المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌السمة الخامسة والعشرونالتربية الإلهية للنفوس عقب المعارك - المنهج الحركي للسيرة النبوية - جـ ٢

[منير الغضبان]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثاني

- ‌مواصفات المرحلة الأولى

- ‌السمة الأولىالهدنة مع الأعداء ما عدا قريشا وحلفاءها

- ‌السمة الثانيةبناء القاعدة الصلبة

- ‌السمة الثالثةإعلان إسلامية الدولة

- ‌السمة الرابعةلا خيار من المعركة

- ‌السمة السادسةتفتيت التجمع بالنزعة الوطنية والعشائرية

- ‌السمة السابعةمحاولة تفتيت الصف الإسلامي

- ‌السمة الثامنةالعدو يتنكر لقيمه من أجل مصلحته

- ‌السمة التاسعةالخطر على القيادة

- ‌السمة العاشرةحالة الحرب، وتجمع القوى كلها ضد المسلمين

- ‌السمة الحادية عشرةإعلان الحرب على العدو

- ‌السمة الثانية عشرةالتميز الإسلامي قبيل المواجهة

- ‌السمة الثالثة عشرةالمواجهة الحاسمة في بدر، والفرقان فيها

- ‌السمة الرابعة عشرةمعسكر المنافقين، بروزه وخطره وتحجيمه

- ‌السمة الخامسة عشرةالوجود اليهودي في المدينة وإنهاؤه

- ‌السمة السادسة عشرةليل المحنة الطويل وخطره

- ‌السمة السابعة عشرةتباشير النصر في قلب المحنة

- ‌السمة الثامنة عشرةعمليات الاغتيال وأثرها في بث الرعب في صفوف العدو

- ‌السمة التاسعة عشرةالحرب الإعلامية ودورها في المعركة

- ‌السمة العشرونازدياد العدد والعدة

- ‌السمة الحادية والعشرونالجهد البشري في البذل

- ‌السمة الثانية والعشروندور النساء في المعارك ومشاركتهن فيها

- ‌السمة الثالثة والعشرونعبقرية التخطيط القيادي

- ‌السمة الرابعة والعشرونالنصر الإلهي في قلب المحن

- ‌السمة الخامسة والعشرونالتربية الإلهية للنفوس عقب المعارك

الفصل: ‌السمة الخامسة والعشرونالتربية الإلهية للنفوس عقب المعارك

ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع (1) والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل؟ ثم قام إلى حمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن لا تحدث شيئا حتى تأتيني، ثم شئت لقتلته بسهم. قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط (2) لبعض نسائه، مراجل. فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش. فانشمروا راجعين إلى بلادهم. ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة، والمسلمون ووضعنا السلاح (3).

‌السمة الخامسة والعشرون

التربية الإلهية للنفوس عقب المعارك

لقد كانت التربية الإلهية في الحقيقة مستمرة لا تنقطع أبدا في الحضر والسفر، في الجهاد والإقامة، في الغزو وفي المرابطة. كان القرآن يتنزل ليبني هذه الأمة ويصنعها على عين الله سبحانه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمام المربين، يعالج هذه النفوس البشرية حتى تستوي على منهج الله. وهو الخط الذي لم ينقطع أبدا خلال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ..

وحيث أنه من الصعب التفصيل بكل معالم هذه التربية خلال هذه المرحلة، فيكفي أن نقف مع كتاب الله تعالى، وهو يعالج هذه النفوس

(1) الكراع: الخيل.

(2)

المرط: الكساء.

(3)

المصدر نفسه 3/ 242 - 244.

ص: 426

البشرية بعد كل معركة، فيأتي البيان مختلفا في أحيان كثيرة عن العرض البشري للمعركة.

بدر وسورة الأنفال

ونترك للشهيد سيد قطب رحمه الله أن يقدم لنا معالم هذا البيان الرباني بعد المعركة:

في هذه الغزوة .. نزلت سورة الأنفال .. نزلت تعرض وقائع الغزوة الظاهرة وتعرض وراءها فعل القدرة المدبرة لكشف عن قدر الله وتدبيره في وقائع الغزوة، وفيما وراءها من خط سير التاريخ البشري كله، وتحدث عن هذا كله بلغة القرآن الفريدة، وبأسلوب القرآن المعجز

إن هنالك حادثا بعينه في الغزوة يلقي ضوءا على خط سيرها. ذلك هو ما رواه ابن إسحاق عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه عن بواء (يقول: على السواء).

