المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[تشريف الله تعالى له صلى الله عليه وسلم] - المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ١

[القسطلاني]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌كلمة عن مصادر السيرة النبوية

- ‌عملى فى الكتاب

- ‌ترجمة المؤلف

- ‌نسبه:

- ‌ولادته ونشأته:

- ‌مشايخه:

- ‌صفاته:

- ‌وفاته:

- ‌مصنفاته:

- ‌كلمة عن كتاب المواهب اللدنية

- ‌مقدمة المؤلف

- ‌المقصد الأول

- ‌[تشريف الله تعالى له صلى الله عليه وسلم]

- ‌طهارة نسبه صلى الله عليه وسلم

- ‌[آيات حمله صلى الله عليه وسلم]

- ‌آيات ولادته صلى الله عليه وسلم

- ‌[ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم]

- ‌[ذكر حضانته صلى الله عليه وسلم]

- ‌[دقائق حقائق بعثته صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فصل فى ترتيب الدعوة النبوية]

- ‌[هجرته صلى الله عليه وسلم]

- ‌[رؤيا الأذان]

- ‌[غزوة قرقرة الكدر]

- ‌ثم غزوة أحد

- ‌غزوة حمراء الأسد

- ‌[غزوة بنى النضير]

- ‌[غزوة ذات الرقاع]

- ‌[غزوة بدر]

- ‌غزوة دومة الجندل

- ‌غزوة بنى المصطلق

- ‌غزوة الخندق:

- ‌[غزوة بنى قريظة] :

- ‌غزوة بنى لحيان

- ‌غزوة الغابة

- ‌[سرية ابن رواحة إلى ابن رزام]

- ‌صلح الحديبية

- ‌[غزوة خيبر] :

- ‌عمرة القضاء:

- ‌غزوة مؤتة

- ‌غزوة الطائف

- ‌غزوة تبوك

- ‌حجة أبى بكر

- ‌المقصد الثانى

- ‌الفصل الأول فى ذكر أسمائه الشريفة المنبئة عن كمال صفاته المنيفة

- ‌الفصل الثانى فى ذكر أولاده الكرام عليه وعليهم الصلاة والسلام

- ‌الفصل الثالث فى ذكر أزواجه الطاهرات وسراريه المطهرات

- ‌الفصل الرابع فى أعمامه وعماته وإخوته من الرضاعة وجداته

- ‌الفصل الخامس فى خدمه وحرسه ومواليه ومن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن يأذن عليه ومن كان يضرب الأعناق بين يديه

- ‌أما خدمه:

- ‌[من الرجال]

- ‌ومن النساء:

- ‌وأما حراسه:

- ‌وأما مواليه صلى الله عليه وسلم:

- ‌الفصل السادس فى أمرائه ورسله وكتّابه وكتبه إلى أهل الإسلام فى الشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام

- ‌أما كتابه

- ‌وأما أمراؤه- عليه الصلاة والسلام

- ‌وأما رسله- صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل السابع فى مؤذنيه وخطبائه وحداته وشعرائه

- ‌أما مؤذنوه فأربعة

- ‌وأما شعراؤه- صلى الله عليه وسلم الذين يذبون عن الإسلام:

- ‌الفصل الثامن فى آلات حروبه صلى الله عليه وسلم كدروعه وأقواسه ومنطقته وأتراسه

- ‌أما أسيافه- صلى الله عليه وسلم

- ‌وأما أدراعه فسبعة:

- ‌وأما أقواسه- صلى الله عليه وسلم فكانت ستة:

- ‌وأما أتراسه

- ‌وأما أرماحه- صلى الله عليه وسلم

- ‌تكميل:

- ‌الفصل التاسع فى ذكر خيله صلى الله عليه وسلم ولقاحه ودوابه

- ‌أما خيله- صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل العاشر فى ذكر من وفد عليه صلى الله عليه وسلم وزاده فضلا وشرفا لديه

- ‌فهرس المحتويات

الفصل: ‌[تشريف الله تعالى له صلى الله عليه وسلم]

[تشريف الله تعالى له صلى الله عليه وسلم]

اعلم يا ذا العقل السليم، والمتصف بأوصاف الكمال والتتميم- وفقنى الله وإياك بالهداية إلى الصراط المستقيم- أنه لما تعلقت إرادة الحق تعالى بإيجاد خلقه، وتقدير رزقه، أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية «1» فى الحضرة الأحدية، ثم سلخ منها العوالم كلها، علوها وسفلها، على صورة حكمه، كما سبق فى سابق إرادته وعلمه، ثم أعلمه تعالى بنبوته، وبشره برسالته، هذا وآدم لم يكن إلا- كما قال، بين الروح والجسد «2» ، ثم انبجست منه- صلى الله عليه وسلم عيون الأرواح، فظهر بالملأ الأعلى، وهو بالمنظر الأجلى، فكان لهم المورد الأحلى، فهو- صلى الله عليه وسلم الجنس العالى على جميع الأجناس، والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس «3» .

