الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قولُ الشّيخِ: مثلهُ أو نحوهُ
668 -
وَقَوْلُهُ مَعْ حَذْفِ مَتْنٍ مِثْلَهُ
…
أَوْ نَحْوَهُ يُرِيْدُ مَتْنَاً قَبْلَهُ
669 -
فَالأَظْهَرُ الْمَنْعُ مِنْ انْ يُكَمِّلَهْ
…
بِسَنَدِ الثَّاني وَقِيْلَ: بَلْ لَهْ
670 -
إِنْ عَرَفَ الرَّاوِيَّ بِالتَّحَفُّظِ
…
وَالضَّبْطِ وَالتَّمْيِيْزِ لِلتَّلَفُّظِ
قولُهُ في قولِهِ: (مِثْلَهُ أوْ نَحْوَهُ)(1): (إنْ عَرَفَ)(2) مبنيٌ للفاعلِ وهو السامعُ الذي يريدُ الروايةَ. ((الرّاويَ)) مَفعولهُ، وهو الشيخُ الذي سَمِعَ منهُ، أي: يجوزُ لهُ الإكمالُ للحديثِ الأوَّلِ بسندِ الثاني إنْ عَرَفَ أنَّ شيخَهُ بهذه الصفةِ.
قولُهُ: (في نَحْوٍ)(3)، أي: فيما عُبِّرَ بهذهِ اللفظةِ، مضافةً إلى ما قدَّمَهُ من حَديثٍ، أو أَثَرٍ، أو نحوه، وقد استعملها منونةً غيرَ مضافةٍ وهو قليلٌ.
قولُهُ: (عَلَى السندِ الثاني)(4) ومثلُهُ ما لو أوردَهُ بعدَ إيرادِ الحديثِ الأوَّلِ بسندهِ.
ولعلَّ الشَّيخَ لم يذكرْهُ؛ لأنَّ الغالبَ عدمُ إعادةِ المتنِ في المكانِ الواحدِ، لا سِيَّما باللفظِ، أمّا إذا سَاقَ السَّندينِ من غيرِ ذِكرِ المتنِ - لا سِيَّما إذا أخَّرَ سندَ المتنِ - ثم أوردَ المتنَ، فيحتملُ القطعَ بالجوازِ لإيرادِهِ المتنَ عقبَ سندهِ. ويحتملُ المنعَ؛ لأنّهُ موهمٌ أنَّ المتنَ بلفظهِ للسّندينِ معاً من غيرِ رجحانٍ لأحدِهما في ذلكَ على
الآخرِ، واللهُ أعلمُ.
قولُهُ: (لا يُجْزِىءُ)(5)، أي: لأنّه يمكنُ أنْ يكونَ أرادَ المماثلةَ في المعنى فقطْ.
(1) التبصرة والتذكرة (668).
(2)
التبصرة والتذكرة (670).
(3)
التبصرة والتذكرة (671).
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 10.
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 10.
وإذا طَرَقَهُ هذا الاحتمالُ وَقَعَ الشكُّ / 222 ب / فيهِ، فيصيرَ كما لو قالَ:((نحوهُ)) فإنّها ظاهرةٌ في المقاربةِ في اللفظِ، أو في المعنى، فهوَ أقعدُ في الشَّكِّ من مثله، فقد اتفقا في عدمِ الإجزاءِ للشكِّ في المساواةِ، وإنْ كانَ ((النحوُ)) أعرقَ في ذلكَ فهوَ أولى بالمنعِ.
