الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
آدابُ المحدّثِ
قوله: (آدابُ المحدِّثِ)(1) قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((مضَى طَرفٌ منها اقتضتْهُ الأنواعُ التي قَبلَهُ. علمُ الحديثِ علمٌ شَريفٌ، يناسِبُ مكارِمَ الأخلاقِ، وَمحَاسِنَ الشِّيَمِ (2)، وَينافرُ مساوىءَ (3) الأخلاقِ، وَمشَايِنَ الشّيمِ، وهوَ مِنْ عُلومِ الآخرةِ، لا مِنْ عُلومِ الدنيا)) (4). (5) انتهى.
وقدِّم بحثَ المحدّث على بحثِ الطالبِ؛ لتقدُّمِهِ في المرتبةِ والوجودِ.
قولُهُ: (وَاحْرِصْ)(6) من جملةِ أفرادِ الحرصِ على النشرِ أن يكونَ للهِ، فإذا كانَ كذلكَ كانَ من جملةِ أفرادِ تَصحيحِ النيةِ.
قوله: (ثمَّ تَوضَّأ)(7)، ((ثُمَّ)) لترتيبِ الكمالِ، أي: الأَكمَل أن يكونَ
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 16.
(2)
تعقبه الزركشي على قوله: ((محاسن الشيم
…
ومشاين الشيم))، فقالَ في " نكته " 3/ 636: ((هذه مقالة معنوية، وإلا فالذي يقابل الشين الزين لا المحاسن، قالَ في "الصحاح": الشين خلاف الزين، يقالَ: شانة يشينه، والمشاين: المعايب والمقابح. انتهى. وقد كرر الشيم ثلاث مرات، مرتين باللفظ، ومرة بالمعنى، وهو الأخلاق؛ لكن قيل: الشيم:
الطبائع)). وانظر: الصحاح مادة (شيم).
(3)
قالَ الزركشي في " نكته " 3/ 637: ((قالَ صاحب " تثقيف اللسان ": يقولون: ظهرت مساويه، والصواب: مساوئه بالهمز، وقد استدرك أبو إسحاق الأجدابي عليه، قالَ: الأصل الهمز كما ذكرته، وترك الهمزة جائز على لغة من يقول في الخاطئين: الخاطين، وهي لغة معروفة)).
(4)
قالَ الزركشي في " نكته " 3/ 637: ((مراده أنه عبادة لذاته لا صناعة)).
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 344.
(6)
التبصرة والتذكرة (684).
(7)
التبصرة والتذكرة (685).
الوضوءُ لأجلِ التّحديثِ (1)، ولا يكونَ لأجلهِ على جهةِ الكمالِ، إلاّ بعدَ تصحيحِ النيةِ.
قولُهُ: (عَلَى الحديْثِ)(2) عَبَّرَ بها؛ لأنَّ مَن رَفَعَ صوتَهُ في حَالِ قراءَةِ الحديثِ فقد استعلَى عليهِ (3).
قولُهُ: (أوْ إنْ تَقُمْ)(4) / 229 ب / معناهُ: لا تُحدِّثْ إن كنتَ في حالِ العَجَلةِ، أو إن كنتَ قائماً، أي: لا تُحدِّثْ في واحدةٍ من هاتينِ الحالتينِ.
قولُهُ: (مَنْ تصدَّى)(5) عِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: ((مَنْ أرادَ التصدِّيَ لإسْمَاعِ الحديثِ)) (6).
وهيَ أشملُ من عِبارةِ الشّيخِ، فإنَّ التصديَ إرادةٌ مَعَ نوعِ غرضٍ ودعاءٍ، فعبارةُ الشيخِ أحسنُ؛ لأنَّ تقدُّمَ النيةِ على التصدي، لا على إرادتهِ.
(1) روى الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل ": 585، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 6/ 318، والخطيب في " جامعه " 2/ 2 (913) عن منصور أبي سلمة الخزاعي قالَ:((كانَ مالك بن أنس إذا أراد أن يخرج يحدّث، توضأ وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ولبس قلنسوة، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك، فقالَ: أُوقِّرُ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
(2)
التبصرة والتذكرة (686).
(3)
روى الخطيب بسنده في " الجامع ": 223 (971) عن معن بن عيسى القَزَّاز أنه قالَ: ((كانَ مالك بن أنس، إذا أراد أن يجلس للحديث، اغتسل وتبخّر وتطيب، فإن رفع أحد صوته في مجلسه زَبَرَهُ، وقالَ: قالَ الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ} فمن رفع صوته عند حديث رسول الله، فكأنَما رفع صوته فوق صوت
رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
(4)
التبصرة والتذكرة (687).
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 17.
(6)
معرفة أنواع علم الحديث: 344.
قولُهُ: (وإخلاصَها)(1) قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((وَليُطهّرْ قلبَهُ مِنَ الأغراضِ الدُّنيويَّةِ وأدنَاسها، وَليَحذرْ بَلِيَّةَ حُبِّ الرِّيَاسَةِ ورُعُوناتها)) (2). انتهى.
وقالَ العلامةُ شهابُ الدّينِ الأندَرَشيُّ (3) في " عمدتهِ ": ((إخلاصُ النيةِ، وتطهيرُ القلبِ من الأغراضِ التي لا يُرادُ بها وجهُ اللهِ، كرئاسةٍ، وتحصيلِ مالٍ، ونحوِهما)).
قالَ الثوريُّ: ((كانَ الرجلُ إذا أرادَ طَلَبَ الحديثِ، تعبَّدَ قبلَ ذلكَ عِشرينَ سنةً)) (4). انتهى.
قولُهُ: (فإنَّمَا الأعمالُ بالنِّيَّاتِ)(5)، أي: لحديثِ عُمرَ رضي الله عنه المتفقِ عليهِ (6)، وهوُ مجمعٌ على جلالتِهِ، وأنّهُ أحدُ قواعدِ الدِّينِ. ونَقَلَ الشَّيخُ مُحيي الدينِ في مقدمةِ " شرحِ المهذّبِ "(7) ويأتي في آدابِ المتعلِّمِ ما يتّصلُ بهِ.
وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ "(8): ((العمدةُ العُظمَى في كلِّ عبادةٍ تصحيحُ
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 17.
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 344.
(3)
هو أحمد بن سعد بن عبد الله العسكري الأندرشي النحوي، شرح التسهيل ونسخ بخطّه تهذيب الكمال، ثم اختصره مع المعرفة لابن الصلاح، وتحفة الأشراف وسمّى كتابه المختصر بـ " العمدة "، توفي سنة (750 هـ).
انظر: الدرر الكامنة 1/ 135، وشذرات الذهب 6/ 166، وكشف الظنون 2/ 1510.
(4)
حلية الأولياء 6/ 361، وانظر: جواهر الأصول في علم حديث الرسول: 125.
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 17.
(6)
سبق تخريجه.
(7)
المجموع شرح المهذب 1/ 46 - 47، ونقل عن الشافعي قوله: ((يدخل هذا الحديث في سبعين باباً من الفقه، وقالَ أيضاً: هو ثلث العلم
…
وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام)).
(8)
الاقتراح: 244.
النيةِ، ومن أحسنِ ما يُقصدُ في هذا العلمِ شيئانِ:
أحدُهما: التعبُّدُ بكثرةِ الصلاةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، كُلَّما تكرَّرَ ذكرُهُ، ويحتاجُ أنْ (1) يكونَ مقصوداً عندَ اللفظِ بهِ، ولا يخرجَ على وجهِ العادةِ.
والثاني: قَصدُ الانتفاعِ والنفعِ للعبدِ.
قالَ ابنُ المبارَكِ (2): - وقد استُكثِرَ كثرةُ الكتابةِ منهُ -: ((لَعلَّ الكلمةَ التي فيها نَجاتي، لم أَسمعْها إلى الآنَ))
…
)). انتهى.
وفي جزءِ أبي الحُسينِ مُحمّدِ بنِ عليِّ بنِ محمدِ بنِ مخلدٍ الورَّاقِ، سمعتُ أبا بكر بنَ مُجاهدٍ، يقولُ: قالَ ابنُ مُنَاذِر لأبي عمرو بنِ العلاءِ: ((إلى متى يحسنُ بالرجلِ أن يتعلّمَ؟ قالَ: ما حَسُنتْ به الحياةُ)) (3).
قولهُ: (بالتبليغِ عنهُ)(4) قالَ الشّيخُ مُحيي الدِّينِ في مُقدّمةِ " شرحِ المهذبِ "(5): ((رَوَى الشّيخانِ: عن ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((لا حَسَدَ إلاّ في اثنتينِ: رجلٌ آتاه اللهُ مالاً فسلَّطَهُ على هلكتهِ في الحقِّ، ورجلٌ آتاهُ اللهُ الحكمةَ فهو يقضي بها ويُعلِّمُها)) (6).
(1) في " الاقتراح ": ((ذلك أن)).
(2)
شرف أصحاب الحديث: 68.
(3)
أسنده ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " 1/ 96.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 17.
(5)
المجموع شرح المهذب 1/ 51.
(6)
أخرجه: الحميدي (99)، وأحمد 1/ 385 و432، والبخاري 1/ 28 (73) و2/ 134 (1409) و9/ 78 (7141) و9/ 126 (7316)، ومسلم 2/ 201 (816)(268)، وابن ماجه (4208)، والنسائي في " الكبرى "(5840)، وابن حبان (90)، والطبراني في " الأوسط "(1733)، وأبو نعيم في " الحلية " 7/ 363، والبيهقي 10/ 88، والبغوي (138).
والمرادُ بالحَسَدِ: الغِبطةُ (1)، وهوَ أن يتمنىَّ مثلَهُ.
وعَن / 230 أ / أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((مَن دَعَا إلى هُدىً، كانَ لهُ من الأجرِ مثل أُجورِ مَن تَبعَهُ لا ينقصُ من أُجورِهم شَيئاً)) (2).
ورَوَى الترمذيُّ: - وقالَ: حسن - عَن أبي أمامةَ الباهليِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إنّ اللهَ، وملائكتَهُ، وأهلَ السماواتِ والأرضِ، حتى النملةَ في جحرِها، وحتى الحوتَ، يُصلّونَ على مُعلِّمِي الناسِ الخيرَ)) (3).
وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ "(4): ((ولا خَفاءَ بما في تبليغِ العلمِ من الأجورِ، لاسِيَّما بروايةِ الحديثِ (5) يدخلُ الرّاوي في دعوةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، حيثُ قالَ:((نَضَّرَ اللهُ امرءاً سَمِعَ مَقالَتي فَوعَاها، ثُمَّ أدَاها (6) إلى مَن لم يَسمعْها)) (7).
وقالَ الشيخُ (8): ((وعَن عليٍّ رضي الله عنه قالَ: كَفَى بالعلمِ شَرَفاً أن يدَّعيه مَن لا يحسنُهُ، ويفرحَ إذا نُسِبَ إليهِ، وكَفَى بالجهلِ ذمَّاً أن يتبرّأَ منهُ مَن هوَ فيهِ)) (9).
(1) قالَ الأزهري: الغبط: ضرب من الحسد، وهو أخف منه. لسان العرب مادة (حسد).
(2)
أخرجه: أحمد 2/ 197، والدارمي (519)، ومسلم 8/ 62 (2674)(16)، وأبو داود (4609)، وابن ماجه (206)، والترمذي (2674)، وابن حبان (112)، والبغوي (109).
(3)
أخرجه: الترمذي (2685)، وقالَ:((هذا حديث حسن صحيح غريب)).
وأخرجه: الطبراني في " الكبير "(7911) و (7912)، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " 1/ 38.
(4)
الاقتراح: 245.
(5)
في (ف): ((برواية الحديث))، والمثبت من " الاقتراح ".
(6)
في " الاقتراح ": ((فأداها)).
(7)
تقدم تخريجه.
(8)
المجموع 1/ 53.
(9)
أخرجه بنفس اللفظ أبو نعيم في " الحلية " 9/ 146 من كلام الشافعي.
قالَ: ((وعَن وهب بنِ منبه، قالَ: يَتشعّبُ من العلمِ الشّرفُ، وإنْ كانَ صاحبُه دنيئاً، والعزُّ وإن كانَ مهيناً، والقربُ وإن كانَ قَصيَّاً، والغِنَى وإن كانَ فقيراً، والنُّبلُ وإن كانَ حقيراً، والمهابةُ وإن كانَ وضيعاً، والسّلامةُ وإن كانَ سَفيهاً)) (1).
وقالَ الشّافعيُّ: ((طَلَبُ العلمِ أفضلُ من صلاةِ النّافلةِ)) (2).
(1) ذكره المناوي في " فيض القدير " 1/ 542.
(2)
أخرجه: ابن أبي حاتم في " آداب الشافعي ": 97، وأبو نعيم في " الحلية " 9/ 119، والبيهقي في "المدخل": 310 (474)، والخطيب في " شرف أصحاب الحديث ":113. ونقله عنه البغوي في "شرح السنة" 1/ 280، والنووي في " تهذيب الأسماء واللغات " 1/ 74، والمجموع 1/ 54 وقول الإمام الشافعي هذا ورد بنحوه من قول عبد الله بن الشخير فقد روى الحافظ أبو خثيمة زهير بن حرب النسائي عن جرير، عن الأعمش، قالَ: بلغني عن مطرف ابن عبد الله بن الشخير أنه قالَ: ((فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم
الورع)).
وقد روي هذا المعنى مرفوعاً ولا يصح وقد أخرجه الطبراني في " الكبير "(10969) وابن عدي في " الكامل " 4/ 534، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " 1/ 23، والخطيب في " تأريخ بغداد " 4/ 436 و6/ 124 طبعة دار الغرب الإسلامي، وابن الجوزي في "العلل المتناهية"(77)، من حديث سوار بن مصعب عن ليث بن أبي سُليم، عن طاووس، عن ابن عباس مرفوعاً. وهذا إسناد تالف فإن سوار بن مصعب متروك الحديث وشيخه ليث ابن أبي سُليم ضعيف.
وقد روي الحديث من حديث سعد بن أبي وقاص أخرجهُ الحاكم 1/ 92، والبيهقي في
" المدخل "(454) وفي " الزهد الكبير "(817) وفي " الآداب "، له (1149) من طريق الأعمش، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد، وهذا إسناد لا يصح؛ لانقطاعه؛ فإن الأعمش لم يسمع من مصعب بن سعد كما نصّ عليه أبو حاتم الرازي في " المراسيل ":83.
وأخرجه: الترمذي في " العلل " 2/ 860 ترتيب القاضي، والبزار (2969)، والطبراني في
" الأوسط "(3960)، وابن عدي في " الكامل " 5/ 329 - 330، والحاكم 1/ 92 - 93، وأبو نعيم في " الحلية " =
وقالَ: ((مَن أرادَ الدُّنيا فعليهِ بالعلمِ، ومَن أرادَ الآخرةَ فعليهِ بالعلمِ)) (1).
وقالَ: ((مَن لا يحبُّ العلمَ فلا خيرَ فيهِ، و [لا] (2) يكونُ بينكَ وبينهُ معرفةٌ ولا صداقةٌ)) (3).
وقالَ: (([العلمُ] (4) مروءةُ مَن لا مروءةَ لهُ (5))).
= 2/ 211 - 212. من حديث عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن مطرّف، عن حذيفة، به مرفوعاً. قالَ الترمذي: ((سألتُ محمداً عن هذا الحديث فلم يعد هذا الحديث محفوظاً ولم يعرف هذا عن حذيفة)).
وقالَ البزار: ((هذا الكلام لا نعلمهُ يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ من هذا الوجه، وإنما يُعرف هذا الكلام من كلام مطرّف ولا نعلم رواه عن الأعمش إلا عبد القدوس)).
أخرجه: ابن عدي في "الكامل" 5/ 217، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " 1/ 77 (78).
وأخرجه الطبراني في " الأوسط "(6166)، والدارقطني 3/ 79، وأبو نعيم في " الحلية " 2/ 192 من طريق يزيد بن عياض، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، مرفوعاً بلفظ ((ما عبد الله بشيء أفضل من فقه بالدين
…
)) وهذا سند ضعيف جداً لشدة ضعف يزيد بن عياض فهو متروك، وقالَ الطبراني:((لم يروِ هذا الحديث عن صفوان بن سليم إلا يزيد بن عياض)).
وأخرجه: الطبراني في " الأوسط "(9264) وفي " الصغير "، له (1086)، والقضاعي في " مسند الشهاب "(1290) من حديث محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن الشعبي، عن ابن عمر بلفظ:((أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع)) وهذا سند ضعيف لضعف محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى قالَ الطبراني: ((لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا ابن أبي ليلى)).
وأخرجه: البيهقي في " شعب الإيمان "(1711) من حديث عيسى بن زياد الدورفي عن مسلمة بن قعنب عن نافع عن ابن عمر، به مرفوعاً بلفظ:((ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين)) وقالَ البيهقي: ((روي هذا من وجه آخر ضعيف، والمحفوظ هذا اللفظ من قول الزهري)).
(1)
انظر: تهذيب الأسماء واللغات 1/ 74، والمجموع 1/ 54.
(2)
ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " تهذيب الأسماء واللغات " و" المجموع ".
(3)
انظر: تهذيب الأسماء واللغات 1/ 74، والمجموع 1/ 54.
(4)
ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " المجموع ".
(5)
المجموع 1/ 54.
وقالَ: ((إن لم يكنِ الفُقهاءُ العَامِلونَ أولياءَ اللهِ، فليسَ للهِ وليٌ)) (1).
وقالَ: ((مَن تَعلَّمَ القرآنَ عظُمتْ قيمتُهُ، ومَن نَظرَ في الفقهِ نَبُلَ قدرهُ، ومن نَظَرَ في اللغةِ رَقَّ طبعُهُ، ومَن نَظرَ في الحسابِ جَزَلَ رأيهُ، ومن كتبَ الحديثَ قويتْ حجَّتهُ، ومن لم يَصُنْ نفسَهُ لم ينفعهُ علمهُ)) (2).
وعَن سُفيانَ الثوريِّ، والشَّافعيِّ:((ليسَ شيءٌ بعدَ الفرائضِ أفضلَ من طَلبِ العلمِ)) (3).
قالَ الشيخُ (4): ((وعَن أبي ذَرٍّ، وأبي هريرةَ رضي الله عنهما، قالا: بابٌ من العلمِ نتعلّمهُ أحبُ إلينا من ألفِ ركعةٍ تَطوّعاً، وبابٌ من العلمِ نُعلِّمه، عُمِلَ بهِ أو لم يُعملْ بهِ أحبُّ إلينا من مئةِ ركعةٍ /230 ب/ تطوّعاً، وقالا: سَمعنا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((إذا جاء الموتُ طالبَ العلمِ وهو على هذه الحالةِ مات وهوَ شهيدٌ)) (5).
