الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل العاشر فى ذكر من وفد عليه صلى الله عليه وسلم وزاده فضلا وشرفا لديه
«1»
قال النووى: الوفد، الجماعة المختارة للتقدم فى لقاء العظماء، واحدهم: وافد، انتهى.
وقد كان ابتداء الوفود عليه بعد رجوعه- صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فى آخر سنة ثمان وما بعدها، وقال ابن إسحاق: بعد غزوة تبوك، وقال ابن هشام:
كانت سنة تسع تسمى سنة الوفود.
وقد سرد محمد بن سعد فى الطبقات الوفود، وتبعه الدمياطى فى السيرة له، وابن سيد الناس، ومغلطاى، والحافظ زين الدين العراقى.
ومجموع ما ذكروه يزيد على الستين.
فقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد هوازن «2» ، كما ذكره البخارى وغيره، وذكر موسى بن عقبة فى المغازى: أن رسول الله لما انصرف من الطائف فى شوال إلى الجعرانة وفيها السبى- يعنى سبى هوازن- قدمت عليه وفود هوازن مسلمين، فيهم تسعة نفر من أشرافهم فأسلموا وبايعوا، ثم كلموه فقالوا: يا رسول الله، إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات، فقال:
«سأطلب لكم، وقد وقعت المقاسم، فأى الأمرين أحب إليكم، السبى أم المال» قالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين الحسب والمال، فالحسب أحب إلينا، ولا نتكلم فى شاة ولا بعير، فقال:«أما الذى لبنى هاشم فهو لكم، وسوف أكلم لكم المسلمين فكلموهم وأظهروا إسلامكم» .
(1) انظر «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 595- 687) .
(2)
انظره فى «صحيح البخارى» (4319) فى المغازى، باب: قول الله تعالى وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ الآية، من حديث مروان والمسور بن مخرمة- رضى الله عنهما-.
فلما صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم الهاجرة قاموا، فتكلم خطباؤهم فأبلغوا ورغبوا إلى المسلمين فى رد سبيهم، ثم قام رسول الله- صلى الله عليه وسلم حين فرغ، فشفع لهم وحض المسلمين عليه، وقال:«قد رددت الذى لبنى هاشم عليهم» «1» ، وفى رواية ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:
وأدركه وفد هوازن بالجعرانة، وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك. فامنن علينا منّ الله عليك، وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله، إن اللواتى فى الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، وأنت خير مكفول ثم أنشد:
امنن علينا رسول الله فى كرم
…
فإنك المرء نرجوه وندخر
الأبيات المشهورة الآتية- إن شاء الله تعالى-.
وروينا فى المعجم الصغير للطبرانى من ثلاثياته، عن زهير بن صرد الجشمى يقول: لما أسرنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم يوم حنين- يوم هوازن- وذهب يفرق السبى والشاء أتيته فأنشأت أقول هذا الشعر:
امنن علينا رسول الله فى كرم
…
فإنك المرء نرجوه وندخر
امنن على بيضة قد عاقها قدر
…
مشتت شملها فى دهرها غير
أبقت لنا الدهر هتافا على حزن
…
على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركهم نعماء تنشرها
…
يا أرجح الناس حلما حين تختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها
…
إذ فوك تملؤه من مخضها الدرر
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها
…
وإذ يزينك ما تأتى وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته
…
واستبق منا فإنا معشر زهر
إنا لنشكر للنعماء إذ كفرت
…
وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه
…
من أمهاتك إن العفو مشتهر
يا خير من مرحمت كمت الجياد به
…
عند الهياج إذا ما استوقد الشرر
(1) انظر «دلائل النبوة» للبيهقى (5/ 190- 200) .
إنا نؤمل عفوا منك تلبسه
…
هادى البرية إذ تعفو وتنتصر
فاعفو عفا الله عما أنت راهبه
…
يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر
قال: فلما سمع النبى- صلى الله عليه وسلم هذا الشعر قال: «ما كان لى ولعبد المطلب فهو لكم» وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله «1» .
ومن بين الطبرانى وزهير لا يعرف، لكن يقوى حديثه بالمتابعة المذكورة، فهو حديث حسن، وقد وهم من زعم أنه منقطع. وقد زاد الطبرانى على ما أورده ابن إسحاق خمسة أبيات.
وذكر الواقدى: أن وفد هوازن كانوا أربعة وعشرين بيتا، فيهم أبو برقان السعدى، فقال: يا رسول الله، إن هذه لأمهاتك وخالاتك وحواضنك ومرضعاتك فامنن علينا منّ الله عليك، فقال:«قد استأنيت «2» بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسمت السبى» «3» .
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف، بعد قدومه- صلى الله عليه وسلم من تبوك، وكان من أمرهم أنه- صلى الله عليه وسلم لما انصرف من الطائف قيل له: يا رسول الله ادع على ثقيف، فقال:«اللهم اهد ثقيفا وائت بهم» «4» .
ولما انصرف عنهم، اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فلما أشرف على علية له، وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله.
ثم أقامت ثقيف بعد قتله أشهرا، ثم ائتمروا بينهم ورأوا أنهم لا طاقة
(1) انظر المصدر السابق.
(2)
استأنيت: انتظرت.
(3)
انظر «فتح البارى» (8/ 34) .
(4)
تقدم فى غزوة الطائف.
لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا، وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
فبعثوا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومعه اثنان من الأحلاف: الحكم ابن عمرو بن وهب بن معتب بن مالك، وشرحبيل بن غيلان، وثلاثة من بنى مالك: عثمان بن أبى العاص، وأوس بن عوف، ونمير بن خرشة، فلما قدموا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم ضرب لهم قبة فى ناحية المسجد، وكان خالد ابن سعيد بن العاصى هو الذى يمشى بينهم وبين رسول الله- صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا واكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذى كتبه، وكان فيما سألوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية- وهى اللات- لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى عليهم- صلى الله عليه وسلم إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها.
وكانوا سألوه مع ذلك أن يعفيهم من الصلاة، وألايكسروا أوثانهم إلا بأيديهم، فقال- صلى الله عليه وسلم:«كسروا أوثانكم بأيديكم وأما الصلاة فلا خير فى دين لا صلاة فيه» «1» فلما أسلموا وكتب لهم الكتاب أمّر عليهم عثمان بن أبى العاص وكان من أحدثهم سنّا، لكنه كان من أحرصهم على التفقه فى الإسلام وتعلم القرآن.
فرجعوا إلى بلادهم ومعهم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية، فلما دخل المغيرة عليها علاها يضربها بالمعول، وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها، وأخذ المغيرة بعد أن كسرها مالها وحلبها.
وكان كتاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم الذى كتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المؤمنين: إن عضاه وج وصيده حرام لا يعضد، ومن وجد يفعل شيئا من ذلك فإنه يجلد، وتنزع ثيابه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ النبى محمدا، وإن هذا أمر النبى محمد رسول الله، وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله، فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله.
(1) انظر خبرهم فى سنن أبى داود (3025 و 3026) فى الخراج والإمارة والفىء، باب: ما جاء فى خبر الطائف.
و «وج» : واد بالطائف. واختلف فيه: هل هو حرم يحرم صيده وقطع شجره؟
فالجمهور: أنه ليس فى البقاع حرم إلا حرم مكة والمدينة. وخالفهم أبو حنيفة فى حرم المدينة.
وقال الشافعى- فى أحد قوليه- وج حرم، يحرم صيده وشجره، واحتج لهذا القول بحديثين: أحدهما: ما تقدم، والثانى: حديث عروة بن الزبير عن أبيه أن النبى- صلى الله عليه وسلم قال: «إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله» «1» رواه الإمام أحمد وأبو داود. لكن فى سماع عروة من أبيه نظر، وإن كان قد رآه.