ولما انتهى الزمان باسم الباطن فى حقه- صلى الله عليه وسلم إلى وجود جسمه، وارتباط الروح به، انتقل حكم الزمان إلى الاسم الظاهر، فظهر محمد صلى الله عليه وسلم بكليته جسما وروحا، فهو- صلى الله عليه وسلم وإن تأخرت طينته، فقد عرفت قيمته، فهو خزانة السر، وموضع نفوذ الأمر، فلا ينفذ أمر إلا منه، ولا ينقل خير إلا عنه:

ألا بأبى من كان ملكا وسيدا

وآدم بين الماء والطين واقف

فذاك الرسول الأبطحى محمد

له فى العلا مجد تليد وطارف

أتى بزمان السعد فى آخر المدى

وكان له فى كل عصر مواقف

(1) عبارة غامضة، تكلفها الخلف، ولم ترد عن السلف.

(2)

صحيح: أخرجه الترمذى (3609) فى المناقب، باب: ما جاء فى فضل النبى- صلى الله عليه وسلم، والحاكم فى «مستدركه» (2/ 665) ، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» .

(3)

قلت كما تقدم، عبارات تكلفها الخلف، ولم ترد عن السلف.

ص: 39

أتى لانكسار الدهر بجبر صدعه

فأثنت عليه ألسن وعوارف

إذا رام أمرا لا يكون خلافه

وليس لذاك الأمر فى الكون صارف «1»

أخرج مسلم فى صحيحه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبى- صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إن الله عز وجل كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» «2» .

ومن جملة ما كتب فى الذكر- وهو أم الكتاب- أن محمدا خاتم النبيين الأحزاب: 40.

وعن العرباض بن سارية عن النبى- صلى الله عليه وسلم قال: «إنى عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل فى طينته» «3» رواه أحمد والبيهقى، والحاكم، وقال:

صحيح الإسناد.

وقوله: لمنجدل، يعنى: طريحا ملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه.

وعن ميسرة الضبى «4» قال: قلت يا رسول الله، متى كنت نبيّا؟ قال:

«وآدم بين الروح والجسد» «5» هذا لفظ رواية الإمام أحمد. ورواه البخارى فى تاريخه وأبو نعيم فى الحلية وصححه الحاكم.

(1) قلت: الذى إذا أراد شيئا فلا يكون خلافه، هو الله عز وجل، أما غيره، فبالتبع لا بالأصل، ولولا أمر الله للشىء بذلك ما استطاع، وانظر إلى رغبته فى إسلام عمه أبى طالب، ولم يسلم، ويقول الله عز وجل له: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ سورة القصص: 56، ولو كان الأمر كما قال الشاعر، لأسلم عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نقصد بهذا الكلام الانتقاص من شخص رسول الله- صلى الله عليه وسلم، ولكن المقصد أن مشيئته- صلى الله عليه وسلم تابعة لا أصلية، فالمشيئة الأصلية لله عز وجل، والتابعة لنبينا- صلى الله عليه وسلم ولغيره، وكانت لنبينا- صلى الله عليه وسلم منه الأكبر.

(2)

صحيح: أخرجه مسلم (2653) فى القدر، باب: حجاج آدم وموسى- عليهما السلام.

(3)

ضعيف: أخرجه أحمد فى المسند» (4/ 127 و 128) ، وابن حبان فى «صحيحه» (6404) ، والحاكم فى «مستدركه» (2/ 453 و 656) ، والبيهقى فى «دلائل النبوة» (1/ 83) ، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «ضعيف الجامع» (2091) .

(4)

فى «المسند» (5/ 59) : ميسرة الفجر، وكذا فى «الإصابة» (6/ 239) لابن حجر، ولعل الضبى تصحيف، حديث لم أجد أحدا نسبه بهذه النسبة.

(5)

أخرجه أحمد فى «المسند» (5/ 59) ، والحاكم فى «المستدرك» (2/ 665) ، والطبرانى فى «الكبير» (20/ 353) .

ص: 40

وأما ما اشتهر على الألسنة بلفظ: كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين «1» .

فقال شيخنا العلامة الحافظ أبو الخير السخاوى- نفع الله بعلومه- فى كتابه «المقاصد الحسنة» : لم نقف عليه بهذا اللفظ. انتهى.

وقال الحافظ ابن رجب، فى اللطائف: وبعضهم يرويه: «متى كتبت» من الكتابة، انتهى.

قلت: وكذا رويناه فى جزء من حديث أبى عمرو، إسماعيل بن نجيد، ولفظه:

متى كتبت نبيّا؟ قال: «كتبت وآدم بين الروح والجسد» «2» .

فتحمل هذه الرواية مع رواية العرباض بن سارية على وجوب نبوته وثبوتها، وظهورها فى الخارج، فإن الكتابة تستعمل فيما هو واجب. قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ «3» . وكَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ «4» .

وعن أبى هريرة أنهم قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة قال:

«وآدم بين الروح والجسد» «5» رواه الترمذى وقال: حديث حسن.

وروينا فى جزء من أمالى أبى سهل القطان عن سهل بن صالح الهمدانى، قال:

سألت أبا جعفر، محمد بن على، كيف صار محمد- صلى الله عليه وسلم يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث؟ قال: إن الله تعالى لما أخذ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ «6» . كان محمد- صلى الله عليه وسلم أول من قال بلى، ولذلك صار يتقدم الأنبياء، وهو آخر من بعث.

(1) ليس له أصل، وانظر «كشف الخفاء» للعجلونى (2007 و 2017) .

