" صديق

1 Kirchengeschichte، V، S. 315، H. Gelzer in Byzantinischer Zeitschrift، I، 1892، S. 245. Les Arabes Chrestiens، P. 69، Musil، Palmyrena، PP. 165، 264، 323

2 ديوان الأخطل "ص309"، "طبعة الصالحاني".

Musii، palmyrena، pp. 263، 267

3 Musil، Palmyrena، P. 264، Rusafah، P. 12

4 Wetzstein، NO:173، Waddington 2562C، Provincia Arabia III، S. 200

ص: 105

المنذر أمرًا سريًّا بالعمل على قتله، وصادف أن الروم كانوا قد انتهوا من بناء كنيسة في "حوارين"، وقد عزم "ماكنوس" على تدشينها، فكتب يدعو صديقه إلى الاحتفال بذلك، فلما كان على مقربة منه، قبض عليه وأرسله محفورًا إلى العاصمة حيث أجبر على الإقامة فيها مع إحدى نسائه وبعض أولاده وبناته، وذلك في أيام القيصر طباريوس وفي ابتداء السنة "582" للميلاد. ولما انتقل العرش إلى موريقيوس، وكان يكرهه ويعاديه، أمر بنفيهما إلى صقلية وبقطع المعونة التي كان الروم يدفعونها إلى الغساسنة في كل عام1.

وقد لقب حمزة المنذر بلقب الأكبر، وجعل مدة حكمه ثلاث سنين، ونسب إليه بناء "حربا" وموضع "زرقا" على مقربة من الغدير2. وقد أخطأ "حمزة" في مدة حكم المنذر، إذ هي تزيد على تلك المدة، فقد حكم على رأي الباحثين من سنة "569" حتى سنة "582" للميلاد3.

أثار عمل الروم هذا ثائرة أبناء المنذر، فتركوا ديارهم، وتحصنوا بالبادية وأخذوا يهاجمون منها حدود الروم ملحقين بها أذًى شديدًا، فاضطر القيصر على أثره أن يوعز إلى القائد "ماكنوس" بتجهيز حملة من أبناء المنذر ألحق بها أحد إخوة المنذر. وكان قد أعد ليتولى مقام أخيه، غير أنه توفي بعد أيام. ولما كان من الصعب على الروم مهاجمة أبناء المنذر في البادية، عمد القائد إلى المكيدة فأرسل إلى النعمان كبير أبناء المنذر أنه يريد مقابلته للاتفاق معه على وضع شروط للصلح، وقد ظن الأمير أن القائد صادق فيما دعا إليه فذهب لمقابلته، فقبض الروم عليه، وأرسلوه مخفورًا إلى العاصمة حيث حجروا فيها عليه4.

وكان موضع "حوارين" في جملة المواضع التي هاجمها النعمان بعد ارتحال "ماكنوس" عنها، وقد استولت عساكره عليها، وقتلوا بعض أهلها، وأسروا قسمًا من الباقين، ثم عادوا بغنائم كثيرة إلى البادية للاحتماء بها من هجمات الروم5.

1 غسان "ص30 وما بعدها".

Evagrius، 6، 2، Bar Gebraeus، Vol، I، P. 82، J. J. of Ephesus، Eccl. His، III، PP. 40، 42، 54، Provincia Arabia، II، P. 175

2 حمزة "ص78"، البطليوسي "ص7".

3 Provincia Arabia، II، S. 174

4 غسان "ص22 وما بعدها" Evagrius، 6-2

5 Musil، Palmyrena، P. 38

ص: 106

وذكر ابن العبري أن النعمان لما بلغته رسالة القائد ماكنوس لم يذهب إليه، وإنما أرسل إليه بعض الشبان وأمره أن يتظاهر له بأنه هو النعمان. فلما وصل الشاب إلى القائد، سأله: أأنت النعمان؟ فقال له: نعم، جئتك بحسب أمرك، فقال القائد لمن معه: أقبضوا على عدو الملك، وقيدوه بالحديد. ولما تبين للقائد أنه لم يكن النعمان، هَمَّ بقتله، ثم أمر بإخراجه، فعاد إلى أهله. وتوفي ماكنوس بعد ذلك بأمر قصير1.

ويدعي ابن العبري أن النعمان ذهب بعد ذلك إلى "موريقيوس""mauricius" واعتذر إليه وبين له أنه إنما حارب مع الفرس ليتمكن بذلك من إنقاذ والده من الأسر.

ولما طلب منه "موريقيوس" أن يدخل في المذهب الخلقيدوني، أجابه أن جميع القبائل العربية "طياية" هي على المذهب الحنيف "الأرثدوكس""orthodox"، وأنه إذا بدل مذهبه لا يأمن على نفسه من القتل، ولما قفل راجعًا، قبض عليه ونفي2.

لقد تصدع بناء الغساسنة وتفكك، وانقسم الأمراء على أنفسهم، وذلك حوالي سنة "583" أو "584م" على تقدير نولدكه. ويشير ميخائيل السوري وابن العبري إلى أنهم انقسموا بعد القبض على النعمان إلى خمس عشرة فرقة تركت بعضها ديارها فهاجرت إلى العراق وتشتت الباقون، ولم يبق لهم شأن يذكر. ولم يشر الكتبة السريان أو البيزنطيون إلى ملك الغساسنة بعد هذا الحادث3، وهو أمر يؤسف له غاية الأسف. إذ حرمنا بذلك من الحصول على وثائق مهمة تساعدنا في معرفة تأريخ عرب الشام.

