المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌السمة الثالثة والعشرونعبقرية التخطيط القيادي - المنهج الحركي للسيرة النبوية - جـ ٢

[منير الغضبان]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثاني

- ‌مواصفات المرحلة الأولى

- ‌السمة الأولىالهدنة مع الأعداء ما عدا قريشا وحلفاءها

- ‌السمة الثانيةبناء القاعدة الصلبة

- ‌السمة الثالثةإعلان إسلامية الدولة

- ‌السمة الرابعةلا خيار من المعركة

- ‌السمة السادسةتفتيت التجمع بالنزعة الوطنية والعشائرية

- ‌السمة السابعةمحاولة تفتيت الصف الإسلامي

- ‌السمة الثامنةالعدو يتنكر لقيمه من أجل مصلحته

- ‌السمة التاسعةالخطر على القيادة

- ‌السمة العاشرةحالة الحرب، وتجمع القوى كلها ضد المسلمين

- ‌السمة الحادية عشرةإعلان الحرب على العدو

- ‌السمة الثانية عشرةالتميز الإسلامي قبيل المواجهة

- ‌السمة الثالثة عشرةالمواجهة الحاسمة في بدر، والفرقان فيها

- ‌السمة الرابعة عشرةمعسكر المنافقين، بروزه وخطره وتحجيمه

- ‌السمة الخامسة عشرةالوجود اليهودي في المدينة وإنهاؤه

- ‌السمة السادسة عشرةليل المحنة الطويل وخطره

- ‌السمة السابعة عشرةتباشير النصر في قلب المحنة

- ‌السمة الثامنة عشرةعمليات الاغتيال وأثرها في بث الرعب في صفوف العدو

- ‌السمة التاسعة عشرةالحرب الإعلامية ودورها في المعركة

- ‌السمة العشرونازدياد العدد والعدة

- ‌السمة الحادية والعشرونالجهد البشري في البذل

- ‌السمة الثانية والعشروندور النساء في المعارك ومشاركتهن فيها

- ‌السمة الثالثة والعشرونعبقرية التخطيط القيادي

- ‌السمة الرابعة والعشرونالنصر الإلهي في قلب المحن

- ‌السمة الخامسة والعشرونالتربية الإلهية للنفوس عقب المعارك

الفصل: ‌السمة الثالثة والعشرونعبقرية التخطيط القيادي

شيئا، احتجزت (1) ثم أخذت عمودا، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته. قالت: فلما فرغت منه، رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان، انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل؟ قال: ما لي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب (2)) (3).

ز - في الدعوة إلى الله:

(أخبرنا عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابث أن أم سليم قالت: يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد، إنما هو شجرة تنبت من الأرض نجرها حبشي بني فلان؟ قال: بلى. قالت: أما تستحي تسجد لخشبة تنبت من الأرض نجرها حبشي بني فلان؟ قالت فهل لك أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأزوجك نفسي لا أريد منك صداقا غيره؟ قال لها: دعيني حتى أنظر. قالت، فذهب فنظر ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. قالت: يا أنس قم فزوج أبا طلحة (4)) - وكان قد جاءها خاطبا. فما كان لها مهر إلا إسلامه.

‌السمة الثالثة والعشرون

عبقرية التخطيط القيادي

إننا ونحن نستعمل هذا التعبير عن العبقرية، لا يغيب عن ذهننا أننا أمام رسول رب العالمين الموحى إليه. {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى

(1) احتجزت: شددت وسطي.

(2)

السيرة النبوية لابن هشام 3/ 239.

(3)

تشير الرواية إلى أن حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جبانا وقد أنكر بعض العلماء أن يكون حسان رضي الله عنه جبانا. ولو كان كذلك لهجي من خصومه شعراء قريش وعير بذلك، وحيث أن الحديث جاء بسند متصل حسن فاعتضد حديث ابن إسحاق. فعلل الأمر بأن حسانا كان في ذلك الوقت معتلا بعلة منعته من شهود القتال، مع أن الخوف يوم الأحزاب كان عاما في المسلمين، كما يقول الله تعال:{وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} وما قصة حذيفة عنا بعيدة.

(4)

الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 427.

ص: 394

إلي ..} (1). وإنه مسدد من ربه. {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي ..} (2). لكننا في الوقت نفسه نعتقد أن محمدا رسول الله هو سيد ولد آدم وهو خير البشر. فإذا كان في البشر عباقرة فهو سيدهم بلا منازع. ولقد استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا اللفظ بحق عمر رضي الله عنه: (فلم أر عبقريا يفري فرية حتى ضرب الناس بعطن ..)(3). ولا بد من الإشارة إلى أننا نخطىء بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا يوم نقدمه للناس على أنه آلة تلق من الله تعالى فقط. والله تعالى يختار خير خلقه لأداء رسالته ويكون عندهم من الذكاء والحلم والعبقرية ما لا يوجد عن غيرهم، أو يفوقهم على الأقل. {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون} (4).

كما أننا لا بد أن نوضح فكرة مهمة حين نتحدث عن جانب من هذه الجوانب. مثل هذا الموضوع، هذه الفكرة هي جانب القدوة البشرية، وهو الذي يستطيع البشر أن يقتدوا به. أما جانب الوحي، فقد انتهى مع النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أجل هذا اختار الله تعالى لرسالته بشرا يمكن أن يقتدى به، ولم يختر ملكا.

{وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} (5).

فكثيرا ما يفاجأ الدعاة مع الناس إذا ذكروا لهم شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول هؤلاء الناس: هذا رسول الله، ونحن لسنا رسلا،

(1) سورة الكهف، من الآية الأخيرة.

(2)

سورة النجم، الآيتان 3 و 4.

(3)

رواه؟. [من حديث طويل (متفق عليه)].

(4)

الأنعام، الآية 124.

(5)

الإسراء: الآيتان 94 و 95.