(2)

تقدم من حديث أبى هريرة، وميسرة الفجر- رضى الله عنهما-.

(3)

سورة البقرة: 183.

(4)

سورة المجادلة: 21.

(5)

صحيح: وقد تقدم قبل قليل.

(6)

سورة الأعراف: 172.

ص: 41

فإن قلت: إن النبوة وصف لابد أن يكون الموصوف به موجودا، وإنما يكون بعد بلوغ أربعين سنة أيضا، فكيف يوصف به قبل وجوده وإرساله؟

أجاب العلامة الغزالى فى كتاب «النفخ والتسوية» عن هذا، وعن قوله:

«كنت أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا» «1» : «بأن المراد ب «الخلق» هنا: التقدير دون الإيجاد، فإنه قبل أن ولدته أمه لم يكن موجودا مخلوقا، ولكن الغايات والكمالات سابقة فى التقدير لاحقة فى الوجود» .

«قال: وهو معنى قولهم: «أول الفكرة آخر العمل، وآخر العمل أول الفكرة»

وبيانه: أن المهندس المقدر للدار، أول ما يمثل فى نفسه صورة الدار، فتحصل فى تقديره دار كاملة، وآخر ما يوجد من أعماله هى الدار الكاملة، فالدار الكاملة هى أول الأشياء فى حقه تقديرا، وآخرها وجودا، لأن ما قبلها من ضرب اللبنات وبناء الحيطان، وتركيب الجذوع، وسيلة إلى غاية وكمال وهى الدار، فالغاية هى الدار ولأجلها تقوم الآلات والأعمال» .

«ثم قال: وأما قوله- عليه السلام: (كنت نبيّا) فإشارة إلى ما ذكرناه، وأنه كان نبيّا فى التقدير قبل تمام خلقة آدم- عليه السلام، لأنه لم ينشأ خلق آدم إلا لينتزع من ذريته محمد- صلى الله عليه وسلم ويستصفى تدريجا إلى أن يبلغ كمال الصفا» .

«قال: ولا تفهم هذه الحقيقة إلا بأن يعلم أن للدار وجودين: وجودا فى ذهن المهندس ودماغه، والوجود الثانى أنه ينظر إلى صورة الدار خارج الذهن فى الأعيان، والوجود الذهنى سبب الوجود الخارج للعين، فهو سابق لا محالة، وكذلك فاعلم أن الله تعالى يقدر ثم يوجد على وفق التقدير ثانيا، انتهى.

وهو متعقب بقول الشيخ تقى الدين السبكى: «إنه قد جاء أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله:(كنت نبيّا) إلى روحه

(1) ضعيف جدّا: أخرجه أبو نعيم فى «الدلائل» (ص 42) .

ص: 42

الشريفة، أو إلى حقيقة من الحقائق، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها، وإنما يعلمها خالقها ومن أمده الله بنور إلهى، ثم إن تلك الحقائق يؤتى الله كل حقيقة منها ما يشاء فى الوقت الذى يشاء، فحقيقة النبى- صلى الله عليه وسلم قد تكون من حين خلق آدم آتاها الله ذلك الوصف، بأن يكون خلقها متهيئة لذلك، وأفاضه عليها من ذلك الوقت، فصار نبيّا، وكتب اسمه على العرش، وأخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده «1» .

«فحقيقته موجودة من ذلك الوقت وإن تأخر جسده الشريف المتصف بها، واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية حاصل من ذلك الوقت، وإنما يتأخر البعث والتبليغ، وكل ما له من جهة الله ومن جهة تأهل ذاته الشريفة وحقيقته معجل لا تأخر فيه. وكذلك استنباؤه وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوة، وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن ظهر صلى الله عليه وسلم» .

«وقد علم من هذا: أن من فسره بعلم الله بأنه سيصير نبيّا لم يصل إلى هذا المعنى، لأن علم الله تعالى محيط بجميع الأشياء. ووصف النبى- صلى الله عليه وسلم بالنبوة فى ذلك الوقت ينبغى أن يفهم منه أنه أمر ثابت له فى ذلك الوقت.

ولو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير فى المستقبل لم يكن له خصوصية بأنه نبى وآدم بين الروح والجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم الله تعالى نبوتهم فى ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية للنبى- صلى الله عليه وسلم لأجلها أخبر بهذا الخبر إعلاما لأمته ليعرفوا قدره عند الله تعالى» .

وعن الشعبى «2» : قال رجل يا رسول الله، متى استنبئت؟ قال:«وآدم بين الروح والجسد، حين أخذ منى الميثاق» «3» رواه ابن سعد، من رواية جابر الجعفى، فيما ذكره ابن رجب.

(1) لعله يشير إلى حديث شفاعة آدم حينما أذنب فذهب إلى ربه فاستشفع بمحمد- صلى الله عليه وسلم، فسأله الله عز وجل، وما أعلمك به؟ فقال: وجدت اسمه مكتوب على عرشك، فعرفت أنه أحب الخلق إليك

إلى آخره، فهو ضعيف جدّا، ولا حجة فيه، وسيأتى بعد قليل.

(2)

هو: عامر بن شراحيل الشعبى، من أئمة التابعين، وعلى ذلك فحديثه مرسل.

(3)

مرسل: أخرجه ابن سعد فى «الطبقات» (7/ 42) .