وفى مغازى المعتمر بن سليمان التيمى عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفى عن عمه عمرو بن أوس عن عثمان بن أبى العاص، قال: استعملنى رسول الله- صلى الله عليه وسلم وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أنى كنت قرأت سورة البقرة، فقلت: يا رسول الله، إن القرآن يتفلت منى، فوضع يده على صدرى وقال:«يا شيطان اخرج من صدر عثمان» «2» ، فما نسيت شيئا بعده أريد حفظه.
وفى صحيح مسلم، عن عثمان بن أبى العاص، قلت: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بينى وبين صلاتى وقراءتى، فقال:«ذلك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا» قال: ففعلت فأذهبه الله عنى «3» .
وقدم وفد بنى عامر «4» عليه- صلى الله عليه وسلم، قال ابن إسحاق: لما فرغ- صلى الله عليه وسلم
(1) ضعيف: أخرجه أبو داود (2032) فى المناسك، باب: فى مال الكعبة، وأحمد فى «مسنده» (1/ 165) بسند ضعفه الشيخ الألبانى فى «ضعيف سنن أبى داود» .
(2)
قلت: فى إسناده عبد الله بن عبد الرحمن، قال عنه الحافظ فى «التقريب» : صدوق يخطىء ويهم، وذكره الهيثمى فى «المجمع» (9/ 3) وقال: رواه الطبرانى وفيه عثمان بن بسر، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
(3)
صحيح: أخرجه مسلم (2203) فى السلام، باب: التعوذ من شيطان الوسوسة.
(4)
انظر «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 568- 569) .
من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، فدخلوا فى دين الله أفواجا يضربون إليه من كل وجه.
فوفد إليه- صلى الله عليه وسلم بنو عامر، فيهم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس وخالد بن جعفر، وحيان بن أسلم بن مالك، وكان هذا النفر رؤساء القوم وشياطينهم، فقدم- عدو الله- عامر بن الطفيل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن يغدر به، فقال لأربد إذا قدمنا على الرجل فإنى شاغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فأعله بالسيف فكلم عامر رسول الله- صلى الله عليه وسلم وقال: والله لأملأنها عليك خيلا ورجلا، فلما ولى قال- صلى الله عليه وسلم:«اللهم اكفنى عامر بن الطفيل» «1» .
فلما خرجوا، قال عامر لأربد: ويحك، أينما كنت أمرتك به؟ فقال:
والله ما هممت بالذى أمرتنى به إلا دخلت بينى وبينه، أفأضربك بالسيف؟
ولما كانوا ببعض الطريق بعث الله تعالى على عامر بن الطفيل الطاعون فى عنقه فقتله الله.
وفى صحيح البخارى: أن عامرا أتى النبى- صلى الله عليه وسلم فقال: أخيرك بين ثلاث خصال، يكون لك أهل السهل، ولى أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء. فطعن فى بيت امرأة فقال: أغدة كغدة البكر فى بيت امرأة من بنى فلان. ائتونى بفرسى فركب فمات على ظهر فرسه «2» .
وقدم وفد عبد القيس «3» عليه، زاده الله فضلا وشرفا لديه وهى قبيلة كبيرة يسكنون البحرين ينسبون إلى عبد القيس بن أفصى- بسكون الفاء بعدها مهملة بوزن أعمى- ابن دعمى- بضم الدال وسكون العين المهملتين وكسر الميم بعدها تحتانية-.
(1) ذكره البيهقى فى «دلائل النبوة» (5/ 319) .
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (4091) فى المغازى، باب: غزوة الرجيع.
(3)
انظر «دلائل النبوة» للبيهقى (5/ 320) ، و «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 238) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 605- 606) .
وفى الصحيحين من حديث ابن عباس: (قدم وفد عبد القيس على رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال: «ممن القوم» قالوا: من ربيعة، قال: «مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى» فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا فى شهر حرام، فمرنا بأمرنا فصل، نأخذ به ونأمر به من وراءنا، وندخل به الجنة. قال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان؟ شهادة ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن أربع: عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت، فاحفظوهن وادعوا إليهن من وراءكم» )«1» .
قال ابن القيم: ففى هذه القصة أن الإيمان بالله مجموع هذه الخصال من القول والعمل، كما علي ذلك أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم والتابعون وتابعوهم كلهم، ذكر ذلك الشافعى فى المبسوط، وعلى ذلك ما يقارب مائة دليل من الكتاب والسنة، ولم يعد الحج من هذه الخصال، وكان قدومهم فى سنة تسع، وهذا أحد ما يحتج به على أن الحج لم يكن فرض بعد، وأنه إنما فرض فى العاشرة، ولو كان فرض لعده من الإيمان كما عد الصوم والزكاة.
انتهى.
وقد كان لعبد القيس وفدتان:
إحداهما: قبل الفتح، ولهذا قالوا له- صلى الله عليه وسلم: حال بيننا وبينك كفار مضر، وكان ذلك قديما، إما سنة خمس أو قبلها، وكانت قريتهم بالبحرين، وكان عدد الوفد الأول ثلاثة عشر رجلا، وقيل كانوا أربعة عشر راكبا، وفيها سألوه عن الإيمان، وعن الأشربة، وكان فيهم الأشج، وكان كبيرهم، وقال له صلى الله عليه وسلم:«إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة» «2» . رواه مسلم من حديث أبى سعيد.
(1) صحيح: أخرجه البخارى (53) فى الإيمان، باب: أداء الخمس من الإيمان، ومسلم (17) فى الإيمان، باب: الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله- صلى الله عليه وسلم وشرائع الدين.
(2)
صحيح: أخرجه مسلم (17)(25) فيما تقدم، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-، وليس أبى سعيد كما ذكر المصنف.
وأخرج البيهقى: بينما النبى- صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه قال: «سيطلع عليكم من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق» فقام عمر نحوهم، فلقى ثلاثة عشر راكبا، فبشرهم بقوله- صلى الله عليه وسلم ثم مشى معهم حتى أتى النبى- صلى الله عليه وسلم، فرموا بأنفسهم عن ركائبهم، فأخذوا يده فقبلوها «1» الحديث وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد. فيمكن أن يكون أحد المذكورين غير راكب أو مرتدفا.
وثانيهما: كانت فى سنة الوفود وكان عددهم حينئذ أربعين رجلا، كما فى حديث أبى خيرة الصباحى عند ابن منده.
ويؤيد التعدد: ما أخرجه من وجه آخر أنه- صلى الله عليه وسلم قال لهم: «ما لى أرى ألوانكم تغيرت» «2» ففيه إشعار بأنه كان رآهم قبل التغير، وفى قولهم:
يا رسول الله، دليل على أنهم كانوا حين المقالة مسلمين، وكذا فى قولهم كفار مضر، وقولهم: الله ورسوله أعلم.
ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضا، ما فى البخارى: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة فى مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم فى مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين وهى قرية لهم «3» ، وإنما جمّعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، وقال فى فتح البارى: فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام.
وما جزم به ابن القيم من أن السبب فى كونه لم يذكر الحج فى الحديث، لأنه لم يكن فرض، هو المعتمد. وقدمت الدليل على قدم إسلامهم، لكن جزمه تبعا للواقدى بأن قدومهم كان فى سنة تسع قبل فتح مكة ليس بجيد، لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح، لكنه اختار كغيره- أن فرض الحج فى السنة العاشرة، حتى لا يرد على مذهبه أنه على الفور شىء.