ص: 395

إنها كلمة حق أريد بها باطل يريدون أن يتنصلوا من المسؤولية، ويتحرروا من التطبيق العملي للإسلام تحث هذا الستار. حقا إنه رسول الله. وحقا إنه القدوة والأسوة:

{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} (1). وإذا كنا نعالج في هذه السمة الجانب البشري عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهده في حرب عدوه، وتخطيطه في الانتصار عليه، فستكون السمة التالية، مكان الحديث عن المعجزات الإلهية التي رافقت هذه الدعوة، وحققت نصر الله بهذه الفئة المؤمنة. وبذلك نقتدي في الجانب البشري حتى ننال العون الإلهي، والكرامة الربانية التي تعطى لأولياء الله تعالى. كما تعطى المعجزات للأنبياء والرسل المصطفين منه سبحانه.

أ - قوة المخابرات النبوية

لو وقفنا أمام السرايا والبعوث والغزوات في هذه المرحلة لأذهلتنا قوة المخابرات النبوية بصورة يكاد التاريخ لا يشهد لها مثيلا وذلك من خلال التقرير التالي:

1 -

كانت أول سرية بعثها الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة لحمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر لأنه قد بلغه أن عيرا لقريش تمر من هناك، وذلك على رأس سبعة أشهر.

2 -

ثم كانت سرية عبيدة بن الحارث ليفاجىء المشركين على ماء يقال له أحياء من بطن رابغ وكان على رأسهم أبو سفيان بن حرب أو عكرمة في مئتين منهم.

3 -

ثم كانت سرية سعد بن أبي وقاص على رأس تسعة أشهر تعترض عيرا لقريش عند الحجفة قريبا من خم ففاتتهم. بينما لم تفت المسلمون العير في السريتين السابقتين.

(1) الأحزاب، الآية 26.

ص: 396

4 -

ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذان (وهو جبل بين مكة والمدينة على رأس أحد عشر شهر يعترض عيرا لقريش.

5 -

ثم كانت غزوة بواط على رأس ثلاثة عشر شهرا يعترض عيرا لقريش فيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش.

6 -

ثم غزا غزوة العشيرة على رأس ستة عشر شهرا يعترض عيرا لقريش حين أبدأت إلى الشام. وهذه العير هي التي خرج في طلبها لما عادت وكانت وقعة بدر.

7 -

ثم كانت سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه إلى بطن نخلة (وهو بستان ابن عامر الذي بقرب مكة) في رجب على رأس سبعة عشر شهرا. فوجد عيرا لقريش فيها عمرو بن الحضرمي واستاقوا العير، وكانت محملة خمرا وأدما وزبيبا وقدموا بها على النبي صلى الله عليه وسلم.

8 -

ثم كانت غزوة بدر الكبرى. وهي في الأصل لاعتراض عير قريش وهي قادمة من الشام وشاءت إرادة الله تعالى أن تفوت القافلة، وتكون ذات الشوكة للمسلمين (1).

فهذه النماذج الثمانية صورة حية ليقظة عيون النبي صلى الله عليه وسلم التي ترصد تحركات العدو في المنطقة، بل كانت مخابراته تنقل إليه لحظة الخروج من مكة، ولحظة القفول من الشام.

9 -

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه مع بعض أصحابه يتعرف على أخبار قريش والقافلة (فلقي سفيان الضمري ففال رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرجل؟ فقال: بل من أنتم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأخبرنا ونخبرك، قال: وذاك بذاك، قال النبي صلى الله عليه وسلم، نعم، قال: سلوا عما شئتم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرنا عن قريش، فقال: بلغني أنهم خرجوا في يوم كذا وكذا من مكة فإن كان الذي أخبرني صادقا فهم اليوم بمكان كذا وكذا (أو فإنهم بجنب هذا

(1) ملخصة من إمتاع الأسماع للمقريزي من 51 - 60.

ص: 397

الوادي). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأخبرنا عن محمد وأصحابه، قال: خبرت أنهم خرجوا من يثرب يوم كذا وكذا فإن كان الذي أخبرني صادقا فهم بجانب هذا الوادي، قال الضمري: فمن أنتم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء، وأشار بيده نحو العراق، فقال: ما من ماء! أمن ماء العراق؟. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، ولا يعلم واحد من الفريقين بمنزل صاحبه، بينهم قوز من رمل. (1)

ومضى فلقيه بسبس وعدي بن أبي الزعباء فأخبراه خبر العير، ونزل النبي صلى الله عليه وسلم أدنى بدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، فبعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص وبسبس بن عمرو رضي الله عنهم يتحسسون (2) على الماء، وأشار لهم إلى ظريب (3)، وقال أرجو أن تجدوا الخبر عند هذا القليب (4) الذي يلي الظرب. فوجدوا على تلك القليب روايا قريش فيها سقاؤهم، فأفلت عامتهم وفيهم عجير، فجاء قريشا فقال: يا آل غالب، هذا ابن أبي كبشة وأصحابه قد أخذوا سقاءكم، فماج العسكر وكرهوا ذلك، والسماء تمطر عليهم، وأخذ تلك الليلة أبو يسار، غلام عبيدة بن سعيد بن العاص، وأسلم غلام منبه بن الحجاج، وأبو رافع غلام أمية بن خلف، فأتي بهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فقالوا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهم فضربوهم، فقالوا: نحن لأبي سفيان، ونحن في العير، فأمسكوا عنهم. فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن صدقوكم ضربتموهم، وإن كذبوكم تركتموهم، ثم أقبل عليهم يسألهم، فأخبروه أن قريشا خلف هذا الكثيب، وأنهم ينحرون يوما عشرا ويوما تسعا، وأعلموه بمن خرج من مكة، فقال صلى الله عليه وسلم: القوم بين الألف والتسعمائة، قال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها (5).

(1) القوز: الكثيب المشرف المستدير من الرمل.

(2)

يتحسسون: يتجسسون.

(3)

ظربب: تصغبر ظرب وهو الجبل المنبسط في حجارة دقاق.

(4)

القليب: البئر القديمة التي لا يعلم لها حافر.

(5)

إمتاع الأسماع 76 - 77.