ص: 43

فهذا يدل على أنه من حين صور آدم طينا استخرج منه محمد- صلى الله عليه وسلم ونبىء وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذى قدر الله خروجه فيه فهو أولهم خلقا.

لا يقال: يلزم خلق آدم قبله، لأن آدم كان حينئذ مواتا لا روح فيه، ومحمد- صلى الله عليه وسلم كان حيّا حين استخرج ونبىء وأخذ منه الميثاق، فهو أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا.

فإن قلت إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه، كما دل عليه أكثر الأحاديث، والذى تقرر هنا: أنه استخرج ونبىء قبل نفخ الروح فى آدم- عليه السلام.

أجاب بعضهم: بأنه- صلى الله عليه وسلم خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح. فإن محمدا- صلى الله عليه وسلم هو المقصود من خلق النوع الإنسانى، وهو عينه وخلاصته وواسطة عقده.

والأحاديث السابقة صريحة فى ذلك، والله أعلم «1» .

وروى عن على بن أبى طالب- صلى الله عليه وسلم أنه قال: لم يبعث الله تعالى نبيّا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد فى محمد- صلى الله عليه وسلم لئن بعث، وهو حى، ليؤمنن به ولينصرنه، ويأخذ العهد بذلك على قومه.

وهو مروى عن ابن عباس أيضا ذكرهما العماد بن كثير فى تفسيره «2» .

وقيل: إن الله تعالى لما خلق نور نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم أمره أن ينظر إلى أنوار الأنبياء عليهم السلام، فغشيهم من نوره ما أنطقهم الله به فقالوا: يا ربنا، من غشينا نوره؟ فقال الله تعالى: هذا نور محمد بن عبد الله، إن آمنتم به جعلتكم أنبياء، قالوا: آمنا به وبنبوته فقال الله تعالى: أشهد عليكم؟

قالوا: نعم. فذلك قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ

(1) قلت: إلا أنه لا توجد أحاديث صحيحة على ما يقول، ولا حجة فيها.

(2)

قلت: انظر تفسير ابن كثير عند تفسيره لسورة آل عمران، الآية:81.

ص: 44

وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ إلى قوله:

وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ «1»

«2» .

قال الشيخ تقى الدين السبكى: «فى هذه الآية الشريفة من التنويه بالنبى صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره العلى ما لا يخفى، وفيه مع ذلك: أنه على تقدير مجيئه فى زمانهم يكون مرسلا إليهم، فتكون رسالته ونبوته عامة لجميع الخلق، من زمن آدم إلى يوم القيامة، وتكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله: «وبعثت إلى الناس كافة» «3»

لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضا. ويتبين بذلك معنى قوله- صلى الله عليه وسلم:

«كنت نبيّا وآدم بين الروح والجسد» «4» .

«ثم قال: فإذا عرف هذا فالنبى- صلى الله عليه وسلم نبى الأنبياء، ولهذا ظهر فى الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه، وفى الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم.

ولو اتفق مجيئه فى زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى- صلوات الله وسلامه عليهم- وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته. وبذلك أخذ الله الميثاق عليهم» . انتهى وسيأتى- إن شاء الله تعالى- مزيد لذلك فى المقصد السادس.

وذكر العارف الربانى عبد الله بن أبى جمرة فى كتابه «بهجة النفوس» ، ومن قبله ابن سبع فى «شفاء الصدور» عن كعب الأحبار، قال: لما أراد الله تعالى أن يخلق محمدا، أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التى هى قلب الأرض وبهاؤها ونورها، قال: فهبط جبريل فى ملائكة الفردوس وملائكة الرقيع الأعلى، فقبض قبضة رسول الله- صلى الله عليه وسلم من موضع قبره الشريف، وهى

(1) سورة آل عمران: 81.

(2)

قلت: وهل يستدل على مثل هذه الأمور بأخبار لا أسانيد لها.

(3)

صحيح: أخرجه البخارى (335) فى التيمم، باب: وقول الله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً، ومسلم (521) فى المساجد، باب: رقم (1) ، من حديث جابر رضى الله عنه-.

(4)

صحيح: وقد تقدم.

ص: 45

بيضاء منيرة، فعجنت بماء التسنيم فى معين أنهار الجنة، حتى صارت كالدرة البيضاء، لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش والكرسى، وفى السماوات والأرض والجبال والبحار، فعرفت الملائكة وجميع الخلق سيدنا محمدا وفضله قبل أن تعرف آدم- عليهما السلام «1» .

وقيل: لما خاطب الله تعالى السماء والأرض بقوله: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ «2» .

أجاب موضع الكعبة الشريفة. ومن السماء ما يحاذيها. وقد قال ابن عباس: أصل طينة رسول الله- صلى الله عليه وسلم من سرة الأرض بمكة. فقال بعض العلماء: هذا يشعر بأن ما أجاب من الأرض إلا درة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، ومن موضع الكعبة دحيت الأرض فصار رسول الله- صلى الله عليه وسلم هو الأصل فى التكوين، والكائنات تبع له. وقيل: لذلك سمى أميّا لأن مكة أم القرى، ودرته أم الخليقة «3» .

فإن قلت: تربة الشخص مدفنه، فكان مقتضى هذا أن يكون مدفنه عليه الصلاة والسلام بمكة، حيث كانت تربته منها.