وقد احتج الشافعى لكونه على التراخى بأن فرض الحج كان بعد
(1) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (5/ 327) .
(2)
ذكره الحافظ ابن حجر فى «الفتح» (8/ 86) .
(3)
انظر «صحيح البخارى» (892) فى الجمعة، باب: الجمعة فى القرى والمدن.
الهجرة، وأنه- صلى الله عليه وسلم كان قادرا على الحج فى سنة ثمان، وفى سنة تسع، ولم يحج إلا فى سنة عشر، وسيأتى فى حجه- صلى الله عليه وسلم من مقصد عباداته مزيد لذلك إن شاء الله تعالى.
فإن قلت كيف قال- صلى الله عليه وسلم آمركم بأربع، والمذكورات خمس؟ قلت أجاب القاضى [عياض] «1» تبعا لابن بطال: بأن الأربع، ما عدا أداء الخمس، قال: وكأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد، لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها بعينها لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين. قال: ولذلك لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض.
وقال غيره: وقوله «وأن تعطوا» معطوف على قوله «بأربع» أى: آمركم بأربع وبأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع والإتيان: بأن والفعل، مع توجيه الخطاب إليهم.
وقال القاضى أبو بكر بن العربى: يحتمل أن يقال: إنه- صلى الله عليه وسلم عد الصلاة والزكاة واحدة لأنها قرينتها فى كتاب الله، وتكون الرابعة أداء الخمس، أو أنه لم يعد الخمس لأنه داخل فى عموم إيتاء الزكاة والجامع بينهما: أنه إخراج مال معين.
وقال البيضاوى: الظاهر أن الأمور الخمسة هنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الآخرى حذفها الراوى اختصارا أو نسيانا.
وتعقب بأنه وقع فى صحيح البخارى أيضا فى رواية: «آمركم بأربع:
شهادة ألاإله إلا الله، وعقد واحدة» فدل على أن الشهادة إحدى الأربع.
وقال القرطبى: قيل إن أول الأربع المأمور بها: إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركا، وإلى هذا نحا الطيبى، فقال عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبا لغرض جعلوا سياقه له، وطرحوا ما عداه، وهنا لم يكن الغرض فى
(1) فى الأصل عبد الوهاب، والصواب ما أثبتناه نقلا عن «فتح البارى» للحافظ ابن حجر (1/ 133) المصدر المنقول منه.
الإيراد ذكر الشهادتين لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتى الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر فى صدر الإسلام.
قال: ولهذا لم يعد الشهادتين فى الأوامر «1» ، انتهى ملخصا من فتح البارى.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد بنى حنيفة «2» ، فيهم مسيلمة الكذاب، فكان منزلهم فى دار امرأة من الأنصار، من بنى النجار، فأتوا بمسيلمة إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه، فى يده عسيب من سعف النخل، فلما انتهى إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهم يسترونه بالثياب- كلمه وسأله، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«لو سألتنى هذا العسيب الذى فى يدى ما أعطيتك» «3» .
وذكر حديثه ابن إسحاق على غير ذلك فقال: حدثنى شيخ من أهل اليمامة من بنى حنيفة: أن وفد بنى حنيفة أتوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة فى رحالهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلفنا صاحبا لنا فى رحالنا وركابنا يحفظها لنا، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أمر به للقوم، وقال لهم «إنه ليس بشركم مكانا» يعنى لحفظه صنيعة أصحابه، ثم انصرفوا، فلما قدموا اليمامة ارتد- عدو الله- وتنبأ وقال: إنى أشركت فى الأمر معه، ثم جعل يسجع السجعات، فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشى.
وسجع اللعين على سورة إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ «4» فقال: إنا أعطيناك
(1) انظر المصدر السابق.
(2)
انظر «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 576- 577) ، و «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 316) ، و «دلائل النبوة» للبيهقى (5/ 330) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 610- 611) .
(3)
صحيح: أخرجه البخارى (3621) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام، ومسلم (2273) فى الرؤيا، باب: رؤيا النبى- صلى الله عليه وسلم، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.
(4)
سورة الكوثر: 1.
الجواهر، فصل لربك وهاجر، إن مبغضك رجل فاجر. وفى رواية: إنا أعطيناك الجماهر فخذ لنفسك وبادر، واحذر أن تحرص أو تكاثر، وفى رواية:
إنا أعطيناك الكواثر فصل لربك وبادر فى الليالى الغوادر.
ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب، وسيأتى فى أوائل مقصد معجزاته- صلى الله عليه وسلم من تسجيع مسيلمة الركيك مزيد لذلك على ما ذكرته هنا- إن شاء الله تعالى-.
وقيل: إنه أدخل البيضة فى القارورة وادعى أنها معجزة له، فافتضح بنحو ما ذكر:
أن النوشادر إذا ضرب فى خل الخمر ضربا جيدا، وجعلت فى بيضة بنت يومها يوما وليلة فإنها تمتد كالخيط، فتجعل فى القارورة ويصب عليها الماء البارد فإنها تجمد.
ولما سمع اللعين أن النبى- صلى الله عليه وسلم مسح رأس صبى كان ألمّ به داء فشفى ومج فى بئر فكثر ماؤها، وتفل فى عين على- وكان أرمد- فبرىء.
فتفل اللعين فى بئر فغار ماؤها، وفى عين بصير فعمى، ومسح بيده ضرع شاة حلوب فارتفع درها. ويبس ضرعها، ولله در الشقراطيسى حيث يقول يخاطب النبى- صلى الله عليه وسلم:
أعجزت بالوحى أرباب البلاغة فى
…
عصر البيان فضلّت أوجه الحيل
سألتهم سورة فى مثل حكمته
…
فتلّهم عنه حين العجز حين تلى
فرام رجس كذوب أن يعارضه
…
بعى غى فلم يحسن ولم يطل
مثبج بركيك الإفك ملتبس
…
ملجلج بزرى الزور والخطل
يمج أول حرف سمع سامعه
…
ويعتريه كلال العجز والملل
كأنه منطق الورهاء شذّ به
…
لبس من الخبل أو مس من الخبل
أمرت البئر واغورت لمجته
…
فيها وأعمى بصير العين بالتفل
وأيبس الضرع منه شؤم راحته
…
من بعد إرسال رسل منه منهمل
فشبه هذا الكلام الذى عارض به مسيلمة، بكلام امرأة ورهاء، وهى الحمقاء التى تتكلم لحمقها بما لا يفهم، فهى تهذى بكلام مشذب- أى مختلط- لا يقترن بعضه ببعض، ولا يشبه بعضه بعضا ككلام من به خبل بسكون الموحدة- أى فساد، أو مس من الخبل- بفتحها- أي جنون.
ثم إن اللعين وضع عن قومه الصلاة، وأحل لهم الخمر والزنا، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله- صلى الله عليه وسلم أنه نبى.
وقد كان كتب لرسول الله- صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإنى قد أشركت معك فى الأمر، وإن لنا نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر.
فقدم على رسول الله- صلى الله عليه وسلم رسوله بهذا الكتاب، فكتب إليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
وفى الصحيحين من حديث نافع بن جبير عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على رسول الله- صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: إن جعل لى محمد الأمر من بعده اتبعته، وقدمها فى بشر كثير من قومه، فأقبل النبى- صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفى يد النبى- صلى الله عليه وسلم قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة فى أصحابه، فقال:«لو سألتنى هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإنى لأراك الذى أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عنى» ثم انصرف «1» .