ص: 398

فها هي المخابرات النبوية في بدر تكشف موقع العدو، وعدده وعدته قبل الدخول في المعركة والحوادث المذكورة بإيحاءاتها غنية عن أي تعليق.

10 -

ثم كانت غزوة قرارة الكدر وذلك إنه بلغه أن بقرارة الكدر جمعا من غطفان وسليم، فأخذ عليهم الطريق فلم يجد أحدا، فأرسل في أعلى الوادي نفرا من أصحابه، واستقبلهم في بطن الوادي فوجد رعاء فيها غلام يقال له يسار. فسألهم فأخبره يسار أن الناس ارتفعوا إلى المياه، فانصرف وقد ظفر بالنعم يريد المدينة (1).

11 -

أما غزوة أحد فقد كتب العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة كتابا مع رجل من بني غفار يخبره بذلك، فقدم عليه وهو بقباء فقرأه عليه أبي بن كعب واستكتم أبيا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على سعد بن الربيع فأخبره بكتاب العباس فقال: والله إني لأرجو أن يكون في ذلك خير، وقد أرجفت اليهود (2) والمنافقون وشاع الخبر. وقدم عمرو بن سالم الخزاعي في نفر وقد فارقوا قريشا من ذي طوى، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم وانصرفوا

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنسا ومؤنسا ابني فضالة ليلة الخميس عينيين، فاعترضا لقريش بالعقيق، وعادا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه، ونزل المشركون ظاهر المدينة يوم الأربعاء، فرعت إبلهم آثار الحرث والزرع يوم الخميس ويوم الجمعة حتى لم يتركوا خضراء، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الحباب بن المنذر بن الجموح فنظر إليهم وعاد وقد حزر عددهم وما معهم، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تذكروا من شأنهم حرفا، حسبنا الله ونعم الوكيل اللهم بك أجول وبك أصول (3).

(1) المصدر نفسه 1/ 157.

(2)

معرفة اليهود والمنافقين بالخبر سبقه أن أبا عامر الفاسق قد خرج في خمسين رجلا من المدينة إلى مكة وحرض قريشا على الحرب. وسار معها إلى أحد.

(3)

إمتاع الأسماع 1/ 115.

ص: 399

12 -

أما عن الخندق: كانت خزاعة عندما خرجت من مكة: أتى ركبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - في أربع ليال - حتى أخبروه، فندب الناس وأخبرهم خبر عددهم.

نكتفي بهذا القدر من النماذج لنؤكد هذا المعنى الكبير، من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أشد ما يكون حذرا ويقظة وتعرفا على أخبار عدوه مع الإشارة إلى أن الأخبار التي كانت تأتي إليه لم يكن أي خبر منها غير صادق بغض النظر عن تحقيق الهدف من الغزوة أو عدم تحقيقه ولا نذكر في هذه المرحلة أن المسلمين غزوا بشكل مفاجىء إلا مرتين:

الأولى: عندما أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة قبل بدر.

الثانية: عندما نزل أبو سفيان سرا مع عدد من المشركين على سلام بن مكشم اليهودي. وعرف منه أخبار الرسول عليه الصلاة والسلام. ووجد رجلا من الأنصار في حرث فقتله وأجيره، وحرق بيتين بالغريض، وحرق حرثا لهم وذهب.

ولقد ظهرت خطورة هذه القضية تماما مع تجربة الحركة الإسلامية مع أعدائها. فضعف المخابرات لديها أمكن أن تشتعل المعركة دون علم القيادة، مما نشأ عنه أكبر محنة للحركة راح ضحيتها عشرات الألوف نتيجة المعلومات الخاطئة التي وصلت للإخوة المجاهدين في الداخل. ولعل ما شهدناه من عظمة المخابرات النبوية يدفعنا إلى أن نعطي هذا الموضوع حقه، ونوفيه أهميته. لأن الحركة الإسلامية، حين تفقد قوة المخابرات والأمن لديها إنما تفقد شريانها الرئيسي الذي تعيش منه، وحين لا تكون المعلومات صادقة وأمينة من عيونها. فإنما تنحر نفسها بيدها. إنه درس قاس ولا شك، ولكنه التمحيص والعقوبة والابتلاء.

ب - الغزو لمن يريد الغزو

وهي قضية ذات صلة وثيقة بالفقرة الأولى، بأن تفاجىء العدو فتضربه

ص: 400

وهو يعد لضربك، وقد تم هذا الأمر في التخطيط النبوي مرات عديدة نذكر منها:

1 -

كانت غزوة ذي أمر بنجد، بعد بدر. وذلك إنه بلغه أن جمعا من بني ثعلبة من عطفان وبني محارب قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطرافه صلى الله عليه وسلم جمعهم دعثور بن محارب، فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا منهم بذي القصة، وسار معهم يدلهم على عورات القوم حتى أهبطهم من كثيب فهربت الأعراب فوق الجبال.

2 -

وغزوة بني سليم بالفرع لم تكن إلا لفض تجمع منهم كان يريد غزو المدينة.

3 -

وغزوة ذات الرقاع بعد أحد كانت بناء على إخبارية جاءت إلى المدينة تقول أن بني أنمار بن بغيض وبني سعد بن ثعلبة قد جمعوا لحرب المسلمين فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربعمائة ثم قدم محالهم وقد ذهبوا إلى رؤوس الجبال.

4 -

أما سرية أبي سلمة فقد نقلت استخبارات المدينة أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعون بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم - وباغت أبو سلمة بني أسد في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم فتشتتوا في الأمر.

5 -

وما مقتل خالد بن سفيان الهذلي إلا لأن الاستخبارات قد نقلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه يحشد الجموع لحرب المسلمين فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله ابن أنيس ليقضي عليه، علما بأن خالدا كان يجمع الجموع قرب مكة.