فقد أجاب عنه صاحب عوارف المعارف- أفاض الله علينا من عوارفه، وتعطف علينا بعواطفه- بأنه قيل: إن الماء لما تموج رمى الزبد إلى النواحى، فوقعت جوهرة النبى- صلى الله عليه وسلم إلى ما يجاذى تربته بالمدينة، فكان- صلى الله عليه وسلم مكيّا مدنيّا، حنينه إلى مكة وتربته بالمدينة انتهى «4» .

وفى «المولد الشريف» لابن طغر بك «5»

: ويروى أنه لما خلق الله تعالى

(1) قلت: راوى هذا الأثر، هو كعب الأحبار، وهو أكثر الرواية عن أهل الكتاب، ومن الواضح أن ذلك منها.

(2)

سورة فصلت: 11.

(3)

قلت: وهذا كلام لا دليل عليه، ولا حجة فيه.

(4)

قلت: وهذا على صحة المقولة السابقة، وهى لم تصح أصلا.

(5)

هو: عمر بن أيوب بن أرسلان سيف الدين، أبو جعفر، المعروف بابن طغر بك الدمشقى التركى، توفى سنة (670 هـ) ، وكتابه اسمه «الدر النظيم فى مولد النبى الكريم» .

ص: 46

آدم، ألهمه أن قال: يا رب، لم كنيتنى أبا محمد، قال الله تعالى: يا آدم ارفع رأسك، فرفع رأسه فرأى نور محمد- صلى الله عليه وسلم فى سرادق العرش، فقال: يا رب، ما هذا النور؟ قال: هذا نور نبى من ذريتك اسمه فى السماء أحمد، وفى الأرض محمد، لولاه ما خلقتك ولا خلقت سماء ولا أرضا.

ويشهد لهذا، ما رواه الحاكم فى صحيحه أن آدم- عليه السلام رأى اسم محمد- صلى الله عليه وسلم مكتوبا على العرش، وأن الله تعالى قال لآدم لولا محمد ما خلقتك «1» .

ولله در القائل:

وكان لدى الفردوس فى زمن الرضا

وأثواب شمل الأنس محكمة السدى

يشاهد فى عدن ضياء مشعشعا

يزيد على الأنوار فى الضوء والهدى

فقال إلهى ما الضياء الذى أرى

جنود السما تعشو إليه ترددا

فقال نبى خير من وطىء الثرى

وأفضل من فى الخير راح أو اغتدى

تخيرته من قبل خلقك سيدا

وألبسته قبل النبيين سؤددا

فإن قلت: إن مذهب الأشاعرة «2»

: أن أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض، فكيف تكون خلقة محمد علة فى خلق آدم- صلى الله عليهما وسلم-؟

أجيب: بأن الظاهرة من الأدلة تعليل بعض الأفعال بالحكم والمصالح التى هى غايات ومنافع لأفعاله تعالى، لا بواعث على إقدامه، ولا علل مقتضية لفاعليته، لأن ذلك محال فى حقه تعالى، لما فيه من استكماله بغيره.

والنصوص شاهدة بذلك، كقوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «3»

. أى: قرنت الخلق بالعبادة، أى خلقتهم وفرضت عليهم العبادة، فالتعليل لفظى لا حقيقى، لأن الله تعالى مستغن عن المنافع، فلا

(1) ضعيف: أخرجه الحاكم فى «مستدركه» (2/ 672) ، من حديث عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- بسند ضعيف جدّا.

(2)

هى: إحدى الفرق الإسلامية، التى تخالف عقيدة أهل السنة والجماعة، فى بعض الأمور، وإمامهم فى ذلك، أبو الحسن الأشعرى وإليه ينسبوا، توفى سنة (424 هـ) .

(3)

سورة الذاريات: 56.

ص: 47

يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى غيره، لأن الله قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل.

وروى عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصارى قال: قلت يا رسول الله، بأبى أنت وأمى، أخبرنى عن أول شىء خلقه الله تعالى قبل الأشياء. قال: يا جابر، إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى، ولم يكن فى ذلك الوقت لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء، ولا أرض ولا شمس ولا قمر، ولا جنى ولا أنسى، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثانى اللوح، ومن الثالث العرش. ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول حملة العرش، ومن الثانى الكرسى، ومن الثالث باقى الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السماوات، ومن الثانى الأرضين ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثانى نور قلوبهم- وهى المعرفة بالله- ومن الثالث نور أنسهم، وهو التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله «1»

..

وقد اختلف: هل القلم أول المخلوقات بعد النور المحمدى؟

فقال الحافظ أبو يعلى الهمدانى: الأصح أن العرش قبل القلم، لما ثبت فى الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» «2»

، فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش. والتقدير وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة بن الصامت، مرفوعا:«أول ما خلق الله القلم قال له اكتب، قال: رب، وما أكتب، قال: اكتب مقادير كل شىء» «3»

رواه أحمد، والترمذى وصححه.

(1) موضوع: والحديث ليس له وجود فى «مصنف عبد الرزاق» .

(2)

صحيح: وقد تقدم.

(3)

صحيح: أخرجه الترمذى (2155) فى القدر، باب: ما جاء فى الرضا بالقضاء، و (3319) فى كتاب التفسير، باب: ومن سورة ن والقلم، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (2017) .