(1) المجموع 1/ 54.
(2)
انظر: المدخل: 324 (511)، والفقيه والمتفقه 1/ 26، والمجموع 1/ 54.
(3)
انظر: المدخل: 310 (475).
(4)
المجموع 1/ 55.
(5)
رواه الفسوي في " المعرفة والتاريخ " 3/ 499 - 500، والبزار في " كشف الأستار "(138)، والخطيب في " الفقيه والمتفقه " 1/ 16.
وقالَ الهيثمي في " مجمع الزوائد "1/ 124: ((رواه البزار وفيه هلال بن عبد الرحمان الحنفي، وهو متروك))، وانظر: المجموع 1/ 55.
وعَن أبي هريرةَ رضي الله عنه: ((لأنْ أُعلِّمَ باباً من العلمِ في أمرٍ ونهي، أحبُّ إليَّ من سبعينَ غزوة في سبيلِ اللهِ)) (1).
وعَن سَهل التسْتَرِيِّ: ((من أرادَ النّظرَ إلى محاسنِ الأنبياءِ، فَلينظُرْ إلى مجالسِ العُلماءِ، فاعرِفُوا لهم ذلكَ)) (2).
قالَ الشّيخُ: ((وجاءَ عن جَماعاتٍ من السّلفِ، ممَّن لم أذكرهُ نحو ما ذكرتهُ، والحاصلُ أنّهم مُتّفقونَ على أنَّ الاشتغالَ بالعلمِ أفضلُ من الاشتغالِ بنوافلِ الصّومِ، والصلاةِ، والتّسبيحِ، ونحوِ ذلكَ)) (3).
وذَكَرَ من أدلَّةِ ذلكَ: أنّ العلمَ الذي كلامُنا فيه فرضُ كفايةٍ.
وقد قالَ إمامُ الحرَمَينِ في كتابهِ " الغَياثي "(4): إنّ فرضَ الكفايةِ أفضلُ من فرضِ العينِ، من حيثُ إنّ فاعلَهُ يَسدُّ مَسَدَّ الأمةِ، ويُسقِطُ الحَرَجَ عَنهُم
[و](5) فَرضُ العينِ قاصرٌ عليهِ)).
وقالَ في " الروضةِ "(6): ((قلتُ: للقائمِ بفرضِ الكفايةِ مزيةٌ على القائمِ بفرضِ العينِ)). انتهى.
وعَن سُفيانَ: ((ما ازدادَ عَبدٌ عِلماً فازدادَ في الدُّنيا رغبةً إلا ازدادَ من اللهِ بُعداً)).
وإذا وَصلَ إلى محلِّ الدَّرسِ صَلَّى ركعتينِ، فإن كانَ مَسجداً تأكَّد الحثُّ على الصّلاةِ، ويقعدُ مُستقبِلَ القبلةِ على طهارةٍ مُتَربِّعاً إن شاءَ، ويَرتعُ مجلسَ الفضلاءِ منهم،
(1) انظر: المجموع 1/ 56.
(2)
المصدر نفسه.
(3)
المصدر نفسه.
(4)
انظر: غياث الأمم: 237.
(5)
ما بين المعكوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(6)
انظر: روضة الطالبين 7/ 427.
وأشرافِهم، ويصونُ يديهِ عن العَبثِ، وإذا سُئِلَ عما لا يعلمُهُ فليقلْ: لا أعلمُ.
قالَ ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: ((إنَّ مِن العلمِ أنْ يقُولَ لما لا يعلمُ: اللهُ أعلمُ)) (1).
وقالوا: يَنبغي للعالمِ أن يُورثَ أصحابهُ ((لا أدري))، أي: يُكثرُ منها حتى يُؤخذَ عنهُ.
وقولُه: ((لا أَدرِي)) لا يضعُ مَنزلتهُ، بل يدلُّ على عِظَمِ مَحلِّهِ وتقواهُ، وإنّما يمتنعُ منها مَن قلَّ علمُهُ؛ لأنّه يخافُ لقصورهِ أن يَسقُطَ من أعينِ الحاضرينَ، وذلكَ من جهالتهِ، فإنّ ذلكَ يُستدلُّ بهِ على قصورهِ.
وفي الصّحيحِ: ((المُتَشَبِّعُ بما لم يُعْطَ، كلابس ثَوبي زُورٍ)) (2).
وعَن ابنِ عَبّاسٍ، وابنِ مَسعودٍ رضي الله عنهم:((مَن أَفتَى في كُلِّ ما يُسألُ فهوَ مجنونٌ)) (3).
(1) أخرجه: البخاري 6/ 142 (4774)، والبيهقي في " المدخل ": 432 (797)، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " 2/ 51.
(2)
أخرجه: أحمد 6/ 345 و346، والبخاري 7/ 44 (5219)، ومسلم 6/ 169 (2130)(127)، وأبو داود (4997)، والنسائي في " الكبرى "(8922) وفي " عشرة النساء "، له (36)، وابن حبان (5739)، والطبراني في " الكبير " 24/ (322) و (323) و (324) و (326) و (327) و (328)، وأبو الشيخ في " الأمثال "(59)، والحاكم في " معرفة علوم الحديث ": 77 - 78، والقضاعي في " مسند الشهاب "(308) و (309)، والبيهقي 7/ 307 وفي " شعب الإيمان "(4824) وفي " الآداب "، له (392)، والبغوي في " شرح السنة "(2331) من حديث أسماء بنت أبي بكر.
(3)
أثر عبد الله بن عباس، أخرجه: البيهقي في " المدخل ": 433، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " 2/ 164.
وأثر عبد الله بن مسعود، أخرجه: الخطيب في " الفقيه والمتفقه " 1/ 197 - 198، والبيهقي في " المدخل ": 432 (798)، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " 2/ 165.
وعَن ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما، ومحمدِ بنِ عَجلانَ:((إذا أَغفَلَ العَالمُ ((لا أدري)) أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ)) (1).
وعَن الشّافعيِّ وقد سُئِلَ عن مسألةٍ فلمْ يُجِبْ، فقيلَ لهُ: فقالَ / 231 أ /: ((حتى أَدري أن الفضلَ في السكوتِ أو في الجوابِ)) (2).
وعَن الأَثرَمِ: ((سَمعتُ أحمدَ بنَ حَنبَلٍ يُكثرُ أن يقولَ: لا أَدري)) (3).
وعَن الهيثمِ بنِ جَميلٍ: ((شَهدتُ مَالكاً سُئِلَ عن ثمانٍ وأربعينَ مَسألة، فقالَ في ثنتينِ وثلاثينَ منها: لا أدري)) (4).
وعَن مالكٍ أيضاً أنّه رُبّما كانَ يُسئَلُ عَن خمسينَ مسألة، فلا يُجيبُ في واحدةٍ منها، وكانَ يقولُ:((مَن أجابَ في مسألةٍ، فينبغي قبل الجوابِ يعرضُ نفسَهُ على الجنّةِ والنّارِ، وكيفَ خَلاصُهُ، ثُمَّ يُجيبُ)) (5).
وَسُئِلَ عَن مسألةٍ فقالَ: [((لا أدري))، فقيلَ: هيَ](6) مسألةٌ خفيفةٌ، فقالَ:((ليسَ من العلم شيءٌ خفيفٌ)) (7).
وقالَ الصَّيْمَريُّ (8) والخطيبُ: ((قَلَّ مَن حَرَصَ على الفتيا، وسَابقَ إليها، وثَابرَ
(1) أخرجه: البيهقي في " المدخل ": 436 (813)، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم " 2/ 54، وانظر: الفقيه والمتفقه 2/ 172، والمجموع 1/ 93.
(2)
المجموع 1/ 93.
(3)
انظر: الفقيه والمتفقه 2/ 174 - 175، والمجموع 1/ 93.
(4)
التمهيد 1/ 73، والمجموع 1/ 93.
(5)
المجموع 1/ 93.
(6)
ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " المجموع ".
(7)
المجموع 1/ 93 - 94.
(8)
هو القاضي أبو القاسم عبد الواحد بن الحسين الصيمري الشافعي، له مصنفات منها:
" الإيضاح في المذهب " و" القياس والعلل ". والصيمري بصاد مهملة مفتوحة، ثم ياء ساكنة، بعدها ميم مفتوحة، وبعضهم يضمها: نسبة إلى صيمرة نهر من أنهار البصرة عليه عدة قرى. انظر: معجم البلدان 5/ 214، وسير أعلام النبلاء 17/ 14.
عَليها، إلاّ قَلَّ توفيقُهُ، واضطربَ أمرهُ، وإذا كانَ كارهاً لذلكَ غيرَ مؤثرٍ لهُ - مَا وَجَدَ عنهُ مندُوحَة وأحالَ الأمرَ فيهِ على غيرهِ - كانَتِ المعرفةُ له من اللهِ أكثرَ، والصلاحُ في جوابهِ أغلبَ)) (1).
وَاستدَلا بقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الحديثِ: ((لا تَسألِ الإمارةَ، فإنّكَ إن أُعطيتَها عن مسألةٍ وُكِلتَ إليها، وإن أُعطيتَها عن غَيرِ مسألةٍ، أُعِنتَ عليها)) (2).
ويطرحُ على أصحابهِ ما يختبرُ بهِ أذهانَهم، ولا يَتأذَّى إذا قَرأَ أحدُهُم على غيرهِ، إلاّ إنْ كانَ ذلكَ الغيرُ جاهلاً، أو فاسقاً، أو مُبتدعِاً، فَليحذَرْ منهُ. انتهى.
قولُه: (وَقدْ كانَ عروةُ)(3) عِبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((وقدْ كانَ في السَّلفِ، مَنْ يَتألّفُ النّاسَ عَلَى حَديثِهِ، منهم: عروةُ بنُ الزبيرِ (4))) (5).
قولُه: (خُيلاءَ)(6) إشارةٌ إلى أنّ السَّلفَ كانَوا يَتحرّزونَ من العجبِ،
(1) الفقيه والمتفقه 2/ 166، والمجموع 1/ 94.
(2)
أخرجه: أحمد 5/ 62 و63، والبخاري 8/ 159 (6622) و8/ 183 (6722) و9/ 79
(7146)
و (7147)، ومسلم 5/ 86 (1652)(19) و6/ 5 (1652)(13)، وأبو داود (2929) و (3277) و (3278)، والترمذي (1529)، والنسائي 7/ 10 و11 و8/ 225 وفي الكبرى، له (5930)، والطحاوي في " شرح المشكل "(59)، وابن حبان (4348)، والبيهقي 10/ 53 و100 من حديث عبد الرحمان بن سمرة.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 17.
(4)
معرفة أنواع علم الحديث: 348.
(5)
روى الخطيب في " جامعه "(787) عن الزهري، قال:((كانَ عروة يتألف الناس على حديثه)).
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 17.
قال العراقي: ((وروينا عن حماد بن زيد أنه قال: استغفر الله، إن لذكر الإسناد في القلب خيلاء)). وحكاه الخطيب في "الجامع"(775)، والذهبي في " السير " 10/ 470 - 471.
ويَتفقّدونَ أعمالَهم وأحوالَهم، لِيقيمُوا منها ما اعْوَجَّ.
عَن " الرسالةِ "(1) للقُشَيريِّ أنَّه قالَ: ((ويَصحُّ أن يُقالَ: الإخلاصُ: تَصفيةُ الفعلِ عن ملاحظةِ المخلوقينَ))، ونُقِلَ عنهُ عن أبي عليٍّ الدقاقِ أنَّهُ قالَ:
((المخُلصُ لا رِياءَ لهُ، والصَّادقُ لا إعجابَ لهُ)) (2).
قالَ: ((وعَن أبي عليِّ الفُضيلِ بنِ عياضٍ أنه قالَ: تركُ العملِ لأجلِ النّاسِ رِياءٌ، والعَملُ لأجلِ النّاسِ شِركٌ، والإخلاصُ أن يعافيكَ اللهُ منهُما)) (3).
قالَ: ((وعَن سَهل بنِ عبدِ اللهِ التُستَريِّ، قالَ: لا يَشمُّ رائحةَ الصّدقِ عبدٌ دَاهنَ نَفسَهُ، أو غيرَهُ)) (4).
وعَن ذِي النّونِ (5)، قالَ:((الصّدقُ سَيفُ اللهِ / 231 ب / ما وُضِعَ عَلى شيءٍ إلا قَطعَهُ)) (6). انتهى ما نَقلتُهُ من " شَرحِ المهذبِ "(7).
قولهُ: (في الطريقِ وَهوَ قائِمٌ)(8) صَوابهُ: ((أو قائم))، كَما في
(1) الرسالة للقشيري: 95.
(2)
المصدر نفسه.
(3)
الرسالة للقشيري: 96، وانظر: حلية الأولياء 8/ 95، وسير أعلام النبلاء 8/ 427.
(4)
الرسالة للقشيري: 97.
(5)
هو ثوبان بن إبراهيم، وقيل اسمه: فيض بن أحمد، وقيل: فيض بن إبراهيم النوبي، توفي سنة (245) هـ، وقيل:(246) هـ.
انظر: حلية الأولياء 9/ 331، وسير أعلام النبلاء 11/ 532.
(6)
الرسالة للقشيري: 97، وانظر: الحلية 9/ 395.
(7)
المجموع 1/ 49.
(8)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 17، قالَ العراقي:((وكانَ يكره - أي: الإمام مالك - أن يحدِّث في الطريق، أو وهو قائم)). انظر: حلية الأولياء 6/ 318.
وعَند تحقيقي لشرح التبصرة والتذكرة جاء في نسخة (ق): ((أو هو قائم)) وفي نسخة (ص): ((وهو قائم)) وجاء في نسخة (ص) في الحاشية تصويبه إلى: ((أو وهو قائم)) وفي النسخة
(ن) صوبه إلى ((أو هو قائم)) وجاء في نسخة (س) والنسخ المطبوعة: ((وهو قائم)) فلعل البقاعي كانَ معتمداً على نسخة (ق) و (ن)، والله أعلم.
النّظمِ (1) وَكذا سَاقَهُ ابنُ الصّلاحِ (2) عَن مالكٍ، ولا يصحُّ إسقاطُ الألفِ؛ لأنَّ المعنى يَصيرُ أنه يَكرهُ تحديثهُ في الطريقِ في حالِ قيامهِ، لا حَال قعودهِ مثلاً.
قولهُ: (مَا كانَ في النّاسِ)(3) هي التامةُ، أي: وُجِدَ ولا شكَّ أنَّ أوَّلَ مَن طَلبَ الحديثَ الصحابةُ رضي الله عنهم، ثم خَيرُ النّاسِ بعدهُم في كلِّ عصرٍ مَن طَلَبَ على طريقِهم، وهي أن يحفظهُ مع العلمِ بأداوتِ فهمهِ، ولا يَصحُّ أن تكونَ ناقصةً لأنَّه لا يصحُّ - على تقديرهِ - كلامُ ابنِ مَهديّ؛ لأنَّه لا اطّلاعَ له على ما كانَ قبلَ عصرهِ، وعلى تقديرِ التّسليمِ، فذلكَ غيرُ مُمكنٍ في الصحابةِ رضي الله عنهم، معَ شهادةِ اللهِ لهم بالخيّريةِ، ويَكفيكَ من شَرفِ الحديثِ انتهاؤهُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، الآخذُ عن اللهِ من غيرِ شريكٍ، بل بالأمرِ القاطعِ الثابتِ بالمعجزةِ.
وأمّا غيرهُ فإنْ لم يكنْ له أصلٌ من قولهِ فهوَ رَدٌّ على صاحبهِ، وإن كانَ لهُ أصلٌ فهوَ إنَّما يدورُ عليهِ بالقياسِ، وما أحسنَ ما قالَ الإمامُ أبو الحَسَنِ الطّبريُّ المعروفُ بِالكيَا الهَرَّاسي:((إذا جَالَتْ فُرسانُ الأحاديثِ في ميادينِ الكفاحِ، طارَتْ رؤوسُ المقاييسِ في مهابِ الرياحِ)) (4).
وَرَوينا في كتابِ " شَرفِ أصحابِ الحديثِ "(5) للحافظِ أبي بكرٍ الخطيبِ، عن سُفيانَ الثّوريِّ أنه كانَ يقولُ: ((الملائكةُ حُرّاسُ السّماءِ، وأصحابُ الحديثِ
(1) قالَ في النظم:
لَمْ يُخْلِصِ النِّيَّةَ طَالِبُ فَعُمْ
…
وَلَا تُحَدِّثْ عَجِلاً أَوْ إِنْ تَقُمْ
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 348، وقالَ فيه ابن الصلاح:((أو هو قائم)).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 18 وحكاه العراقي عن سفيان الثوري أنه قالَ: ((ما كانَ في الناس أفضل من طلبة الحديث، فقالَ له ابن مهدي: يطلبونه بغير نية. فقالَ: طلبهم إياه
نية)). ورواه عنه الرامهرمزي في " المحدّث الفاصل ": 183.
(4)
انظر: ذيل تذكرة الحفاظ 1/ 261.
(5)
شرف أصحاب الحديث: 44.
حُرّاسُ الأرضِ)).
وأنّ الشّافعيَّ كانَ يقولُ: ((إذا رأيتُ رجلاً من أصحابِ الحديثِ، فكأنّي رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حَيِّاً)) (1).
وعَن أميرِ المؤمنينَ هارونَ الرشيد أنهُ قالَ: ((طَلبتُ أربعةً فَوجدتُها في أربعةٍ: طَلبتُ الكُفرَ فوجدتهُ في الجهميةِ، وطلبتُ الكلامَ والشّغبَ فوجدتهُ في المعتزلةِ، وطَلبتُ الكَذبَ فوجدتهُ عندَ الرافضةِ، وطلبتُ الحقَّ فوجدتهُ معَ أصحابِ الحديثِ)) (2).
وعَن إبراهيمَ بن أدهمَ أنه قالَ: ((إنَّ اللهَ تعالى يرفعُ البلاءَ عن هذهِ الأمةِ برحلةِ أصحابِ الحديثِ)) (3).
وعَن الزهريِّ أنه قالَ: ((لا يَطلبُ الحديثَ / 232 أ / من النّاسِ إلا ذُكرانُها، ولا يزهدُ فيهِ إلا مُؤنّثوها)) (4).
وَرُوِيَ (5) عن أبي الفَضلِ العبّاسِ بنِ مُحمدٍ الخُرَاسانيِّ أنه أَنشدَ في معنَى ذلكَ:
لا يَطلبُ العلمَ إلا بازلٌ (6) ذكرٌ
…
وليسَ يُبغضُهُ إلا المخانيثُ
وعَن أبي بكرٍ أحمدَ بن عبدِ الرحمانِ النَّسَفيِّ أنه قالَ: ((كانَ مشايخُنا يسمونَ أبا بكر بنَ إسماعيلَ: ثمودَ؛ لأنّه كانَ من أصحابِ الحديثِ، فصارَ من أصحابِ
(1) أخرجه: أبو نعيم في " حلية الأولياء " 9/ 109، والبيهقي في " المدخل ": 391 (689)، والخطيب في " شرف أصحاب الحديث ":46.