ومن منع شُعبة (1) في التعبيرِ بالمثلِ، يعلمُ أنّه لا يجيزُ الروايةَ بالمعنى، هذا على أنَّهُ تعليلٌ لعدمِ روايةِ الحديثِ الذي قيلَ فيهِ ذلكَ، ويُمكنُ أنْ يكونَ مُرادُهُ تعليلَ المنعِ من الروايةِ بالمعنى مُطلقاً، فيكونَ المعنى قولَ الراوي:((مثله)) لا يُغني في تجويزِ الروايةِ، فإنَّ غايتَهُ أنْ تكونَ شهادةٌ من ذلك الشَّيخِ، أنَّ ما حذفَهُ بمعنى ما تقدَّمهُ، ولو أبرزَهُ لجازَ أنْ يظهرَ لغيرهِ من المعنى ما خَفِيَ عليهِ، فيعلمَ أنَّه ما وفى، وأنَّ روايتَهُ له - بما ظنَّ أنّه معناهُ - لا تسوغُ عندَ الفريقينِ، فيصيرَ مثلَ
المبهمِ.
ومَعنَى قولهِ في: ((نحوه)) أنَّه ((شكَّ)) (2) أن الشَّيخَ الذي رَواهُ شَكَّ في مماثلةِ المعنى؛ لأنَّه ما عَدَلَ عَن أنْ يقول: ((مثله)) إلاّ لشكٍّ حصلَ عندَهُ في المماثلةِ، فهوَ أبعدُ في المنعِ من الروايةِ، وذلك يُفْهِم - على كلا التقديرينِ أنَّ شعبةَ ممَّن يمنعُ الروايةَ بالمعنى، وهذا المعنى الذي لحظَهُ في ((نحوهِ)) هو الذي لحظَهُ سُفيانُ (3) فَحَكَمَ بأنَّهُ حديثٌ غيرُ الأوَّلِ، أي: غيرُ مساوٍ لهُ في المعنى وإنْ كانَ قريباً منهُ.
(1) انظر قول شعبة في: المحدّث الفاصل: 590 (840)، والكفاية: 213، والتمهيد
1/ 12 - 13.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 10، وهو كلام شعبة، وقد أخرج قوله الخطيب في " الكفاية ":213.
(3)
الكفاية: 213. وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: 340، وشرح التبصرة والتذكرة 2/ 10.
قولُهُ: (مِثْلَهُ يُجْزىءُ)(1)، أي: لأنَّ المثليةَ ظاهرةٌ في المساواةِ، فإنْ كانتْ في اللفظِ، فالمعنى تبعٌ لهُ. وإنْ كانتْ في المعنى فهوَ المرادُ. ومن هنا تعلمُ أنَّه ممن يجيز الرواية بالمعنى (2).
وقولُهُ في: ((نحوه)): ((حديث)) (3) يُريد أنَّ ((نحوه)) ظاهرةٌ في أنَّ المرادَ بهِ المقاربةُ، لا المماثلةُ.
قال في " القاموس "(4): ((النَّحْوُ: الطريقُ والجهةُ والقَصْدُ)).
فالحديثُ الذي قِيلَ فيهِ (5) ذلكَ، حديثٌ آخرُ غيرُ المذكورِ، بمعنى أنّهُ لا يتحدُ معهُ لا (6) لفظاً ولا معنى، فلا يجوزُ تركيبُ المذكورِ على السندِ الثاني؛ لأنَّ ذلكَ يقتضي أنْ يكونا سواءً، والغرضُ أنّهُ قد قالَ إنّهُ مقاربُهُ لا مُساويه.
وهذا الذي فَهمتَهُ هو الذي يَقتضيهِ تنكير ((حديث)) في عبارةِ سُفيانَ.
ولم أدرِ ما وجهُ مَن فَهِمَ أنَّ مرادَهُ بهِ الحديثُ الذي ساقَ متنهُ ليكونَ قولُهُ: ((يُجزئُهُ)) وقولُهُ: ((حديث)) سواءً، كما هو / 223 أ / ظاهرُ صَنيعِ ابنِ الصّلاحِ (7) فإنَّه سَاقَ سندَهُ إلى وكيعٍ أنَّه قالَ:((قالَ شُعبةُ: فلانٌ عنْ فُلانٍ، مثلَهُ لا يُجْزِىءُ، قال وكيعٌ (8): وقالَ سفيانُ: يُجزىءُ.