ص: 48

ورويا أيضا من حديث أبى رزين العقيلى «1»

مرفوعا: «إن الماء خلق قبل العرش» «2» .

وروى السدى «3»

بأسانيد متعددة: «أن الله تعالى لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء» «4»

فيجمع بينه وبين ما قبله، بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا النور النبوى المحمدى والماء والعرش، انتهى. وقيل: الأولية فى كل بالإضافة إلى جنسه، أى أول ما خلق الله من الأنوار نورى، وكذا فى باقيها.

وفى أحكام ابن القطان، مما ذكره ابن مرزوق، عن على بن الحسين عن أبيه عن جده أن النبى- صلى الله عليه وسلم قال:«كنت نورا بين يدى ربى قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام» «5» .

وفى الخبر: لما خلق الله آدم جعل ذلك النور فى ظهره فكان يلمع فى جبينه، فيغلب على سائر نوره، ثم رفعه الله على سرير مملكته وحمله على أكتاف ملائكته وأمرهم فطافوا به فى السماوات ليرى عجائب ملكوته.

(1) هو: الصحابى الجليل، لقيط بن عامر بن صبرة بن المنتفق، وكان وافد قومه.

(2)

ضعيف: أخرجه الترمذى (3109) فى التفسير، باب: ومن سورة هود، والترمذى (182) فى المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، وأحمد فى «مسنده» (4/ 11 و 12) ، والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن الترمذى» .

(3)

هو: إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبى كريمة، أبو محمد القرشى، وهو السدى الكبير، كان يقعد فى سدة باب الجامع فسمى السدى، عرف بالتفسير، وهو صدوق إلا أنه يهم، مات سنة (127 هـ) ، وهناك سدى آخر، وهو محمد بن مروان، ويعرف بالسدى الأصغر، صاحب السائب الكلبى، صاحب التفسير، إلا أنه متهم بالكذب.

(4)

قلت: لا يوجد حديث بهذا اللفظ، إلا أن معناه صحيح، حديث ورد فى «صحيح البخارى» من حديث عمران بن حصين- رضى الله عنه-، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال:«كان الله ولم يكن شىء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض» ، الحديث (7418) فى التوحيد، باب: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ، وقال الحافظ فى «الفتح» (6/ 289) : معناه: أنه خلق الماء سابقا، ثم خلق العرش على الماء، وقد وقع فى قصة نافع بن زيد الحميرى بلفظ:«كان عرشه على الماء ثم خلق القلم، فقال: اكتب ما هو كائن، ثم خلق السماوات والأرض وما فيهن، فصرح بترتيب المخلوقات بعد الماء والعرش» .

(5)

انظر «كشف الخفاء» للعجلونى (827 و 2007) .

ص: 49

قال جعفر بن محمد: مكثت الروح فى رأس آدم مائة عام، وفى صدره مائة عام وفى ساقيه وقدميه مائة عام، ثم علمه الله تعالى أسماء جميع المخلوقات، ثم أمر الملائكة بالسجود فسجدوا إلا إبليس، فطرده الله تعالى وخزاه.

وكان السجود لآدم سجود تعظيم وتحية، لا سجود عبادة، كسجود أخوة يوسف له، فالمسجود له فى الحقيقة هو الله تعالى، وآدم كالقبلة.

وروى عن جعفر الصادق أنه قال: كان أول من سجد لآدم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل ثم الملائكة المقربون.

وعن أبى الحسن النقاش: أول من سجد إسرافيل، قال ولذا جوزى بتولية اللوح المحفوظ «1» .

وعن ابن عباس: كان السجود يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر.

ثم خلق الله تعالى له حواء زوجته من ضلع من أضلاعه اليسرى، وهو نائم، وسميت حواء لأنها خلقت من حى، فلما استيقظ ورآها سكن إليها، فقالت الملائكة مه يا آدم، قال: ولم وقد خلقها الله لى؟ فقالوا: حتى تؤدى مهرها، قال: وما مهرها؟ قالوا: تصلى على محمد- صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات «2» .

وذكر ابن الجوزى فى كتابه «سلوة الأحزان» : أنه لما رام القرب منها طلبت منه المهر، فقال: يا رب، وماذا أعطيها، فقال: يا آدم صل على حبيبى محمد بن عبد الله عشرين مرة، ففعل «3» .

ثم إن الله تعالى أباح لهما نعيم الجنة، ونهاهما عن شجرة الحنطة، وقيل: شجرة العنب، وقيل: شجرة التين «4»

، فحسدهما إبليس، فهو أول

(1) قلت: لم يرد فى ذلك خبر صحيح، والأولى الوقوف عما ذكر، وترك ما ترك.

(2)

لا أصل له.

(3)

لا أصل له.

(4)

لا يوجد دليل صحيح على تعيين لك الشجرة.

ص: 50

من حسد وتكبر، فأتى إلى باب الجنة فاحتال حتى دخل الجنة «1»

، وأتى إلى آدم وحواء، فوقف وناح نياحة أحزنتهما، فهو أول من ناح، فقالا: ما يبكيك؟ قال: عليكما، تموتان وتفقدان النعيم، ألا أدلكما على شجرة الخلد، فكلا منها، وحلف لهما أنه ناصح، فهو أول من حلف كاذبا، وأول من غش.