(2)
أخرجه عنه الخطيب في " شرف أصحاب الحديث ": 55.
(3)
أخرجه: الخطيب في "الرحلة في طلب الحديث": 89، وفي "شرف أصحاب الحديث"، له:59.
(4)
أخرجه: الرامهرمزي في " المحدث الفاصل ": 179 (31)، والحاكم في " المدخل إلى الإكليل ": 23، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 3/ 365، والخطيب في " شرف أصحاب الحديث ":71.
(5)
رواه الخطيب في "الرحلة في طلب الحديث": 96، وفي "شرف أصحاب الحديث"، له:71.
(6)
هو الرجل الكامل في تجربته. القاموس المحيط مادة (بزل).
الرأي، قالَ تَعالى:{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} (1).
وعَن أبي زيدٍ الفقيهِ أنه أنشدَ لبعضِ عُلماءِ الشّاشِ (2):
كلُّ الكلامِ سوى القرآنِ زَندَقَةٌ
…
إلاّ الحديثَ وإلاّ الفقهَ في الدِّينِ
وَالعِلمُ مُتَّبَعٌ مَّا كانَ ((حَدَّثَنا))
…
وما سوى ذاكَ وسوَاسُ الشّياطينِ (3)
وعَن حَوْثَرةَ بنِ مُحمدٍ المنقريِّ البَصريِّ، قالَ:((رأيتُ يزيدَ بنَ هارونَ الواسطيَّ في المنامِ بعدَ موتهِ بأربعِ ليالٍ، فقلتُ: ما فَعَلَ اللهُ بكَ؟ قالَ: تَقبَّلَ مني الحسناتِ وتَجاوزَ عني السيئاتِ، وَوَهَبَ لي التبعاتِ، قلتُ: وما كانَ بعدَ ذلكَ؟ قالَ: وهلْ يكونُ من الكريمِ إلا الكَرَم! غَفَرَ لي ذنوبي وأَدخلَني الجنةَ، قلتُ: بِمَ نِلْتَ الذي نلتَ؟ قالَ: بمجالسِ الذّكرِ، وقَوليَ الحقَّ، وصِدقِيَ في الحديثِ، وطولِ قِياميَ في الصلاةِ، وَصَبريَ على الفَقرِ، قلتُ: ومُنكَرٌ ونَكيرٌ عليهما السلام حقٌ؟ قالَ: إي واللهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ، لقد أَقعدَاني وسَألاني مَنْ رَبُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومن نبيُّكَ؟ فجعلتُ أنفضُ لحيَتي البيضاءَ من الترابِ، فقلتُ: مِثلي يُسئلُ؟ أنا يزيدُ بُن هارونَ الواسطيُّ، وكنتُ في دارِ الدُّنيا ستينَ سنةً أعلمَ النّاسِ، قالَ أَحدُهما: صَدَقَ، هو يزيدُ بنُ هارونَ، نَمْ نَومةَ العَروسِ، فلا رَوْعَةَ عليكَ بعدُ، قالَ أحدُهما: أَكتَبتَ عن حَرِيز بن عُثمانَ (4)؟ قلتُ: نَعَمْ، وكانَ ثقةً في الحديثِ، قالَ: ثقةً،
(1) فصلت: 17، والخبر في شرف أصحاب الحديث:75.
(2)
هي بلدة بما وراء النهر تقع وراء نهر سيحون. مراصد الاطلاع 2/ 774.
(3)
شرف أصحاب الحديث: 79، والإلماع:41.
(4)
قال العراقي في " شرح التبصرة والتذكرة " 2/ 234: ((بفتح الحاء المهملة وكسر الراء بعدها ياء مثناة من تحت ساكنة وأخره زاي، وهو: حريز بن عثمان الرحبي الحمصي)).
قلت: والحديثان اللذان أخرجهما البخاري:
الأول: 4/ 219 - 220 (3509): إن من أعظم الفرى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه.
والثاني: 4/ 227 (3546)، قال: حدثنا عصام بن خالد، قال: حدثنا حريز بن عثمان أنه =
ولكنّهُ كانَ يُبغِضُ عليّاً أبغضَهُ اللهُ عز وجل)) (1).
ورَوينا في " المجالسِ المكيةِ " للمَيّانِشيِّ (2)، عن أبي المُظفّرِ السَّمعَانيِّ أنهُ أنشدَ لأبي بكرِ بنِ أبي داودَ السَّجَستَانيِّ:
تَمسَّكْ بحبلِ اللهِ واتَّبعِ الهُدَى
…
ولا تَكُ بِدْعِياً لَعلَّكَ تُفلِحُ
وَلُذْ بِكتابِ اللهِ والسُّنَنِ التي
…
أَتتْ عن رسولِ اللهِ تنجو وتربحُ /232ب/
ودَعْ عنكَ آراء الرِّجالِ وقولَهم
…
فقولُ رسولِ اللهِ أَزكَى وأَشرحُ
= سأل عبد الله بن بسر صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم كان شيخاً، قال: كان في عنفقته شعرات بيض.
قال ماهر: ما ذكر من نصب حريز بن عثمان الرحبي فهذا ما نقله جماعة، لكن نقل علي بن عياش رجوعه عن ذلك كما في المجروحين 1/ 268 وكذا نقل البخاري في تأريخه الكبير 3/ 103 (356) عن أبي اليمان أنَّه رجع عن ذلك، وقال المزي في تهذيب الكمال 2/ 91:((وقال مكحول البيروتي: حدثنا جعفر بن أبان، قال: سمعت علي بن عياش وسأله رجل من أهل خراسان، عن حريز: هل كان يتناول علياً؟، فقال: أنا سمعته يقول: إن أقواماً يزعمون أني أتناول علياً معاذ الله أن أفعل ذلك، حسيبهم الله)).
(1)
أخرجه عنه: الخطيب في " شرف أصحاب الحديث ": 107 - 108.
(2)
هو أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي، صاحب كتاب " ما لا يسع المحدث جهله "، توفي سنة (581) هـ.
والميانشي: بالفتح وتشديد الثاني وبعد الألف نون مكسورة وشين معجمة وهي قرية من قرى المهدية بأفريقية. انظر: معجم البلدان 5/ 239، والعبر 4/ 245، ونكت الزركشي 1/ 190.
وجاء في مصادر ترجمته الأخرى نسبته إلى ((ميانجي)) بالفتح، والتحتية، وفتح النون، وجيم: نسبة إلى ميانج موضع بالشام، وإلى ميانه بلد بأذربيجان.
انظر: الأنساب 5/ 320، واللباب 3/ 278، ومعجم البلدان 5/ 240، ومراصد الاطلاع 3/ 1341.
ولا تَكُ من قومٍ تَلَهَّوا بدِينِهم
…
فَتطعنَ في أهلِ الحديثِ وتَقدحُ
إذا ما اعتقدْتَ الدّهرَ يا صَاحِ هذهِ
…
فأنتَ على خيرٍ تَبيتُ وتُصبحُ (1)
وعَن محمد بنِ عبدِ اللهِ بن أحمدَ اللخميِّ النحويِّ أنه أنشدَ لابنِ الأنبارِي:
أهلاً وسهلاً بالَّذين أودُّهم
…
وأحبُّهم في اللهِ ذي الآلاءِ
أهلاً بقومٍ صالحينَ ذوي تُقىً
…
خيرِ الرجالِ وزَينِ كلّ ملاءِ
يَسعونَ في طلبِ الحديثِ بعفةٍ
…
وتوقّرٍ وسكينةٍ وحياءِ
لَهُم المهابةُ والجلالةُ والتُّقى
…
وفضائلٌ جلَّتْ عن الإحصاءِ
ومدادُ ما تَجري بهِ أقلامُهم
…
أَزكَى وأفضلُ من دمِ الشُّهداءِ
يا طَالبي عِلمَ النَّبيِّ محمدٍ
…
مَا أنتُمُ وسوَاكم بسواءِ (2)
ورَوينا في آخرِ " مَسألةِ العلوِّ والنّزولِ "(3)، لأبي الفَضلِ بنِ طَاهرٍ المقدسيِّ الحافظِ: أنّ الرّشيدَ قالَ لابنِ أَكثمَ: ((ما أَنبلُ المراتبِ؟ قالَ: قلتُ: ما أنتَ فيه يا أميرَ المؤمنينَ، قالَ: فتعرفُ أجلَّ مني؟ قلتُ: لا. قالَ: لكنّي أعرفهُ: رَجلٌ في حَلقَةٍ يقولُ: حدَّثَنا فُلانٌ، عن فُلانٍ، عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ هذا خَيرٌ منكَ، وأنتَ ابنُ عمِّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ووليُّ عهدهِ؟ قالَ: نَعَمْ.
(1) انظر: طبقات الحنابلة 2/ 53 - 54، وسير أعلام النبلاء 13/ 233 - 236.
وهذه الأبيات ملفقة من قصيدة طويلة.
(2)
هذه الأبيات ذكرها ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " 1/ 31 ونسبها لأبي بكر بن دريد.
وذكر قسماً منها أيضاً ياقوت الحموي في "معجم البلدان" 3/ 100 ونسب قولها للحسين بن محمد الغسّاني الجياني، وذكر قسماً منها أيضاً العجلوني في "كشف الخفاء" 2/ 262 و543 ولم ينسبها لأحد.
(3)
مسألة العلو والنزول: 45.
وَيلكَ، هذا خير مني؛ لأنَّ اسمَهُ مقرونٌ باسمِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لا يموتُ أبداً نحنُ نموتُ ونَفنَى، والعلماءُ باقونَ ما بَقِيَ الدهرُ)) (1).
وعَن عليِّ بن عبدِ السّلام الأَرْمَنَازِيِّ (2) أنه أنشدَ بصُور لنفسهِ.
ألا إنَّ خيرَ النَّاسِ بعدَ مُحمّدٍ
…
وأصحابهِ والتابعينَ بإحسانِ
أُناسٌ أرادَ اللهُ إحياءَ دينَهُ
…
بحفظِ الذي يَروي - عن الأوّلِ - الثاني
أَقاموا حدودَ الشّرعِ شَرعِ مُحمدٍ
…
بما أوضحوا مِن دليلٍ وبرهانِ
وَسارُوا مَسيرَ الشّمسِ في جمعِ علمهِ
…
فَأوطانُهم أَضحتْ لهم غيرَ أوطانِ
إذا عَالمٌ عَالي الحديثِ تَسَامَعُوا
…
بهِ جَاءَهُ القاصِي من القومِ والدَّاني
/ 233 أ / وروينا في جزء ابن قُطرال (3)، عن أبي زرعة الرازي أنه قالَ:
دِينُ النَّبيِّ مُحمّدٍ أَخبارُ
…
نِعْمَ المطية للفتَى الآثارُ
لا تغفلَنَّ عن الحديثِ وأهلهِ
…
فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نَهارُ
وَلَرُبما أخطا الفتى سُبُلَ الهدَى
…
والشمسُ واضحةٌ لها أنوارُ (4)
(1) أخرجه: الخطيب في " شرف أصحاب الحديث ": 99 - 100، والسمعاني في "أدب الإملاء والاستملاء ":26.
(2)
أرمناز قرية من قرى بلدة صور من بلاد ساحل الشام. الأنساب 1/ 81 - 82.
وقالَ ياقوت: ((أرمناز بالفتح، ثم السكون، وفتح الميم والنون وألف وزاي: بليدة قديمة من نواحي حلب، بينهما نحو خمسة فراسخ يعمل بها قدور)). معجم البلدان 1/ 131.
(3)
هو القاضي أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن يوسف الأنصاري المالكي القرطبي، ولد سنة (563 هـ)، وتوفي سنة (651 هـ).
انظر: سير أعلام النبلاء 23/ 304، وشذرات الذهب 5/ 254.
(4)
هذه الأبيات اختُلفَ في نسبتها فقد نسبها الخطيب في " شرف أصحاب الحديث ": 76 لعبدة بن زياد الأصبهاني، ونسبها ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله ": 34 - 35 لأحمد بن حنبل، وكذلك نسبها له السيوطي في " مفتاح الجنة ": 66، ونسبها القاضي عياض في "الإلماع": 38 لمحمد بن الزبرقان. وذكرها القاسمي في " قواعد التحديث ": 50.
قولُهُ: (فيأبَى عليه العلمُ حتى يكونَ للهِ)(1)، أي: أنَّ اللهَ تعالى يريدُ للخيرِ من وَفَّقَهُ لطلبِ أحبِّ الأشياءِ إليه وهو العلمُ، وإذا أرادَهُ لذلكَ، لم
يزلْ يمتحنُهُ ويصفيه ويرقُّ قلبَهُ، حتى يهديَهُ لأن يُقْبِلَ بكليتهِ إليهِ ويخلصَ النِّيَّةَ في طلبهِ.
قالَ الشيخُ مُحيي الدّينِ النوويُّ في مقدمةِ " شَرحِ المهذبِ "(2): ((وَرُبَّما عَسُرَ - في كثيرٍ من المبتدئينَ بالاشتغالِ - تَصحيحُ النيةِ؛ لضعفِ نُفُوسِهم؛ وقلَّةِ أُنسِهِم بموجباتِ تَصحيحِ النِّيَّةِ، والامتناعُ من (3) تَعليمِهم، يُؤدِّي إلى تفويتِ كثيرٍ من العلمِ، مَعَ أنَّه يُترجَّى (4) ببركةِ العلمِ تَصحيحُها.
ويَنبغي أن يُؤَدِّبَ المتعلِّمَ على التدريجِ، فَيحرضَهُ بأقوالِهِ وأفعالهِ المتكررةِ على الإخلاصِ، والصدقِ، وحسنِ النِّيَّاتِ، ومراقبةِ اللهِ، ويُزهدَهُ في الدُّنيا، ويُرغِبَهُ في العلمِ، بتذكيرِ فضائلهِ، ويعتنيَ بمصالحهِ كاعتنائهِ بمصالحِ ولدهِ.
وعَن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: ((أكرمُ الناسِ عليَّ جَليسَي الذي يتخطَّى الناسَ حتى يجلسَ إليّ، لو استطعتُ أن لا يَقعَ الذبابُ على وجههِ
لفعلتُ)) (5).
وينبغي أن يكونَ سَمحَاً، ببذلِ ما حَصَّلَهُ من العلمِ، ولا يُلقِى شَيئاً إلى مَن لم يتأهّل لهُ ولو سَألَ عنهُ، لم يُجبْهُ ويعرِّفْهُ أنّ ذلكَ يضرُّهُ، ويَتَواضعَ للمتعلمينَ.
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 18، وهو قول معمر:((إنّ الرجل ليطلب العلم لغير الله، فيأبى عليه العلم حتى يكون لله عز وجل)). انظر: الجامع لأخلاق الراوي (784).
(2)
المجموع 1/ 72 - 74 بتصرف.
(3)
في (ف): ((في))، والمثبت من " المجموع ".
(4)
في المطبوع من " المجموع ": ((يرجى)).
(5)
المجموع 1/ 73، والأثر أخرجه: البخاري في " الأدب المفرد "(1145) و (1146)، وفي " التاريخ الكبير "، له 6/ 197 (8818).
رَوَى مُسلمٌ (1): عن عياضِ بنِ حمارٍ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((إنَّ الله أَوحَى إليّ أن تَواضَعُوا)) (2). انتهى.
قولُهُ: (بيانٌ للوقتِ)(3) مُرادُهُ السّنَّ كَما قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((وقَدِ اختُلِفَ في السِّنِّ الذي إذا بلغَهُ استُحِبَّ له التصدِّي لإسماعِ الحديثِ والانتصابِ
لروايتهِ)) (4).
قولُهُ: (فَقَد اختلفَ فيهِ كَلامُ الخطيبِ وابنِ الصَّلاحِ)(5) ليسَ بينَهما اختلافٌ في التَّحقيقِ، فإنَّ كلامَ الخطيبِ محمولٌ على ما إذا طُلبَ منهُ أن يُحدِّثَ عندَ الاحتياجِ إليهِ، بدليلِ قولهِ:((وَلَا يَمتَنع)) (6) وَكَلامَ ابنِ / 233 ب / الصَّلاحِ (7) عَلَى مَا إذا لَم يُطلَبْ ذَلكَ مِنهُ، بَلْ ولَمْ يَكُنْ يَعرِف أنَّ الحَديثَ عِندهُ، فَإنَّهُ يُستَحبُّ لَهُ أنْ يَتَصدَّى، أي: يَتعرَّضَ للنَّاسِ ليُعرفَ أنَّ ذلكَ الحديثَ عندَهُ.
(1) 8/ 160 (2865)(64).
(2)
أخرجه أيضاً: أحمد 4/ 162 و266، والبخاري في " خلق أفعال العباد ": 48، وأبو داود
(4895)
، وابن ماجه (4179)، والنسائي في " فضائل القرآن "(95) و (96)، وأبو نعيم في " الحلية " 2/ 17. وانظر: المجموع 1/ 74.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 19.
(4)
معرفة أنواع علم الحديث: 344.
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 19.
(6)
قالَ الخطيب في " الجامع ": 169 عقب (726): ((فإن احتيج إليه في رواية الحديث قبل أن تعلو سنه، فيجب عليه أن يحدّث ولا يمتنع؛ لأن نشر العلم عند الحاجة إليه لازم، والممتنع من ذلك عاص آثم)).
(7)
قالَ ابن الصلاح في " معرفته ": 344: ((والذي نقوله: إنه متى احتيج إلى ما عنده، استحب له التصدي لروايته ونشره في أي سن كانَ)).
ومن كلام ابن الصلاح هذا وكلام الخطيب الذي سبق، تبين أنه لا يوجد اختلاف بين كلاميهما، وما ذهب إليه البقاعي من عدم وجود اختلاف هو الأصح، والله أعلم.
قولُهُ: (انتِهَاء الكُهُولَةِ)(1) قالَ ابنُ الأثيرِ في " النهايةِ "(2): ((الكَهْلُ منَ الرِّجالِ: منْ زادَ على ثَلاثينَ سَنَةً إلى الأربعينَ. وقِيل: مِن ثَلاثٍ وثلاثينَ إلى الخَمسينَ)).
وقالَ في " القاموسِ "(3): ((الكَهْلُ: مَن وَخَطَهُ الشَّيبُ ورأيتَ له بَجالَةً، أو من جاوزَ الثلاثينَ أو أربعاً وثلاثينَ إلى إحدَى وخمسينَ، وهي بهاءٍ)).