هذا الحادث يلقي ضوءا على افتتاح السورة، وعلى خط سيرها كذلك: لقد اختلفوا على الغنائم القليلة في الوقعة التي جعلها الله فرقانا في مجرى التاريخ البشري إلى يوم القيامة!

ولقد أراد الله سبحانه أن يعلمهم، وأن يعلم البشر كلهم من بعدهم أمورا عظاما ..

أراد أن يعلمهم ابتداء أن أمر هذه الوقعة أكبر كثيرا من أمر الغنائم التي يختلفون عليها فسمى يومها يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان.

وأراد أن يعلمهم أن هذا الأمر العظيم إنما ثم بتدبير الله وقدره، في كل خطوة وفي كل حركة ليقضي من ورائه أمرا يريده، فلم يكن لهم في هذا النصر وما وراءه من عظائم الأمور يد ولا تدبير، وسواء غنائمه الصغيرة وآثاره الكبيرة، فكلها من فعل الله وتدبيره، إنما أبلاهم فيه بلاء حسنا من فضله!

ص: 427

وأراد أن يريهم مدى الفرق بين ما أرادوه هم لأنفسهم من الظفر بالعير؛ وما أراده الله لهم وللبشرية كلها من ورائهم من إفلات العير، ولقاء النفير، ليروا على مد البصر مدى ما بين إرادتهم بأنفسهم وإرادة الله بهم من فرق كبير!

ولأن المعركة - كل معركة يخوضها المؤمنون - من صنع الله وتدبيره، بقيادته وتوجيهه، بعونه ومدده. بفعله وقدره. له وفي سبيله. تكرر الدعوة في السورة إلى الثبات فيها، والمضي معها، والاستعداد لها، والاطمئنان إلى تولي الله فيها، والحذر من المعوقات عنها من فتنة الأموال والأولاد، والاستمساك بآدابها، وعدم الخروج لها بطرا ورثاء الناس، ويؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريض المؤمنين عليها.

وفي ذات الوقت الذي تتكرر الأوامر بالتثبيت في المعركة يتجه السياق إلى توضيح معالم العقيدة وتعميقها، ورد كل أمر وكل حكم وكل توجيه إليها، فلا تبقى الأوامر معبقة في الفراغ إنما ترتكز على ذلك الأصل الواضح الثابت العميق.

ويبرز في سياق السورة بصفة خاصة - إلى جانب خط العقيدة - خط آخر هو خط الجهاد وبيان قيمته الإيمانية والحركية، وتجريده كذلك من كل شائبة شخصية، وإعطائه مبرراته الذاتية العليا التي ينطلق بها المجاهدون في ثقة وطمأنينة واستعلاء إلى آخر الزمان.

وأخيرا فإن السورة تنظم ارتباطات الجماعة المسلمة على أساس العقيدة كما أسلفنا، وبيان الأحكام التي تتعامل بها مع غيرها من الجماعات الأخرى في الحرب والسلم - إلى هذه الفترة التي نزلت فيها السورة - وأحكام الغنائم والمعاهدات وتضع خطوطا أصيلة في تنظيم تلك الروابط وهذه الأحكام.

هذا مجمل لخطوط السورة الرئيسة .. فإذا كانت السورة بجملتها إنما نزلت في غزوة بدر وفي التعقيب عليها، فإننا ندرك من هذا طرفا من منهج القرآن في تربية الجماعة المسلمة، وإعدادها لقيادة البشرية، وجانبا من نظرة

ص: 428

هذا الدين إلى حقيقة ما يجري في الأرض وفي حياة البشر مما يقوم منه تصور صحيح لهذه الحقيقة.

لقد كانت هذه الغزوة هي أول وقعة كبيرة لقي فيها المسلمون أعداءهم من المشركين. فهزموهم تلك الهزيمة الكبيرة

ولكن المسلمين لم يكونوا قد خرجوا لهذه الغاية، لقد كانوا إنما خرجوا ليقطعوا الطريق على قافلة قريش الذين أخرجوا المؤمنين من ديارهم وأموالهم. فأراد الله للعصبة المؤمنة غير ما أرادت لنفسها من الغنيمة .. أراد لها أن تنفلت منها القافلة وأن تلقى عدوها من عتاة قريش الذين جمدوا الدعوة في مكة، ومكروا مكرهم لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما بلغوا بأصحابه الذين تابعوه على الهدى غاية التعذيب والتنكيل والأذى

لقد أراد الله سبحانه أن تكون هذه الوقعة فرقانا بين الحق والباطل، وفرقانا في خط سير التاريخ الإسلامي، ومن ثم فرقانا في خط سير التاريخ الإنساني .. وأراد أن يظهر فيها الآماد البعيدة بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير لهم، وتدبر رب البشر لهم ولو كرهوه في أول الأمر. كما أراد أن تتعلم العصبة المؤمنة عوامل النصر، وعوامل الهزيمة، تتلقاها مباشرة من مدربها ووليها، وهي في ميدان المعركة وأمام مشاهدها.