فأكلت حواء منها، ثم زينت لآدم حتى أكل «2»

، وظنا أن أحدا لا يتجاسر أن يحلف بالله كاذبا، فقال الله تعالى: يا آدم، ألم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشجرة؟! قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن ظننت أن أحدا لا يحلف بك كاذبا، قال الله تعالى: وعزتى وجلالى، لأهبطنك إلى الأرض، لا تنال العيش إلا كدّا، فأهبط من الجنة.

وعن ابن عباس: قال الله تعالى: يا آدم، ما حملك على ما صنعت؟

قال: زينته لى حواء، قال: فإنى أعقبها ألاتحمل إلا كرها، ولا تضع إلا كرها، ولأدمينها فى الشهر مرتين «3» .

وقال وهب بن منبه «4»

: لما أهبط آدم إلى الأرض مكث يبكى ثلاثمائة سنة لا يرقأ له دمع.

وقال المسعودى «5»

: لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثر حين أخرجه الله من الجنة.

(1) قلت: لا أعلم كيف احتال حتى دخل الجنة، والله قد حرمها عليه، وعلى من احتال.

(2)

قلت: ذكر الله أنهما أكلا منها بصيغة التثنية، وكذلك فوسوس لهما، بصيغة التثنية أى هما الفاعلان معا، والموسوس لهما الشيطان، وليست حواء، كما يزعم البعض.

(3)

لم أجده، ولا أظنه بحديث صحيح.

(4)

هو: وهب بن منبه، عالم أهل اليمن، ولد بصنعاء سنة (34 هـ) ، من خيار التابعين، ولذلك فحديثه مرسل.

(5)

لعله يقصد صاحب كتاب: «مروج الذهب» وغيره من التواريخ، أبو الحسن، على بن الحسين بن على من ذرية ابن مسعود، كان إخباريّا، مات سنة (345 هـ) .

ص: 51

وقال مجاهد «1»

: بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه إلى السماء، وأنبت الله من دموعه العود الرطب والزنجبيل والصندل وأنواع الطيب، وبكت حواء حتى أنبت الله من دموعها القرنفل والأفاوى.

يا بنى آدم، انظروا كيف بكى أبوكم آدم على فعلة واحدة ثلاثمائة سنة، فكيف بكم يا أرباب الكبائر العظيمة؟ فاعتبروا يا أولى الأبصار، كان كلما رأى الملائكة تصعد وتهبط ازداد شوقا إلى الأوطان، وتذكر العهد والجيران، يا أصحاب الذنوب احذروا زلة يقول فيها الحبيب: هذا فراق بينى وبينك، فيا ذا العقل السليم، انظر كيف جلس أبوك آدم على سرير المملكة، فمد يده إلى لقمة نهى عنها فأخرج من الجنة، فاحذروا يا بنيه عواقب المعاصى فإنها من نزلت به نزلت به وحطته عن مرتبته.

فإن قلت: هذه الفعلة التى أهبط بها آدم من الجنة، إن كانت كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء، وإن كانت صغيرة فلم جرى عليه ما جرى بسببها، من نزع اللباس والإخراج من الجنة وغير ذلك؟

أجاب الزمخشرى «2» : بأنها ما كانت إلا صغيرة، مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأفكار الصالحة التى هى أجل الطاعات، وأعظم الأعمال، وإنما جرى عليه ما جرى تعظيما للخطيئة، وتفظيعا لشأنها وتهويلا، ليكون ذلك لطفا له ولذريته فى اجتناب الخطايا، واتقاء الماثم.

يا هذا، انظر كم لله من لطف وحكمة فى إهباط آدم من الجنة إلى الأرض، لولا نزوله لما ظهر جهاد المجاهدين، واجتهاد العابدين المجتهدين، ولا صعدت زفرات أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين، يا آدم إن كنت أهبطت من دار القرب فإنى قريب، أجيب دعوة الداع، إن كان

(1) هو: مجاهد بن جبير، شيخ القراء والمفسرين، روى عن ابن عباس، وعنه أخذ القرآن والتفسير والفقه، مات وهو ساجد سنة (102 هـ) .

(2)

هو: كبير المعتزلة، أبو القاسم، محمود بن عمر بن محمد الزمخشرى النحوى، صاحب «الكشاف» و «المفضل» ، كان رأسا فى البلاغة والعربية والمعانى والبيان، كما كان داعيا إلى الاعتزال، مات سنة (538 هـ) .

ص: 52

حصل لك بالإخراج من الجنة كسر فأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى، وإن كان فاتك فى السماء زجل المسبحين فقد تعوضت فى الأرض أنين المذنبين، أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيحهم، زجل المسبحين ربما يشوبه الافتخار، وأنين المذنبين يزينه الانكسار، «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم» «1» .

سبحان من إذا لطف بعبده فى المحن قلبها منحا، وإذا خذل عبدا لم ينفعه كثرة اجتهاده وكان عليه وبالا، لقن الله آدم حجته، وألقى عليه ما تقبل به توبته، وطرد إبليس اللعين بعد طول خدمته، فصار عمله هباء منثورا قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ «2» إذا وضع عدله على عبد لم يبق له حسنة، وإذا بسط فضله على عبد لم يبق له سيئة.