وقالَ الإمامُ أبو الحسنِ الحَرَالي: ((إنهُ مَن كانَ سِنُّهُ ما بينَ اثنتينِ وأربعينَ إلى ثلاثٍ وستينَ)).
قالَ ابنُ الصَّلاحِ (4): ((قالَ سُحَيمُ بنُ وُثَيل (5):
أخُو خمسينَ مُجتمِعٌ أَشُدِّي
…
وَنَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشؤونِ (6)
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 19، وهو كلام الرامهرمزي نقله عنه العراقي فقالَ:((وروينا عن أبي محمد بن خلاد الرامهرمزي في كتابه " المحدّث الفاصل ": 352 رقم (287)، قالَ: الذي يصح عندي من طريق الأثر والنظر في الحد الذي إذا بلغه الناقل حسن به أن يحدث، هو أن يستوفي الخمسين؛ لأنها انتهاء الكهولة)).
(2)
النهاية 4/ 213.
(3)
القاموس المحيط مادة (كهل).
(4)
معرفة أنواع علم الحديث: 345.
(5)
هو سحيم بن وثيل - بالمثلثة مصغّر - الرياحي، شاعر مخضرم، قالَ ابن دريد: عاش في الجاهلية أربعين وفي الإسلام ستين. انظر: الإصابة 2/ 439 (3663).
(6)
هو في الكامل 1/ 304، والإصابة 2/ 440، وقوله:((أخو خمسين))، أي: أنا أخو خمسين سنة، واجتماع الأشد: عبارة عن كمال القوى في البدن والعقل، ومعنى:
نجذني، أي: جعلني ذا تجربة وخبرة، يقالَ: رجل منجذ - بضم الميم وفتح الجيم أو كسرها - الذي جرّب الأمور وعرفها وأحكمها، وهو المجرب، قالَ اللحياني: المنجذ هو الذي أصابته البلايا. والمداورة: المعالجة والمزاولة، والشؤون: الأمور، يعني: مداولة الأمور ومعالجتها. انظر: اللسان مادة (دري) و (دور)، وحاشية الإلماع:200.
أي: جَعلَني دَوَرَاني معَ الشّؤونِ معَ شَأن وهي الأمورُ واحتِيالي فيهَا نَجداً، أي: دَليلاً مَاهراً شُجاعاً مَاضياً فيمَا يعجزُ غَيري.
قولهُ: (وَتعقّبَهُ القَاضِي عِيَاضٌ)(1) كلامُ ابنِ خَلاد ليسَ بمتعقّبٍ، فإنّه محمولٌ على ما إذا لم يُحتجْ إليهِ وعَدُّه لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ومَن بعدهُ لا يقدحُ فيهِ، بل يؤيدُهُ، فإنّ كلاً منهُم لم يُحدّث حتى احتيجَ في الفقهِ أو غيرهِ إليهِ.
وقد أجابَ عنهُ ابنُ الصّلاح بهذا، كما نقلهُ عنه الشيخُ (2) في آخرِ هذه المقولةِ والحاصلُ أنّ ذلكَ موقوفٌ على الحاجةِ.
قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: ((ويختلفُ ذلكَ بحسبِ الزمانِ والمكانَ، فَرُبَّ بلادٍ مهجورةٍ يقعُ إليها مَن يُحتاجُ إلى روايتهِ هناكَ، ولا يحتاجُ إلى روايتهِ في البلادِ التي يكثرُ فيها العلماءُ)) (3).
قوله: (العِلْمُ والحَدِيثُ)(4) هوَ من عطفِ الخاصِّ على العامِّ، ويحتملُ أن يكونَ المرادُ بالعلمِ: الكلامُ على الحديثِ مَتناً وسَنداً، وأن يكونَ المرادُ بالحديثِ اللفظُ كذلكَ.
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 19، وكلام القاضي عياض في " الإلماع ": 200 - 202.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 21، وقول ابن الصلاح في " معرفته ": 346: ((قلت: ما ذكره ابن خلاد غير مستنكر، وهو محمول على أنه قاله فيمن يتصدى للتحديث ابتداءً من نفسه غير براعة في العلم تعجلت له قبل السن الذي ذكر، فهذا إنما ينبغي له ذلك بعد استيفاء السن المذكور فإنه مظنة الاحتياج إلى ما عنده)).
(3)
الاقتراح: 245.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 19 حكاه العراقي عن القاضي عياض قالَ: ((وكم من السلف المتقدمين ومن بعدهم من المحدثين من لم ينته إلى هذا السن ولا استوفى هذا العمر، ومات قبله وقد نشر من العلم والحديث ما لا يحصى .. )). وانظر: الإلماع: 200 - 202.
قولهُ: (حَدِيثُ الفُرَيعَةِ)(1) الظَّاهرُ أنها بنتُ مَالكِ بنِ سِنَان أُختُ أبي سَعيد الخُدْري، ويُقالَ لها: الفَارِعة (2) أيضاً وحَديثُها هذا في سُكنى المتوفَى عَنها زوجُها في بيتِها حتى يبلُغَ الكتابُ أَجلَهُ، رَواهُ في الطّلاقِ أبو داودَ (3) والتّرمِذِي (4) والنّسَائي (5) وابنُ مَاجه (6)، وليسَ لها في الكُتبِ سِواهُ.
قوله: (وَلِيَ (7) عُشرُونَ سَنَةً) (8) نُقِلَ عَن شَيخِنا أنَّهُ قالَ: / 234 أ / إنَّ الخطيبَ شَرعَ في علمِ الحديثِ قبلَ ذلكَ بقليلٍ.
وعَن " المُنتَقَى من تَاريخِ ابنِ عَسَاكِرَ " للذَّهبي، عَن الخطيبِ (9) أنه قالَ:((أوّلَ ما سمعتُ الحديثَ وَلي إحدَى عَشرَةَ سَنَةً)).
قوله: (ابنُ مُظَفَّر)(10) هو شِهَابُ الدّينِ النَّابُلُسِي سبطُ الشّيخِ خَالِد، وُلِدَ سَنةَ أربعٍ أو خمسٍ وسبعينَ وستمئةٍ وسمعَ فأكثرَ (11).
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 20، والفريعة - بالتصغير -. انظر: التقريب (8660).
(2)
التقريب (8660).
(3)
في " سننه "(2300).
(4)
في " جامعه "(1204) و (1204م).
(5)
في " المجتبى " 6/ 199 و200.
(6)
في " سننه "(2031).
وأخرجه أيضاً: عبد الرزاق (12076)، وأحمد 6/ 370 و420، وسعيد بن منصور (1365)، والدارمي (2292)، وابن الجارود (759)، وابن حبان (4292)، والطبراني في " الكبير " 24/ (1079) و (1080) و (1081) و (1082) و (1083) و (1084) و (1085) و (1088) و (1089) و (1091) و (1092)، والحاكم 2/ 208، والبيهقي 7/ 434 و435، والبغوي (2386).
(7)
في (ف): ((وفي))، والمثبت من "الجامع لأخلاق الراوي" و" شرح التبصرة والتذكرة ".
(8)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 20، وقول الخطيب في " الجامع ": 170 عقب (732).
(9)
ذكره الدكتور بشار في دراسته لكتاب " تاريخ مدينة السلام " 1/ 19.
(10)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 20.
(11)
وتوفي ساجداً سنة (758 هـ). الدرر الكامنة 1/ 317 - 318.
قالَ الذّهبي في " المعجمِ المُختصّ "(1): ((الحافظُ المحررُ، أَكبَّ على الطّلبِ زماناً وترافَقنَا مدةً، وفي خُلُقهِ زعارةٌ وفي طباعهِ نُفورٌ)).
وقالَ في " المُعجَمِ الكَبيرِ "(2): ((لهُ معرفةٌ وحفظٌ، على شَراسةِ خُلُقٍ، ثمَّ صلُحَ حالهُ)).
وقالَ البرزاليُّ (3): ((وَلَم يتزوجْ قَط، وكانَ يحبُّ الخَلوةَ والانجماعَ)) (4).
وقالَ الحُسينيُّ: ((وكانَ يقولُ: أشتَهي أن أموتَ وأنا ساجدٌ، فدخلَ بيتَهُ يوماً وأغلقَ بابَهُ وفُقِدَ ثلاثةَ أيامٍ فَدخلوا عليهِ فوجدُوهُ ميتاً وهو سَاجدٌ، وذلك في ربيعِ الأوّلِ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ، وله تخاريجٌ)) (5). انتهى.
ومنَ الكراماتِ أنه لم يُذكَرْ أنهُ تغيَّر رحمه الله.
قوله: (سَنَةَ ثلاثٍ وتسعينَ)(6) نُقلَ عن شيخِنَا: ((أنها السنةُ التي ابتدأَ الذّهبيُّ فيهَا طلبَ الحديثِ)).
قوله: (المَنْبَجِي)(7) هو شمسُ الدّينِ الدّمشقيُّ التّاجرُ وُلدَ سنةَ ستٍ، أو سبعٍ وثمانينَ وستمئةٍ، وأُحضِرَ على جَماعةٍ، وسمعَ فأكثَرَ، وأجازَ لهُ الفَخرُ بنُ البخاري في جَماعةٍ.
(1) المعجم المختص بالمحدّثين: 42.
(2)
المعجم الكبير 1/ 104.
(3)
هو أبو محمد القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد البرزالي الإشبيلي الشافعي توفي سنة (739 هـ).
انظر: الدرر الكامنة 3/ 237.
(4)
نقله عنه ابن حجر في " الدرر الكامنة " 1/ 317.
(5)
نقله عنه ابن حجر في " الدرر الكامنة " 1/ 318.
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 20.
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 20، وانظر ترجمته في: الدرر الكامنة 4/ 323.
قالَ البرزاليُّ، والذّهبيُّ (1) في " مُعجَميهِمَا ":((العدلُ المحدّثُ الفاضِلُ الصادقُ)) (2).
وعاشَ بعدَ الذَّهبي نحواً مِن عشرينَ سنةً فماتَ بدمشقَ في ذي الحجّةِ سنَة سبعٍ وستينَ وسبعمِئةٍ، وماتَ الذهبيُّ في ذي القعدَةِ سنةَ ثمانٍ وأربعينَ.
قوله: (أبو مَحمُودٍ مُحمَّدُ بنُ إبراهيمَ المقدِسِيُّ)(3) صَوابُهُ: أحمدُ بن مُحمّدِ بنِ إبراهيمَ بنِ هلال (4). قالَ شيخُنَا في المِئةِ الثامنةِ (5): ((وُلِدَ سَنةَ أربعَ عَشرةَ وسَبعمِئةٍ، وعَنيَ بالحديثِ، فَسمعَ من أصحابِ ابنِ عبدِ الدّائمِ، والنّجيبِ، وابنِ عَلَاّق فأكثرَ وبَرعَ وجَمعَ، وشَرعَ في شَرحِ " سُنَنِ أبي دَاودَ "، ومَاتَ بالقُدسِ سنةَ خمسٍ وستينَ وسبعمِئةٍ)).
قولهُ: (إذ يَخشَى الهَرَمَ)(6)، في / 234 ب / نُسخةٍ ((إن))، والظّاهرُ أنَّ المعنى قَريبٌ ويجبُ أنْ يُحذفَ معَ ((إن)) ألفُ ((يَخشَى))، والمعنى: إن خافَ الهَرَمَ على نفسِهِ.
قالَ في " القَاموسِ "(7): ((الهَرَمُ مُحرّكةً أقصَى الكبرِ)). انتهى.
والمرادُ: لازِمهُ مِن تَغيّرِ العقلِ، واللهُ أعلمُ.
قولُهُ: (ابنُ خَلاّدٍ جَزَم)(8) لم يجزمِ ابنُ خَلاّدٍ بِشيءٍ، إنّما قالَ: ((أَعجَبُ
(1) المعجم الكبير 2/ 327.
(2)
انظر: الدرر الكامنة 4/ 323.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 20.
(4)
كذا ذكر في "المعجم المختص": 33، و"لحظ الألحاظ": 148، و"الدرر الكامنة" 1/ 242.
(5)
الدرر الكامنة 1/ 242.
(6)
التبصرة والتذكرة (691).
(7)
القاموس المحيط مادة (هرم).
(8)
التبصرة والتذكرة (691).
إليَّ - أي: أَعجبُ الأمرينِ إليَّ - أن يُمسِكَ)) (1).
فَأفعلُ التّفضيلِ يَقتضِي المُشَاركةَ بين التَّحديثِ والإمسَاكِ في الإعجَابِ، والإمسَاكُ أعجَبُهُما، أي: أحبهُما إليه؛ لأنَّ الإنسَانَ لا يعجبُ غَالباً إلا مما يراهُ فَائقاً.
قوله: (لَمْ يُبَلْ)(2) قالَ في " تَرتيبِ المُحكَمِ "(3): ((قالَ سِيبوَيه: وسألتُ الخليلَ رحمه الله عَن قولِهِم: لَم أُبَلْ؟ فقالَ: هي مِن بَاليتُ، ولكنّهم لما أَسكنُوا اللَاّمَ حَذَفوا الألفَ لِئلَاّ يلتَقِي سَاكِنَانِ، وإنما فَعلوا ذلكَ بالجزمِ؛ لأنّه موضعُ حَذفٍ، فَلمّا حذَفوا الألفَ التي هي مِن نفسِ الحرفِ بعدَ اللَاّم صارتْ عندهُم بمنزلةِ نونِ ((يَكنْ)) حيثُ أُسكنت، فإسكانَ اللامِ هنا بمنزلةِ حَذفِ النونِ، وإنما فَعلوا هذا بهذينِ حيثُ كَثرَ في كَلامِهم حذفُ النونِ والحركاتِ وذلكَ نحو ((مُذْ)) و ((لُدْ))، وإنما الأصلُ ((لَدُنْ)) و ((مُنذُ)) وهذا مِن الشَّواذِّ، وليسَ مما يقاسُ ويطّردُ، وزعمَ أنّ ناسَاً مِن العرَبِ يقولونَ:((أَبلَه))
لا يزيدونَ على حَذفِ الألفِ حيثُ كثرَ الحذفُ في كلامٍ، كما حذفُوا ألفَ ((أحمَرَ)) وألفَ ((غَلِيظ)) وواوَ ((غَدٍ))، وكذلكَ فعلوا بقولهِ: بَاله كابن أباليه بمنزلةِ العاقبةِ ولم يحذفُوا ((لا أُبَالي))؛ لأنَّ الحذفَ لا يَقوَى هنا، وَلَا يَلزمُهم حذفٌ.
(1) المحدّث الفاصل: 354 (289).
وقالَ ابن الصلاح عقب نقله كلام الرامهرمزي: ((ووجه ما قاله أن من بلغ الثمانين ضعف حاله في الغالب، وخيف عليه الاختلال والإخلال أو أن لا يفطن له إلا بعد أن يخلط كما اتفق لغير واحد من الثقات)). انظر: معرفة أنواع علم الحديث: 346.
(2)
التبصرة والتذكرة (692).
(3)
قالَ حاجي خليفة بعد أن ذكر كتاب " المحكم " لابن سيده: ((وقد هذبه صفي الدين محمود ابن محمد الأرموي العراقي المتوفى سنة (723 هـ))).
انظر: كشف الظنون 2/ 1617.
كَما أنَّهم إذا قَالُوا: ((لَم يَكُنِ الرّجلُ)) فكانَتْ في موضعٍ تُحرّكُ لَم يحذفْ وَجَعلوا الألفَ معَ الحركةِ، أَلا ترى أنّها لا تحذفُ في ((أُبالي)) في غيرِ موضِعِ الجزمِ، وإنما تُحذفُ في الموضعِ الذي تحذفُ مِنهُ الحركةُ)). انتهى.
قوله: (وَفِئَه)(1) قالَ في " القَاموسِ "(2): ((الفِئَةُ: الطّائفةُ أصلُها فِيءٌ كَفِيعٍ جمعهُ فِيئُونَ وفِيآتٌ)).
قولهُ في شرحِ ذلكَ الحدِّ (3): (التّغيّرُ)(4) وهوَ على حذفِ مُضافٍ، أي: خَوف التّغيّرِ بِدليلِ مَا بعدهُ. والخرفُ: هو فَسادُ / 235 أ / العقلِ.
قالَ في " القاموسِ "(5): ((خَرَفَ كَنَصَرَ وفَرِحَ وكرُمَ، فهو خَرِفَ
ككرم (6): فَسَدَ عَقْلُهُ، وأَخْرَفهُ: أفسدَهْ)). كذا قالَ: ((ككرمَ))، وقالَ الصَّغَاني في " المجمَعِ ": ((والخَرَفُ بالتحريكِ: فسادُ العقلِ منَ الكِبرِ، وقد خَرِفَ الرجلُ - بالكسرِ - فهو خَرِفٌ، قالَ أبو النَّجمِ العجْليُّ:
أقبَلتُ مِن عند زيادٍ كالخَرِف
…
تَخُطُّ رِجلايَ بِخَطٍّ مُختَلِفْ
[و](7) تَكتبانِ في الطريقِ لامَ الِفْ (8)
(1) التبصرة والتذكرة (693).
(2)
القاموس المحيط مادة (فئ).
(3)
قالَ العراقي في " شرح التبصرة والتذكرة " 2/ 21: ((قالَ القاضي عياض: الحد في ترك الشيخ التحديث التغير وخوف الخرف)). وكلام القاضي في " الإلماع ": 204.
(4)
في (ف): ((الحديث أخبره التغير
…
)).
(5)
القاموس المحيط مادة (خرف).
(6)
الذي في " القاموس المحيط ": ((ككتف)).
(7)
ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " الصحاح ".
(8)
الأبيات نقلها الجوهري في " الصحاح "مادة (خرف).
وخُرَافةُ: اسمُ رجل من عُذْرَةَ استهوتْهُ الجنُّ، فكانَ يُحدِّثُ بما رَأى، فكذَّبوهُ وقالوا:((حديثُ خُرَافَة)).
ورُويَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ: ((وخُرافَةُ حَقّ)) (1).
والرَّاءُ فيه مخففةٌ، ولا تدخلهُ الألفُ واللامُ؛ لأنَّه معرفةٌ، إلا أنْ تريدَ به الخُرَافَاتِ الموضُوعةِ من حديثِ الليلِ)) (2). انتهى.
قوله: (وكَذَا قالَ ابنُ الصَّلاحِ)(3) عبارتهُ: ((وَأمّا السِّنُّ الذِي إذا بلغَهُ المحدِّثُ يَنبغي (4) لهُ الإمسَاكُ عن التَّحديثِ، فَهو السِّنُّ
…
)) (5) الخ.