قال ابن عباس: فسألت عن قول النبى- صلى الله عليه وسلم: «إنك الذى أريت فيه ما رأيت» فأخبرنى أبو هريرة أن النبى- صلى الله عليه وسلم قال: «بينا أنا نائم رأيت فى يدى سوارين من ذهب فأهمنى شأنهما فأوحى الله إلى فى المنام أن أنفخهما،
(1) صحيح: وهو لفظ الحديث السابق بتمامه.
فنفختهما فطارا، فأولتهما: كذابين يخرجان من بعدى، فهذان هما: أحدهما العنسى صاحب صنعاء والآخر مسيلمة» «1» .
فإن قلت: كيف يلتئم خبر ابن إسحاق مع الحديث الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم اجتمع به وخاطبه، وصرح بحضرة قومه أنه لو سأله القطعة من الجريدة ما أعطاه.
فالجواب: إن المصير إلى ما فى الصحيح أولى.
ويحتمل أن يكون مسيلمة قدم مرتين، الأولى كان تابعا وكان رئيس بنى حنيفة غيره، ولهذا أقام فى حفظ رحالهم، ومرة متبوعا، وفيها خاطبه النبى صلى الله عليه وسلم.
أو القصة واحدة، وكانت إقامته فى رحالهم باختياره أنفة منه واستكبارا أن يحضر مجلس النبى- صلى الله عليه وسلم، وعامله- صلى الله عليه وسلم معاملة الكرم على عادته فى الاستئلاف فقال لقومه:«إنه ليس بشركم» أى مكانا، لكونه يحفظ رحالهم، وأراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل، فلما لم يفد فى مسيلمة توجه بنفسه إليه ليقيم عليه الحجة ويعذر إليه بالإنذار. والعلم عند الله تعالى.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد طىء «2» وفيهم زيد الخيل وهو سيدهم، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم. وقال- صلى الله عليه وسلم:«ما ذكر لى رجل من العرب بفضل ثم جاءنى إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه» ثم سماه زيد الخير. فخرج راجعا إلى قومه، فلما انتهى إلي ماء من مياه نجد أصابته الحمى بها فمات «3» .
قال ابن عبد البر: وقيل مات فى آخر خلافة عمر. وله ابنان: مكنف
(1) صحيح أخرجه البخارى (4374) فى المغازى، باب: وفد بنى حنيفة، ومسلم (2273) فى الرؤيا، باب: رؤيا النبى- صلى الله عليه وسلم.
(2)
انظر «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 577- 578) ، وابن سعد فى «طبقاته» (1/ 321) ، وابن القيم فى «زاد المعاد» (3/ 616) .
(3)
أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (5/ 337) .
وحريث، أسلما وصحبا رسول الله- صلى الله عليه وسلم، وشهد قتال أهل الردة مع خالد.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد كنده «1» فى ثمانين أو ستين راكبا من كنده، فدخلوا عليه مسجده، قد رجّلوا جممهم وتسلحوا، ولبسوا جباب الحبرات مكففة بالحرير، فلما دخلوا قال- صلى الله عليه وسلم:«أو لم تسلموا» قالوا: بلى، قال:
«فما هذا الحرير فى أعناقكم فشقوه فنزعوه وألقوه» «2» .
وقدم عليه- زاده الله شرفا لديه- الأشعريون وأهل اليمن.
قيل هو من عطف الخاص على العام، وقال الحافظ أبو الفضل شيخ الإسلام ابن حجر: المراد بهم بعض أهل اليمن، وهم وفد حمير. قال:
ووجدت فى كتاب الصحابة لابن شاهين من طريق إياس بن عمرو الحميرى:
أنه قدم وافدا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم فى نفر من حمير فقالوا: أتيناك لنتفقه فى الدين الحديث.
والحاصل: أن الترجمة تشتمل على طائفتين، وليس المراد اجتماعهما فى الوفادة، فإن قدوم الأشعرين كان مع أبى موسى فى سنة سبع عند فتح خيبر، وقدوم حمير كان فى سنة تسع، وهى سنة الوفود، ولهذا اجتمعوا مع بنى تميم.
وروى يزيد بن هارون عن حميد عن أنس أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال:
«يقدم عليكم قوم هم أرق منكم قلوبا» «3» فقدم الأشعريون فجعلوا يرتجزون:
غدا نلقى الأحبه
…
محمدا وحزبه
(1) انظر «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 585) ، و «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 328) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 617) .
(2)
انظر المصادر السابقة.
(3)
صحيح: أخرجه أحمد فى «مسنده» (3/ 105 و 155 و 182 و 223 و 262) بسند صحيح.
وعن أبي هريرة- رضى الله عنه- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم يقول: «جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وأضعف قلوبا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية والسكينة فى أهل الغنم، والفخر والخيلاء فى الفدادين أهل الوبر قبل مطلع الشمس» «1» رواه مسلم.
وفى البخارى: إن نفرا من بنى تميم جاؤا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال: «أبشروا يا بنى تميم» فقالوا: بشرتنا فأعطنا، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء نفر من أهل اليمن، فقال:«اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم» قالوا: قد قبلنا، ثم قالوا: يا رسول الله جئنا لنتفقه فى الدين ونسألك عن هذا الأمر، فقال:«كان الله ولم يكن شىء غيره وكان عرشه على الماء وكتب فى الذكر كل شىء» «2» .
وقوله: وجاء نفر من أهل اليمن، هم الأشعريون قوم أبي موسى.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم صرد بن عبد الله الأزدى «3» ، فأسلم وحسن إسلامه، فى وفد من الأزد فأمّره- صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم أهل الشرك من قبائل اليمن.
فخرج صرد يسير بأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم حتى نزل بجرش، وبها قبائل من قبائل العرب، فحاصروهم فيها قريبا من شهر، وامتنعوا فيها، فرجع عنهم قافلا، حتى إذا كان فى جبل لهم وظنوا أنه إنما ولى عنهم منهزما خرجوا فى طلبه، حتى أدركوه عطف عليهم فقتله قتلا شديدا.
وكان أهل جرش بعثوا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم رجلين منهم، فبينما هما عنده- صلى الله عليه وسلم عشية فقال لهما- عليه السلام:«إن بدن الله لتنحر عند شكر» أى
(1) صحيح: أخرجه البخارى (4388) فى المغازى، باب: قدوم الأشعريين وأهل اليمن، ومسلم (52) فى الإيمان، باب: تفاضل أهل الإيمان فيه، ورجحان أهل اليمن فيه.
(2)
صحيح: أخرجه البخارى (3190- 3192) فى بدء الخلق، باب: ما جاء فى قوله الله تعالى وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ من حديث عمران بن حصين- رضى الله عنه-.
(3)
انظر «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 587- 588) ، و «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 337) .
المكان الذى وقع به قتل قومهم، قال: فجلس الرجلان إلى أبى بكر وعثمان فقالا لهما إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم ينعى لكما قومكما.
فخرجا إلى قومهما فوجداهم قد أصيبوا فى اليوم الذى قال فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم ما قال، وفى الساعة التى ذكر فيها ما ذكر.
فخرج وفد جرش حتى قدموا عليه- صلى الله عليه وسلم فأسلموا وحمى لهم حمى حول قريتهم.
وفد بنى الحارث بن كعب «1» . قال ابن إسحاق: بعث- صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فى شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بنى الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم.
فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون فى كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه.
فأقام خالد يعلمهم الإسلام وكتب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم بذلك. ثم أقبل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم ومعه وفدهم، منهم: قيس بن الحصين، ويزيد ابن المحجل، وشداد بن عبد الله.