وقد عقب هذا التصدع حدوث اضطراب في الأمن وفوضى بين القبائل التي أخذت تتنافس بينها للحصول على الرئاسة والسيادة، ولخطورة مثل هذه الأحوال بالنسبة إلى الروم وسلامة الحدود، كان هذا مما حمل البيزنطيين على التفكير في اختيار رئيس قوي من سادات القبائل المتنافسين ليقوم بضبط هذه القبائل وإعادة الأمن إلى نصابه وحماية الحدود من هجمات عرب الحيرة4.

1 Bar Gebraeus، Vol، I، P. 82

2 Bar Gebraeus، I، P. 82

3 غسان "ص33، 35".

4 Noldeke، S. 31، Ency، II، P. 143

ص: 107

ولم يشر الأخباريون إلى هذا الحادث، ويظهر أنهم لم يعرفوه، وقد ذكر حمزة أن الذي حكم بعد المنذر هو شقيقه النعمان. وقد جعل مدة حكمه خمس عشرة سنة وستة أشهر1.

وزاد في رَبْك وضع الغساسنة وفي انقسامهم على أنفسهم، غزو الفرس لبلاد الشأم سنة "613-614م"، فقد اكتسح الفرس كل بلاد الشأم، وصار عرب الشأم أمام حكام جدد، لم يألفوا حكمهم من قبل، ولكن ألفوهم دائمًا في جانب عرب الحيرة أعداء الغساسنة ومنافسيهم.

وقد تمكن الغساسنة من رؤية وجوه البيزنطيين مرة أخرى وذلك في حوالي سنة "629م"، فقد تمكن البيزنطيون من طرد الفرس من الأرضين التي استولوا عليها ومن إجلائهم نهائيًّا عنها، وإعادة فرض حكمهم عليها، غير أن الأقدار أبت أن تبقيهم هذه المرة مدة طويلة في بلاد الشأم، فأكرهتهم على فتح أبوابها للإسلام، فتساقطت مدنها في أيدي المسلمين تساقط ورق الشجر في أيام الخريف. وصارت دمشق درة بلاد الشأم من أهم حواضر الإسلام. أما ملك الغساسنة، فقد ولى، ولم يبقى للغسانيين حكم في هذه البلاد منذ هذا الزمن.

وقد خمد اسم رؤساء غسان في الموارد اليونانية والسريانية منذ قبض على النعمان، فعدنا لا نجد في تلك الموارد شيئًا يذكر عنهم، وفي سكوت هذه الموارد عن إيراد أخبارهم، دليل على زوال شوكتهم وهيبتهم وعدم اهتمام الروم بأمرهم، حيث ضعف أمرهم بسبب تفرق كلمتهم وتنازعهم بينهم. أما الموارد الإسلامية، فإنها بقيت تذكر أسماء رجال منهم زعمت أنهم ملكوا وحكموا، بل زعمت أن بعضهم حكموا دمشق، وبقيت تذكر أسماءهم إلى أيام الفتح الإسلامي، ومن هذه الموارد تأريخ حمزة الأصفهاني، الذي استمر يذكر أسماء من ملك من آل غسان حتى انتهى بآخرهم وهو جبلة بن الأيهم. وفي هذه الأسماء تكرار وزيادات، لذلك زاد عدد من ذكرهم من ملوك غسان على عدد ما ورد عند سواه من المؤرخين.

وأنا لا أستطيع أن أوافق حمزة على العدد المذكور، وأخالفه في مدد حكمهم.

1 حمزة "ص78"، البطليوسي "ص7".

ص: 108

وفي ترتيبهم على النحو المدون في تأريخه. فالذين ذكرهم على أنهم ملوك لم يكن مجال حكمهم كبيرًا واسعًا، وهم لم يكونوا في الواقع إلا سادات بيوت أو سادات عشائر منشقة، تمسكت باللقب القديم الموروث: لقب ملك. وقد كان بعضهم يعاصر بعضًا، ويدعي الرئاسة لنفسه، وذلك بسبب تخاصمهم، ولهذا كثرت أسماؤهم في قائمة حمزة. وقد انحسر مد حكمهم وانكمش فاقتصر على البوادي، ولا يتعارض ذلك بالطبع مع ورود أخبار بسكناهم في قصورهم عند أطراف المدن ومشارف القرى، فإن سادات القبائل في هذا اليوم أيضًا يحكمون القبائل ويعيشون في قصور في المدن، وهم لا يحكمون المدن بالطبع.

والذي يظهر من روايات أخرى من روايات أهل الأخبار من غير حمزة أن أبين رجل من غسان ظهر بعد النعمان، هو "الحارث" المعروف بـ"الأصغر" ثم "عمرو بن الحارث"، وهو الذي مدحه "النابغة" ثم "النعمان بن الحارث" وهو شقيق "عمرو" وقد مات مقتولًا كما يظهر ذلك من شعر للنابغة الذبياني، ثم "شرحبيل بن عمرو الغساني"، و"جبلة بن الأيهم".