(1) هذا الحديث أخرجه: أحمد 6/ 157، والترمذي في " الشمائل "(252) بتحقيقي، وأبو يعلى (4442) من حديث مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ذات ليلة حديثاً، فقالت امرأة منهن:
يا رسول الله، كأنَ الحديث حديث خرافة؟ فقالَ:((أتدرين ما خرافة؟ إن خرافة كانَ رجلاً من عذرة، أسرته الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهراً طويلاً ثم ردوه إلى الإنس، فكانَ يحدث الناس بما رآى فيهم من الأعاجيب، فقالَ الناس: حديث خرافة)) وإسناده ضعيف لضعف مجالد بن سعيد، وقد اختلف عليه فيه؛ إذ روي عنه مرسلاً، والمرسل هو الصواب كما نص عليه الدارقطني في العلل.
وبنحوه أخرجه الطبراني في " الأوسط "(6068).
وقالَ الهيثمي في " مجمع الزوائد " 4/ 315: ((رواه أحمد وأبو يعلى والبزار وروى الطبراني في " الأوسط " عن عائشة
…
ورجال أحمد ثقات، وفي بعضهم كلام لا يقدح، وفي إسناد الطبراني علي بن أبي سارة وهو ضعيف)).
(2)
انظر: الصحاح مادة (خرف).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 21.
(4)
في " المعرفة ": ((انبغى)).
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 346.
قوله: (وَيَخَافُ [عَلَيهِ] (1) فيهِ أنْ يخلُطَ) (2) قالَ ابنُ كثيرٍ: ((إذا كانَ الاعتمادُ على حفظِ الشّيخِ الرّاوي، فَينبغي الاحتِرَازُ مِن اختلاطِهِ إذا طَعَنَ في السِّنِّ وأمَّا إذا كانَ الاعتمادُ على حفظِ غيرهِ وخطِّهِ وضَبطهِ، فَهاهُنا كُلّما كانَ السنُّ عَالياً كانَ [النّاسُ] (3) أرغَبَ في السّماعِ عليهِ كما اتفقَ لشيخنَا أبي العبّاسِ أحمدَ ابن أبي طَالبٍ الحَجَّارِ (4)، فإنّه جاوزَ المِئةَ محققاً، سَمعَ على الزَّبيدي سنةَ ثلاثينَ وستمِئةٍ " صحيحَ البُّخارِيِّ " وأسمعَهُ سَنةَ ثلاثينَ وسبعمِئةٍ)). قلتُ: وفيهَا ماتَ (5) وكانَ شيخُنا كبيراً عامّياً، ولا يضبطُ شَيئاً ولا يتعقلُ كثيراً مِن المعَاني الظّاهرةِ، ومعَ هذا تَداعى النّاسُ إلى السماعِ منهُ عند تفرّدِهِ عن الزبيدي، فسمع منهُ نحو مِئةِ ألفٍ أو يزيدونَ)) (6).
قولهُ: (وَتَحرّى)(7)، أي: تعمّدَ وتطلّبَ ما هو أَحرَى، أي: أجدَر وأولىَ بالاشتغالِ.
والمعنى أنَّه اجتهدَ في الإمسَاكِ والتّحديثِ، فرأى التحديثَ أولى بهِ.
قوله: (احتِسَابَاً)(8)، أي: مِن غيرِ أجرةٍ بَل طَلباً للثَّوابِ.
(1) ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " شرح التبصرة والتذكرة ".
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 21، وهو من كلام ابن الصلاح.
(3)
ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " اختصار علوم الحديث ".
(4)
في (ف): ((الحجاز)) بالزاي المعجمة، والصواب ما أثبته.
انظر: ترجمته في البداية والنهاية 18/ 327، والدرر الكامنة 1/ 142، وشذرات الذهب 6/ 93.
(5)
هذا استدراك من البقاعي.
(6)
اختصار علوم الحديث: 217 بتحقيقي، وانظر: شذرات الذهب 6/ 93.
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 22، وهو من كلام ابن خلاد الرامهرمزي.
(8)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 22، وهو من كلام ابن خلاد أيضاً ونص كلامه:((فإذا تناهى العمر بالمحدّث فأعجب إلي أن يمسك في الثمانين؛ فإنه حد الهرم. قالَ: والتسبيح والذكر وتلاوة القرآن أولى بأبناء الثمانين فإن كانَ عقله ثابتاً ورأيه مجتمعاً يعرف حديثه ويقوم به وتحرى أن يحدث احتساباً)). المحدّث الفاصل: 354 (289).
وقيَّدهُ بذلك؛ لأنَّه إذا قبِلَ بجوازِ أخذِ الأُجرةِ وحدّثَ في هذا السنِ / 235 ب / بالأُجرةِ خِيفَ عليهِ التَّساهلُ لأجلِهَا، مع تساهلِ الآخِذِ رغبةً في العُلُو.
و ((حبُّكَ للشيء يُعْمِي ويُصِمُّ)) (1).
قولهُ: (كَالحَضرَميِّ)(2) هو محُمّدُ بنُ عبدِ اللهِ مُطَيَّن، (ومُوسَى)(3) هو ابنُ هَارُونَ الحَمّالُ، (وعَبْدَان)(4) هو ابنُ أحمدَ الجَوَالِيقي، ثلاثتُهم من شُيوخِ الطّبراني وابن عديٍّ.
قولُه: (وَلَم أَرَ بِفَهمِ أبي خَليفَةَ)(5) هو الفَضلُ بنُ الحُبَابِ الجُمَحيُّ البَصْريُّ، مُحدّثُ البصرةِ من شُيوخِ ابنِ حِبَّانَ وابن خَلَاّد، كانَ من المعمّرينَ المكثرينَ الصادقينَ
(1) أخرجه: أحمد 5/ 194، وعبد بن حميد (205)، والبخاري في " التاريخ الكبير " 2/ 93 (1853)، وأبو داود (5130)، والطبراني في " المعجم الأوسط "(4359) وفي " مسند الشاميين "، له (1454) و (1468)، وابن عدي في "الكامل " 2/ 212، والقضاعي في " مسند الشهاب "(219)، والبيهقي في " الشعب "(411) من حديث أبي بكر بن عبد بن أبي مريم الغساني، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم وإسناده ضعيف؛ لضعف أبي بكر بن أبي مريم.
وروي موقوفاً على أبي الدرداء. أخرجه: البخاري في " التاريخ الكبير " 2/ 93 (1853)، والبيهقي (412)، وهو أشبه بالصواب.
قالَ البيهقي في " شعب الإيمان " عقب (412): ((قالَ الحليمي رحمه الله: ((فقد يفهم من هذا أن من أحب الله تعالى لم يعد المصائب التي يقضيها عليه إساءة منه إليه، ولم يستثقل وظائف عبادته، وتكاليفه المكتوبة عليه كما أن من أحب أحداً من جنسه لم يكد يبصر منه إلاّ ما يستحسنه، ويزيده إعجاباً به ولا يصدّق من خبر المخبرين عنه إلا ما يتخذه سبباً للولوع به والغلو في محبته)))).
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 22.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 22.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 22.
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 22.
العارفينَ، عاشَ مِئةَ سنةٍ غير أشهُرٍ، وماتَ في جمادى الأولى سنةَ خمسٍ وثَلاثمئةٍ (1).
قالَ شيخُنا: ((وإنّما أخّره لشيءٍ مَا قيلَ في ضَبطِهِ)).
قولهُ: (جِلدهُ بِرَوْقِهِ)(2) هُو مِن أبياتٍ قَالها عامرُ بنُ فُهيرةَ رضي الله عنه (حينَ أصابتهُ الحُمَّى عندَ قُدومِهم المدينةَ في الهجرةِ، وأصابتْ معهُ أبا بكرٍ وبِلالاً رضي الله عنهم أجمعينَ، وكانَ كلٌ منهم يُنشدُ - إذا أخذتهُ الحُمّى - شَيئاً.
روتْ ذلكَ عنهم عائشةُ رضي الله عنها، وكانَ ذلكَ قبلَ أن ينزلَ الحجابُ قالت: فقلتُ لهُ: كيفَ تجدُكَ؟ فقالَ:
قد وجدتُ المَوتَ قبلَ ذوقِهِ
…
إنَّ الجبانَ حَتفُهُ مِن فَوقِهِ
كُلُّ امرِئ مُجَاهِدٌ بِطَوقِهِ
…
كَالثّورِ يَحمِي جِلْدَهُ بِرَوقِهِ (3)
بِطَوْقهِ، أي: بطاقتِهِ، فيما قالَ ابنُ هِشَام (4).
قالت رضي الله عنها: فقلتُ: واللهِ مَا يدري عامرُ ما يقولُ.
قوله: (والذِّكْرُ)(5) قالَ في " القاموسِ "(6): ((الذِّكْرُ، بالكسر: الحفظُ للشّيءِ كالتَّذْكارِ، والشّيءُ يَجْري على اللسانِ، وما زالَ مِنِّي على ذُكْرِ، ويكسر أي: تَذَكُّرِ)).
(1) انظر: سير أعلام النبلاء 14/ 7 - 11.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 23.
(3)
انظر: الإصابة 3/ 124 (4413)، والفتح 7/ 328 عقب (3926)، وأحد البيتين ذكره مالك في الموطأ (2604) رواية الليثي عن يحيى بن سعيد: أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: وكانَ عامر بن فهيرة يقول:
قد رأيت الموت قبل ذوقه
…
إن الجبان حتفه من فوقه
(4)
السيرة النبوية 2/ 237.
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 23.
(6)
القاموس المحيط مادة (ذكر)، وانظر: اللسان مادة (ذكر)، ومتن اللغة مادة (ذكر).
قوله: (وَتَغيير الفَهمِ)(1) هَكذا رأيتُهُ في غيرِ مَا نُسخَة، وصوابُهُ (التَّغيرُ)(2)؛ لأنَّه يَتغيرُ مِنْ غَيرِ اختيارِهِ، لا أنّهُ هو يُغيِّرُ نفسَهُ، وَيجوزُ أنْ يَكونَ المرادُ: تَغييرُ اللهِ لعقلِهِ، وَالأوّلُ أحسنُ؛ لأنَّهُ المتبادرُ.
قوله: (مَخَافَةَ أنْ يَبدأَ بِهِ)(3) هو بدلٌ منْ قولِهِ: ((لأنَّ الغالِبَ)).
ويجوزُ أنْ يكونَ مهموزاً فيكونَ معنَاهُ: يَبتديءُ، وَأنْ يَكون غَيرَ مهموزٍ فيكونَ بمعنى: يَظهرُ.
قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ "(4): ((وهذا - أي: الإمساك - عندمَا تظهرُ أَمَارةُ الاختلالِ، وَيخافُ منهَا، فأمّا منْ لمْ يظهرْ ذَلكَ فيهِ فَلا يَنبغي الامتناعُ؛ لأنَّهُ هذا الوقتُ أحوَجُ مَا يكونُ الناسُ إلى روايتِهِ. وَهكذا القولُ في الأعمَى، إذا خِيْفَ مِنْهُ التَّخْلِيطُ)). انتهى.
وهو حسنٌ إذا كانَ لَهُ منْ / 236 أ / يَثقُ بِهِ في مثلِ هذا، وأوصَاهُ أنَّهُ إذا رأى مِنْهُ أَمَارَةَ التّخليطِ منعَهُ، وإنْ لم يجدْ كانَ ما قالَ الجماعةُ هو المَظنَّةُ، فالحكمُ لَهُ كمَا دلَّ عليهِ كلامُ ابنِ خلاّدٍ، وما وجَّههُ بِهِ القاضي عياضٌ وابنُ الصلاحِ.
قالَ ابنُ الصّلاحِ: ((ووجهُ مَا قالَ - يعني: ابنَ خلاّدٍ - أنَّ منْ بلغَ الثَّمانينَ ضَعُفَ حَالُهُ في الغالبِ، وَخِيفَ عَليهِ الاختلالُ والإخلالُ، وأنْ لا يُفطَنَ لهُ إلاّ بعدَ أنْ يخلِطَ، كمَا اتفقَ لغيرِ واحدٍ مِنَ الثّقاتِ منهم: عبدُ الرزاقِ، وسَعيدُ بنُ أبي عَروبةَ))، ثمَّ قالَ:((وقدْ حدَّثَ خلقٌ بعدَ مجاوَزةِ هذا السّنِّ فساعدَهُمُ التوفيقُ وصَحِبَتْهُمُ السّلامةُ)).
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 23، وهو من كلام القاضي عياض.
(2)
وهو كذلك في " شرح التبصرة والتذكرة ".
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 23، وهو من كلام القاضي عياض.
(4)
الاقتراح: 246.
إلى أنْ قالَ: ((وعليُّ بنُ الجعدِّ وَجمعٌ جمٌّ مِنَ المتقدّمينَ وَالمتأخرينَ)) (1).
قوله: (إنْ جَازتْ عَليهِ أشياءُ)(2)، أي: منَ الخطأِ فيختَلط حديثُهُ وربما لا يَدري السَّابقُ واللاحق فيسقطَ الكُلُّ.
قوله: (إنْ يخف) في قوله: (وَيَنبغِي إمسَاكُ الأعمَى)(3)، أي: فإن لمْ يخف، بأنْ كانَ لهُ ثقةٌ مخبورٌ يُمسكُ أصلَهُ كانَ كمَا لو أمسكَ هُوَ.
قوله: (منْ سِيْلَ)(4) هو فعلٌ ماضٍ مبنيٌ للمفعولِ من السؤالِ، فهو في الأصلِ مضمومٌ، والأوّلُ مَكسورُ الهمزةِ، فحُذفت الهمزةُ تَخفيفاً، ثُمَّ فعلَ فيهِ ما فعلَ بالمبني للمفعولِ من ((قالَ)) و ((باعَ)) بأنْ كَسَرَ ما قبلَ العينِ المُعتلّةِ لِيَخِفَّ النُّطقُ بها.
قوله: (دَلَّ)(5)، أي: دلَّ ذلك السَائلُ له في التَّحديثِ على ذلكَ الذي علِمَ رجحانَهُ عليهِ في ذلكَ الجزءِ، بسببِ أنَّ ذلك حقٌّ عليهِ، ولو عَلِمَ أنَّ الطالبَ يعلمُ أنَّ ذلك الجزءَ أو الكتابَ عندَ المدلولِ عليهِ، فإنَّهُ لا بأسَ بأنْ يذكرَهُ لَهُ على سبيلِ التّنبيهِ، فإن تَركَهُ بعدَ تنبيهِهِ حدّثَهُ، فإنَّ في ذلكَ أمرينِ مندوبَينِ:
أحدهما: النَّصحيةُ للطالبِ.
والثاني: التّألف للمدلول عليه.
ومعنى: (ينبغي)(6)، أي: يُستحبُّ استحبَاباً مُؤَكَّداً.
(1) معرفة أنواع علم الحديث: 346.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 23، وهو من كلام القاضي عياض.
(3)
التبصرة والتذكرة (694).
(4)
التبصرة والتذكرة (694).
(5)
التبصرة والتذكرة (695).
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 23.
قولُهُ: (بِحَضرَةِ الأحَقِّ)(1)، أي: في مَجلسِهِ.
قولُهُ:
696 -
وَبَعْضُهُمْ كَرِهَ الأَخْذَ عَنْهُ
…
بِبَلَدٍ وَفِيْهِ أَوْلَى مِنْهُ
حصلَ للجُزءِ الثاني منهُ خَبلٌ، وهو اجتمَاعُ الخَبنِ والطَّي، وذلكَ حذفُ ساكِني مُستَفعِلُن الثّاني والرّابع فَتَوالتْ فيه أَربعُ حركاتٍ، ثُمَّ حصلَ للجزءِ الثالثِ وهو مع الضربِ الثاني منَ الرّجزِ القطعُ معَ الخبنِ. والقَطعُ حَذفُ ساكنِ الوَتدِ، وتَسكينُ المُتَحرّكِ / 236 ب / قبلَهُ، والخبنُ حَذفُ الساكنِ الثاني
ويبتدئ.
لا خيرَ فيمَنْ كَفَّ عنَّا شَرَّهُ
…
إنْ كَانَ لا يُرجَى لِيومٍ خَيرهُ
فلذلكَ صارَ البيتُ ثقيلاً.
قولُهُ في شرحِهِ: (مِنَ النَّصيحةِ في العلمِ)(2) وينبغي لهُ أنْ يَدلَّهُ عَلَى منْ هو أولى منهُ بذلكَ الجزءِ في بلدٍ أُخْرَى، لكنْ ينبَغي لهُ حينئذٍ أنْ يَقرُنَ تلكَ الدلالةَ بالإجازةِ مِنهُ لاحتمَالِ اخترام المنية للدّالِّ والمدَلولِ عليهِ قَبلَ أخذِ الطّالبِ لَهُ عنِ المدلولِ عليهِ، لا سِيَّمَا إذا بَعُدَتِ المسَافةُ بينهما.
قولُهُ: (أوْلى مِنْهُ لِسِنِّهِ)(3)، أي: إذا استوَيا في حملهِ منْ جهةِ قِدَمِ السّماعِ، وَمِنْ جهةِ كونِ الإسنَادِ سَمَاعَاً أو إجَازةً، وغير ذلكَ منْ فهمِ العلمِ، وضبطِهِ، والورعِ وغيرِهِ، وزادَ أحدُهُما بالسّنِّ الصحيحِ، وأمَّا التّرجيحُ بمُطلقِ السِّنِّ فلا ينبغي الاعتدادُ بهِ.
(1) التبصرة والتذكرة (695).
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 24.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 24.
وإلى هذا يرشدُ قولُ ابنِ دقيقِ العيدِ في " الاقتراحِ "(1): ((وينبغي أن يكون عندَ الاستواءِ فيما عَدا الصفةِ المرجحةِ، أمَّا معَ التفاوتِ بأنْ يكونَ الأعلى إسناداً عَامياً لا معرفةَ لَهُ بالصنعةِ، والأنزلُ (2) إسناداً عارفاً ضابطاً، فهذا يتوقفُ فيه بالنسبةِ إلى الإرشادِ المذكورِ؛ لأنَّه قد يكونُ في الروايةِ عن هذا الشَّخصِ العامِّي ما يُوجبُ خَللاً)).
قولُهُ في شَرح قَولهِ: (وَلا تقُم)(3): (يُكتَبُ عَليهِ خَطِيئةٌ)(4)، أي: لأنَّ عليهِ المبالغة في تعظيمِ حديثِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فإذا قَامَ لأحدٍ تعظيماً لهُ فقدْ غيَّرَ في وجهِ تعظيمِ الحديثِ؛ لأنَّه فَعَلَ ما يَقتضي قطعهُ والاشتغالُ بغيرِهِ، ولكن هذا القولُ مِنَ الإمامِ أبي زيدٍ (5) رحمه الله إنّمَا هو عَلى سبيلِ المبالغةِ في التّغليظِ، والحثِّ عَلى تبجيلِ الحديثِ، فإنَّهُ مما يمكنُ دخولُهُ تحتَ قولِهِ تعالى:{لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِي} (6) الآية.