وتضمنت السورة التوجيهات الموحية إلى هذه المعاني الكبيرة؟ وإلى هذه الحقائق الضخمة الخطيرة. كما تضمنت الكثير من دستور السلم والحرب، والغنائم والأسرى، والمعاهدات والمواثيق، وعوامل النصر وعوامل الهزيمة، كلها مصوغة في أسلوب التوجيه المربي، الذي ينشىء التصور الاعتقادي، ويجعله هو المحرك الأول والأكبر في النشاط الإنساني، وهذه هي سمة المنهج القرآني في عرض الأحداث وتوجيهها.

ثم إنها تضمنت مشاهد من الموقعة، ومشاهد من حركات النفوس قبل المعركة وفي ثناياها وبعدها .. مشاهد حية تعيد إلى المشاعر وقع المعركة وصورها وسماتها، كأن قارىء القرآن يراها فيتجاوب معها تجاوبا عميقا.

ص: 429

واستطرد السياق أحيانا إلى صور من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة أصحابه في مكة، وهم قلة مستضعفون في الأرض، يخافون أن يتخطفهم الناس. ذلك ليذكروا فضل الله عليهم في ساعة النصر، ويعلموا أنهم إنما سينصرون بنصر الله وبهذا الدين الذي آثروه على المال والحياة، وإلى صور من حياة المشركين قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعدها وإلى أمثلة من مصائر الكافرين من قبل كدأب آل فرعون والذين من قبلهم لتقرير سنة الله التي لا تتخلف في الانتصار لأوليائه والتدمير على أعدائه (1).

وإن كان الشهيد سيد قد قدم لنا وصفا حيا عن السورة فسأكتفي بعرض هذه الخطرات من خلال السورة الكريمة ومن وحيها:

1 -

لكل أمة نشيد، ونشيدنا نحن الأمة المسلمة سورة الأنفال، فلقد تجاوزت هذه السورة الزمان والمكان، وصارت نشيد المسلمين قبل أية معركة يخوضونها، يتلوها الجيش المسلم كله بصوت واحد. يجأر فيها بالدعاء إلى الله، أن ينزل نصره المؤزر كما أنزل في بدر، وتعلن كتائب الإيمان قبل خوضها المعركة براءتها هن حولها وقوتها وضعفها وعجزها وإيوائها إلى الركن الشديد إلى الله رب العالمين {فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون} .

2 -

لقد افتتحت السورة الكريمة بعتاب لصفوة الله من خلقه. لخير أهل الأرض، للذين قال الله تعالى فيهم:(اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) وبلغ العتاب من الشدة والعنف ما جعلهم يخافون على إيمانهم.

{يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} .

(1) في ظلال القرآن مقتطفات من ص 784 - 794. ط دار إحياء التراث العربي.

ص: 430

3 -

وبعد أن يرتفع بقلويهم الوجلة - ويجردهم من ذواتهم وأشخاصهم، يعود بهم بعد هذا التطواف العنيف ليقول لهم في آخر السورة. إنكم أننم المؤمنون حقا، وبالذات.

{والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم} .

4 -

الملائكة عاجزة عن تحقيق النصر، وهي مفتقرة إلى معية الله سبحانه، والذي يحقق النصر، هو رب العالمين وحده.

{إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم} .

{إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم ..} فالملائكة تحتاج إلى تثبيت من الله سبحانه.

5 -

الله تعالى هو الذي يدير المعركة بجنده من البشر والملائكة ضد المحادين لله ورسوله.

{إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} .

6 -

كانت المعالجة من الضخامة على قدر ضخامة النصر، وإلا لاستخفهم النصر حين طاروا فيه، فكما قال الأنصاري سلمة بن سلامة رضي الله عنه حين رأى المسلمين الذين لم يشهدوا المعركة يهنؤون الظافرين:

ما الذي تهنؤوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن.

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا ابن أخى أولئك الملأ.

ص: 431

هذا بيان للناس

1 -

اهتداؤنا بالبيان يعني أننا مؤمنون. {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} .

2 -

المؤمنون هم الأعلون، وتلك أولى فقرات البيان:{ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} .

3 -

لا عبرة بالخسائر المادية: {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ..} .