وبذلك حطم رسول الله صلى الله عليه وسلم كل قوة تفكر مجرد تفكير في غزو المدينة، وألقى الرعب في قلوب المجاورين لهذه القوى، دون أن يؤخذ على غرة من أحد. ويوفر على نفسه كثيرا من الخسائر المادية والمعنوية، التي كانت ستقع لو تماهل شيئا طفيفا في تحري حركات العدو، أو ضرب تجمعاته. إن على الحركة الإسلامية اليوم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون على خبرة عميقة بطبيعة

ص: 401

أعدائها، وطبيعة تحركاتهم وتخطيطهم، وأن تبث عيونها في صفوفهم بحيث لا يفوتها شاردة ولا واردة من اتجاههم ومخططاتهم، وأن تواجه هذه المخططات قبل التنفيذ، وتضربها وهي في دور الإعداد لتكون قادرة على الصمود والاستمرار. إنه الجهد البشري المطلوب في عالم الأسباب، ونود أن يتعرف شباب الدعوة على هذا المعنى تماما.

صحيح أن النصر بيد الله عز وجل يؤتيه من يشاء، ولكن الله تعالى لا يرضى لدعوته أن تكون تجمعا من المتواكلين، وتشرذما من القاعدين، وأن تعمل الحركات المعادية لدنياها ولالتحام صفها خيرا مما تفعله الحركة الإسلامية في ذلك. والصف المؤمن المتراص الموحد اليقظ، المبادر الدؤوب هو الذي تتحقق فيه مواصفات النصر، من الله عز وجل، أما أن نتخاذل عن كل شيء، ثم نقول: لماذا لا ينصرنا الله؟. {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} (1).

ص - العهود مع الجوار

وهو من جملة التخطيط النبوي القيادي، أن يقيم رسول الله صلى الله عليه وسلم معاهدات حسن جوار وتحالف مع القبائل المجاورة بحيث يوحد الجبهة المقاتلة، ولم تنقض هذه المعاهدات إلا على النادر، وفي الأحوال التي يشعر فيها المعاهدون بضعف شوكة النبي صلى الله عليه وسلم وقد استوفيت هذه الفقرة الحديث من قبل في بداية العهد المدني.

د - مهاجمة طريق العراق.

ولم يكتف عليه الصلاة والسلام بقطع طريق قوافل قريش من المدينة.

بل راحث القوات الإسلامية تطارد قريش وقوافلها في الطرق الثانية الطويلة التي اختارتها قريش هربا من ملاحقة محمد صلى الله عليه وسلم لها.

فقد (كانت سرية زيد بن حارثة إلى القردة، وهي أول سرية خرج فيها

(1) آل عمران الآية 136.

ص: 402

زيد أميرا يريد صفوان بن أمية وقد نكب عن الطريق وسلك على جهة العراق يريد الشام بتجارة فيها أموال لقريش - خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعترضها، فقدم نعيم بن مسعود الأشجعي على كنانة بن أبي الحقيق في بني النضير فشرب معه، ومعهم سليط بن النعمان يشرب، ولم تكن الخمر حرمت، فذكر نعيم خروج صفوان في عيره وما معهم من الأموال، فخرج (سليط) من ساعته وأخبر النبى صلى الله عليه وسلم، فأرسل زيد بن حارثة في مائة راكب، فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم. فقدموا بالعير فخمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ الخمس عشرين ألف درهم وقسم ما بقي على أهل السرية، وكان فيمن أسر فرات ابن حيان فأسلم (1)).

هـ - ثبات أحد وتحويل الهزيمة إلى نصر

وندع هذا الوصف للمباركفوري على صورة مقتطفات سريعة، وإيضاحات أخرى يقتضيها الموقف:

خالد بن الوليد يقوم بخطة تطويق الجيش: وانتهز خالد بن الوليد هذه الفرصة الذهبية (خلو الجبل من الرماة) فاستدار بسرعة خاطفة حتى وصل إلى مؤخرة الجيش الإسلامي. فلم يلبث أن أباد عبد الله بن جبير وأصحابه ثم انقض على المسلمين من خلفهم، وصاح فرسانه صيحة عرف المشركون المنهزمون بالتطور الجديد فانقلبوا على المسلمين، وأسرعت إمرأة منهم - وهي عمرة بنت علقمة الحارثية - فرفعت لواء المشركين المطروح على التراب، فالتف حوله المشركون ولاثوا به، وتنادى بعضهم بعضا، حتى اجتمعوا على المسلمين وثبتوا للقتال، وأحيط المسلمون من الأمام والخلف ووقعوا بين شقي الرحى.

موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ في مفرزة صغيرة - تسعة نفر من أصحابه - في مؤخرة المسلمين، كان يرقب مجالدة المسلمين ومطاردتهم المشركين إذ بوغت بفرسان خالد مباغتة كاملة،

(1) السيرة لابن هشام ج 3/ 7.

ص: 403

فكان أمامه طريقان، إما أن ينجو، - بالسرعة - بنفسه وبأصحابه التسعة إلى ملجأ مأمون، ويترك جيشه المطرق إلى مصيره المقدور، وإما أن يخاطر بنفسه فيدعو أصحابه ليجمعهم حوله، ويتخذ بهم جبهة قوية يشق بها الطريق لجيشه المطوق إلى هضاب أحد.

وهنالك تجلت عبقرية الرسول الله صلى الله عليه وسلم الفذة، وشجاعته المنقطعة النظير فقد رفع صوته ينادي أصحابه: عباد الله، وهو يعرف أن المشركين سوف يسمعون صوته قبل أن يسمعه المسلمون. ولكنه ناداهم ودعاهم مخاطرا بنفسه في هذا الظرف الدقيق. وفعلا فقد علم به المشركون فخلصوا إليه قبل أن يصل إليه المسلمون.

تبدد المسلمين في الموقف: أما المسلمون فلما وقعوا في التطويق طار صواب طائفة منهم، فلم تكن تهمها إلا أنفسها، فقد أخذت طريق الفرار، وتركت ساحة القتال، وهي لا تدري ماذا وراءها؟ وفر من هذه الطائفة بعضهم إلى المدينة حتى دخلها، وانطلق بعضهم إلى فوق الجبل، ورجعت طائفة أخرى فاختلطت بالمشركين، والتبس العسكران، فلم يتميزوا فوقع القتل في المسلمين بعضهم من بعض. روى البخاري عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة، فصاح إبليس، أي عباد الله أخراكم - أي احترزوا من ورائكم - فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة، فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله أبي أبي. قالت: فوالله ما احتجزوا عنه حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله.