وكذا ينبغي للسامعينَ تركُ ذلكَ، وكذا جميع ما يشغلُهُم عن بعض السماعِ، ويتأكدُ ذلكَ في حقِّ الشّيخِ المسمعِ.
(1) الاقتراح: 247.
(2)
في (ف): ((الأنزال))، والمثبت من " الاقتراح ".
(3)
التبصرة والتذكرة (697).
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 24، وهو من كلام أبي زيد المروزي:((القارئ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام لأحد فإنّه تكتب عليه خطيئة)).
(5)
هو الإمام محمد بن أحمد بن عبد الله المروزي، راوي " صحيح البخاري " عن الفربري، توفي سنة (371 هـ).
انظر: سير أعلام النبلاء 16/ 313 - 315.
(6)
الحجرات: 2.
قولُهُ: (مِنْ إدْرَاكِ بَعْضِهِ)(1) الاستدلالُ على هذا بالحديثِ (2) منْ مفهومِ الموافقةِ بطريقِ الأولى، فإنّ منَ المعلومِ الذي لا يُشكُّ فيهِ أنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم لم يكونوا يسردونَ الحديثَ سَرداً يمنعُ من إدراكِ بعضِهِ، وقد قالتْ عائشةُ رضي الله عنها فيهمْ ذلكَ، فما الظنُّ بِسردٍ يمنعُ من إدراكِ البعضِ.
قالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ: ((ولقد تسامحَ / 237 أ / الناسُ في هذه الأعصَارِ، فيستعجلُ القُرَّاءُ استعجالاً يمنعُ من إدراكِ حروفٍ كثيرةٍ، بل كلماتٍ، وهذا عندنا شديدٌ، لأنَّ عمدةَ الروايةِ الصدقُ، ومُطابقةُ ما يُخبرُ بهِ للواقعِ، وإذا قالَ السامعُ على هذا الوجهِ: قُرِىءَ على فُلانٍ وأنا أسمعُ، أو أخبرنا فلانٌ قراءةً عليه وأنا أسمعُ، فهذا إخبارٌ غيرُ مطابقٍ، فيكونُ كذباً، وما قيلَ في هذا من أنَّه يدخلُ في الإجازةِ [المقرونةِ بالسّماعِ، ويكونُ ذلك روايةً لبعضِ الألفاظِ بالإجازةِ] (3) من غير بيانٍ، فهو تسامحٌ لا أرضَاهُ، لما أَشَرنا إليهِ من بُعدِ لَفظِ الإجازةِ من معنى الإخبارِ، بل هَاهُنا أمرٌ زائدٌ، وهو دلالةُ اللفظِ على أنَّه سمعَ جميعَ ما يرويهِ من الشيخِ، ولم يكنِ المتقدّمونَ على هذا التساهلِ.
هذا أبو عبدِ الرحمانِ النّسَائيُّ يقولُ فيما لا يُحصَى من المواضعِ في كتابهِ،
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 25، وانظر: نكت الزركشي 3/ 645.
(2)
إشارة إلى حديث السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم، ولكنه كان يتكلم بكلام بين فصل، يحفظه من جلس)).
وهذا الحديث أخرجه: الحميدي (247)، وأحمد 6/ 118 و137 و157 و257، ومسلم 7/ 167 (2493)، وأبو داود (3654) و (3655) و (4839)، والترمذي (3639) وفي " الشمائل "، له (223)، والنسائي في " عمل اليوم والليلة "(413)، وأبو يعلى (4393) و (4677)، وابن حبان (7153).
(3)
ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " الاقتراح ".
وذَكرَ كلمةً معناها كذا وكذا (1)، والذي أراهُ في مثلِ هذا أن يُستَقرَأَ الشّيخُ بروايةِ جميعِ الجزءِ، فإذا وقعَ مثلُ هذا في السّماعِ، أطلقَ الراوي عنهُ الإخبارَ قائلاً: أخبرنا فلانٌ، من غيرِ أن يقولَ قراءةً [عليهِ] (2)؛ لأنَّا قد قُلنا: إنَّ الإخبارَ الجمليَّ في هذا كافٍ لمطابقةِ الواقعِ، وكونه على قانونِ الصّدقِ، [و](3) غايةُ ما في البابِ أن تكونَ بعضُ تلكَ الألفاظِ التي لم يسمعها داخلةً في هذا الإخبارِ الجُمليِّ، وذلكَ صدق. وإنما كَرهنَا ذلكَ فيما إذا لم يسمعِ الجزءَ أصلاً لمخالفتِهِ العادةَ، أو لكونهِ قد يُوقعُ تهمةً إذا علمَ أنّهُ لم يسمعِ الجزءَ من الشّيخِ، وهذا معدومٌ في هذه الصورةِ، لا سيما إذا أثبتَ السماعَ بغيرِ خطّهِ، فانتفتِ الريبةُ من كلِّ وجهٍ)) (4). انتهى.
قولُهُ: (ودُعَاءٌ يَليقُ بِالحَالِ)(5) قالَ الإمامُ شهابُ الدينِ أحمدُ بنُ سعدِ الأنْدَرَشِيُّ في تلخيصِ عُلومِ الحديثِ في أوّلِ كتابهِ " العُمْدَةِ "(6) الذي اختصَرَ فيهِ
" تَهذيبَ الكَمالِ " و" الأَطرافَ ": ((وزادَ بعضُهُم قراءةَ القُرآنِ، يعني: في الافتتاحِ كما سيأتي ذكرهُ في مجلسِ الإملاءِ ليكونَ مُطلق التّحديثِ
كالإملاءِ)).
(1) انظر على سبيل المثال: المجتبى 1/ 178 و189 و214 و2/ 82 و3/ 229 و232.
(2)
ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " الاقتراح ".
(3)
ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " الاقتراح ".
(4)
الاقتراح: 248 - 250.
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 25.
(6)
قال حاجي خليفة 2/ 1170: ((العمدة في مختصر تهذيب الكمال والأطراف لشهاب الدين أحمد بن سعد الأندرشي الصوفي المتوفى سنة (750 هـ)))، وكلا الأصلين للإمام المزي
رحمه الله.
قولُهُ في قولِهِ: (وَاعقِد للإملاءِ): (مِنْ أرفعِ الإسماعِ)(1) بَلْ هو أعلى أنواعِ السَّماعِ عندَ الأكثرينَ، وإنْ كانَ بعضُهُم رجّحَ القراءةَ عَلى الشّيخِ عَلى السّماعِ منه كمَا مَضَى.
وعبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((فإنّهُ - أي: الإملاءَ - منْ أعْلى مراتبِ الرّاوينَ، والسّماع فيه منْ أحسنِ / 237 ب / وجوهِ التحمُّلِ وأقواهَا)) (2). انتهى.
قالَ الأنْدَرَشِيُّ: ((لاقتضاءِ ذلكَ التّدبرِ منَ الشّيخِ، وَالتحققِ منَ الكاتبِ)). انتهى.
وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في استحبابِ الإملاءِ: ((تأسِّياً بالسّلفِ الماضينَ؛ ولأنّهُ لا يقومُ بذلكَ إلاّ أهلُ المعرفةِ؛ ولأنَّ السّماعَ يكونُ محققاً مبيَّنَ الألفاظِ، معَ العادةِ في قراءتِهِ للمُقابلةِ بعدَ الإملاءِ)) (3).
وقدْ قالَ الحافظُ أبو طاهرٍ السِّلفيُّ شِعراً فيهِ:
فأَجلُّ أنَواعِ الحديثِ بأسرِهَا
…
مَا يَكتُبُ الإنسانُ في الإِملاءِ (4)
قوله: (مُبَلِّغاً)(5)، أي: مَنْ لمْ يَسمعْ أصلاً.
(أوْ مُفْهِمَاً)(6)، أي: منْ سَمعَ شيئاً، وَخَفِيَ عَليهِ بعضُ الكلماتِ، أوِ الحروفِ.
(1) التبصرة والتذكرة (699):
وَاعْقِدْ لِلاِمْلَا مَجْلِساً فَذَاكَ مِنْ
…
أَرْفَعِ الاسْمَاعِ وَالَاخْذِ ثُمَّ إِنْ
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 349.
(3)
الاقتراح: 250.
(4)
أخرجه: السمعاني في " أدب الإملاء والاستملاء ": 18، لكن بدل لفظة الحديث:
((السماع)). وذكره ابن دقيق العيد في " الاقتراح ": 251.
(5)
التبصرة والتذكرة (701).
(6)
المصدر نفسه.
قولُهُ في شرحِ ذلكَ: (ابن فَقَدْتُكَ)(1) هو تَضَجّرٌ وَقعَ منَ المُملي في حقِّ المستَملي؛ لقلّةِ فهمِهِ، مِع جراءتِهِ واتّساعِ صدرِهِ، معَ الجهلِ حيثُ ظنَّ ((عِدَّةً)) اسمَ رجلٍ فدعَا عليهِ بأنْ يفقدَهُ فلا يراهُ ولا يسمَعُ بِهِ، فهوَ خبرٌ مرادٌ بِهِ الدعاءُ.
قوله: (أنْ لا يُخَالِفَ لَفْظُهُ)(2) يعني: إذا قُلنا بجوازِ الروايةِ بالمعنى، استحبَّ ذلكَ، وإلاّ فالوجوبُ.
قوله: (وَفَائِدتُهُ)(3) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((وَالفائدةُ في استملاءِ المستمِلي تَوصُّلُ مَنْ يسمع لَفظَ المملي عَلى بُعْدٍ منهُ إلى تفهّمِهِ وتحققِهِ بإبلاغِ المستملي وأمَا مَن لم يسمعْ [إلاّ لفظَ المستملي] (4) فليسَ يستفيدُ بذلكَ جوازَ روايتِهِ لذلكَ عنِ المملي مُطلقاً منْ غيرِ بَيانٍ للحالِ فيهِ، وفي هذا كلامٌ قدْ تقدّمَ في النوعِ الرابعِ والعشرينَ)) (5)، يعني: وهو في معرفةِ كيفيةِ سماعِ الحديثِ.
قالَ الشّيخُ في " النكتِ "(6): ((والذي قدّمهُ هنَاكَ أنّهُ حَكى قولينِ: الجواز والمنع، وقالَ: إنّ الأولَ بعيدٌ)).
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 27، والكلام من قصة يزيد بن هارون عندما سأله المستملي بعد قوله: حدثنا به عدّة، فسأله المستملي: يا أبا خالد عدّة ابن من؟ فقال له: عدّة ابن فقدتك. والأثر أخرجه: الخطيب في " الجامع ": 274 (1210)، والسمعاني في " أدب الإملاء والاستملاء ":107.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 27، حكاه العراقي عن الخطيب حيث قال:((يستحب له أن لا يخالف لفظه)). وانظر: الجامع: 274 قبيل (1212).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 27.
(4)
ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " معرفة أنواع علم الحديث ".
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 350.
(6)
التقييد والإيضاح: 247 - 248.
فاقتضى كلامُهُ هناكَ رجحانَ الامتناعِ، والصوابُ كمَا قدّمتُهُ هنُاكَ أنَّهُ إنْ كَانَ المملي يسمعُ لفظَ المستمِلي فحُكمُ المستملي حُكمُ القارئ عَلى الشّيخِ، فيجوزُ لسامعِ المستملي، أنْ يَرويَهُ عنِ المملِي لكنْ لا يَجوزُ أنْ يقولَ: سمعتُ، ولا أخبرني فلانٌ إملاءً، إنّما يجوزُ ذلكَ لمنْ سمعَ لفظَ المملي، ويجوزُ أنْ يقولَ: أخبرنا فلانٌ، ويطلقُ ذلكَ على الصحيحِ.
وهلْ يجوزُ أنْ يقيدَ ذلكَ بقولِهِ: قراءةً عليهِ؟ يحتملُ أنْ يقالَ بالجوازِ؛ لأنَّ المستملي كالقارىء عَلَى الشّيخِ وَيحتملُ أنْ لا يجوزَ ذَلكَ؛ لأنَّ موضوعَ المستملي تتبُّعُ ألفاظِ الشّيخِ، وَليسَ قصدهُ القراءةَ عَلى الشّيخِ، والأوَّلُ أظهرُ كما تقدّمَ هُنَاكَ، واللهُ أعلمُ)).
ومُرادُهُ بموضوعِ المستملي المرادُ منهُ والمقصودُ بِهِ.
قولُهُ: (وَاستَحسَنُوا البَدْءَ / 238 أ / بقارىءٍ تَلا)(1)، قالَ شيخُنَا رحمه الله:((كانَ شيخُنَا العراقيُّ يقرأُ بسورةِ ((سَبَّحَ))، وفيهَا منَ المناسبةِ:
{سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى} (2))).
قلتُ: وكذا: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} (3)، وكذا:{قَدَّرَ فَهَدَى} (4)،
و: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} (5) وغيرِ ذلكَ.
قولُهُ: (فَالصَّلاةُ والسَّلامُ)(6) وإنّما اقتصرَ عَليها؛ لاشتهارِهَا في المجموعِ نحو ((لا إلهَ إلَاّ اللهُ)) في كلمةِ الإسلامِ، وهي الشَّهادتانِ.
(1) التبصرة والتذكرة (702).
(2)
الأعلى: 6.
(3)
الأعلى: 8.
(4)
الأعلى: 3.
(5)
الأعلى: 9.
(6)
التبصرة والتذكرة (703) ولفظة: ((والسلام)) غير موجودة في المتن ولا في الشرح.
قولُهُ في شرحِ ذلكَ: (وَدعَا لَهُ)(1)، أي: الشَّيخُ المملي.
قولُهُ: (وَيدَعُو)، أي: الممِلي (لَهُمْ)(2)، أي: مشَايخهُ الذين رَوَى عنهمْ حالَ الإملاءِ، وَكذلكَ يُثني عَليهِ، وَهو مرادُ الشّيخِ بقولِهِ بعدَ ذلكَ (3)
: ((يَذكُرُ أنسَابَهُمْ وَبعْضَ مناقِبِهمْ)).
قالَ ابنُ الصّلاحِ: ((وَيَحسُنُ بالمحدّثِ الثناءُ عَلَى شيخِهِ في حَالةِ الروايةِ عنْهُ بما هُو أهلٌ لَهُ، فقدْ فَعلَ ذلكَ غيرُ واحدٍ منَ السّلفِ والعلماءِ، كَما رُوي عنْ عطاء ابنِ أبي رباحٍ: أنَّهُ كانَ إذا حدّثَ عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: حدّثني البحرُ)) (4).
ثمَّ قالَ: ((وأهمُّ مِنْ ذلكَ الدّعاءُ لَهُ عندَ ذكرِهِ، فَلا يغفلنَّ عنْهُ)) (5). انتهى.
قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: ((ولا يَتجاوزُ - أي: في الثناءِ - إلى أنْ يَأتيَ في ذلكَ بما لا يستحقُهُ الشّيخُ، فإنّ معرفةَ مراتبِ الرواةِ منَ المهماتِ، فمتى وصفَ غيرَ الحافظِ بالحفظِ فقدْ نزَّلَهُ منزلةً يترتبُ عليها حُكمٌ)) (6). انتهى.
قوله: (وَلا حَرْفَ)(7) معطوفٌ عَلى ((مَا)) تقديرُهُ: لا أحدثُكَ شيئاً، و ((لا حرفَ أذكرُهُ لَكَ)) فهي ((لا)) النافيةُ للجنسِ.
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 28.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 29.
(3)
قال هذا قبل كلامه الأول وليس بعده. انظر: شرح التبصرة والتذكرة 2/ 29.
(4)
أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي "(1256).
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 351.
(6)
الاقتراح: 252.
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 28، وهو كلام الربيع كما نقله الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (1327).
قوله: (وَكَالشَّعبيِّ)(1) أعادَ الكافَ؛ لانتقالِهِ منَ الأبناءِ إلى الأنسابِ.
قوله: (ثمَّ ذَكرَ منِ اشتَهَرَ)(2) معطوفٌ عَلى ما ذكرَ في قولِهِ: ((قد اكْتُفِيَ في كثيرٍ منَ الرواةِ (3) بذكر
…
)) (4).
705 -
وَذِكْرُ مَعْرُوْفٍ بِشَيءٍ مِنْ لَقَبْ
…
كَغُنْدَرٍ أَوْ وَصْفِ نَقْصٍ أَوْ نَسَبْ
706 -
لأُمِّهِ فَجَائِزٌ مَا لَمْ يَكُنْ
…
يَكْرَهُهُ كَابْنِ عُلَيَّةٍ فَصُنْ
قولُهُ في قولِهِ: (وَذِكرُ مَعْروفٍ)(5): (فَجَائزٌ)(6) لا موقعَ لفائِهِ إلاّ أنْ يُحملَ على أنَّهُ جوابٌ لأمّا محذوفة، فلو قالَ: مُجَوَّزٌ، كانَ أحسن.
قوله: (مَا لمْ يَكُنْ يَكْرَهُهُ)(7) فُهِمَ أنَّه إذا كانَ يَكرَهُهُ لا يجوزُ ذكرُهُ مطلقاً، بل ربما كانَ منطوقاً؛ فإنَّ تقديرَ الكلامِ: يجوزُ ذلكَ ما لمْ يكنْ يكرهُهُ، فإنْ كانَ يكرهُهُ ((كَابنِ عُلَيّةَ، فَصُنْ)) لسانَكَ عنِ النطقِ بِهِ فإنّهُ لا يجوزُ، ولا محيصَ عنْ هذا التقديرِ فإنّ ابنَ عُلَيّةَ لا يصلحُ مثالاً لقولِهِ:((مَا لم يكنْ يكرهُهُ)) فإنَّهُ كان يكرهُ نسبتهُ لذلكَ (8)، وهذا هو الذي قالَهُ ابنُ الصَّلاحِ (9)، كما أشَارَ إليهِ
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 29، وانظر: الجامع لأخلاق الراوي: 279.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 29 وقد عني بذلك الخطيب. انظر: الجامع لأخلاق الراوي: 279.
(3)
في (ف): ((الروايات))، والمثبت من " شرح التبصرة والتذكرة ".
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 29.
(5)
التبصرة والتذكرة (705).
(6)
التبصرة والتذكرة (706).
(7)
التبصرة والتذكرة (706).
(8)
انظر: الجامع لأخلاق الراوي: 283 (1248)، ونقل الذهبي عنه أنه قال:((من قال ابن علية فقد اغتابني)). سير أعلام النبلاء 9/ 108.
(9)
معرفة أنواع علم الحديث: 352.
المصنِّفُ بقولِهِ بعدَ: ((وَاستثنى ابنُ الصّلاحِ منَ الجوازِ / 238 ب / مَا يكرَهُهُ الملقّبُ)) (1).