4 -

المحنة ضرورة، لماذا؟ أ - {وليعلم الله الذين آمنوا} . ب - {ويتخذ منكم شهداء} . حـ - {والله لا يحب الظالمين} . فلو أحبهم الله لاتخذ منهم شهداء. إنها محنة الحب للمؤمنين الصادقين. د - {ليمحص الله الذين آمنوا} . هـ - {ويمحق الكافرين} . فلا بد أن يتميز المحبون المخلصون من الأدعياء، وشتان شتان، بين التمحيص وبين المحق والإبادة.

5 -

لا جنة بلا جهاد: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} .

6 -

بين الحقيقة والادعاء: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} .

7 -

الارتباط بالرسالة لا بشخص الرسول: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} .

8 -

النصر ثواب الدنيا، والمغفرة ثواب الآخرة:{وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين} .

9 -

الرباني لا يعرف الوهن والضعف: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين} .

ص: 432

10 -

غاية الرباني المغفرة فالثبات فالنصر: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الأخرة والله يحب المحسنين} .

11 -

الخسارة بطاعة الكافرين: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين} .

12 -

الله خير الناصرين، وخير من كل أهل الأرض {بل الله مولاكم وهو خير الناصرين} .

13 -

الرعب من الله يلقى على الكافرين: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين} .

14 -

النصر تم: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ..} .

15 -

أسباب فقدان النصر: الفشل والتنازع في الأمر وحب الدنيا: {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة ..} .

16 -

الابتلاء عفو وفضل: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين} ولولا عفو الله لانتهى المسلمون، ولأبيدوا. لكن عين الله ترعاهم حتى في الابتلاء والعقوبة. فالمؤمن يفشل، والمؤمن يعصي، والمؤمن يحب الدنيا، فإن عوقب فيها فذلك فضل من الله كبير.

17 -

لا حزن على عقوبة الخطيئة: {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكي لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون} .

18 -

الصامدون كوفئوا بالأمن النفسي: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ..} ثم فزعوا من نومهم وكأنهم لم يصبهم من قبل نكبة.

ص: 433

19 -

المؤمن الضعيف يتزلزل: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} .

20 -

المعركة تكشف مستويات الإيمان {

وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور}.

21 -

الخطيئة تورث الفرار: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} . فلقد كان التولي نتيجة استدراج من الشيطان، ونتيجة خطأ أو معصية أورثت وهنا في القلب، وضعفا في الإيمان. أدى إلى التولي يوم الزحف، ومن فضل الله عليهم أنه عفا عنهم. وكفاهم من العقوبة الجزع النفسي والندم الداخلي العميق.

22 -

الأخوة بين الكافرين والمنافقين: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير} . فالحسرة تأكل قلب المنافق من الخوف، وتأكل قلبه جزعا من الموت، ويثاقل إلى الحياة، بل يهيم في حبها، وترتعد فرائصه من الموت.

23 -

المغفرة ولقاء الله: {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون} . وشتان ما بين من يرى الموت حسرة على ملذاته، وحرقا لفؤاده على شهواته، وبين من يراه زغرودة النصر وربيع الأماني بالمغفرة والرحمة ولقاء الله من المؤمنين).

24 -

حدود الرسالة: رحمة ولين، عفو واستغفار وشورى، عزيمة وتوكل: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على

ص: 434

الله إن الله يحب المتوكلين}. وكما يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: (ثم يجيىء الأمر الإلهي بالشورى بعد المعركة كذلك تثبيتا للمبدأ في مواجهة نتائجه المريرة - إن الإسلام لا يؤجل مزاولة المبدأ حتى تستعد الأمة لمزاولته، وإن الأخطاء في مزاولته مهما بلغت من الجسامة لا تبرر إلغاءه .. كما أن المزاولة العملية للمبادىء تتجلى في تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رفض أن يعود إلى الشورى بعد العزم، واعتبار هذا ترددا وأرجحة وذلك صيانة لمبدأ الشورى، ومن أن يصبح المؤمنون وسيلة للأرجحة أو الشلل الحركي).

25 -

لا نصر إلا من الله: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون} . ونحن أمام شيئين: إما أن نكون كافرين فنبحث عن غير الله، وإما أن نكون مؤمنين. فيجب أن نعتقد اعتقادا جازما أن الذي ينصر هو الله، وأن الذي يخذل هو الله ولا قبل لأحد بحرب الله ولا طاقة.