وهذه الطائفة حدث داخل صفوفها ارتباك شديد، وعمتها الفوضى، وتاه منها الكثيرون، لا يدرون أين يتوجهون، وبينما هم كذلك إذ سمعوا صائحا يصيح: إن محمدا قد قتل، فطارت بقية صوابهم، وانهارت الروح المعنوية أو كادت تنهار في نفوس كثير من أفرادها. فتوقف من توقف منهم عن القتال، وألقى بأسلحته مستكينا، وفكر آخرون في الاتصال بعبد الله بن أبي - رأس المنافقين - ليأخذ لهم الأمان من أبي سفيان

ص: 404

احتدام القتال حول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وبينما كانت تلك الطوائف تتلقى أواصر التطويق، تطحن بين شقي الرحى المشركين، كان العراك محتدما حول رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد ذكرنا أن المشركين لما بدأوا عمل التطويق لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تسعة نفر، فلما نادى المسلمين: هلم إلي، أنا رسول الله سمع صوته المشركون وعرفوه فكروا إليه وهاجموه، ومالوا إليه بثقلهم قبل أن يرجع إليه أحد من جيش المسلمين فجرى بين المشركين وبين هؤلاء النفر التسعة من الصحابة عراك عنيف ظهرت فيه نوادر الحب والتفافي والبسالة والبطولة.

روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: من يردهم عنا وله الجنة؟ أو هو رفيقي في الجنة فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه (أي القرشيين) ما أنصفنا أصحابنا. وكان آخر هؤلاء السبعة هو عمارة بن يزيد بن السكن، قاتل حتى أثبتته الجراحة فسقط.

أحرج ساعة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم:

وبعد سقوط ابن السكن بقي الرسول صلى الله عليه وسلم في القرشيين فقط. ففي الصحيحين عن أبي عثمان قال: (لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص.) وكانت أحرج ساعة بالنسبة إلى حياة النبي صلى الله عليه وسلم وفرصة ذهبية بالنسبة للمشركين، ولم يتوان المشركون في انتهاز تلك الفرصة. فقد ركزوا حملتهم على النبى صلى الله عليه وسلم وطمعوا في القضاء عليه

ولا شك أن المشركين كانوا يهدفون القضاء على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن القرشيين سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله قاما ببطولة نادرة، وقاتلا ببسالة منقطعة النظير حتى لم يتركا - وهما اثنان فحسب - سبيلا إلى نجاح المشركين في هدفهم، وكانا من أمهر رماة العرب فتناضلا حتى أجهضا مفرزة المشركين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما سعد بن أبي وقاص، فقد نثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته وقال: إرم سعد فداك أبي وأمي.

ص: 405

ويدل على مدى كفاءته أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع أبويه لأحد غير سعد. وأما طلحة بن عبيد الله فقد روى النسائي عن جابر قصة تجمع المشركين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار، قال جابر: فأدرك المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من للقوم؟ فقال طلحة: أنا، ثم ذكر جابر تقدم الأنصار وقتلهم واحدا بعد واحد بنحو ما ذكرنا من رواية مسلم فلما قتل الأنصار كلهم تقدم طلحة، قال جابر: ثم قاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه، فقال: حسن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون، قال: ثم رد الله المشركين، ووقع عند الحاكم في الإكليل أنه جرح يوم أحد تسعا وثلاثين أو خمسا وثلاثين، وشلت إصبعه، أي السبابة والتي تليها.

وروى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد. وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه يومئذ:(من ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله). وروى أبو داود الطيالسي عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك اليوم كله لطلحة. وقال فيه أبو بكر أيضا:

يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت

لك الجنان وبوئت المها العينا

وفي ذلك الظرف الدقيق والساعة الحرجة أنزل الله نصره بالغيب ففي الصحيحين عن سعد، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ومعه رجلان يقاتلان معه (1) عليهما ثياب بيض، كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد، وفي رواية يعني جبريل وميكائيل.

بداية تجمع الصحابة حول رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقعت هذه كلها بسرعة هائلة في لحظات خاطفة وإلا فالمصطفون الأخيار من صحابته صلى الله عليه وسلم - الذين كانوا في مقدمة صفوف المسلمين عند القتال - لم يكادوا يرون تطور الموقف أو يسمعون صوته صلى الله عليه وسلم حتى أسرعوا إليه لئلا يصل إليه شيء يكرهونه .. إلا أنهم وصلوا

(1) كان هذا في اللحظة التي سقط فيها طلحة جريحا، ولم يبق حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قرشي واحد هو سعد بن أبي وقاص راوي الحديث.

ص: 406

وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقي من الجراحات. وستة من الأنصار قد قتلوا، والسابع قد أثبتته الجراحات .. فقد روى ابن حبان في صحيحه عن عائشة قالت: قال أبو بكر الصديق: لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم. فكنت أول من فاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فرأيت بين يديه رجلا يقاتل عنه، يحميه، قلت: كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة، فداك أبي وأمي، فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح، وإذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني، فدفعنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا طلحة بين يديه صريعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم دونكم أخاكم فقد أوجب. وقد رمي النبي صلى الله عليه وسلم في وجنته حتى غابت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، فذهبت لأنزعهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيدة: نشدتك الله يا أبا بكر إلا تركتني، قال: فأخذ بفيه فجعل ينضضه كراهة أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استل السهم بفيه فندرت ثنية أبي عبيدة، قال أبو بكر: ثم ذهبت لآخذ الآخر فقال أبو عبيدة: نشدتك الله يا أبا بكر إلا تركتني، قال فأخذه فجعل ينضضه حتى استله، فندرت ثنية أبي عبيدة الأخرى، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دونكم أخاكم فقد أوجب، قال: فأقبلنا على طلحة نعالجه، وقد أصابته بضع عشرة ضربة.