ولما كنا قد سرنا على قائمة حمزة في ترتيب الملوك، فإننا نجاريه في ترتيبه لهم فنذكر أسماء من حكم الغساسنة بعد النعمان على وفق هذه القائمة، فنقول:

حكم بعد النعمان على رواية حمزة وآخرين "المنذر بن الحارث" أي شقيق المنذر والنعمان، وجعل حمزة مدة حكمه ثلاث عشرة سنة، ولقبه بلقب "الأصغر" وكناه بـ"أبي شمر"1.

وتولى بعده على رواية حمزة أخوه جبلة، وجعل منزله بـ"حارب" ونسب إليه بناء "قصر حارب" و"محارب" و"صنيعة"، وكانت مدة حكمه على رأيه أربعًا وثلاثين سنة 2.

وحكم بعد جبلة على رواية حمزة أخوه الأيهم. وقد حكم على رأيه ثلاث سنين ونسب إليه بناء "دير ضخم" و"دير النبوة" و"دير سعف"3.

ثم انتقل الحكم على رواية حمزة أيضًا إلى عمرو، وهو أيضًا على رأيه أحد

1 حمزة "ص78"، المحبر "ص372".

2 حمزة "ص78"، البطليوسي "ص7".

3 حمزة "ص87".

ص: 109

أبناء الحارث بن جبلة، وقد حكم ستًّا وعشرين سنة وشهرين، وذكر أنه نزل السدير، وبنى قصر "الفضا""قصر الفضة" و"صفاة العجلات" و"قصر منار"1.

وعمرو هذا هو الذي مدحه النابغة الذبياني، وقد كان متكبرًا دميمًا قبيح السيرة أنشأ في دمشق وضواحيها -على حد قول أهل الأخبار- عند قصور شامخات، منها: قصر الفضة، وقصر "صفات العجلات"، وقصر منار. وقد صور في بعض هذه القصور مجالسه وجلساءه ورؤساء دولته، وأشكال صورته.

ثم اتعظ وتغير على أثر شعر قاله له عمرو بن الصعق العدواني، وكان قد أسر الأمير أخته، وحسنت سيرته ومات بعد أن حكم ستًّا وعشرين سنة2.

ويقول أهل الأخبار إن من قديم الشعر الذي قاله النابغة في مدح عمرو بن الحارث، قصيدته البائية التي يقول في جملة ما يقول فيها:

عَلَيَّ لِعَمروٍ نِعمَةٌ بَعدَ نِعمَةٍ

لِوالِدِهِ لَيسَت بِذاتِ عَقارِبِ

وقد أوغل فيها في مدح الغساسنة وفي ذكر ملوكهم، وهي من عيون شعره. وقد قال هذا الشعر حينما اختلف مع النعمان بن المنذر في موضوع الشعر الذي وصف به زوجة النعمان "المتجردة"، وصفًا استغله أعداؤه، فوشوا به إلى النعمان، فهرب منه، وانحاز إلى خصومه آل غسان. ولجأ إلى زعيمهم في تلك الأيام، وهو "عمرو بن الحارث"3.

وللنابغة أشعار أخرى في مدح "عمرو بن الحارث بن أبي شمر الغساني" في جملتها أبيات يعتذر النابغة فيها إليه من وشاية أثارت حنق عمرو عليه، فنظمها في استرضائه، وقد ذكر فيها أنه أكرامه وحباه بمائة من الإبل، وأنه يريش قومًا ويبري آخرين، وأنه يجزي الناس على أفعالهم4.

ونجد في قصيدة للنابغة مطلعها:

أَهاجَكَ مِن أَسماءَ رَسمُ المَنازِلِ

بِرَوضَةِ نُعمِيٍّ فَذاتِ الأَجاوِلِ

1 حمزة "ص87".

2 البطليوسي "ص7".

3 ديوان النابغة الذبياني "ص9 وما بعدها"، "بيروت 1929".

4 ديوان النابغة "ص46""بيروت 1929".

ص: 110

خبر غزو قام به "عمرو بن الحارث" لبني مرة، وقد أوجعهم فيها على ما يظهر من هذه القصيدة1.

هؤلاء الستة الذين ذكرهم حمزة بعد الحارث بن جبلة، هم أبناؤه إذن، وقد حكموا على زعمه بالتعاقب دون فترة. ثم نقل الحكم من عمرو إلى رجل دعاه جفنة الأصغر، وهو على رأيه ابن المنذر بن الحارث. ولم يذكر أي منذر قصد. وذكر أنه كان سيارة جوابًا. ثم هلك، وكان ملكه ثلاثين سنة2.

وحكم بعد جفنة الأصغر على رواية حمزة النعمان الأصغر بن المنذر الأكبر. حكم سنة واحدة. ولم ينسب إليه بناء ما3.

ثم انتقل الحكم على زعم حمزة إلى النعمان بن عمرو بن المنذر ولم يكن أبوه عمرو على رأي حمزة ملكًا، وإنما كان عازيًا يغزو بها بالجيوش، وكان ملكه سبعًا وعشرين سنة، ونسب إليه بناء "السويدا" و"قصر حارب"4.