وقال لهم- صلى الله عليه وسلم: «بم كنتم تغلبون من قاتلكم» قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم، قال:«صدقتم» «2» .
وأمر عليهم قيس بن الحصين، فرجعوا إلى قومهم فى بقية من شوال أو من ذى القعدة، فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى توفى رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد همدان فيهم: مالك بن النمط، وضمام بن مالك، وعمرو بن مالك، فلقوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك، وعليهم
(1) انظر «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 592- 594) ، و «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 339) .
(2)
ذكره ابن القيم فى «زاد المعاد» (3/ 622) .
مقطعات الحبرات والعمائم العدنية، على الرواحل المهرية والأرحبية، ومالك ابن النمط يرتجز بين يديه- صلى الله عليه وسلم. وذكروا له كلاما كثيرا حسنا فصيحا.
فكتب لهم- صلى الله عليه وسلم كتابا أقطعهم فيه ما سألوه، وأمر عليهم مالك بن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وأمره بقتال ثقيف. وكان لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه.
وروى البيهقى بإسناد صحيح عن البراء أن النبى- صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا، ثم إن النبى- صلى الله عليه وسلم بعث على بن أبى طالب فأمره أن يقفل خالدا إلا رجلا ممن كان مع خالد أن يعقب مع على.
فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا على، ثم صفنا صفّا واحدا، ثم تقدم بين أيدينا، فقرأ عليهم كتاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان جميعا، فكتب على إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم بإسلامهم. فلما قرأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال:«السلام على همدان، السلام على همدان» «1» وأصل الحديث فى صحيح البخارى.
وهذا أصح مما تقدم، ولم تكن همدان تقاتل ثقيفا ولا تغير على سرحهم، فإن همدان باليمن وثقيف بالطائف. قاله ابن القيم فى الهدى النبوى.
روى البيهقى عن النعمان بن مقرن قال: قدمنا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم أربعمائة رجل من مزينة، فلما أردنا أن ننصرف قال:«يا عمر زود القوم» قال: ما عندى إلا شىء من تمر ما أظنه يقع من القوم موقعا. قال: «انطلق فزودهم» قال: فانطلق بهم عمر فأدخلهم منزله ثم أصعدهم إلى علية، فلما دخلنا فإذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق، فأخذ القوم منه حاجتهم. قال
(1) أخرجه البيهقى فى «السنن الكبرى» (2/ 366) ، وفى «دلائل النبوة» (5/ 369) ، وأصله عند البخارى (4349) فى المغازى، باب: بعث على بن أبى طالب- رضى الله عنه- وخالد بن الوليد- رضى الله عنه- إلى اليمن.
النعمان: وكنت فى آخر من خرج، فنظرت: وما أفقد موضع تمرة من مكانها «1» .
وفد دوس «2» : وكان قدومهم عليه- صلى الله عليه وسلم بخيبر. قال ابن إسحاق:
كان الطفيل بن عمرو الدوسى يحدث أنه قدم مكة ورسول الله- صلى الله عليه وسلم بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا، فقالوا له: إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذى بين أظهرنا فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين المرء وابنه وبين المرء وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمع منه.
قال: فو الله ما زالوا بى حتى أجمعت ألاأسمع منه شيئا، ولا أكلمه، حتى حشوت فى أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا، فرقا من أن يبلغنى شىء من قوله.
قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم قائم يصلى عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعنى بعض قوله: فسمعت كلاما حسنا، فقلت: واثكل أماه. والله إنى لرجل لبيب شاعر، ما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان ما يقول حسنا قبلت، وإن كان قبيحا تركت.
قال: فمكثت حتى أتى- صلى الله عليه وسلم إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل بيته فقلت: يا محمد إن قومك قد قالوا لى كذا وكذا، فو الله ما برحوا يخوفونى أمرك حتى سددت أذنى بكرسف ألاأسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولا حسنا، فاعرض على أمرك.
فعرض على رسول الله- صلى الله عليه وسلم الإسلام، وتلا على القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة
(1) حسن: أخرجه أحمد فى «المسند» (5/ 445) بسند حسن.
(2)
انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 353) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 624) .
الحق، وقلت: يا رسول الله، إنى امرؤ مطاع فى قومى وإنى راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لى آية.
قال: فخرجت إلى قومى حتى إذا كنت بثنية تطلعنى على الحاضر، وقع نور بين عينى مثل المصباح، قال قلت: اللهم فى غير وجهى، إنى أخشى أن يقولوا إنها مثلة وقعت فى وجهى لفراق دينهم، قال: فتحول فوقع فى رأس سوطى كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية، حتى جئتهم وأصبحت فيهم، فلما نزلت أتانى أبى- وكان شيخا كبيرا- فقلت: إليك عنى يا أبت، فلست منى ولست منك، قال: ولم يا بنى؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال: يا بنى فدينى دينك، قال فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم تعال أعلمك ما علمت، قال فذهب فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم.
ثم أتتنى صاحبتى فقلت: إليك عنى فلست منك ولست منى، قالت:
لم؟ قلت: فرق الإسلام بينى وبينك، أسلمت وتابعت محمدا- صلى الله عليه وسلم، قالت: فدينى دينك فأسلمت.
ثم دعوت دوسا إلى الإسلام، فأبطئوا على فجئت رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبى الله إنه قد غلبنى على دوس الزنا، فادع الله عليهم، فقال:
«اللهم اهد دوسا» ثم قال «ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم» ، فرجعت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم بخيبر، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس. ثم لحقنا برسول الله- صلى الله عليه وسلم بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين «1» .
وهذا يدل على تقدم إسلامه، وقد جزم ابن أبى حاتم بأنه قدم مع أبى هريرة بخيبر، وكأنها قدمته الثانية.
(1) انظر «صحيح البخارى» (2937) فى الجهاد والسير، باب: الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم، ومسلم (2524) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل غفار وأسلم.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران «1» ، فلما دخلوا المسجد النبوى بعد العصر حانت صلاتهم، فقاموا يصلون فيه، فأراد الناس منعهم فقال صلى الله عليه وسلم دعوهم، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.
وكانوا ستين راكبا، منهم أربعة وعشرون رجلا من أشرافهم، والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم، العاقب، أمير القوم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم واسمه عبد المسيح. والسيد: صاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الأيهم- بتحتانية ساكنة- ويقال شرحبيل. وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، قد شرف فيهم ودرس كتبهم، وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه، وكان يعرف أمر النبى- صلى الله عليه وسلم وشأنه وصفته مما علمه من الكتب المتقدمة. ولكن حمله جهله على الاستمرار فى النصرانية، لما يرى من تعظيمه ووجاهته عند أهلها.
فدعاهم النبى- صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا، فقال:
«إن أنكرتم ما أقول فهلم أباهلكم» «2» .
وفى البخارى من حديث حذيفة، (جاء السيد والعاقب صاحبا نجران إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه- يعنى يباهلاه- فقال أحدهما لا تفعل)«3» .
وعند أبى نعيم: أن القائل ذلك هو السيد، وعند غيره: بل الذى قال ذلك هو العاقب، لأنه صاحب رأيهم، وفى زيادات يونس بن بكير فى المغازى أن الذى قال ذلك هو شرحبيل.
(فو الله لئن كان نبيّا فلاعناه- يعى: باهلناه- لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا- زاد فى رواية ابن مسعود: أبدا- ثم قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث
(1) انظر «السيرة النبوية» لابن هشام (1/ 573- 574) ، وابن سعد فى «طبقاته» (1/ 357) ، وابن القيم فى «زاد المعاد» (3/ 629) .