وخلال هذه اللحظات الحرجة اجتمع حول النبي صلى الله عليه وسلم عصابة من أبطال المسلمين منهم أبو دجانة، ومصعب بن عمير، وعلي بن أبي طالب، وسهل ابن حنيف، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، وأم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية وزوجها وولداها) وقتادة بن النعمان وعمر بن الخطاب، وحاطب ابن أبي بلتعة، وسهل بن حنيف، وأبو طلحة.

تضاعف ضغط المشركين: كما كان عدد المشركين يتضاعف كل آن، وبالطبع فقد اشتدت حملاتهم وزاد ضغطهم على المسلمين، حتى سقط رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها، فجحشت ركبته وأخذ علي بيده. واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، وقال نافع بن جبير سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ورسول الله - وسطها كل ذلك يصرف

ص: 407

عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد، ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع.

المتعاقدون على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكان أربعة من قريش قد تعاقدوا وتعاهدوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفهم المشركون بذلك، وهم عبد الله بن شهاب الزهري وعتبة بن أبي وقاص (1)، وعمرو بن قميئة، وأبي بن خلف (وزاد بعضهم عبد الله بن حميد بن زهير ..) ورمى عتبة يومئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أحجار فكسر رباعيته أشظى باطنها اليمنى السفلى. وأقبل ابن قميئة وهو يقول: دلوني على محمد فوالذي يحلف به لئن رأيته لأقتلنه، فعلاه بالسيف، ورماه عتبة بن أبي وقاص مع تجليل السيف، وكان عليه درعان. فوقع صلى الله عليه وسلم في الحفرة التي أمامه على جنبه فجحشت ركبتاه، ولم يصنع سيف ابن قميئة شيئا إلا وهن الضربة بثقل السيف، فقد وقع لها صلى الله عليه وسلم وانتهض، وطلحة يحمله من ورائه، وعلي آخذ بيده حتى استوى قائما. ورمى ابن قميئة بسهم فأصاب مصعب بن عمير رضي الله عنه فقتله، فقال صلى الله عليه وسلم ما له، أقمأه الله (2)؟ ورجع عدو الله إلى قومه فأخبرهم أنه قتل رسول الله. فعمد (بعد المعركة في مكة) إلى شاة يحتلبها فنطحته بقرونها وهو معتقلها فقتلته فوجد ميتا بين الجبال.

وأقبل عبد الله بن حميد بن زهير حين رأى رسول الله على تلك الحال، يركض فرسه مقنعا في الحديد يقول: أنا ابن زهير! دلوني على محمد. فوالله لأقتلنه أو أموتن دونه. فقال له أبو دجانة: هلم إلى من يقي نفس محمد بنفسه. وضرب فرسه عرقبها ثم علاه بالسيف فقتله ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ويقول، اللهم ارض عن أبي خرشة كما أنا عنه راضى.

(1) إنها معجزات العقيدة أن يتعاقد عتبة بن أبي وقاص على قتل عمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرمي الرسول بأحجاره. بينما كان أخوه سعد بن أبي وقاص أحد الذين بقوا بجوار الرسول صل الله عليه وسلم يحميه ويذود عنه. ولم يتغيب عن الذود عنه لحظة واحدة. بل كان أشد ما يكون حرصا على قتل أخيه عتبة غير أن أجله كان على غير يده.

(2)

وهو الذي صاح بقتل محمد حين حسب مصعبًا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ص: 408

وأقبل يومئد أبي بن خلف يركض فرسه فجعل يصيح بأعلى صوته، يا محمد، لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنت صانعا حين يغشاك، فقد جاءك! وإن شئت عطف عليه بعضنا، فأبى صلى الله عليه وسلم، ودنا أبي، فتناول النبي صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، ويقال الزبير بن العوام، ثم انتفض بأصحابه كما ينتفض البعير فتطاير عنه أصحابه - ولم يكن أحد يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جد الجد - ثم أخذ الحربة فطعنه بها في عنقه وهو على فرسه فجعل يخور كما يخور الثور، ويقول له أصحابه: أبا عامرا والله ما بك من بأس، ولو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضره! فيقول: لا واللات والعزى، لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون أليس قال لأقتلنك (1). وقال عبد الله بن عمر مات أبي بن خلف ببطن رابغ.

وتبع حاطب بن أبي بلتعة عتبة بن أبي وقاص - الذي كسر الرباعية الشريفة - فضربه بالسيف حتى طرح رأسه، ثم أخذ فرسه وسيفه.

إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم وأثره على المعركة: ولم يمض هذا الصياح دقائق حتى شاع خبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم في المشركين والمسلمين. وهذا هو الظرف الدقيق الذي خارت فيه عزائم كثير من الصحابة المطوقين، الذين لم يكونوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وانهارت معنوياتهم، حتى وقع داخل صفوفهم ارتباك شديد، وعمتها الفوضى والاضطراب إلا أن هذه الصيحة خففت بعض التخفيف من مضاعفة هجمات المشركين لظنهم أنهم نجحوا في غاية مرامهم، فاشتغل الكثير منهم بتمثيل قتلى المسلمين.

الرسول صلى الله عليه وسلم يواصل المعركة وينقذ الموقف: ولما قتل مصعب أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء علي بن أبي طالب فقاتل قتالا شديدا، وقامت بقية الصحابة الموجودين هناك ببطولاتهم النادرة يقاتلون ويدافعون.

وحينئد استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشق الطريق إلى جيشه المطوق،

(1) كان عند أبي فرس فكان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: عندي فرص أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها. فيقول له عليه الصلاة والسلام: بل أن أقتلك عليها إن شاء الله.

ص: 409

فأقبل إليهم، فعرفه كعب بن مالك - وكان أول من عرفه - فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه أن أصمت - وذلك لئلا يعرف موضعه المشركون - إلا أن هذا الصوت - بلغ إلى آذان المسلمين، فلاذ إليه المسلمون حتى تجمع حوله ثلاثين رجلا من الصحابة.