وذكر حمزة أن "عمرو" المذكور، أي والد النعمان على زعمه، هو الذي مدحه النابغة بقوله:

عَلَيَّ لِعَمروٍ نِعمَةٌ بَعدَ نِعمَةٍ

لِوالِدِهِ لَيسَت بِذاتِ عَقارِبِ

وذكر أنه، أي النابغة "ذكر أباه المنذر بقوله"5:

وقصر بصيداء التي عند حارب

وقد أخطأ حمزة في ذهابه إلى أن الشخص الممدوح هو "النعمان بن عمرو"، فإن رواة هذا الشعر يذكرون إن الملك الممدوح الذي قصده النابغة بمديحه، هو "عمرو بن الحارث بن أبي شمر" المتقدم ذكره، وهو شقيق "النعمان بن الحارث بن أبي شمر" الذي مدحه النابغة كذلك، وكانت له صلات حسنة وثيقة به6.

1 ديوان النابغة "ص85""بيروت 1929م".

2 حمزة "ص78".

3 حمزة "ص79".

4 حمزة "ص79".

5 حمزة "ص79".

6 ديوان النابغة "ص9 وما بعدها".

ص: 111

وجعل حمزة بعد النعمان ابنه جبلة وزعم أن منزلة بـ"صفين"، وأنه صاحب "عين أباغ"، وقاتل المنذر بن ماء السماء، وكان ملكه ست عشرة سنة1.

ثم ملك -بعد جبلة- النعمان بن الأيهم بن الحارث بن مارية، وكان ملكه إحدى وعشرين سنة لم يحدث خلالها على حد قول حمزة شيء، فتولى من بعده النعمان بن الحارث، وهو الذي أصلح صهاريج الرصافة، وكان بعض ملوك لخم خربها، وكان ملكه ثماني عشرة سنة2.

ويرى "إلويس موسل" أن النعمان هذا كان قد حارب الفرس من حوالي سنة "604" حتى سنة "616م"، وأنه قد احتمى مرارًا بأسوار الرصافة. وبهذه المناسبات على ما يظهر قام بترميم صهاريج المدينة لخزن الماء3.

وذكر حمزة اسم "المنذر بن النعمان" بعد النعمان بن الحارث، وهو ابنه.

قال: ولم يحدث شيء في أيامه، ثم هلك وكان ملكه تسع عشرة سنة4.

ثم صار الحكم من بعده -على رأي حمزة- إلى عمرو بن النعمان. وهو شقيقه ولم يحدث شيئًا في أيامه، ثم هلك، وكان ملكه ثلاثًا وثلاثين سنة وأربعة أشهر5.

ثم انتقل الحكم إلى حجر بن النعمان، وهو شقيق عمرو، وجعل حمزة ملكه اثنتي عشرة سنة. ثم صير الملك إلى ابنه من بعده، وهو الحارث بن حجر. وجعل ملكه ستًّا وعشرين سنة6.

وصير حمزة الملك إلى جبلة بن الحارث، بعد وفاة والده "الحارث بن حجر". وجعل مدة حكمه سبع عشرة سنة وشهرًا واحدًا7.

ثم صير حمزة الحكم إلى "الحارث بن جبلة"، وهو على رأيه ابن الملك المتوفى "جبلة بن الحارث". وذكر حمزة أنه يسمى أيضًا بـ"الحارث بن أبي شمر"، وهو الذي أوقع ببني كنانة، وكان يسكن الجابية. وكان ملكه

1 حمزة "ص79".

2 حمزة "ص79".

3 Musil، Palmyrena، P. 267

4 حمزة "ص79".

5 حمزة "ص79".

6 حمزة "ص79 وما بعدها".

7 حمزة "ص80".

ص: 112

إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر1. ويجب أن يكون هذا الحارث هو "الحارث بن أبي شمر الغساني"، الذي ذكر أن الرسول وجه كتابًا إليه، حمله إليه: شجاع بن وهب كما سيأتي فيما بعد.

وذكر حمزة أن الذي حكم بعد "الحارث بن جبلة" وهو ابنه "النعمان بن الحارث"، وكنيته "أبو كرب" ولقبه "قطام"، وهو الذي بنى ما أشرف على "الغور الأقصى". وكان ملكه سبعًا وثلاثين سنة وثلاثة أشهر2.

وقد أخطأ حمزة في إضافة لقب "قطام" إلى النعمان بن الحارث، ولا نعرف أن أحدًا أضاف هذا اللقب إليه.