(2)
انظر المصادر السابقة.
(3)
صحيح: أخرجه البخارى (4380) فى المغازى، باب: قصة أهل نجران.
معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا، فقال:«لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين» فاستشرف لها أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال: «قم يا أبا عبيدة ابن الجراح» فلما قام قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «هذا أمين هذه الأمة» «1» .
وفى رواية يونس بن بكير أنه صالحهم على ألفى حلة، ألف فى رجب وألف فى صفر، ومع كل حلة أوقية، وساق الكتاب الذى بينهم مطولا.
وذكر ابن سعد: أن السيد والعاقب رجعا بعد ذلك وأسلما. وفى ذلك مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة. ووقع ذلك لجماعة من العلماء سلفا وخلفا، ومما عرف بالتجربة أن من باهل وكان مبطلا لا تمضى عليه سنة من يوم المباهلة.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم رسول فروة بن عمرو الجذامى ملك الروم وكان منزله معان- بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، ولما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه ثم صلبوه على ماء بفلسطين، وضربوا عنقه على ذلك الماء «2» .
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم ضمام بن ثعلبة، بعثه بنو سعد بن بكر «3» .
روى البخارى من حديث أنس بن مالك قال، (بينما نحن جلوس مع النبى- صلى الله عليه وسلم فى المسجد دخل رجل على جمل فأناخه فى المسجد ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد؟ والنبى- صلى الله عليه وسلم متكىء بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكىء، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: «قد أجبتك» . فقال: إنى سائلك فمشدد عليك فى المسألة فلا تجد على فى نفسك. فقال: «سل عما بدا لك» . فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال:«اللهم نعم» فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلى الصلوات الخمس فى اليوم والليلة؟ قال:«اللهم نعم» .
(1) صحيح: وهو تتمة الحديث السابق.
(2)
انظر «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 592) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 646) .
(3)
انظر «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 573، 574) ، و «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 299) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 647، 648) .
فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال:«اللهم نعم» . قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا. فقال النبى- صلى الله عليه وسلم:«اللهم نعم» .
فقال الرجل: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائى من قومى وأنا ضمام بن ثعلبة، أخو بنى سعد بن بكر) «1» .
وزاد ابن إسحاق فى مغازيه: فقال: آلله أمرك أن نعبده ولا نشرك به شيئا وأن نخلع هذه الأنداد التى كان آباؤنا يعبدون؟
فقال- صلى الله عليه وسلم: «اللهم نعم» .
قال: وكان ضمام رجلا جلدا أشقر ذا غديرتين، ثم أتى بعيره وأطلق عقاله ثم خرج حتى أتى قومه فاجتمعوا إليه، وكان أول ما تكلم به أن قال:
بئست اللات والعزى فقالوا: مه يا ضمام اتق البرص والجنون والجذام، قال:
ويلكم، إنهما لا يضران ولا ينفعان. إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به، وإنى أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإنى قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، فو الله ما أمسى فى ذلك اليوم فى حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما.
قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة «2» .
وفد طارق بن عبد الله وقومه «3» . روى البيهقى عن جامع بن شداد قال: حدثنى رجل يقال له طارق بن عبد الله قال: إنى لقائم بسوق ذى المجاز إذ أقبل رجل وهو يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة يقول: يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه، فقلت من
(1) صحيح: أخرجه البخارى (63) فى العلم، باب: ما جاء فى العلم.
(2)
انظر «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 573- 574) ، والمصادر السابقة قبل حديث.
(3)
انظر «دلائل النبوة» للبيهقى (5/ 380) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 648) .
هذا؟ فقالوا: هذا غلام من بنى هاشم يزعم أنه رسول الله. قال قلت: من هذا الذى يفعل به هذا؟ قالوا: هذا عمه عبد العزى.
قال: فلما أسلم الناس وهاجروا، خرجنا من الربذة نريد المدينة نمتار من تمرها، فلما دنونا من حيطانها قلنا: لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه، فإذا رجل فى طمرين له فسلم وقال: من أين أقبل القوم؟ قلنا: من الربذة، قال: وأين تريدون؟ قلنا: نريد المدينة، قال: ما حاجتكم فيها؟ قلنا: نتمار من تمرها، قال: ومعنا ظعينة لنا، ومعنا جمل أحمر مخطوم، فقال: أتبيعون جملكم هذا؟ قالوا: نعم بكذا وكذا صاعا من تمر، فأخذ بخطام الجمل فانطلق، فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها قلنا: ما صنعنا، والله ما بعنا جملنا ممن نعرف ولا أخذنا له ثمنا. قال: تقول المرأة التى معنا: والله لقد رأيت رجلا كأن وجهه قطعة القمر ليلة البدر، أنا ضامنة لثمن جملكم. وفى رواية ابن إسحاق قالت الظعينة: فلا تلاوموا، لقد رأيت وجه رجل لا يغدر بكم، ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، إذ أقبل رجل فقال: أنا رسول رسول الله إليكم، هذا تمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا، وأكلنا واستوفينا، ثم دخلنا المدينة، فلما دخلنا المسجد إذا هو قائم على المنبر يخطب الناس فأدركنا من خطبته وهو يقول:«تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد السفلى» .
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد تجيب «1» ، وهم من السكون، ثلاثة عشر رجلا، قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التى فرض الله عليهم، فسر عليه السلام بهم وأكرم منزلهم، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم، ثم جاؤا رسول الله- صلى الله عليه وسلم يودعونه فأمر بلالا فأجازهم بأرفع مما كان يجيز به الوفود.
قال: «هل بقى منكم أحد؟» قالوا: غلام خلفناه على رحالنا وهو أحدثنا سنّا، قال:«أرسلوه إلينا» فلما أقبل الغلام على رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال: يا
(1) بضم التاء وفتحها، بطن من كندة، وانظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 323) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 650) .
رسول الله، إن حاجتى ليست كحاجة أصحابى، وإن كانوا راغبين فى الإسلام، والله ما أخرجنى من بلادى إلا أن تسأل الله أن يغفر لى ويرحمنى وأن يجعل غناى فى قلبى، فقال- صلى الله عليه وسلم:«اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه فى قلبه» ثم أمر له بما أمر به لرجل من أصحابه. ثم انطلقوا راجعين إلى أهليهم.
ثم وافوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم بمنى سنة عشر، فقال:«ما فعل الغلام؟» قالوا: يا رسول الله ما رأينا مثله قط، ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها.
قدوم وفد بنى سعد هذيم من قضاعة «1» :
روى الواقدى عن ابن النعمان عن أبيه من سعد هذيم قال: قدمت على رسول الله- صلى الله عليه وسلم وافدا فى نفر من قومى، فنزلنا ناحية من المدينة ثم خرجنا نؤم المسجد الحرام، فقمنا ناحية ولم ندخل مع الناس فى صلاتهم حتى نلقى رسول الله- صلى الله عليه وسلم ونبايعه، ثم بايعناه- صلى الله عليه وسلم على الإسلام ثم انصرفنا إلى رحالنا.
وقد كنا خلفنا أصغرنا، فبعث- صلى الله عليه وسلم فى طلبنا فأتى بنا إليه، فتقدم صاحبنا إليه فبايعه على الإسلام، فقلنا يا رسول الله، إنه أصغرنا وخادمنا، فقال:«أصغر القوم خادمهم، بارك الله عليك» قال: فكان والله خيرنا وأقرأنا بدعاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم، ثم أمّره علينا، فكان يؤمنا مرجعنا إلى قومنا، فرزقهم الله الإسلام.