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 10.
(2)
نقل الخطيب في " الكفاية ": 29 عن سفيان الثوري جواز الرواية بالمعنى.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 10.
(4)
القاموس المحيط مادة (نحو).
(5)
في (ف): ((فلهه))، والمثبت أصوب.
(6)
في (ف): ((إلا))، المثبت أصوب.
(7)
معرفة أنواع علم الحديث: 340.
(8)
عبارة: ((قال وكيع)) تكررت في (ف).
وأمّا إذا قالَ: ((نحوَهُ)) فهوَ في ذلكَ عندَ بعضِهِمْ كما إذا قالَ: ((مِثلَهُ)). نُبِّئنا بإسنادٍ عن وكيعٍ، قالَ: قالَ سفيانُ: إذا قالَ: نَحوَهُ، فهوَ حديثٌ)).
فهذا ظاهرُهُ أنّ تعبيرَ سُفيانَ بقولِهِ: ((حديث)) تسويةٌ منهُ بينَ ((نحوهِ))، و ((مثلهِ)) (1).
وتابعهُ الشَّيخُ (2) على هذا الفهمِ، فَساقَ عبارةَ سفيانَ في ((مثلهِ))، و ((نحوهِ)) في القولِ الثاني. فإنَّ ظاهرَ ذلكَ أنَّهُ فَهِمَ أنهما سواءٌ، وليسَ كذلكَ، بلْ الظاهر أنَّ التعبيرَ ((يُجزيءُ)) معناهُ: يَكفي التعبيرُ بالمثلِ في تسويغِ الروايةِ لمتنِ السَّندِ الأولِ، بالسَّندِ الثاني.
وقولُهُ: (فهوَ حديثٌ)(3)، أي: آخرُ (4)، كما هو مُقتضَى التنوينِ، فهوَ موازنٌ لقولِ شُعبةَ:((شَكّ)).
ثمّ إنَّ هذا القولَ الثاني جَعَلهُ الشَّيخُ شاملاً لـ ((نحوهِ))، ولم يذكرْهُ ابنُ الصَّلاحِ إلا في مثلهِ خاصة، فإنّهُ قالَ:((إذا رَوَى المحدِّثُ الحديثَ بإسنادٍ ثمّ أتبعَهُ بإسنادٍ آخرَ، وَقالَ عندَ انتهائِهِ: ((مثلَهُ)) فأرادَ الراوي عنهُ أنْ يَقتصرَ عَلَى
(1) قال النووي في " الإرشاد " 1/ 491: ((ففرق ابن معين بين مثله، ونحوه)).
وانظر: الاقتراح: 241، وجواهر الأصول في علم حديث الرسول: 123، وتدريب الراوي:120.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 10.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 10.
(4)
قال السخاوي في " فتح المغيث " 2/ 261: ((وعن عبد الرزاق، قال: قال النووي: إذا كان مثله، يعني: حديثاً قد تقدم، فقال: مثل هذا الحديث الذي تقدم، فإن شئت فحدث بالمثل على لفظ الأول))، وهذا الأثر نقله الخطيب بسنده في " الكفاية ": 212 - 213، ثم قال عقبه:((قال عبد الرزاق: وكان شعبة لا يرى ذلك)). ومن هذا النقل عن النووي تبين أنه لم يرد حديثاً آخر غيره، والله أعلم.