ونجد للنابغة الذبياني أشعارًا في مدح "النعمان" المذكور، وكان يزوره ويتوسط لديه في فك أسرى قومه الذين كانوا يقعون في أسر الغساسنة، وذلك بسبب غاراتهم المتوالية على بني غسان وأعرابهم. وكان قومه "بنو ذبيان" وحلفاؤهم "بنو أسد" إلى جانب عرب الحيرة، وكانوا ينقمون على الغساسنة ويغيرون دومًا على أرضهم، فيتدخل النابغة لدى الغساسنة للصفح عن قومه، ويتوسل إليهم في فك أسرهم. ولما أغار قومه على وادي "ذي أقر"، نهاهم النابغة عن هذه الغارة، وحذرهم من عواقبها، وهولهم بكثرة ما لدى "النعمان بن الحارث"، من جموع وحشود، غير أنهم لم يهتموا بنصح النابغة، ولم يحفلوا بتخويفه لهم، بل عدوا نصيحته هذه لهم من إمارات الخوف والجبن، فتصدت لهم أعراب "النعمان" بقيادة "النعمان بن الجلاح الكلبي" وأوقعت بهم خسائر فادحة، ويذكر بعض الرواة أن "ابن الجلاح" سبى ستين أسيرًا وأهداهم إلى قيصر الروم3 ولم يتطرقوا لبيان الأسباب التي أدت بالغساسنة إلى إهداء هؤلاء الأسرى إلى الروم. وأعتقد أن إقحام "قيصر الروم" في هذا الإهداء، هو من مبالغات الرواة، وقد عودونا أمثال هذه المبالغات. إلا أن يكون أولئك الأعراب قد غزوا حدود الروم، فأوجعوا أهلها، فقدم "ابن الجلاح" الذي تعقبهم، من وقع في أسره إلى حاكم من حكام الروم لتأديبهم.

1 حمزة "ص80".

2 حمزة "ص80".

3 ديوان النابغة "ص54""بيروت 1929م".

ص: 113

وقد طلب "النابغة" في شعره في وصف هذه الغارة من "حصن بن حذيفة" سيد "ذبيان" ومن "ابن سيار" فك من وقع أسيرًا من النساء دفعًا للخزي والعار من وقعهن أسيرات في أيدي العضاريط من الأتباع والأجراء.

ونجد النابغة يحذر "النعمان" من غزو "بني حُن بن حرام"، وينصحه بعدم التورط في قتالهم؛ لأنهم أناس محاربون صعاب. فلما أبى إلا قتالهم، بعث النابغة إلى قومه يخبرهم بغزو النعمان لهم، ويأمرهم أن يمدوا بني حُن، ففعلوا. فلما غزاهم النعمان، هزم بنو حُن وبنو ذبيان جمعه، وحازوا ما معهم من الغنائم، فقال النابغة في ذلك شعرًا منه:

لَقَد قُلتُ لِلنُعمانِ يَومَ لَقيتُهُ

يُريدُ بَني حُنَّ بِبُرقَةِ صادِرِ

تَجَنَّب بَني حُنَّ فَإِنَّ لِقاءَهُم

كَريهٌ وَإِن لَم تَلقَ إِلّا بِصابِرِ

فهو يعاتب بذلك النعمان، ويذكره بعدم اهتمامه بنصحه له، وتخويفه إياه من عاقبة هذه الغارة1.

وكان في جملة ما قاله النابغة عن بني حُن بن حرام، وهم من غدرة، أنهم كانوا قد منعوا "وادي القرى" عن عدوهم ومن أهله وحموه منهم، وهو كثير النخل، فتمنعوا بثمره، وطردوا "بَليًّا"، وهم من "بني القين" وهم أصحابه من هذا الوادي، واستولوا على نخيلهم، ونفوهم إلى غير بلادهم، وهم الذين ضربوا أنف الفزاري، وهم الذين منعوها من قضاعة كلها ومن "مضر الحمراء"، وقتلوا الطائي بالحجر عنوة، ويريد به "أبا جابر الجلاس بن وهب بن قيس بن عبيد" وكان ممن اجتمع عليه جديلة طيء. ومثل هؤلاء قوم لا يغلبون2.

ويظهر من شعر للنابغة أن "النعمان" كان قد غزا تميمًا وقيس وائل، وأنه أوجعهم، وقد غزاهم في الربيع3.

وللنابغة أشعار أخرى في مدح "النعمان" هذا، ومنها أبيات استهلها بقوله:

1 ديوان النابغة "ص60 وما بعدها""بيروت 1929م".

2 ديوان النابغة "ص60 وما بعدها".

3 ديوان النابغة "ص82".

ص: 114

والله والله لنعم الفتى إذ

أعرج، لا النكسى ولا الخامل1

وقد أدرك النابغة أجل "النعمان بن الحارث بن أبي شمر"، إذ مات مقتولًا فرثاه بقصيدة، يظهر منها أنه كان يكنى بـ"أبي حجر"، وأنه قبر موضع يقع بين "بصرى" و"جاسم"2.

وقد غزا "النعمان" العراق، ولا يستبعد "نولدكه" أن يكون هو الذي قصده المؤرخ "ثيوفلكتوس" حين تحدث عن غزو قام به عرب الروم على العراق في زمن الصلح أي حوالي سنة "600م"3.