وقد بنى فزارة «2» : قال أبو الربيع بن سالم فى كتاب الاكتفاء: ولما رجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم من تبوك، قدم عليه وفد بنى فزارة، بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حصن، والحر بن قيس، ابن أخى عيينة بن حصن، وهو أصغرهم، مقرين بالإسلام، وهم مسنتون، على ركاب عجاف، فسألهم
(1) انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 329) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 652) .
(2)
انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 297) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 653) .
- صلى الله عليه وسلم عن بلادهم فقال أحدهم، يا رسول الله، أسنتت بلادنا وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا، فادع لنا ربك يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك.
فقال- صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله!! ويلك، هذا إنما شفعت إلى ربى- عز وجل: فمن ذا الذى يشفع ربنا إليه؟ لا إله إلا هو العلى العظيم، وسع كرسيه السماوات والأرض، فهى تئط من عظمته وجلاله، كما يئط الرحل الجديد» «1» .
وقال- صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل ليضحك من شفقكم وقرب غياثكم» .
فقال الأعرابى: يا رسول الله، ويضحك ربنا عز وجل؟ قال:«نعم» .
فقال الأعرابى: لن نعدمك من رب يضحك خيرا.
فضحك- صلى الله عليه وسلم من قوله وصعد المنبر فرفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه، وكان مما حفظ من دعائه:«اللهم اسق بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مربعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق. اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء» «2» ، الحديث رواه ابن سعد والبيهقى، ويأتى تمامه- إن شاء الله تعالى- فى الاستسقاء فى مقصد عباداته- صلى الله عليه وسلم.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد بنى أسد «3» ، عشرة رهط فيهم وابصة بن معبد، وطلحة بن خويلد، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه، فقال متكلمهم: يا رسول الله إنا شهدنا أن الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك ولم تبعث إلينا بعثا.
فأنزل الله تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «4» .
(1) أخرجه البيهقى فى «دلائل النبوة» (6/ 143) .
(2)
أخرجه ابن سعد فى «الطبقات الكبرى» (1/ 297) .
(3)
انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 292) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 654) .
(4)
سورة الحجرات: 17.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد بهراء «1» من اليمن «2» ، وكانوا ثلاثة عشر رجلا، فلما انتهوا إلى باب المقداد رحب بهم، وقدم لهم جفنة من حيس، فأكلوا منها حتى نهلوا. وردت القصعة وفيها شىء، فجمع فى قصعة صغيرة وأرسل بها إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم فى بيت أم سلمة، فأصاب منها هو ومن معه فى البيت حتى نهلوا، ثم أكل منها الضيف ما أقاموا، يرددون ذلك عليهم وما تغيض، حتى جعلوا يقولون: يا أبا معبد، إنك لتنهلنا من أحب الطعام إلينا، وما كنا نقدر على مثل هذا إلا فى الحين، فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم أنه أكل منها وردها، وأن هذه بركة أصابعه- صلى الله عليه وسلم، فجعل القوم يقولون: نشهد أنه رسول الله، وازدادوا يقينا، وتعلموا الفرائض، وأقاموا أياما، ثم ودعوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بجوائز وانصرفوا إلى أهليهم.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد عذرة «3» ، فى صفر سنة تسع، وكانوا اثنى عشر رجلا، منهم جمرة بن النعمان، فرحب بهم- صلى الله عليه وسلم، فأسلموا وبشرهم بفتح الشام وهرب هرقل إلى ممتنع من بلاده، ثم انصرفوا وقد أجيزوا.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد بلى «4» ، فأسلموا، فقال- صلى الله عليه وسلم:«الحمد لله الذى هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو فى النار» . ثم ودعوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم بعد أن أجازهم.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد بنى مرة «5» وكانوا ثلاثة عشر رجلا، ورئيسهم
(1) بهراء: بفتح الباء وإسكان الهاء، قبيلة من قضاعة.
(2)
انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 33) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 655- 656) ، و «شرح المواهب» للزرقانى (4/ 56) .
(3)
انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 331) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 657) ، و «شرح المواهب» للزرقانى (4/ 56- 57) .
(4)
بلىّ: بفتح الباء وكسر اللام وياء مشددة، والنسبة إليها بلوى نسبة إلى بلى بن عمر بن الحاف بن قضاعة، وانظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 330) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 657) ، و «شرح المواهب» للزرقانى (4/ 57) .
(5)
انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 297- 298) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 661) .
الحارث بن عوف، فقال لهم- صلى الله عليه وسلم:«كيف البلاد؟» فقالوا: والله إنا لمسنتون، فادع الله لنا، فقال- عليه السلام:«اللهم اسقهم الغيث» . ثم أقاموا أياما ورجعوا بالجائزة فوجدوا بلادهم قد أمطرت فى ذلك اليوم الذى دعا لهم فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
وقدم عليه- زاده الله شرفا لديه- وفد خولان «1» ، فى شعبان سنة عشر، وكانوا عشرة، فقالوا: يا رسول الله، نحن مؤمنون بالله مصدقون برسوله، وقد ضربنا إليك آباط الإبل، وركبنا حزون الأرض وسهولها، والمنة لله ولرسوله علينا، وقدمنا زائرين لك. فقال- صلى الله عليه وسلم:«أما ما ذكرتم من مسيركم إلى فإن لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة، وأما قولكم زائرين لك، فإنه من زارنى بالمدينة كان فى جوارى يوم القيامة» .
ثم قال- صلى الله عليه وسلم: «ما فعل صنم خولان الذى كانوا يعبدونه؟» قالوا:
بدلنا الله به ما جئت به، إلا أن عجوزا وشيخا كبيرين يتمسكان به، وإن قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله تعالى.
ثم علمهم- صلى الله عليه وسلم فرائض الدين، وأمرهم بالوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وحسن الجوار، وألايظلموا أحدا، ثم أجازهم ورجعوا إلى قومهم، وهدموا الصنم.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد محارب «2» عام حجة الوداع، وكانوا أغلظ العرب وأفظهم عليه أيام عرضه على القبائل يدعوهم إلى الله، فجاءه- صلى الله عليه وسلم منهم عشرة فأسلموا، ثم انصرفوا إلى أهليهم.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد صداء «3» فى سنة ثمان، وذلك أنه لما انصرف
(1) انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 324) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 662- 663) ، و «شرح المواهب» للزرقانى (4/ 58- 59) .
(2)
انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 299) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 663- 664) ، و «شرح المواهب» للزرقانى (4/ 59) .
(3)
انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 326- 327) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 664- 666) ، و «شرح المواهب» للزرقانى (4/ 59- 61) .
من الجعرانة بعث قيس بن سعد عبادة فى أربعمائة، وأمره أن يطأ ناحية من اليمن فيها صداء، فقدم رجل منهم علم بالبعث على رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله اردد الجيش، وأنا لك بقومى، فرد قيسا.
ورجع الصدائى إلى قومه فقدم على رسول الله- صلى الله عليه وسلم خمسة عشر رجلا منهم، فبايعوه على الإسلام ورجعوا إلى قومهم ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسول الله- صلى الله عليه وسلم منهم مائة رجل فى حجة الوداع. ذكره الواقدى.