26 -

{وما كان لنبي أن يغل} : فالقائد لا بد أن يكون القدوة لجنده، فكيف إذا كان نبيا القائد الذي يتعب ليستريح جنده، ويفتقر ليغنوا، ويحرم نفسه ليعطيهم، ويجهد ليسعدوا فما يمكن للرسول القدوة أن يغل. إنما يمكن للملأ، للقادة المترفين، لطغاة الأرض {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} .

27 -

نعم ليسوا سواء: {أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون} .

28 -

من الظلمات إلى النور: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} . إنها منة الرسالة من الله تعالى لخلقه، وكم الفرق شاسع، وكم النقلة بعيدة بين الضياع في التيه والانبثاق من القرآن).

29 -

عودة إلى المعركة. فلماذا المصيبة؟ لماذا الانتكاسة؟. إنها من النفس، إنها من الأعماق، إن الضعف في الداخل، ليس من السلاح، وليس

ص: 435

من تكالب الأعداء. إنها من النفس، {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير} .

30 -

المصيبة للتميز والتطهير: إنها بإذن الله، وعلمه وإرادته، لا بد من تميز الصف، لا بد من كشف المؤمن من المنافق، لا بد من تطهير الصف الداخلي، لا بد من صدق التعاقد مع الله. {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبمهم والله أعلم بما يكتمون الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} .

كيف يمكن أن يكون هؤلاء المتخاذلون الخائرون المنافقون مثل من قدموا دمهم وحياتهم ولحمهم دون رسول الله، ولو تم النصر وانتهت المعركة في الجولة الأولى لبقي كثير من النوعيات الخائرة المتخاذلة التي همت أن تفشل في جانب الادعاء والتبجح.

31 -

أما مقام الشهداء فيا له من مقام: (لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جابر بن عبد الله فقال: يا جابر ألا أحدثك عن أبيك؟ - قلت: بلى يا رسول الله. قال: إن الله لم يكلم أحدا شفاها وكلم أباك فقال: تمن يا عبدي. فقال: يا رب أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل ثانية في سبيلك. فقال الله له: أما هذه فقد سبق القول مني أنهم إليها لا يرجعون. تمن غير ذلك. فقال: يا رب أخبر إذن إخواننا الذين في الدنيا أننا أحياء في الجنة نأكل ونتنعم حتى لا ينكلوا عن الجهاد (1)، ولا يتخلفوا عن رسول الله. فأنزل الله عز وجل:

{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم

(1) أورده الإمام أحمد مختصرا، الفتح الرباني ج 22/ 306.

ص: 436

ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (1)}.

32 -

تحدي الطاغوت: وبالرغم من الجراحات التي أثقلت جند الله، كان الجيش يخرج مع إطلالة الفجر لملاحقة المشركين ومطاردتهم. نستمع إلى مشاعر الجيش وآلامه على لسان أحد جنوده الذي يقول: شهدت أحدا مع رسول صلى الله عليه وسلم أنا وأخ لي. فرجعنا جريحين. فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو. قلت لأخي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها. وما منا إلا جريح ثقيل. فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحا. فكان أخي إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى له المسلمون (2). أما بيان الله تعالى عن الحملة فكان:{الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} .

33 -

حسبنا الله ونعم الوكيل: أبو سفيان تحتقن روحه في حلقه يوم عاد مع جيشه دون أن يستأصل شأفة المسلمين، وقلبه يخفق رعبا من أن يلحق به جيش محمد. فحاول تحقيق نصر مزعوم بأن قال لوفد بني عبد القيس:(إذا وافيتموه - أي رسول الله - فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم). فجاءت شهادة الله تعالى بجنده المؤمنين: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} .

34 -

الفئة المسلمة صفوة الله من خلفه: وقد تكون مثخنة بالجراح، وقد تكون عبقة بالآلام، وقد تكون مثقلة بالتضحيات، ولكنها تبقى صفوة

(1) آل عمران / 169، 177.

(2)

السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 44. ط دار الجيل.

ص: 437

الله من خلقه ولو تبجح الكفر وتمرد، فهذه في ميزان الله خواء. فالمواساة إذن من الله يوم تطبق الأرض على المؤمنين فيقول الله تعالى لنبيه الكريم:{ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم إن الذين اشتروا الكفر بالإبمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب اليم ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين} .

35 -

ليميز الخبيث من الطيب. هذه سنة الله تعالى مع جنده المؤمنين، وهذه خلاصة المحنة وهذه زبدة الدرس التربوي الخالد المستمر على مر العصور.

{وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم} . وما كانت محنة أحد إلا تطبيقا عمليا لهذا الدرس ولهذه السنة، السنة الثابتة المستمرة على مر العصور ابتدأت {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}. وانتهت:{ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب (1)} .