وبعد هذا التجمع أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانسحاب المنظم إلى شعب الجبل وهو يشق الطريق بين المشركين المهاجمين، واشتد المشركون في هجومهم، لعرقلة الانسحاب إلا أنهم فشلوا أمام بسالة ليوث الإسلام.

تقدم عثمان بن عبد الله بن المغيرة - أحد فرسان المشركين - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: لا نجوت إن نجا، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم لمواجهته، إلا أن الفرس عثرت في بعض الحفر، فنازله الحارث بن الصمة فضربه على رجله فأقعده، ثم ذفف عليه وأخذ سلاحه، والتحق برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعطف عبد الله بن جابر - فارس آخر من فرسان مكة - على الحارث ابن الصمة، فضرب بالسيف على عاتقه فجرحه حتى حمله المسلمون. ولكن انقض أبو دجانة - البطل المغامر ذو العصابة الحمراء - على عبد الله بن جابر فضربه بالسيف ضربة أطارت رأسه.

وأثناء هذا القتال المرير، كان المسلمون يأخذهم النعاس أمنة من الله كما تحدث عنه القرآن. قال أبو طلحة: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه.

وبمثل هذه البسالة بلغت هذه الكتيبة - في انسحاب منظم - إلى شعب الجبل وشق لبقية الجيش طريقا إلى هذا المقام المأمون، فتلاحق به في الجبل، وفشلت عبقرية خالد أمام عبقرية الرسول صلى الله عليه وسلم.

طلحة ينهض بالنبي صلى الله عليه وسلم: وفي أثناء انسحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجبل عرضت له صخرة من الجبل، فنهض إليها ليعلوها، فلم يستطع، لأنه كان قد بدن وظاهر بين الدرعين وقد أصابه جرح شديد. فجلس تحته

ص: 410

طلحة بن عبيد الله، فنهض به حتى استوى عليها وقال: أوجب طلحة، أي: الجنة.

آخر هجوم قام به المشركون: ولما تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقر قيادته في الشعب قام المشركون بآخر هجوم حاولوا به النيل من المسلمين. قال ابن إسحاق: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب إذ علت عالية من قريش الجبل، يقودهم أبو سفيان وخالد بن الوليد - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل.

وفي مغازي الأموي أن المشركين صعدوا على الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: أجنبهم - يقول: أرددهم - فقال: كيف، أجنبهم وحدي؟ فقال: ذلك ثلاثا، فأخذ سعد سهما من كنانته، فرمى به رجلا فقتله، قال: ثم أخدت سهمي أعرفه فرميت به آخر، فقتلته ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتلته فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك فجعلته في كنانتي. فكان عند سعد حتى مات، ثم كان عند بنيه.

شماتة أبي سفيان بعد نهاية المعركة وحديثه مع عمر: ولما تكامل تهيؤ المشركين للانصراف، أشرف أبو سفيان على الجبل، فنادى أفيكم محمد؟ فلم يجييبوه، قال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه. فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يجيبوه. - وكان النبي صلى الله عليه وسلم منعهم من الإجابة - ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قيام الإسلام بهم. فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم. فلم يملك عمر نفسه أن قال: يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياء. وقد أبقى الله ما يسوءك فقال: قد كان فيكم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم قال: أعل هبل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه؟ فقالوا: فما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل. ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه؟ قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. ثم قال أبو سفيان: أنعمت فقال، يوم بيوم بدر، والحرب سجال. فأجابه عمر، وقال: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. ثم قال أبو

ص: 411

سفيان: هلم إلي يا عمر، فقال صلى الله عليه وسلم: أئته فانظر ما شأنه؟ فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله صلى الله عليه وسلم يا عمر أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا. وإنه ليستمع كلامك الآن. قال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة وأبر.

التثبت من موقف المشركين: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فقال: أخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ وما يريدون؟. فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة. والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم. قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل.

حالة الطوارىء في المدينة: بات المسلمون في المدينة - ليلة الأحد الثامن من شهر شوال سنة 3 هـ بعد الرجوع من معركة أحد - وهم في حالة الطوارىء، باتوا - وقد أنهكهم التعب، ونال منهم أي منال - يحرسون أنقاب المدينة ومداخلها، ويحرسون قائدهم الأعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة إذ كانت تتلاحقهم الشبهات من كل جانب.

غزوة حمراء الأسد: وبات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يفكر في الموقف، فقد يخاف أن المشركين إن فكروا في أنفسهم في أنهم لم يستفيدوا شيئا من النصر والغلبة التي كسبوها في ساحة القتال، فلا بد أن يندموا على ذلك، ويرجعوا من الطريق لغزو المدينة ثانية، فصمم على أن يقوم بعملية مطاردة الجيش المكي.

قال أهل المغازي ما حاصله: إن النبي صلى الله عليه وسلم نادى في الناس وندبهم إلى السير إلى لقاء العدو - وذلك صباح الغد من معركة أحد - أي يوم الأحد الثامن من شهر شوال سنة 3 هـ - وقال: لا يخرج معنا إلا من شهد القتال، فقال له عبد الله بن أبي: أركب معك! قال: لا، واستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد، والخوف المزيد، وقالوا: سمعا وطاعة واستأذنه جابر بن عبد الله، وقال: يا رسول الله، إني أحب أن لا نشهد مشهدا إلا كنت معك، وإنما خلفني أبي على بناته، فأذن لي، أسير معك، فأذن له. وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد على بعد ثمانية

ص: 412

أميال من المدينة فعسكروا هناك. وهناك أقبل معبد بن معبد الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم - ويقال: بل كان على شركه، فقال: يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولودنا أن الله عافاك، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم أن يلحق أبا سفيان فيخذله.

ولم يكن ما خافه رسول الله صلى الله عليه وسلم من تفكير المشركين في العودة إلى المدينة إلا حقا، فإنهم لما نزلوا بالروحاء على بعد ستة وثلاثين ميلا من المدينة تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكتهم وحدهم، ثم تركتموهم، وقد بقي معهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم.