وقد مدح النابغة "النعمان بن الحارث الأصغر" في القصيدة التي تبدأ بقوله:

وَإِن يَرجِعِ النُعمانُ نَفرَح وَنَبتَهِج

وَيَأتِ مَعَدًّا مُلكُها وَرَبيعُها

وَيَرجِع إِلى غَسّانَ مُلكٌ وَسُؤدُدٌ

وَتِلكَ المُنى لَو أَنَّنا نَستَطيعُها4

ورثى "النابغة" النعمان في قصيدة جاء فيها أن شيبان وذهلًا وقيس بن ثعلبة وتميمًا سروا بوفاته؛ لأنهم أمنوا بذلك على أنفسهم من غارته ومن غزوه لهم5. ويظهر من شعر النابغة فيه أنه كان محاربًا يغزو القبائل، ولذلك هابته. وقد بكاه بقوله:

بَكى حارِثُ الجَولانِ مِن فَقدِ رَبِّهِ

وَجورانُ مِنهُ خَاشِعٌ مُتَفائِلُ6

وذكر "ابن قتيبة" أن النابغة لما صار إلى غسان، انقطع إلى "عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر الغساني" وإلى أخيه "النعمان بن الحارث"، فأقام النابغة فيهم فامتدحهم، فغم ذلك النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وبلغه أن الذي قُذف به عنده باطل، فبعث إليه من يسأله أن يعود، فاعتذر النابغة في شعر، وقدم عليه مع زبان بن سيار ومنظور بن سيار الفزارين، وقبل عذره ورحب به7.

1 ديوان النابغة "ص90".

2 ديوان النابغة "ص84".

3 غسان "ص42"، Theophylactus، Historiae،

4 البطليوسي "ص57".

5 البطليوسي "ص60 وما بعدها".

6 حمزة "ص80".

7 الشعر والشعراء "ص77""النابغة الذبياني".

ص: 115

ثم ملك بعده -على رأي حمزة- الأيهم بن جبلة بن الحارث بن أبي شمر، وهو على حد تعبيره صاحب "تدمر" و"قصر بركة" و"ذات أنمار" وغير ذلك1.

ثم ملك بعد الأيهم بن جبلة شقيقه المنذر بن جبلة، وكان ملكه على رواية حمزة ثلاث عشرة سنة2.

ثم صار الملك إلى شقيقه "شراحيل بن جبلة" على رواية حمزة. وكان ملكه خمسًا وعشرين سنة وثلاثة أشهر3.

ثم انتقل الحكم إلى "عمرو بن جبلة" بعد وفاة "شراحيل" وهو على رأي حمزة شقيقه، وقد حكم عشر سنين وشهرين4.

ثم حول حمزة الحكم إلى "جبلة بن الحارث"، بعد وفاة "عمرو بن جبلة" وهو على رأيه ابن أخيه. وجعل حكمه أربع سنين5.

ثم صير حمزة الملك إلى "جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن مارية" وهو على رأيه آخر ملوك غسان. وكان ملكه ثلاث سنين، وهو الذي كان أسلم ثم تنصر، ولجأ إلى الروم6. وقد سرد المسعودي نسبه على هذه الصورة:"جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن حجر بن النعمان بن الحارث بن الأيهم بن الحارث بن جبلة بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة"7، وسرده على هذه الصورة "جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن مازن" في مكان آخر8.

وذكره "ابن عبد ربه" على هذه الصورة: "جبلة بن الأيهم بن أبي شمر الغساني"9. وذكر "الذهبي" أن الأصل هو "الأهيم"، لا "الأيهم"، وكناه بـ"أبي المنذر"، وقال إنه كان ينزل "الجولان"10

1 حمزة "ص80".

2 حمزة "ص80".

3 حمزة "ص80".

4 حمزة "ص80".

5 حمزة "ص81".

6 حمزة "ص81"، المحبر "ص372"، لسان العرب "11/ 96".

7 التنبيه "ص158".

8 مروج "2/ 108"، "2/ 30"، "طبعة محمد محيي الدين عبد الحميد".

9 العقد الفريد "1/ 187 وما بعدها""القاهرة 1935م".

10 تأريخ الإسلام، للذهبي "2/ 214""نسخة دار الكتب المصرية".

ص: 116

وقد وصف بأنه كان طويلًا، طوله اثني عشر شبرًا، وكان إذا ركب مسحت قدمه الأرض1.

وقد ورد اسم "جبلة بن الأيهم" في أخبار الفتوحات الإسلامية لبلاد الشأم، إذ ذكر في "فتوح البلدان" للبلاذري: أن "هرقل" لما سمع بتجمع المسلمين ومقدمهم "يوم اليرموك"، بعث على مقدمته "جبلة بن الأيهم الغساني" في مستعربة الشأم من لخم وجذام وغيرهم لمقاتلة المسلمين، غير أن "جبلة" انحاز في القتال إلى الأنصار قائلًا:"أنتم إخواننا وبنو أبينا، وأظهر الإسلام"2.

أما الطبري فقد ذكر: أن خالدًا لما صار إلى "مرج الصفر"، لقي عليه غسان، وعليهم "الحارث بن الأيهم"3. ولم يشر إلى جبلة. فيظهر أن وهمًا في الاسم قد وقع للرواة، فصار "جبلة" عند بعض، وصار" الحارث" عند بعض آخر، ولعل مرده إلى سهور وقع من النساخ.