مع سورة بني النضير

كان لهذه السورة صدى طيب عظيم في نفوس المسلمين، فهي أول نصر تحقق بعد المحن المتتابعة: أحد والرجيع وبئر معونة. والغيظ من اليهود وقد بلغ ذروته حيث أنهم أظهروا الشماتة للمسلمين بعد محنتهم، وأظهروا العداوة، وحاولوا اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم. فكانت شفاء للصدور المؤمنة، وبلسما للجراح الراعفة، وفضيحة للمنافقين المتواطئين مع اليهود، وذلك في معالم واضحة:

(1) الآيات التي نزلت في غزوة أحد من سورة آل عمران من 137 إلى 179.

ص: 438

1 -

الله تعالى أخرج اليهود من حصونهم: - فلم يكن يتصور المؤمنون أنهم قادرون على إخراجهم وإذا بالنصر المؤزر يتحقق بأن البيوت تخرب بأيدي المؤنين، وبأيدي اليهود أنفسهم، وهذه سنة الله تعالى في دحر المشاقين والمصادير له. {وهو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار (1)} .

2 -

واستغل اليهود حادثة قطع نخيلهم، وراحوا يتحدثون عن الفساد فيه، ومحمد ينهي عن الفساد. وكاد الأمر يلتس على بعض المؤمنين. فنفى الله تعالى الحرج عنهم، ثم أكد لهم بعد ذلك أن النصر الذي تحقق لم يتحقق بجهد المؤمنين، إنما تحقق بقذف الرعب في قلوب الكافرين. ومن أجل هذا كان الفيء كله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع ربط هذه الأمور جميعا بالعبودية لله وطاعة رسوله {

وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (2)}.

3 -

ولئن حرم المؤمنون الفيء: فلم يحرموا الثناء من رب العباد، المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان إلى يوم القيامة، إنما بقي الفيء للفقراء المؤمنين. ولعل هذه الصورة تعطينا الحكمة من هذا الثناء على هذا الجيل الفريد:

لما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير بعث ثابت بن قيس فدعا الأنصار كلها - الأوس والخزرج - فحمد الله وأثنى عليه، وذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين، وإنزالهم إياهم في منازلهم، وأثرتهم على أنفسهم، ثم قال: إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله علي من بني النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، لإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دياركم، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: يا رسول

(1) الحشر /2.

(2)

الحشر من الآية 7.

ص: 439

الله بل نقسمه للمهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا. ونادته الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ارحم الأنصار واأبناء الأنصار، وقسم ما أفاء الله عليه على المهاجرين دون الأنصار إلا رجلين كانا محتاجين سهل بن حنيف، وأبو دجانة سماك بن خرشة، وأعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق وكان سيفا له ذكر (1).

40 -

ثم كانت فضيحة المنافقين، وكشف خيانتهم وتواطئهم مع بني النضير على حرب المسلمين، وكشف جبنهم وكدرهم، إنهم أحقر من أن يواجهوا المسلمين وجها لوجه، وإن اليهود مثل المنافقين لا يقابلون المسلمين إلا وهم خلف حصوضهم {بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} (2).

5 -

ثم تأتي الفقرة الأخيرة من السورة عقيدة خالصة، وتسبيحا وتنزيها لله تعالى رب السموات والأرض، مع تذكير المؤمنين بحسن الإبانة، ودعوة المنافقين إلى التوبة. إنها آيات تبني عقيدة وتصورا، كما تبني نفوسا صادقة ممحضة الولاء له.

مع آيات الأحزاب في سورة الأحزاب

1 -

لئن كانت المعركة قد استمر الحصار فيها للمسلمين بضعا وعشرين ليلة. فشتان ما بين الحصارين لقد انتهى حصار اليهود باستسلامهم وجلائهم أذلاء صاغرين عن المدينة. مخلفين وراءهم بيوتهم وأرضهم غنيمة للمؤمنين. بينما انتهى حصار قريش وغطفان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بالفشل الذريع لقريش وغطفان، ولخص القرآن الكريم المعركة كلها بآية واحدة:{يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا} .

(1) إمتاع الأسماع: ج 1/ 182 - 183.

(2)

الآيات من سورة الأحزاب من الآية 9 للآية 26.

ص: 440

2 -

ومع ذكر النعمة فلا بد من استعادة ذلك الجو الصعب، والظرف الدقيق، والحظر الداهم الذي نزل بالمسلمين. وكيف وصلوا إلى حالة قريبة من اليأس {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} .