وذكر من حديث زياد بن الحارث الصدائى أنه الذى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: اردد الجيش، وقال: كان زياد هذا معه- صلى الله عليه وسلم فى بعض أسفاره وأنه- صلى الله عليه وسلم قال له: «يا أخا صداء هل معك ماء؟» قلت: معى شىء فى إداوتى، فقال:«صبه» ، فصببته فى قعب ثم وضع- عليه الصلاة والسلام كفه فيه فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه عينا تفور.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد غسان «1» ، فى شهر رمضان سنة عشر، وكانوا ثلاثة نفر، فأسلموا وأجازهم- صلى الله عليه وسلم بجوائز، وانصرفوا راجعين.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد سلامان «2» فى شوال سنة عشر، كما قال الواقدى، وكانوا سبعة نفر، فيهم حبيب بن عمرو، فأسلموا وشكوا إليه جدب بلادهم فدعا لهم ثم ودعوه وأمر لهم بالجوائز، ورجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد أمطرت فى اليوم الذى دعا لهم فيه رسول الله- صلى الله عليه وسلم تلك الساعة.
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد بنى عبس «3» ، فقالوا: يا رسول الله، قدم علينا قراؤنا فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش، فإن كان لا
(1) انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 330) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 669) ، و «شرح المواهب» للزرقانى (4/ 61) .
(2)
انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 332) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 669- 670) ، و «شرح المواهب» للزرقانى (4/ 61- 62) .
(3)
انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 295) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 670- 671) ، و «شرح المواهب» للزرقانى (4/ 62) .
إسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا، فقال- صلى الله عليه وسلم:«اتقوا الله حيث كنتم فلن يلتكم عن أعمالكم شيئا» «1» .
وقدم عليه وفد غامد «2» سنة عشر، وكانوا عشرة، فأقروا بالإسلام وكتب لهم كتابا فيه شرائع الإسلام، وأمر أبى بن كعب فعلمهم قرآنا، وأجازهم- صلى الله عليه وسلم وانصرفوا.
وقدم عليه وفد الأزد «3» ، ذكر أبو نعيم فى كتاب معرفة الصحابة، وأبو موسى المدينى، من حديث أحمد بن أبى الحوارى، قال: سمعت أبا سليمان الدارانى.
قال: حدثنى علقمة بن يزيد بن سويد الأزدى قال: حدثنى أبى عن جدى قال:
وفدت سابع سبعة من قومى على رسول الله- صلى الله عليه وسلم فلما دخلنا عليه وكلمناه أعجبه ما رأى من سمتنا فقال: «ما أنتم» قلنا مؤمنون فتبسم- صلى الله عليه وسلم وقال: «إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟» قلنا: خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها فى الجاهلية فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئا، فقال صلى الله عليه وسلم:«ما الخمس التى أمرتكم بها رسلى؟» .
قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت.
قال: «وما الخمس التى أمرتكم أن تعملوا بها؟» .
قلنا: أمرتنا أن نقول لا إله إلا الله ونقيم الصلاة ونؤتى الزكاة، ونصوم رمضان ونحج البيت إن استطعنا إليه سبيلا. قال:«وما الخمس التى تخلقتم بها فى الجاهلية؟» .
قلنا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضا بمر القضاء، والصدق فى مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء.
(1) أخرجه ابن سعد فى «طبقاته» (1/ 295) من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-.
(2)
انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 345) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 671) ، و «شرح المواهب» للزرقانى (4/ 63) .
(3)
انظر «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 672- 673) .
فقال- صلى الله عليه وسلم: «حكماء علماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء» ، ثم قال:«وأنا أزيدكم خمسا فتتم لكم عشرون خصلة، إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا فى شىء أنتم عنه غدا زائلون، واتقوا الله الذى إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون، وفيه تخالدون» . فانصرفوا وقد حافظوا وصيته- صلى الله عليه وسلم وعملوا بها «1» .
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد بنى المنتفق. روى عبد الله، ابن الإمام أحمد فى مسند أبيه عن دلهم بن الأسود عن عاصم بن لقيط، أن لقيط بن عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، أبا رزين العقيلى، المعدود فى أهل الطائف، خرج وافدا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق، فوافيناه- صلى الله عليه وسلم حين انصرف من صلاة الغداة، فقام فى الناس خطيبا فقال:
«يا أيها الناس، ألا إنى قد خبأت لكم صوتى منذ أربعة أيام لتسمعوا اليوم، ألا فهل من امرىء بعثه قومه» فقالوا له اعلم لنا ما يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم، ألا ثم لعله يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه، ألا وإنى مسئول هل بلغت، ألا اسمعوا تعيشوا
…
الحديث. وفيه ذكر البعث والنشور والجنة والنار، وفيه: ثم قلت: يا رسول الله، علام أبايعك؟ فبسط- صلى الله عليه وسلم يده وقال:«على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وألاتشرك بالله شيئا» «2» .
وقدم عليه- صلى الله عليه وسلم وفد النخع «3» ، وهم آخر الوفود قدوما عليه. وكان قدومهم فى نصف المحرم سنة إحدى عشرة، فى مائتى رجل، فنزلوا دار الأضياف، ثم جاؤا إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم مقرين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل.
(1) منكر: وفى إسناده علقمة بن يزيد بن سويد، لا يعرف، قاله الحافظ فى «لسان الميزان» (4/ 188)، وزاد قائلا: وأتى بخبر منكر فلا يحتج به.
(2)
أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد فى «زوائد المسند» (4/ 13 و 14) بسند فيه عبد الرحمن ابن عياش السمعى، ودلهم بن الأسود، ولم يوثقهما إلا ابن حبان.
(3)
انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (1/ 346) ، و «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 686- 687) ، و «شرح المواهب» للزرقانى (4/ 67- 69) .
فقال رجل منهم، يقال له زرارة بن عمرو، يا رسول الله إنى رأيت فى سفرى هذا عجبا، قال:«وما رأيت؟» قال: رأيت أتانا تركتها كأنها ولدت جديا أسفع أحوى «1» ، فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«هل تركت لك مصرة «2» على حمل؟» قال: نعم، قال:«فإنها قد ولدت غلاما وهو ابنك» ، قال يا رسول الله: ما باله أسفع أحوى؟ قال: «ادن منى» ، فدنا منه، قال: هل بك من برص تكتمه؟ قال: والذى بعثك بالحق نبيّا ما علم به أحد، ولا اطلع عليه غيرك، قال:«فهو ذلك» .
قال: يا رسول الله، ورأيت النعمان بن المنذر عليه قرطان مدلجيان ومسكتان. قال:«ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته» .
قال: يا رسول الله، ورأيت عجوزا شمطاء، خرجت من الأرض.
قال: «تلك بقية الدنيا» .
قال: ورأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بينى وبين ابن لى يقال لى عمرو، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:«تلك فتنة تكون فى آخر الزمان» . قال:
يا رسول الله، وما الفتنة؟ قال:«يقتل الناس إمامهم» - وخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه- «يحسب المسىء فيها أنه محسن، ويكون دم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء، إن مات ابنك أدركت الفتنة، وإن مت أدركها ابنك» .
قال: يا رسول الله ادع الله ألاأدركها، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:
«اللهم لا يدركها» . فمات فبقى ابنه فكان ممن خلع عثمان بن عفان رضى الله عنه- «3» . انتهى ملخصا من الهدى النبوى، والله الموفق وسيأتى هذا- إن شاء الله تعالى- فى تعبيره- صلى الله عليه وسلم الرؤيا من المقصد الثامن.
(1) الأسفع: هو الأسود المشوب بحمرة، والأحوى: كالتأكيد للأسفع، حيث أن الحوة سواد إلى خضرة أو حمرة إلى سواد.
(2)
مصرة: اسم فاعل من أحد، وهى بمعنى أقام على الشىء، والمقصود: حملها محقق ثابت.
(3)
انظر «زاد المعاد» لابن القيم (3/ 686- 687) والمصادر السابقة معه.