وأمَّا الخطيبُ فإنّه لم يستثنِ منْ ذلكَ، بلْ كلامُهُ يدلُّ على جوازِهِ مُطلقاً (2)، إلاّ إنّ ذلكَ لا يمنعُ الكراهةَ، وخِلافُ الأولى في بعضِهِ، وعليهِ ينزلُ استثناءُ ابنِ الصَّلاحِ، وممنْ نُقِلَ عنهُ كراهةُ مَا يشهرُ بهِ الإمامُ الجليلُ سعيدُ بنُ المُسيَّبِ، قالَ الإمامُ النوويُّ في " شَرحِ مُقدمةِ صحيحِ مسلمِ "(3) في الكلامِ على الطواعين
: ((وأمّا المسيّبُ والدُ سعيدٍ، فصحابيٌّ مشهورٌ وهو بفتحِ الياءِ، هذا هو المشهورُ.
وَحَكى صاحبُ " مطالعِ الأنوارِ " عنْ عليِّ بنِ المدينيِّ أنَّه قالَ: أهلُ العراقِ يفتحونَ الياءَ، وأهلُ المدينةِ يكسرونهَا. قالَ: وَحُكِيَ أنَّ سعيداً كانَ يكرهُ الفتحَ)) (4). انتهى.
وقالَ ابنُ خَلِّكانَ في تَرجمةِ سعيدٍ منْ " وفياتِهِ "(5): ((وروِيَ عنهُ أنّه كانَ يقولُ بكسرِ الياءِ، وَيقولُ: سَيَّبَ اللهُ منْ سيّبَ أبي)).
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 32.
(2)
قال الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": 282: ((إذا كان الراوي معروفاً باسم أمه وهو الغالب عليه، جاز نسبته إليه)) ثم ذكر أمثلة على رواة ينسبون إلى أمهاتهم وذكر منهم إسماعيل ابن علية. ولكنه عقب ذلك بنهي الإمام أحمد يحيى بن معين عن تسمية إسماعيل بن إبراهيم بابن علية.
(3)
شرح صحيح مسلم 1/ 107.
(4)
جاء في القاموس وشرحه تاج العروس 3/ 90: ((المسيب كمحدث: والد الإمام التابعي سعيد، ويفتح. قال بعض المحدّثين: أهل العراق يفتحون، وأهل المدينة يكسرون، ويحكون عنه أنه يقول: سيب الله من سيب أبي. والكسر حكاه عياض وابن المديني)).
(5)
وفيات الأعيان 1/ 370.
قوله: (مَعرُوفٌ بِاسْمِ أمِّهِ)(1) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((أوْ نسبةٍ إلى أمٍّ عُرِفَ بها، كَيَعْلى بنِ مُنْيَة الصحابيِّ، وهو ابنُ منيةَ، ومنيةُ أمّهُ، وقيلَ: جدتهُ أمّ أبيهِ)) (2).
قالَ الشَّيخُ في " النكتِ "(3): ((رَجّحَ المصنِّفُ هنا أنَّ مُنْيَةَ أمُّ يعلى، واقتصرَ في النوعِ السابعِ والخمسينَ - يعني: وهو في المنسوبينَ إلى غيرِ آبائِهِم (4) - عَلى كونها جَدتَهُ (5)، وحَكَاهُ عنِ الزبيرِ بنِ بَكّارٍ، وأنّها جدتُهُ أمُّ أبيهِ، ومَا قَالهُ الزبيرُ هو الذي جَزمَ بهِ أبو نصرِ بنُ ماكولا (6)، ولكن قالَ ابنُ عبدِ البرِّ:
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 31، والكلام للخطيب كما في "الجامع لأخلاق الراوي":282.
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 351.
(3)
التقييد والإيضاح: 249.
(4)
ما بين الشارحتين جملة اعتراضية من البقاعي.
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 475.
(6)
الذي في " الإكمال " 6/ 46 يدل على أن ابن ماكولا يذهب إلى أن منية أم يعلى بن أمية؛ إذ قال هناك: ((يعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن زيد مناة بن تميم، وأمه منية بنت جابر بن
أهيب
…
)). ولكن في موضع آخر من " الإكمال " 7/ 228 في ترجمة منية بنت الحارث بن جابر بن وهب. قال ابن ماكولا: ((وهي جدة يعلى بن أمية التميمي حليف بني نوفل، أم أبيه الأدنى، وبها يعرف، يقال له: يعلى بن منية. قاله الزبير))
…
وقال بعد ذلك: ((وقال الطبري: يعلى بن أمية بن أبي عبيدة، وأمه منية بنت جابر، عمه عتبة بن غزوان بن
جابر
…
)). فتبين أن ابن ماكولا في الموضع الأخير كان ينقل كلام أهل العلم، ولم يبدِ رأيه في المسألة. ولكنه في الموضع الأول جاء بكلام مطلق دون أن ينسبهُ لأحد، فكأنه قد عبر عن رأيه في الموضع الأول، أي أنه يقول: إن منية هي أم يعلى. فإذا كان الأمر على هذا النحو فإن نقل العراقي عن ابن ماكولا أنه يقول: إن منية جدة يعلى؛ فيه نظر. ولعل العراقي قد اطلع على الموضع الأخير، والذي فيه تقديم لقول الزبير فظن أن ابن ماكولا قد ارتضى كلام الزبير؛ لكونه قد قدمه في النقل، ولم يطلع على الموضع الأول الذي فيه كلام ابن ماكولا ورأيه.
لم يُصب الزبيرُ (1). انتهى.
والذي ذكرَهُ الطبريُّ ورَجَّحهُ أبو الحجاجِ المزيُّ أنّها أمُّ يعلى لا جدتهُ (2) فما رجّحَ المصنِّفُ هنا هو الراجِحُ، والله أعلمُ)).
قولُهُ: (وَكذلِكَ يَجُوزُ وَصْفُهُ بالعَرَجِ)(3) التشبيهُ في الجوازِ فقط، لا في عدمِ اختلافِ العلماءِ.
قولُهُ: (ولم يُردْ عَيْبه فَلا بأسَ)(4) هذا يقتضي الجوازَ بلا كراهةٍ، سواءٌ ذَكرَهُ بشيءٍ منْ هذه الصفاتِ ونحوها، أو بلقبٍ؛ لأنَّ مناطَ الحُكمِ الإيذاءُ تحققاً أو ظناً، وسواءٌ عُرفَ منْهُ كراهةُ ذلكَ أو لا، وسواءٌ كانَ يمكنُهُ تعريفَهُ بغيرِ ذلكَ أوْ لا، هذا مقتضى كلامِ ابنِ المباركِ.
وقدْ يفرقُ بينَ الصفاتِ - كالأعمشِ - والألقابِ، فيباحُ في الصفةِ لأنَّها فيه، بخلافِ اللقبِ.
وقدْ يُفرقُ بينَ منْ عُرِفَ عنهُ الكراهةُ فيمنعُ، بخلافِ غيرِهِ.
وهذا الذي قالَهُ ابنُ الصّلاحِ هو نصُّ أحمدَ كما سيأتي، إلاّ أنْ يُحملَ علَى الأدبِ كما قالَ الشّيخُ (5)، وقدْ يُفرقُ بينَ مَا تعينَ طريقاً للتعريفِ وغيرِهِ.
وقولُ الشّافعيِّ: حدّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ / 239أ / الذي يقالُ لَهُ: ابنُ عليةَ (6)، لا ينفي ذكرهُ بِمَا يكرهُ، لكنّهُ قَصدَ بقلبِهِ تعريفَهُ ولمْ يُرِدْ عيبَهُ، وأقامَ على مُرادِهِ قرينةً
(1) الاستيعاب: 765 (2778).
(2)
تهذيب الكمال 8/ 181 (7705).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 31.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 31، وهو كلام ابن المبارك.
(5)
قال العراقي في " شرح التبصرة والتذكرة " 2/ 32: ((والظاهر أن ما قاله أحمد هو على طريق الأدب، لا اللزوم)).
(6)
قال الشافعي في "مسنده"(847) بتحقيقي: ((أخبرنا إسماعيل الذي يعرف بابن علية)).
وقال أيضاً في حديث (1136): ((أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية)).
لفظيةً، فجمعَ في إرادتِهِ مجردَ التعريفِ بينَ القلبِ واللفظِ، وعُرِفَ أنَّ المذكورَ يكرهُ ذلكَ، وأنَّهُ يكرهُ مَا يكرهُهُ، ولكنّهُ اضطرَ إلى ذكرِهِ خوفاً منْ ضياعِ المرويِّ.
وابنُ عليةَ هذا هو: إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بنِ سهمِ بنِ مِقْسَمٍ مولى عبدِ الرحمانِ بنِ قُطْبةَ الأسديِّ أسد خزيمةَ، منْ أهلِ الكوفةِ (1).
قالَ ابنُ سعدٍ: ((وكانَ مِقْسَمٌ منْ سبي القِيقانِيَّةِ ما بينَ خراسانَ وزَابُلِستانَ، وكانَ إبراهيمُ بنُ مِقْسَمٍ تاجراً منْ أهلِ الكوفةِ، وكانَ يَقْدُمُ البصرةَ بتجارتِهِ فيبيعُ ويرجعُ، فتخلّفَ فتزوّجَ عُليّةَ بنتَ حسّان مولاةً لبني شيبانَ))، قالَ:((وكانتِ امرأةً نبيلةً عاقلةً بَرْزَةً، لها دارٌ بالعَوَقَةِ بالبصرةِ تُعرفُ بها، وكانَ صالحُ المُرَّيُّ وغيرُهُ منْ وجوِهِ أهلِ البصرةِ وفقهائِهِا يدخلونَ عليها فَتَبْرُزُ لهم، وتحدّثُهمْ وتسائلهُم، فولدتْ لإبراهيمَ: إسماعيلَ سنةَ عشرٍ ومئةٍ فنُسبَ إليها)).
قالَ: ((وكانَ إسماعيلُ يُكنى أبا بشرٍ، وكانَ ثقةً ثبتاً في الحديثِ حجةً)).
قالَ: ((وتوفي ببغدادَ يومَ الثلاثاءِ لثلاث عشرةَ خلتْ منْ ذي القعدةِ سنةَ ثلاثٍ وتسعينَ ومئةٍ، ودُفِنَ [منَ] (2) الغدِّ يومَ الأربعاءِ)) (3).
نقلتُ ذلكَ منْ خطِّ بعضِ أصحابِنَا وقالَ: ((ليسَ عندَ ابنِ سعدٍ في نسبِهِ ((سَهمٌ)) (4)، وإنما زِيدَ منْ " شرحِ مسلمٍ للنووي "(5).
(1) انظر: الثقات 6/ 44 - 45، وتاريخ بغداد 6/ 20 (3054)، وتهذيب الكمال 1/ 216 (410).
(2)
ما بين المعكوفتين لم يرد في (ف)، وأثبته من " الطبقات الكبرى ".
(3)
الطبقات الكبرى 7/ 235 - 236 (3467).
(4)
وكذلك الحال عند ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " 2/ 96، وعند الخطيب في " تاريخ بغداد " 6/ 20، وعند المزي في " تهذيب الكمال " 1/ 216.
(5)
شرح صحيح مسلم 1/ 65. قلت: قد وجِدتْ هذه الزيادة في نسبه عند: ابن حبان في " الثقات " 6/ 45، والباجي في " التعديل والتجريح " 1/ 361، وابن منجويه في "رجال مسلم" 1/ 54، وجميع هؤلاء قد سبقوا الإمام النووي.
قولُهُ: في شرح قولِهِ: (وَاروِ في الإملاءِ)(1): (منْ وَجْهٍ آخَرَ)(2) قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: ((يُقدّمُ منْ يستحقُّ التقديمَ الأعلى إسناداً، أو الأحفظَ، وتقديمُ الأحفظِ والأتقنِ أولى)) (3).
قولُهُ: (وَيَنْتَقي مَا يُمْلِيهِ)(4)، أي: فلا يذكرُ إلاّ نقاوةَ مَا عندَهُ مِنَ العلو، والصحةِ، والغرابةِ ونحو ذلكَ.
قولُهُ: (وَيَتحرّى المُستَفَادَ مِنْهُ)(5)، أي: ما فيهِ فائدةٌ جديدةٌ منَ الذي يمليهِ من الحديثِ، يعني: أنَّهُ إذا ساقَ حديثاً، وأرادَ أنْ يمليَ بعدَهُ آخرَ فليتحرَّ أنْ لا يكون بمعنى الحديثِ الذي قبلَهُ، بلْ يكون مفيداً فائدةً جديدةً، إمّا بأنْ يكونَ مغايراً لهُ منْ كلِّ وجهٍ، أو يَكونَ شرحاً لما قبلَهُ، أو مقيِّداً لَهُ، أو مبيناً لشيءٍ مِنْهُ، ونحو ذلك، والله أعلمُ.
قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ / 239 ب /: ((وكانَ الحفّاظُ المتقدّمونَ يختارونَ ما فيهِ فَائدةٌ تخصُّهُ بالنسبةِ إلى غيرهِ، كزيادةٍ في المتنِ، أو غرابةٍ في السندِ، أو تبيينٍ لمجملٍ، ولهذا كانَ يُختار للانتقاء الحفاظُ)) (6).
(1) التبصرة والتذكرة (707).
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 32، وهي عبارة ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ":352.
(3)
الاقتراح: 252.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 32، وهي عبارة ابن الصلاح في " معرفة أنواع علم الحديث ":352.
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 32 - 33، وهي عبارة ابن الصلاح في "معرفة أنواع علم الحديث":352.
(6)
الاقتراح: 252.
قولُهُ: (عُلُوَاً مُتَفَاوِتَاً)(1)، أي: بالنسبةِ إلى إسنادينِ فأكثرَ، بدرجةٍ أو درجتينِ فإجازةٍ وسماعٍ، وكون الإجازةِ في موضعٍ أو أكثرَ، ونحو ذلك.
فلو أُعريَ عن الوصفِ لَحُمِلَ على أدنى الدرجاتِ فلم تُعرفْ عينُ الدرجةِ التي عَلَا بها.
قولُهُ: (إِعْلامُهُ)(2)، أي: ضَبطُهُ بما يزيلُ عُجمتَهُ، أي: لَبسَهَ بما يمنعُ فهمَهُ.
قولُهُ: (أَعَمَّ للفَائِدَةِ)(3)، أي: لأنَّ ذِكرَ شيخٍ جديدٍ، مثلَ ذكرِ حديثٍ جديدٍ في تَجدُّدِ الفائدةِ، وربما يسافرُ الطالبُ الذي سمعَ مجلسَهُ فيكونُ قد استفادَ مشايخ، ولو اقتصرَ على شيخٍ واحدٍ لكانت فائدتُهُ قاصرةً.
قولُهُ: (وقَصُرَ مَتْنُهُ)(4) قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((فَإنّهُ أحسنُ وأليقُ)) (5). انتهى.
ولعلّ الأحسنيةَ من حيث إنّه تكثرُ أحاديثُ الإملاءِ، فتكثرُ الفائدةُ.
وإلاّ لهيئتِهِ من حيثُ إنّ أهلَ الإِملاءِ يحبونَ سرعةَ الانتقالِ إلى حديثٍ جديدٍ، هذا إذا كانَ الطولُ بسببِ قصةٍ ونحوها مما يفيدُ شيئاً واحداً.
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 33، وهي عبارة الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ":
309 -
310 عقب (1371).
(2)
في " شرح التبصرة والتذكرة " 2/ 33: ((إعجامه))، وهذه عبارة " الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي ": 297 عقب (1313).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 33، وهي عبارة الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": 288 عقب (1269).
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 33، وهي عبارة الخطيب أيضاً في " الجامع لأخلاق الراوي ": 288 عقب (1269).
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 352.
فإنْ كانَ بسببِ اشتمالهِ على أحكامٍ كثيرةٍ فلا بأسَ بإيرادِهِ إذ كلُّ حكمٍ منها بمنزلةِ حديثٍ مستقلٍ.
قولُهُ: (وَظِيفتُنَا)(1) البيتين هما من المتقاربِ، وهو: فَعُولُنْ ثماني مراتٍ من عَروضِهِ الأولى، وهي محذوفةٌ وخبرُها تامٌ والحذفُ وهو إسقاطُ سببٍ خفيفٍ من العللِ الجائزةِ في عَروضِهِ وإنْ كانت تامةً.
وكان عليُّ بن حُجْر هذا قد تفرّدَ بشريكٍ وهشيمٍ (2).
قولُهُ: (عُقُولُ العَوَام)(3) عبارةُ ابنِ الصّلاحِ: ((عُقُولُ الحَاضرينَ، وما يخشى فيه من دخولِ الوهمِ عليهِ في حديثِهِ (4))) (5).
وعبارةُ ابنِ دقيقِ العيدِ: ((أو (6) ما يقعُ لهم فيه شبهةٌ أو إشكالٌ)).
قالَ: ((وينبغي أن يَتخيرَ لجمهورِ الناسِ أحاديثَ فضائلِ الأعمالِ وما يُناسبُها وللمتفقهةِ أحاديثَ الأحكامِ، وليَجْتَنِبِ الموضوعاتِ، فإن كانَ ولا بد فمع بيانِ أمرِهَا)) (7).
قولهُ: (حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه)(8) رواهُ مسلمٌ في مُقدّمةِ " كتابِهِ " عن أبي هريرةَ، وعن ابنِ عمرَ رضي الله عنهم / 240 أ /، ولفظُهُ عن أبي هريرةَ رضي الله
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 34، وهذه الكلمة هي مطلع البيتين اللذين نقلهما العراقي عن علي بن حجر.
(2)
في (ف): ((وهو هشيم)) وكلمة: ((هو)) مقحمة لا داعي لها.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 34، وهذه عبارة الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي":300.
(4)
في " معرفة أنواع علم الحديث ": ((عليهم في فهمه)).
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 352.
(6)
في " الاقتراح ": ((و)).
(7)
الاقتراح: 253.
(8)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 34.
عنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((كَفَى بالمرءِ كَذِبَاً أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)) (1).
وأسندَهُ عن عبدِ اللهِ موقوفاً عليهِ قالَ: ((بِحَسْبِ المرءِ من الكَذِبِ أنْ يُحدّثَ بِكلِّ ما سَمعَ)) (2).
وعن أبيهِ عمرَ رضي الله عنه مثله (3).
وأسندَهُ صاحبُ " الفردوسِ " عن أبي أمامةَ رضي الله عنه مرفوعاً (4).
ورَوَى مسلمٌ في مقدمةِ " صحيحِهِ "(5): عن ابنِ وهبٍ قالَ: قالَ لي مالكٌ: ((اعْلَمْ أنَّهُ ليْسَ يَسْلمُ رجُلٌ حَدَّثَ بكلِّ ما سَمِعَ، ولا يَكُونُ إِماماً أبداً وهُو يُحَدِّثُ بِكُلِّ ما سَمِعَ)).