الإسنادِ الثاني وَيسوقَ لفظَ الحديثِ المذكورِ عقيبَ الإسنادِ الأوَّلِ فالأظهرُ المنعُ (1) مِنْ ذَلِكَ، وَروِّينَا عَن أبي بكرٍ الخطيبِ الحافظِ، قالَ: كانَ شعبةُ لا يُجيزُ ذَلكَ. وَقالَ بعضُ أهلِ العلمِ: يجوزُ ذَلكَ إذا عُرِفَ أنَّ المحدِّثَ ضابطٌ مُتحفظٌ يَذهبُ إلى تمييزِ الألفاظِ وعدِّ الحروفِ، فإنْ لمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ مِنهُ، لم يَجُزْ ذَلكَ، وكانَ غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ
…
)) (2) الخ (3). هذا لفظُهُ بحروفهِ.
ويؤيدُ ما فهمتهُ من الفرقِ بينَ ((مثلهِ))، و ((نحوهِ)) تعليقُهُ الأمرَ بتمييزِ الألفاظِ وعدِّ الحروفِ، فهوَ ظاهرٌ جداً في الروايةِ باللفظِ، ويؤيدهُ أيضاً ما رأيتُ بخطِّ صَاحبِنا العلامة شمسِ الدِّينِ بنِ حسانَ (4) أنَّ قولَ الخطيبِ هذا جعلهُ النوويُّ (5)، وكذا الحافظُ عمادُ الدِّينِ بنُ كثير قولَ سفيانَ الثوريِّ. أي: لأنّهُ قالَ: إنَّ قولَ الراوي ((مثلَهُ)) يجزئُ / 223 ب /، أي: لأنّهُ لا يقولُ ذلكَ إلاّ منْ علمَ أنَّ لَفظَي الحديثِ سواءٌ، لا ينقصُ أحدُهُما عن الآخرِ حرفاً فما فوقه؛ لأنَّ المماثلةَ ظاهرةٌ في ذلكَ، ويؤيدهُ ما نقلهُ مسعودٌ، عن الحاكمِ.
(1) قال ابن دقيق: ((والأظهر أنه لا يجوز)). الاقتراح: 240.
وقال النووي: ((فالأظهر منعه)). الإرشاد 1/ 490، وشرح صحيح مسلم 1/ 38.
وعلق البلقيني والزركشي بكلام طويل على جملة: ((فالأظهر المنع)). انظر: محاسن الاصطلاح: 199، ونكت الزركشي 3/ 631 - 632.
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 339.
(3)
الكفاية: 212. وتتمة كلامه: ((إذا روى مثل هذا يورد الإسناد، ويقول: مثل حديث قبله متنه كذا وكذا، ثم يسوقه)).
(4)
هو محمد بن محمد بن علي بن محمد بن حسان الشمس بن الشمس، الموصلي الأصل، المقدسي، الشافعي، ويعرف بابن حسان، ولد سنة (800 هـ)، وتوفي سنة (855 هـ). انظر: الضوء اللامع 9/ 152 - 154.
(5)
انظر: شرح صحيح مسلم 1/ 38.
وأمَّا قولُهُ: ((إذا قالَ: نحوَهُ)) (1) فهيَ مسألةٌ أُخرَى، لم يتعرضْ لها النَّوويُّ (2). لكنْ يبعدُ إطلاقُ المثلِ على المتحدِ باللفظِ؛ إذ المماثلة ظاهرةٌ جداً في المشابهةِ، والمتحدُ باللفظِ هوَ ذلكَ الحديثُ نفسُهُ لا أنَّهُ مُشبههُ، واللهُ أعلمُ.
ومن مؤيداتِ ما فهمتهُ أيضاً، ما قالهُ النَّوويُّ في ((بابِ صفةِ الوضوءِ)) وكمالهِ من " شرحِ مُسلِم " في قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:((منْ تَوضَّأَ بِنَحوِ وضُوئي هَذا)) (3). وإنّما قالَ صلى الله عليه وسلم: ((نحوَ))، ولم يقلْ:((مثلَ))؛ لأنَّ حقيقةَ مماثلتهِ صلى الله عليه وسلم لا يقدرُ عليها غيرُهُ)) (4). انتهى.