ولحسان بن ثابت شعر في مدح "جبلة بن الأيهم"، وفي ذكر ملكه وملك "آل جفنة"، يظهر منه شدة تعلقه بهم على بعده عنهم وزوال ملكهم وابتعاده عنهم بالإسلام4. وقد أورد المسعودي بعض الأشعار التي مدح حسان بها "جبلة بن الأيهم" منها:

أشهرنها فإن ملكك بالشا

م إلى الروم فخر كل يماني5.

وقد ورد في رواية من روايات أهل الأخبار أن حسان بن ثابت زار "جبلة بن الأيهم"، وعنده "النابغة" و"علقمة بن عبدة" فأنشده شعرًا، فأعطاه ثلاثمائة دينار وعشرة أقمصة لها جيب واحد، في كل عام مثلها. وتذكر رواية أخرى أن الشخص الذي زاره "حسان" هو "عمرو بن الحارث الأعرج"، وأنه مدحه فأعطاه ألف دينار مرجوحة، وهي التي في كل دينار عشرة دنانير6.

1المعارف "ص281".

2 فتوح البلدان "141 وما بعدها"، "القاهرة 1901م".

3 الطبري "2/ 410""دار المعارف بمصر".

4 مروج "2/ 13""محمد محيي الدين عبد الحميد"، البرقوقي "414 وما بعدها".

5 مروج "2/ 31""طبعة محمد محيي الدين عبد الحميد".

6 الأغاني "14/ 2 وما بعدها".

ص: 117

وذُكر أن "جبلة بن الأيهم" لما سمع، وهو ببلاد الروم، أن حسانًا قد صار مضرور البصر كبير السن، أرسل إليه خمسمائة دينار وخمسة أثواب ديباج، فلما سلمها الرسول الذي حمل الهدية إليه، نظم شعرًا في مدحه أوله:

إِنَّ اِبنَ جَفنَةَ مِن بَقِيَّةِ مَعشَرٍ

لَم يَغذُهُم آباؤُهُم بِاللَؤمِ

لَم يَنسَني بِالشامِ إِذ هُوَ رَبُّها

كَلّا وَلا مُتَنَصِّرًا بِالرومِ

وأخذ يراجع ذكريات تلك الأيام الخالية التي قضاها معه ومع بقية آل غسان1.

وقد اتفقت روايات أهل الأخبار في موضوع دخول جبلة في الإسلام، ثم في ارتداده، إلا رواية واحدة ذهبت إلى أنه لم يسلم. وقد ذهب أكثرهم في سبب ردته إلى أن أعرابيًّا من فزارة وطئ فضل إزار جبلة وهو يسحبه في الأرض بمكة، فلطمه جبلة، فنابذه الأعرابي إلى عمر، فحكم عمر له بالقصاص، فعد جبلة القصاص إهانة له وهو ملك، ففر إلى بلاد الروم وارتد بها، وبقي بها مرتدًا حتى وافته منيته2. ولكن رواية "ابن قتيبة"، تختلف عن رواية أكثر أهل الأخبار في موضوع المكان الذي كان السبب في ارتداده عن الإسلام، إذ جعلته مدينة "دمشق"، قالت: "وكان سبب تنصره أنه مر في سوق دمشق، فأوطأ رجلًا فرسه، فوثب الرجل فلطمه، فأخذه الغسانيون فأدخلوه على أبي عبيدة بن الجراح، فقالوا: هذا لطم سيدنا. فقال أبو عبيدة بن الجراح: البينة أن هذا لطمك. قال: وما تصنع بالبينة؟ قال: إن كان لطمك لطمته بلطمتك. قال: ولا يقتل؟ قال: لا. قال: ولا تقطع يده. قال: لا. إنما أمر الله بالقصاص، فهي لطمة بلطمة. فخرج جبلة ولحق بأرض الروم وتنصر"3.

ونجد خبر "ابن قتيبة" المذكور مدونًا في كتاب "الطبقات" لابن سعد، حيث جاء: "وكتب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى جبلة بن الأيهم ملك غسان يدعوه إلى الإسلام، فأسلم وكتب بإسلامه إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأهدى له هدية ولم يزل مسلمًا حتى كان في زمان عمر بن الخطاب،

1 البرقوقي "ص391 وما بعدها".

2 مروج "2/ 31 وما بعدها""طبعة محمد محيي الدين عبد الحميد" ابن خلدون "2/ 586"، تاريخ الخميس "2/ 61"، الأغاني "14/ 2 وما بعدها".

3 المعارف "ص281".

ص: 118

فبينما هو في سوق دمشق إذ وطئ رجلًا من مزينة، فوثب المزني فلطمه، فأخذ وانطلق به إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقالوا: هذا لطم جبيلة، قال: فليلطمه، قالوا: وما يقتل؟ قال: لا، قالوا: فما تقطع يده؟ قال: إنما أمر الله، تبارك وتعالى بالقود. قال جبلة: أو ترون أني جاعل وجهي ندًّا لوجه جدي جاء من عمق! بئس الدين هذا! ثم ارتد نصرانيًّا! وترحل بقومه حتى دخل أرض الروم، فبلغ ذلك عمر، فشق عليه، وقال لحسان بن ثابت: أبا الوليد، أما علمت أن صديقك جبلة بن الأيهم ارتد نصرانيًّا؟ قال: وحق له، فقام إليه عمر بالدرة فضربه بها"1.