3 -

ثم التميز المطلوب بعد كل محنة، وفضيحة المنافقين وحصرهم، وفرارهم من المعركة بحجة أن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا}.

4 -

ثم الثناء العطر على المؤمنين بثباتهم على الحق وإخلاصهم لله. {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} .

5 -

ثم فضل الله تعالى على المؤمنين، من مرحلة {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} أقول من هذه المرحلة إلى مرحلة:{ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا كفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا (1)} .

لقد كانت آياث سورة الأحزاب. تشيع الجو النفسي الجديد، بارتفاع المحنة، وكشف الغمة، وتضع معالم المرحلة القادمة من النصر المؤزر الذي افتتح بالقضاء على يهود بني قريظة فضاء تاما، ووراثة أرضهم وديارهم وأموالهم، وشتان ما بين حصار وحصار. حصار بني قريظة الذي انتهى {فريقا تقتلون وتأسرون فريقا} وحصار المؤمنين الذي انتهى، {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال ..} .

ص: 441

لقد انتهت مرحلة الدفاع، وابتدأت مرحلة الهجوم،. مرحلة انتشار الإسلام في الأرض. وانسياح هذا الدين في الوجود:(الآن نغزوهم ولا يغزونا).

وما أحوجنا إلى فقه سمات كل مرحلة لنكون على بينة منها، ونحن نشق طريقنا الجديد لإقامة دولة الإسلام في الأرض، ونعرف موطن القدوة والأسوة. وتتمثل السمات نفسها لكل مرحلة. دون أن نعسف الطريق، ونتعجل الخطى، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.

وإلى معالم المرحلة الجديدة وسماتها. في الجزء القادم إن شاء الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ص: 442

الفهرس

الموضوع .................................................... الصفحة

الجزء الأول .................................................. 5

بين يدي البحث .............................................. 7

ماذا نعني بالمنهج الحركي .................................... 15

المرحلة الأولى: سرية الدعوة وسرية التنظيم .................... 17

1 -

الدعوة سرا ............................................... 19

2 -

قيام الدعوة على الاصطفاء ............................... 21

3 -

العمل من خلال ثقافة الداعية ومركزه ..................... 22

4 -

الدعوة عامة ............................................. 24

5 -

دور المرأة في المرحلة السرية ............................. 27

6 -

الصلاة .................................................. 27

7 -

معرفة قريش بخبر الدعوة ................................ 28

9 -

المعايشة بين المسلمين وغيرهم ........................... 30

9 -

التركيز على بناء العقيدة ................................. 30

10 -

الجهر بالدعوة بعد بناء النواة الصلبة .................... 31

المرحلة الثانية: جهرية الدعوة وسرية التنظيم ................... 37

1 -

دعوة الأقربين ........................................... 41

2 -

الإعراض عن المشركين ................................. 43

3 -

معالم الدعوة الجديدة ..................................... 44

ص: 443

4 -

الدعوة عامة ....................................................................... 46

5 -

سرية التنظيم ...................................................................... 48

6 -

القرآن مصدر التلقي ............................................................... 50

7 -

اللقاء المنظم المستمر .............................................................. 51

8 -

الصلاة خفية في الشعاب ........................................................... 51

9 -

التركيز على الجانب الروحي ....................................................... 53

10 -

الدفاع عن النفس عند الضرورة ................................................... 56

11 -

تحمل الأذى والاضطهاد في سبيل الله ............................................ 58

12 -

السماح للضعفاء في إظهار تغيير دينهم .......................................... 60

13 -

محاولة إنقاذ المستضعفين بكل الوسائل الممكنة ................................... 60

14 -

الطريق الثانية للحماية عن طريق الهجرة .......................................... 63

15 -

البحث عن مكان آمن للدعوة وقاعدة جديدة للانطلاق .............................. 66

16 -

الاستفادة من قوانين المجتمع المشرك (الحماية والجوار) ............................ 68

17 -

المحاولات السلبية من العدو في المواجهة .......................................... 74

18 -

المحاولات الإيجابية في الحرب .................................................... 76

19 -

الجهرية الثانية، إسلام حمزة، إسلام عمر ........................................... 78

20 -

إعلان التحدي ودور الشخصيات القيادية فيه ....................................... 85

21 -

ملاحقة العدو لتجمعات المسلمين وإحباط المسلمين لهذه الملاحقة .................... 89

22 -

عبقرية الوفد الإسلامي في حوار الملوك ............................................ 94

23 -

لا مساومة على العقيدة ............................................................ 97

24 -

إثارة الحرب في صف حلفاء المسلمين ............................................. 98