وعن عبدِ الرحمانِ بنِ مهدي قالَ: ((لا يكُونُ الرَّجُلُ إماماً يقتدى بِهِ، حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْض ما سَمِعَ)) (6).
قولُهُ: (وَقَول عَلِيٍّ رضي الله عنه)(7) رواهُ البخاريُّ في أواخرِ كتابِ العلمِ من " صحيحِهِ "(8) موقوفاً عليهِ. ورفعهُ صاحبُ " الفردوسِ "(9).
(1) صحيح مسلم 1/ 8 (5).
(2)
صحيح مسلم 1/ 8 عقيب (5).
(3)
صحيح مسلم 1/ 8 عقيب (5).
(4)
الفردوس بمأثور الخطاب 3/ 286 (4858).
(5)
صحيح مسلم 1/ 8.
(6)
صحيح مسلم 1/ 8 - 9.
(7)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 34.
(8)
صحيح البخاري 1/ 44 (127) عن عبيد الله بن موسى، عن معروف بن خربوذ، عن أبي الطفيل، عن علي رضي الله عنه، به.
وأخرجه: البيهقي في المدخل إلى " السنن الكبرى "(610)، والخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": 300 (1329)، والسمعاني في " أدب الإملاء والاستملاء ": 74 جميعهم من طريق عبيد الله بن موسى، به.
(9)
ورد في " الفردوس بمأثور الخطاب " 2/ 129 (2656) ولكن من حديث الحسين بن علي رضي الله عنهما.
قولُهُ: (وَقَول ابْنِ مَسْعُوْدٍ رضي الله عنه)(1) أخرجَهُ مُسلمٌ في المقدّمةِ (2) ولفظُهُ: ((مَا أَنتَ بمُحدِّثٍ قَومْاً حديثاً لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إلَاّ كانَ لِبعْضِهِمْ فِتْنَةً)).
وَرَوى أيضاً عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((سَيَكُونُ في آخِرِ أُمَّتي أُناسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ، فإياكُمْ وَإِيَّاهُمْ)) (3).
قولُهُ: (وَمِمَّا رَأَى)(4) خَبرُ المبتدأ الذي هو قولهُ: ((أحاديثُ الرُّخصِ)).
وَ (أَولَى) خَبرُ ((أَنّ))، و (الصُّدُوفَ) اسمُها، وهو بضمِّ المُهمَلَتينِ وآخرُهُ فَاءٌ، ومعناهُ: الإعراضُ (5).
قولهُ: (كَرَاهِيَةُ رِوَايَةِ أَحَادِيثِ بَني إِسْرائِيْلَ)(6) اعْلَم أنّ أحاديثَ بني إسرائيلَ على أقسامٍ:
الأولى: أن يُعرفَ صدقُهُ بإخبارِ نَبيِّنا صلى الله عليه وسلم فلا ريبَ في حُسنِ روايته وعدمِ الحرجِ فيها.
والثاني: أن يُعرفَ كَذبُهُ، فلا ريبَ في تحريمِ روايتِهِ إلاّ على وجهِ البيانِ لحالهِ.
والثالث: ما يُظنُّ كَذبُهُ وهو يَحتملُ الصدقَ فَلا تنبغي روايتهُ.
وتحملُ الكراهةُ بالنسبةِ إلى هذا القسمِ على ظاهرِهَا.
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 34.
(2)
صحيح مسلم 1/ 9.
(3)
صحيح مسلم 1/ 9 (6).
وأخرجه أيضاً: أحمد 2/ 321، وأبو يعلى (6384)، وابن حبان (6766)، والحاكم 1/ 103، والبيهقي في " دلائل النبوة " 6/ 550، والبغوي في " شرح السنة "(107).
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 35، وهو كلام الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ":302.
(5)
انظر: تاج العروس مادة (صدف).
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 35.
وبالنسبةِ إلى الذي قبلَهُ على التحريمِ استعمالاً للمشتركِ في معنييهِ.
والرابع: أن يتساوى فيه الاحتمالانِ فهذا هو المرادُ بقولهِ صلى الله عليه وسلم: ((حَدّثوا عن بني إسرائيلَ ولا حَرجَ)) (1).
(1) هو جزء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. أخرجه: عبد الرزاق (10157)، وأحمد 2/ 159 و202 و214، والدارمي (548)، والبخاري 4/ 207 (3461)، والترمذي (2669)، والطحاوي في " شرح المعاني " 4/ 128 وفي " شرح المشكل "، له
(133)
و (398)، وابن حبان (6256)، والقضاعي في " مسند الشهاب "(662)، والبغوي في " شرح السنة "(113) من طريق حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي، عن عبد الله بن عمرو، به.
ومن حديث أبي سعيد الخدري. أخرجه: أحمد 3/ 56، والنسائي في " الكبرى "(5848) من طريق عفان، عن همام، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، به. ومن حديث أبي هريرة أخرجه: الحميدي (1165)، وأحمد 2/ 474 و502، وأبو داود (3662) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به.
قال البغوي في " شرح السنة " 1/ 244 عقب (113): ((ليس على معنى إباحة الكذب على بني إسرائيل، بل معناه: الرخصة في الحديث عنهم على معنى البلاغ من غير أن يصح ذلك بنقل الإسناد؛ لأنه أمر قد تعذر في أخبارهم، لطول المدة ووقوع الفترة)).
قال ابن حجر في " فتح الباري " عقب (3461): ((وقال مالك: المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن، أما ما علم كذبه فلا. وقيل: المعنى حدثوا عنهم بمثل ما ورد في القرآن والحديث الصحيح. وقيل: المراد جواز التحدث عنهم بأي صورة وقعت من انقطاع أو بلاغ لتعذر الاتصال في التحدث عنهم، بخلاف الأحكام الإسلامية فإن الأصل في التحدث بها الاتصال، ولا يتعذر ذلك لقرب العهد. قال الشافعي: من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم، وهو نظير قوله: ((إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم)) ولم يرد الإذن ولا المنع من التحدث بما يقطع بصدقه)).
قولُهُ: / 240 ب / (فَتَأكُلُ القُرْبَانَ)(1) إن قيلَ: هذا قد عُلمَ صدقُهُ بإخبارِ نبينا صلى الله عليه وسلم، قيلَ: ليسَ المرادُ من ذكرهِ بيانَ حكمِ روايتِهِ، وإنما المرادُ تمثيلُ ما يستحيلُ عادةً في هذه الأمةِ.
710 -
وَاسْتُحْسِنَ الإِنْشَادُ فِي الأَوَاخِرِ
…
بَعْدَ الْحِكَايَاتِ مَعَ النَّوَادِرِ
قولُهُ في قولِهِ: (وَاسْتُحْسِنَ): (بَعدَ الحِكَايَاتِ)(2)، أي: أنّ العادةَ جرتْ بأن يختموا بالإنشادِ، إلا أنْ يكونَ في الحكايةِ شيءٌ يتعلقُ بتفسيرِ غريبِ الشِّعرِ، أو غيرِ ذلك مما يقتضي تَأخيرُهَا.
قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: ((فإنْ كانتْ مناسبةً لما تقدَّم من الأحاديثِ فهو أحسنُ)) (3).
قولهُ في شرحِ ذلكَ: (بِأَسَانِيدِهَا)(4)، أي: لا تَكملُ فائدةُ ذلكَ إلا بذكرِ الإسنادِ؛ لأنَّ ما يذكَرُ بغير إسنادٍ لا فرقَ فيهِ بين الطالبِ والشيخِ، وإنما تحصلُ المزيةُ للشيخِ بذكرِ الإسنادِ.
قالَ الأَنْدَرَشِيُّ: ((وأولى ذلكَ ما كانَ في الزهدِ ومكارمِ الأخلاقِ)) (5).
قولهُ: (طُرَف الحِكْمَةِ)(6) جمعُ طُرْفَةٍ مثل غُرْفَةٍ، وهي الشيءُ الحديثُ، من اطَّرَفْتُ الشيءَ اشْتَرَيْتُهُ حديثاً.
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 35، وانظر:" الجامع لأخلاق الراوي ": 307 (1362).
(2)
التبصرة والتذكرة (710).
(3)
الاقتراح: 253.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 36.
(5)
انظر: التقريب للنووي المطبوع مع تدريب الراوي 2/ 138.
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 37، وهذه العبارة مما نسب إلى الإمام علي رضي الله عنه. انظر: الجامع لأخلاق الراوي: 316 (1399).
واسْتَطْرَفتُ الشيءَ: اسْتَحْدثْتُهُ، كأنّهُ قالَ: اطلبوا لها أخباراً طريفةً، أي: حَديثةً، من الحكمِ، أي: لم تسمعْهَا قبلَ ذلكَ، ليكونَ ذلكَ أنشطَ لها فيما ينفعُها.
قولهُ: (الأُذُنَ مَجَّة)(1)، أي: إذا كَرّرتْ عليها شَيئاً مَجَّتْهُ، أي: صارتْ كأنّها تدفعُهُ وترمي بهِ.
قولهُ: (والقَلْب حَمِض)(2) بفتحِ المهمَلَةِ وكسرِ الميمِ وآخره ضَاد معجمة، صفةٌ مشبهةٌ من الحمض، أي: يَكِلُّ من سماعِ الجدّ ويتوقُ إلى التّرويحِ بالنّوادرِ.
كما أنَّ الإبلَ تَكِلُّ من المرْعَى فَتَتَفَكَّهُ (3) بالحمضِ حتى تُقبلَ عليهِ.
قالَ في " الصّحاحِ "(4): ((والحَمْضُ: ما مَلُحَ وأَمَرَّ من النباتِ، كالرِمْثِ والأثْلِ والطَرْفَاءِ ونحوها، والخُلَّةُ من النبت: ما كان حُلواً، تقولُ العربُ: الخُلَّةُ خبزُ الإبلِ، والحَمْضُ فاكهتُها، ويقالُ: لحمُهَا، ومنهُ قولُهم للرجلِ إذا جاءَ مُتَهَدِّداً: أنت مُختلٌّ فَتَحمَّضْ، والحَمْضَةُ: الشهوةُ للشيء، وفي حديثِ الزهريِّ: الأذنُ مَجَّاجةٌ (5) وللنّفسِ حَمْضَةٌ، وإنما أُخِذَتْ من شهوة الإبل للحَمْضِ؛ لأنَّها إذا مَلَّتِ الخُلَّةَ اشتهتِ الحَمْضَ فتُحَوَّلُ إليه)).
قولهُ: (أَبزَار الجَنَّةِ)(6)، أي: الحِكَايَاتُ التي تكونُ للعلمِ النافعِ الموصلِ إلى
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 37، وهو كلام الزهري انظر: الجامع لأخلاق الراوي: 316
(1402)
.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 37، وهو كلام الزهري أيضاً.
(3)
في (ف): ((فتتكفه)) بتقديم الكاف على الفاء، والصواب ما أثبته بدليل كلام المصنف الأتي من نقله عن " الصحاح " إن الحمض فاكهة الإبل.
(4)
الصحاح مادة (حمض).
(5)
في الصحاح: ((محاجة)) بالحاء المهملة.
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 37، وهو كلام حماد بن زيد.
انظر: الجامع لأخلاق الراوي: 317 (1408).
والبزر: الحَبُّ، وكذلك هو: التَّابلُ الذي يُطَيَّب به الغداء، جمع أبْزَار. يقالُ: بزَّر الطعامَ، وكلامَهُ: حسَّنهُ وزَوَّقَهُ. انظر: تاج العروس مادة (بزر).
الجنةِ كالأبْزَار للطّعامِ، تُطيّبهُ وتُشَهِّيه وتشوّقُ النفس إليه.
قولهُ: (مِنْ أهْلِ المَعْرِفَةِ)(1) / 241أ / عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: ((وإذا قصرَ المحدّثُ عن تخريج ما يُمليهِ فاستعانَ ببعضِ حُفّاظِ وقتِهِ فخرَّج لهُ، فلا بأسَ
بذلكَ)) (2).
قولهُ: (وَإِذَا نَجِزَ الإِمْلَاءُ)(3) قالَ الشيخُ في " النكتِ "(4): ((هو بكسرِ الجيمِ على المشهورِ، وبه جَزمَ الجوهريُّ فقالَ: ((نَجِزَ الشيءُ ينجزُ نَجزاً، أي: انقضى وفَنِيَ)) انتهى.
وهذا هو الذي قُيِّدَ عن المصنِّفِ في حاشيةِ " علومِ الحديثِ " حين قُرِىءَ عليهِ، والذي صَدّرَ به صاحبُ " المحكمِ " كلامهُ بالفتحِ، فقالَ: نجزَ الكلامُ
- بالفتح - انقطعَ، ونجزَ الوعدُ، ينجزُ نَجْزاً: حَضَر قالَ: وقد يقالُ: نجِزَ.
قالَ ابنُ السِّكِّيتِ: ((كأنّ نَجِز: فَنيَ، وكأن نَجَز: قضى حاجتَهُ)) (5). انتهى)).
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 37، وهو كلام الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": 288 عقب (1270).
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 352.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 37، وهي عبارة ابن الصلاح في "معرفة أنواع علم الحديث":352.
(4)
التقييد والإيضاح: 250.
(5)
وهو يعقوب بن إسحاق السكيت، أبو يوسف النحوي اللغوي، والسكيت لقب أبيه، وكان أبوه من أصحاب الكسائي عالماً بالعربية واللغة والشعر، وكان يعقوب يؤدب الصبيان مع أبيه في درب القنطرة بمدينة السلام، قال ياقوت:((لم يكن بعد ابن الأعرابي مثله))، أي: مثل ابن السكيت له عدة مصنفات منها: إصلاح المنطق، والقلب والإبدال، وكتاب النوادر، وكتاب الأضداد، وكتاب الفرق، توفي سنة (244 هـ).
انظر: تاريخ بغداد 14/ 273، ومعجم الأدباء 20/ 50، وسير أعلام النبلاء 12/ 16.
وقالَ في " القاموسِ "(1): ((نَجِزَ، كفَرِحَ ونَصَرَ: انقضى، وفَنِيَ، والوعدُ: حَضَرَ، والكلامُ: انْقَطعَ، ونَجَزَ حاجَتَه، قَضاها، كأَنْجَزَهَا)).
وقال ابنُ القَطَّاع: ((نَجزتِ الحاجةُ نجازاً، وأنجزتُها قضيتُها فَنجزتْ (2))).
وقالُوا: نَجَزَ ونَجِزَ وكأنّ نَجَزَ: قضى حَاجتَهُ، وكأن نَجِزَ - أي: بالكسر -: فَنِيَ ونَجَزَ الشيء نجازاً: حضرَ، وأيضاً ذَهَبَ.
قولهُ: (وَقَدْ تَقَدَّمَ في كَلامِهِ)(3)، أي: في النوعِ الخامسِ والعشرينَ: وهو في كتابةِ الحديثِ وكيفيةِ ضبطِ الكتابِ وتقييدهِ (4).
قولهُ: (لَا عَلَى أُصُولِهِ)(5) هذا الحصرُ ممنوعٌ.
أمّا أولاً: فلإمكانِ المقابلةِ على الأُصولِ.
وأمّا ثانياً: فلأنّ العادةَ في المقابلةِ أن تكونَ على الورقِ المنقولِ إليهِ تلكَ الأَحَادِيث المُجمّعة من الأُصولِ، وناقلُ تلكَ الأحاديثِ إنما يكونُ حافظاً فلا يغيرُ شيئاً في الغالبِ، والغالبُ أنَّه يتفقدُها بعد النقلِ ويتحفظُ المُملِي ما يمليهِ منها، فإن وقعَ لهُ شيءٌ تنبَّهَ لهُ هذا المُملي إذا لم يقابلْ ما ينقلُهُ وربما قابلَهُ فينتفي المحذورُ.
وترجمةُ الخطيبِ تؤيدُ ذلك فإنّه قالَ: ((المعارضةُ بالمجلسِ المكتوبِ)) (6)، أي: المعارضةُ الكائنةُ لما كَتبهُ الطالبُ بالمجلسِ المكتوبِ الذي أملاهُ الشيخُ.
(1) القاموس المحيط مادة (نجز).
(2)
الأفعال لابن القطاع 3/ 112.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 38.
(4)
معرفة أنواع علم الحديث: 303.
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 38.
(6)
الجامع لأخلاق الراوي: 318.
قولهُ: (زَيْغُ القَلَمِ)(1)، أي: قَلَم الطالبِ.
قولُهُ: (إلى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ)(2) الحديث أخرجَهُ (3).
وقد رَوى ابنُ جَريرٍ الطَّبريُّ في مُقدّمةِ " التّفسيرِ "(4) حديثَ زيدِ بنِ ثَابتِ في أمرِ أبي بكرٍ رضي الله عنهما لهُ بجمعِ القُرآنِ، وأنّهُ جمعَهُ ثم ذكرَ ما وقعَ من الاختلافِ حتى أمرهُ عثمانُ / 241ب / رضي الله عنه فجمعَ تلكَ الصحف مصحفاً واحداً، وفي آخرهِ أنَّه عَرضهُ مرةً بعدَ أُخرى حتى أكملَ ثلاثَ عرضاتٍ، ثم طَلبَ عثمانُ رضي الله عنه من حفصةَ رضي الله عنها صَحيفةً كانَ أبوها عمرُ رضي الله عنه جمعَ فيها القرآنَ، فعرضَ المصحفَ الذي كتَبهُ زيدُ عليها عرضةً رابعةً، ورجالُ إسنادِهِ رجالُ الصحيحِ.
قولهُ: (ثُمَّ يُخرَجُ بهِ)(5)، أي: إلى النَّاسِ.
قالَ ابنُ الصّلاحِ في آخرها: ((هذه عُيُونٌ من آدابِ المحدِّثِ اجتَزَأنا بها، مُعرضينَ عَن التّطويلِ بما ليسَ من مُهمَّاتها، أو هوَ ظَاهرٌ ليسَ من مشتَبهاتِها، واللهُ
الموفقُ)) (6).
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 38.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 38.
(3)
ترك في (ف) بياض قدر نصف سطر، دليل أن البقاعي أراد أن يكتب من أخرج الحديث.
وحديث زيد بن ثابت في كتابة الوحي أخرجه: الخطيب في " الجامع لأخلاق الراوي ": 318 - 319 (1416). وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " 1/ 152 وقال: ((رواه الطبراني في " الأوسط " ورجاله موثوقون إلا أن فيه: وجدت في كتاب خالي، فهو وجادة)).
(4)
جامع البيان عن تأويل آي القرآن 1/ 56.
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 38.
(6)
معرفة أنواع علم الحديث: 353.