وَمَن وَقَعَ في روايتهِ ((مثلَ وضوئي))، فالظاهرُ أنّه رَوَى بالمعنى، فلم يوفِ بالمرادِ؛ لأنَّ ((نحوَ)) أوسعُ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يحبُّ التوسعةَ لأمتهِ.
قولُهُ: (وهو قولُ يحيى)(5) وكذا قولُ سفيانَ، كما عَلمتَهُ فكانَ يتعينُ أنْ يُؤخِّرَ ما سَاقَهُ عنه في القولِ الثاني إلى الثالثِ، وعن الحافظِ عمادِ الدِّينِ إسماعيلَ بنِ كثيرٍ أنّهُ اختارَ قولَ يحيى هذا.
قولُهُ: (وَعَليهِ يَدلُّ كَلامُ الحاكمِ)(6) عِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: ((هذا - أي: قولُ
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 10.
(2)
تعرَّض النووي لهذا، فقال في " الإرشاد " 1/ 491:((وأما إذا قال: نحوه فقد أجازه سفيان، ومنعه شعبة)). وانظر: شرح صحيح مسلم 1/ 38.
(3)
أخرجه: أحمد 1/ 59 و60، والدارمي (699)، والبخاري 1/ 51 (159) و1/ 52 (164) و3/ 40 (1934)، ومسلم 1/ 141 (226)(3) و (4) من حديث عثمان ابن عفان رضي الله عنه.
(4)
شرح صحيح مسلم 2/ 94.
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 11.
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 11.
الخطيبِ أنَّه على مذهبِ من لم يُجزِ الروايةَ على المعنى (1) - لهُ تعلّقٌ بمَا رُوِّينَاهُ عنْ مَسعودِ بنِ عليٍّ السجزيِّ (2) أنَّهُ سَمِعَ الحاكمَ أبا عبدِ اللهِ الحافظَ يقولُ: إنَّ أوّلَ مَا (3) يلزمُ الحديثيَّ مِنَ الضبطِ وَالإتقانِ أنْ يُفرِّقَ بينَ أنْ يقولَ: ((مثلَهُ)) أوْ يقولَ: ((نحوَهُ))، فلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يقولَ:
…
)) (4) إلخ.
وقد عُلمَ ما تَقدَّمِ عن سفيانَ ويحيى في التجويزِ في ((مثلِه)) دونَ ((نحوهِ))، وأنَّ ظاهرَ قولِ سُفيانَ ((نحوه)) أنَّهُ ((حديث)) أنَّ مرادَهُ حديثٌ آخرُ مقاربٌ، لا أنَّه مساوٍ، لا في اللفظِ ولا في المعنَى، وذلكَ يقدحُ في تجويزِ التركيبِ عندَ التعبيرِ ((بنحوهِ))، على المذهبينِ قطعاً، وإنْ كانَ يحيى وسُفيانُ ممن يُجيزان الروايةَ بالمعنى تأكَّدَ ما فهمتهُ عنهُما، ويؤيدُه أيضاً: أنَّ ابنَ دقيقِ العيدِ قالَ: ((ويشترط أنْ يكون - أي: الشَّيخُ الذي ذَكَرَ السَّندَ، ثُم قالَ: ((مثلَهُ)) أو ((نحوَهُ)) - ممّن يُفرِّقُ بينَ مدلولِ قولهِ / 224 أ /: ((مثله))، أو ((نحوه))، فإنَّه قد يتسامحُ بعضُ النَّاسِ في ذلكَ، واللهُ أعلمُ)) (5).
قولُهُ: (وَهذَا عَلَى مَذهَب
…
) (6) إلخ، الإشارةُ إلى قولِ ابنِ مَعينٍ، كما هوَ ظاهرُ العبارةِ. ونُقِلَ عن النَّوويِّ (7) التصريحُ بهِ، وعِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ أشدُّ ظهوراً في ذلكَ من عبارةِ الشَّيخِ، فإنَّه قالَ: ((وعن ابنِ معينٍ أنّه أجازَ ما قدَّمنَا ذِكرَهُ - أي: مِنْ
(1) ما بين الشارحتين جملة اعتراضية من البقاعي.