وذكر بعض أهل السير والأخبار، أن الرسول كتب إلى جبلة بن الأيهم آخر ملوك غسان، كتابًا دعاه فيه إلى الإسلام. فلما وصل الكتاب أسلم، وكتب إلى الرسول يعلمه بإسلامه2. وذُكر أن "شجاع بن وهب" إنما بعثه رسول الله إلى جبلة، فأسلم3، وأرسل إلى رسول الله هدية. وكان ينزل بالجولان4.

وتزعم بعض الروايات أنه زار المدينة في خلافة "عمر". وقد عد يوم مجيئها إليه من الأيام المشهورة؛ إذ جاء إليها في موكب حافل كبير فيه خيول كثيرة لم تر المدينة مثلها من قبل، وخرج الناس إلى الطرق لرؤية موكبه، وفرح عمر بمجيئه. وعد ذلك توفيقًا من الله للإسلام. وأكرمه غاية الإكرام. وبعد أن قابل الخليفة، استأذن منه بالذهاب إلى الحج، فوقع له عندئذ حادث الإزار مع الأعرابي، ففر إلى بلاد الروم، ويقال: إنه توفي بالقسطنطينية سنة عشرين من الهجرة5. وذكر أنه لما قدم المدينة كان في خمسمائة فارس من عك وجفنة.

فلما دنا من المدينة ألبسهم ثياب الوشي المنسوخ بالذهب والفضة، وليس تاجه وفيه قرط مارية وهي جدته، فلم يبق يومئذ بالمدينة أحد إلا خرج ينظر إليه6.

وقد ذكر "البلاذري" أن "جبلة بن الأيهم" حكم بعد "الحارث بن أبي شمر". وروي أنه لما قدم "عمر" الشأم سنة "17" للهجرة، حدث أن لطم

1 طبقات "1/ 265".

2 تأريخ الخميس "2/ 61".

3 ابن خلدون "2/ 281".

4 تأريخ الإسلام، للذهبي "2/ 214"، "نسخة دار الكتب المصرية".

5 ابن خلدون "2/ 281".

6 العقد الفريد "1/ 187 وما بعدها""القاهرة 1935م ".

ص: 119

"جلبة" رجلًا من مزينة على عينه، فأمره عمر بالاقتصاص منه، فقال: أو عينه مثل عيني! والله لا أقيم ببلد عليَّ به سلطان. فدخل بلاد الروم مرتدًا. وروى رواية أخرى خلاصتها أن جبلة أتى عمر على نصرانية، فعرض عمر عليه الإسلام، ولكنه لم يتفق مع عمر. فلما قال له عمر: ما عندي لك إلا واحدة من ثلاث: إما الإسلام، وإما أداء الجزية، وإما الذهاب إلى حيث شئت.

فدخل بلاد الروم في ثلاثين ألفًا فلما بلغ ذلك عمر ندم1.

وتذكر رواية أن "جبلة بن الأيهم" عاش في القسطنطينية حتى مات سنة عشرين من الهجرة2.

فنحن أمام روايتين بشأن مكان ردة جبلة، وتجاه رواية عن إسلامه. رواية تجعل ارتداده في مكة، ورواية تجعل ارتداده بدمشق، ورواية تذكر أنه لم يدخل مطلقًا في الإسلام. ويظهر أن رواية دمشق هي أقرب إلى المنطق؛ إذ لا يعقل فرار جبلة من مكة إلى بلاد الروم بمثل هذه السهولة التي تخيلها أهل الأخبار، وبينه وبين بلاد الروم مسافات شاسعة ما كان في إمكانه قطعها قط والنجاة من تعقب المسلمين له، لو كان موضع هربه هو مكة. أما دمشق، فإنها قريبة من حدود الروم، ولدى جبلة فيها وسائل كبيرة تساعده على الهرب.

والرأي عندي أن جبلة، لم يدخل أبدًا في الإسلام، وإنما بقي مع الروم.

وغادر بلاد الشأم معهم، وكان يحارب المسلمين إلى جانبهم، وانتقل بأتباعه ممن بقوا على دينهم إلى بلاد الروم فأقاموا بها، وقد مات هناك ودفن في تلك البلاد، وما هذا الذي روي عن إسلامه وعن زيارته ليثرب ولمكة إلا من قصص القصاص وضعوه فيما بعد.

إن ما يذكره أهل الأخبار من ملك "جبلة"، لا يخلو من مبالغة، وما يقال عن ملكه وعن استقبال "هرقل" له، ذلك الاستقبال العظيم، لا يخلو من مبالغة أيضًا. نعم من الجائز أن الروم قبلوه لاجئًا، ورحبوا به وساعدوه على أمل استخدامه لمهاجمة المسلمين، واسترداد بلاد الشأم منهم، غير أننا لا نستطيع أن نوافق على ما ورد في روايات أهل الأخبار من ذلك الوصف الذي ذكروه من احتفال الروم في القسطنطينية. ومن المعيشة التي كان يعيشها في عاصمتهم

1 فتوح البلدان "ص142 وما بعدها".

2 ابن خلدون "2/ 281".

ص: 120