ويبدو أن هذا الرأي جاء سطحيا ممن لم يكن يقدر قوة الفريقين ومعنوياتهم تقديرا صحيحا، ولذلك خالفهم زعيم مسؤول (صفوان بن أمية) قائلا: يا قوم لا تفعلوا فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلف من الخروج .. فارجعوا والدولة لكم، فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم. إلا أن هذا الرأي رفض أمام رأي الأغلبية الساحقة وأجمع جيش مكة على المسير نحو المدينة. ولكنه قبل أن يتحرك أبو سفيان بجيشه من مقره لحقه معبد بن أبي معبد الخزاعي، ولم يكن يعرف أبو سفيان بإسلامه؟ فقال: ما وراءك يا معبد؟ فقال معبد - وقد شهد عليه حرب أعصاب دعائية عنيفة - محمد، قد خرج يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما ضيعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط. قال أبو سفيان: ويحك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل - أو حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة. فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم. قال: فلا تفعل فإني لك ناصح.

وحينئذ انهارت عزائم الجيش المكي، وأخذه الفزع والرعب، فلم ير العافية إلا في مواصلة الانسحاب والرجوع إلى مكة. بيد أن أبا سفيان قام بحرب أعصاب دعائية ضد الجيش الإسلامي، لعله ينجح في كف هذا

ص: 413

الجيش من مواصلة المطاردة. وطبعا فهو ينجح في الاجتناب عن لقائه، فقد مر به ركب من عبد القيس يريد المدينة، فقال: هل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة. وأوقر لكم راحلتكم هذه زبيبا بعكاظ إذا أتيتم إلى مكة؟ قالوا: نعم. قال: فأبلغوا محمدا أنا أجمعنا الكرة، لنستأصله ونستأصل أصحابه.

فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بحمراء الأسد فأخبرهم بالذي قاله أبو سفيان وقالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشموهم، فزادهم - أي زاد المسلمين قولهم: ذلك - إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} .

أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد - بعد مقدمه يوم الأحد - الإثنين والثلاثاء والأربعاء - 9/ 10/ 11 شوال سنة 3 هـ ثم رجع إلى المدينة (1).

ز - الثبات يوم الخندق، ومحاولة تفتيت الصف:

1 -

فندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم، وشاورهم: أيبرز من المدينة، أم يكون فيها ويخندق عليها؟ أم يكون قريبا والجبل وراءهم؟ فاختلفوا. وكان سلمان الفارسي يرى رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم يهم بالمقام في المدينة ويريد أن يتركهم حتى يردوا. ثم يحاربهم على المدينة وفي طرقها - فأشار بالخندق فأعجبهم ذلك، وذكروا يوم أحد فأحبوا الثبات في المدينة، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجد، ووعدهم النصر إن هم صبروا واتقوا وأمرهم بالطاعة، وركب فرسا له - ومعه عدة من المهاجرين والأنصار - فارتاد موضعا ينزله، وجعل سلعا خلف ظهره، وعمل في حفر الخندق لينشطهم.

2 -

فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبته - والمسلمون على خندقهم يتناوبونه، معهم بضع وثلاثون فرسا، والفرسان يطوفون على الخندق - إذ جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله: بلغني أن بني قريظة

(1) أخذنا هذا التلخيص الجيد كله عن الرحيق المختوم للمباركفوري، عدا فقرة واحدة - من الصفحات 294 - 320، وهي من أوفى ما كتب في شرح الغزوة وإيضاح عبقرية الرسول صلى الله عليه وسلم في قيادتها وتحويل الهزيمة الساحقة إلى نصر مؤزر ترتجف له قلوب الجيش المكي هاربة من لقائه إلى مكة.

ص: 414

قد نقضت العهد وحاربت. فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وبعث الزبير بن العوام رضي الله عنه إليهم لينظر، فعاد بأنهم يصلحون حصونهم، ويدربون طرقهم وقد جمعوا ماشيتهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إن لكل نبي حواريا. إن! حواري الزببر، ثم بعث سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير لينظروا ما بلغه عن بني قريظة وأوصاهم - إن كان حقا - أن يلحنوا (أي يلغزوا) لئلا يفت في أعضاد المسلمين ويورث وهنا، فوجدوهم مجاهرين بالعداوة والغدر فتسابوا ونال اليهود من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسبهم سعد بن معاذ وانصرفوا عنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما وراءكم؟ قالوا: غضل والقارة. (يعنون كدرهم بأصحاب الرجيع). فكبر صلى الله عليه وسلم وقال: أبشروا بنصر الله وعونه.

3 -

وأقام صلى الله عليه وسلم وأصحابه محصورين بضع عشرة ليلة حتى اشتد الكرب

وأرسل إلى عينية بن حصن، والحارث بن عوف - وهما رئيسا غطفان - أن يجعل لهما ثلث ثمار المدينة ويرجعان بمن معهما فطلبا نصف الثمر فأبى عليهم إلا الثلث، فرضيا، وجاءا في عشرة من قومهما حتى تقارب الأمر

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما فقالا:

إن كان هذا أمرا من السماء فامض له، وإن كان أمرا لم تؤمر به ولك فيه هوى فسمع وطاعة. وإن كان إنما هو الرأي فما لهم عندنا إلا السيف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فقلت أرضيهم ولا أقاتلهم (أو فأحببت أن أخفف عنكم). فقالا: يا رسول الله، والله إن كانوا ليأكلون العلهز في الجاهلية من الجهد، ما طمعوا بهذا منا قط: إن يأخذوا تمرة واحدة إلا بشراء أو قرى! فحين أتانا الله بك، وأكرمنا بك، وهدانا بك، نعطي الدنية! لا نعطيهم أبدا إلا السيف. فقال صلى الله عليه وسلم: شق الكتاب، فشقه سعد، فقام عيينة والحارث. فقال صلى الله عليه وسلم: ارجعوا، بيننا السيف، رافعا صوته. وكان نعيم بن مسعود صديقا لبني قريظة. فقذف الله في قلبه الإسلام، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا فأسلم، فأمر أن يخذل الناس،

ص: 415