25 -

المفاوضات المباشرة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش .................................. 101

26 -

تحييد بعض الشخصيات والبطون ................................................. 107

27 -

التجمع القبلي لحماية القيادة ....................................................... 110

28 -

الحصار الاقتصادي والمقاطعة العامة لتحطيم الدعوة وحلفائها ....................... 113

29 -

التفجرات الجاهلية تحطم الحصار والمقاطعة ....................................... 118

ص: 444

30 -

دور المرأة في هذه المرحلة جهادا ودعوة وسرية .................................. 121

31 -

المقاومة السلمية ............................................................... 123

32 -

الاستفادة من العناصر المشتركة بين الإسلام والعقائد الأخرى .................... 125

33 -

عدم التنازل عن جزئية واحدة من أجل الحماية .................................. 127

المرحلة الثالثة: مرحلة قيام الدولة ...................................................... 131

1 -

طلب المنعة خارج مكة .......................................................... 133

2 -

طلب الإجارة من العدو في مكة .................................................. 137

3 -

طلب المنعة والحماية لتبليغ الدعوة من القبائل .................................... 140

4 -

فشل المساومات ................................................................. 148

5 -

توجيه الأنظار لمركز الانطلاق .................................................. 152

6 -

البيعة الأولى وقيمها الجديدة ..................................................... 156

7 -

الإذن بالقتال .................................................................... 159

8 -

التهيئة لمباحثاث قيام الدولة ..................................................... 162

9 -

البيان السياسي (البيعة) ......................................................... 165

10 -

توثيق البيان وإقراره ............................................................ 169

11 -

تشكيل الحكومة الإسلامية بالانتخاب ........................................... 173

12 -

القيادة تحدد المعركة ........................................................... 175

13 -

القيادة تحدد ميلاد الدولة الإسلامية ............................................. 178

14 -

ابتداء الحرب الإعلامية بين الدولتين .......................................... 182

15 -

اختيار الأرض وسرية التجمع فيها والهجرة إليها ................................ 184

16 -

اجتماع العدو للقضاء على القيادة ............................................ 186

17 -

عبقرية التخطيط البشري في الهجرة ............................................ 188

18 -

قاعدة جديدة تنضم إلى الإسلام .............................................. 199

19 -

أول إعلان رسمي لشعائر العبادة ............................................... 200

20 -

نجاح الخطة ووصول القائد الأعلى إلى مركز القيادة ........................... 202

ص: 445

الجزء الثاني: .................................................................... 205

المرحلة الأولى: مرحلة تأسيس الدولة وتنتهي بغزوة الخندق ........................ 207

(مواصفات المرحلة الأولى)

1 -

الهدنة مع الأعداء ما عدا قريشا وحلفاءها .................................... 209

2 -

بناء القاعدة الصلبة ......................................................... 212

3 -

إعلان إسلامية الدولة ....................................................... 215

4 -

لا خيار من المعركة ........................................................ 217

5 -

التجمع الوثني في المدينة ................................................... 219

6 -

تفتيت التجمع بالنزعة الوطنية والعشائرية .................................... 221

7 -

محاولة تفتيت الصف الإسلامي ............................................. 225

8 -

العدو يتنكر لقيمه من أجل مصلحته ......................................... 228

9 -

الخطر على القيادة .......................................................... 229

10 -

حالة الحرب، وتجمع القوى كلها ضد المسلمين .............................. 231

11 -

إعلان الحرب على العدو ................................................... 232

12 -

التميز الإسلامي قبيل المواجهة .............................................. 233

13 -

المواجهة الحاسمة في بدر والفرقان فيها ...................................... 238

14 -

معسكر المنافقين بروزه وخطره وتحجيمه ...................................... 247

15 -

الوجود اليهودي في المدينة وإنهاؤه ........................................... 281

16 -

ليل المحنة الطويل وخطره .................................................. 315

17 -

تباشير النصر في قلب المحنة .............................................. 343

18 -

عمليات الاغتيال وأثرها في بث الرعب في صفوف العدو .................... 345

19 -

الحرب الاعلامية ودورها في المعركة ........................................ 358

20 -

ازدياد العدد والعدة .......................................................... 370

21 -

الجهد البشري في البذل .................................................... 372

22 -

دور النساء في المعارك ومشاركتهن فيها .................................... 383

23 -

عبقرية التخطيط القيادي ................................................... 394

24 -

النصر الإلهي في قلب المحن .............................................. 416

25 -

التربية الإلهية للنفوس عقب المعارك ........................................ 426

ص: 446

رقم الإيداع بدار الكتاب: 1985/ 2897

ص: 448