انظر لما ظهرت فضائل آدم- عليه الصلاة والسلام على الخلائق بالعلم، وكان العلم لا يكمل إلا بالعمل بمقتضاه، والجنة ليست دار عمل ومجاهدة، إنما هى دار نعيم ومشاهدة، قيل له: يا آدم اهبط إلى أرض الجهاد، وصابر جنود الهوى بالجد والاجتهاد، وكأنك بالعيش الماضى وقد عاد على أكمل من ذلك المعتاد.

ولما أظهر إبليس- عليه اللعنة- الحسد، سعى فى الأذى، حتى كان سببا فى إخراج السيد آدم من الجنة، وما فهم الأبله أن آدم إذا خرج من الجنة كملت فضائله، ثم عاد إلى الجنة على أكمل من الحال الأول.

قالوا: وفيه إشارة، كأنه تعالى يقول: لو غفرت فى الجنة لما تبين كرمى، بأنى أغفر لنفس واحدة، بل أخرجه إلى الدنيا، وآتى بألوف من العصاة حتى أغفر له ولهم ليتبين جودى وكرمى. وأيضا: علم الله تعالى أن

(1) صحيح: أخرجه مسلم (2749) فى التوبة، باب: سقوط الذنوب بالاستغفار، من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-.

(2)

سورة الحجر: 34، 35.

ص: 53

فى صلبه الأولاد، والجنة ليست دار توالد، وأيضا: ليخرج من ظهره فى الدنيا من لا نصيب له فى الجنة.

يا هذا، الجنة إن شاء الله إقطاعنا. وقد وصل منشور الإقطاع مع جبريل عليه الصلاة والسلام إلى نبينا- صلى الله عليه وسلم وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ «1» ، إنما يخرج الإقطاع عمن خرج عن الطاعة، نسأل الله التوفيق.

وقد اختلف فى الجنة التى سكنها آدم.

فقيل: هى جنة الخلد.

وقيل غيرها، جعلها الله دار ابتلاء، لأن جنة الخلد إنما يدخل إليها يوم القيامة، ولأنها دار جزاء وثواب لا دار تكليف وأمر ونهى، ودار سلامة لا دار ابتلاء، وامتحان، ودار قرار لا دار انتقال.

واحتج القائلون بأنها جنة الخلد، بأن الدخول العارض قد يقع قبل يوم القيامة، وقد دخلها نبينا- عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء، وبأن ما ذكروه من أن الجنة لا يوجد فيها ما وجده آدم من الحزن والنصب فإنما هو إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، كما يدل عليه سياق الآيات كلها، فإن نفى ذلك مقرون بدخول المؤمنين إياها، والله أعلم، انتهى.

وروى أنه لما خرج آدم من الجنة رأى مكتوبا على ساق العرش وعلى كل موضع فى الجنة اسم محمد- صلى الله عليه وسلم مقرونا باسم الله تعالى، فقال يا رب هذا محمد من هو؟ فقال الله: هذا ولدك الذى لولاه ما خلقتك. فقال: يا رب بحرمة هذا الولد ارحم هذا الوالد، فنودى: يا آدم، لو تشفعت إلينا بمحمد فى أهل السماوات والأرض لشفعناك «2» .

وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «لما اقترف آدم

(1) سورة البقرة: 25.

(2)

ضعيف: لا أصل له.

ص: 54

الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لى، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: لأنك يا رب لما خلقتنى بيدك، ونفخت فىّ من روحك، رفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلىّ، وإذ سألتنى بحقه قد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك» «1» . رواه البيهقى فى دلائله من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال تفرد به عبد الرحمن ورواه الحاكم وصححه، وذكره الطبرانى وزاد فيه: وهو آخر الأنبياء من ذريتك.

وفى حديث سلمان عند ابن عساكر قال: «هبط جبريل على النبى صلى الله عليه وسلم فقال: إن ربك يقول: إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا، فقد اتخذتك حبيبا، وما خلقت خلقا أكرم على منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندى، ولو لاك ما خلقت الدنيا» «2» .

ولله در سيدى على وفا «3» حيث قال فى قصيدته التى أولها:

سكن الفؤاد فعش هنيئا يا جسد

هذا النعيم هو المقيم إلى الأبد

روح الوجود حياة من هو واجد

لولاه ما تم الوجود لمن وجد

عيسى وآدم والصدور جميعهم

هم أعين هو نورها لما ورد

لو أبصر الشيطان طلعة نوره

فى وجه آدم كان أول من سجد

أو لو رأى النمروذ نور جماله

عبد الجليل مع الخليل ولا عند «4»

لكن جمال الله جل فلا يرى

إلا بتخصيص من الله الصمد

(1) ضعيف: أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (5/ 489) ، والحاكم فى «مستدركه» (2/ 672) بسند ضعيف.

(2)

ضعيف: وانظر «تهذيب تاريخ دمشق» لابن عساكر (1/ 323) .

(3)

هو: على بن محمد بن محمد بن وفا، أبو الحسن القرشى الأنصارى الشاذلى، أحد المتصوفة، مات سنة (87 هـ) .

(4)

قلت: صدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم حينما قال: «فإن لو تفتح عمل الشيطان» صحيح: أخرجه مسلم (2664) فى القدر، وأراه قد عمل فعلته مع هذا القائل.

ص: 55