(2)
سؤالات مسعود: 123.
(3)
في " المعرفة ": ((مما))، بدل ((أول ما)).
(4)
معرفة أنواع علم الحديث: 340، وتتمة القول:((مثله إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظٍ واحد، ويحل أن يقول: نحوه إذا كان على مثل معانيه)).
(5)
الاقتراح: 241.
(6)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 11، وهو من كلام الخطيب.
(7)
انظر: الإرشاد 1/ 491.
أنَّ الراويَ يَقتصرُ على الإسنادِ الثاني، ويَسوقُ لفظَ الحديثِ المذكورِ، عَقِبَ الإسنادِ الأوَّلِ في قولهِ: أي أجازَ ما قَدَّمناهُ - (1) في قولهِ: ((مِثْلهُ))، ولم يُجزْهُ في قولهِ:((نحوهُ)))) (2).
قالَ الخطيبُ: ((وهذا القولُ على مَذهَب
…
)) (3) الخ.
وهذا ذهابٌ منهم إلى أنّ ((المثلَ)) عندَ سُفيانَ، ويَحيَى بمعنى:((العينِ))، وهذا كلُّهُ فيما إذا أَدرَجَ المتنَ على السّندِ الثاني، ولم يُبيّنْ أنّه لسندٍ آخرَ. وأمّا
إذا بَيّنَ فقد تَقدّمَ ما نَقَلَهُ الخطيبُ في تجويزِ غيرِ واحدٍ من أهلِ العلمِ لهُ وأنَّه اختارَهُ.
وعلى كُلِّ تقديرٍ ففي ذلكَ نَظَرٌ؛ لأنَّ قولَهُ أنَّه على مَذهَبِ مَن مَنَعَ الروايةَ بالمعنى، إن كانتِ الإشارةُ فيهِ إلى قولِ مَن شَرَطَ التَّحفُّظَ بتمييزِ الألفاظِ، وعدِّ الحروفِ، وكذا ما جَعَلَ ابنُ الصَّلاحِ له بهِ تعلُّقاً ممّا نَقَلهُ مَسعودٌ، عن الحاكمِ، فهوَ واضحٌ مُنتظِمٌ.
فإنَّ مَن كانَ كذلكَ لم يطلقْ ((مثلَهُ)) إلا فيما قابلهُ فوافقَتْ حروفُهُ حروفَ المتنِ المذكورِ فكانَ إياهُ، فَجازَ نقلُهُ؛ لأنَّه هو المتنُ المتقدِّمُ بعينهِ، وأمَّا مَن لم يُعرفْ منهُ هذا التحفُّظ لم يجزْ مثلَ ذلكَ فيما قالَ فيهِ:((مثلهُ)) لأنَّه لم يوثقْ بكونهِ عينَ الحديثِ المذكورِ، فدَارَ الأمرُ على أنَّ الجوازَ تابعٌ للعلمِ باتّحادِ اللفظِ، والمنعَ تابعٌ للشكِّ فيهِ.
وإنْ كانتِ الإشارةُ فيهِ إلى قولِ ابنِ مَعينٍ ونحوهِ لم يصحَّ؛ لأنَّهم لو كانُوا يمنعونَ الروايةَ بالمعنى لما اختلفوا في ((مثلِ)) فَمَنعَ فيها شعبةُ وأجازَ فيها غيرُهُ.
(1) ما بين الشارحتين جملة توضيحية من البقاعي.
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 340.
(3)
الكفاية: 214.
فالظاهرُ أنَّ المنعَ فيها لِظهورِها في إرادةِ المعنى؛ لأنَّ الموافقَ في اللفظِ يمكنُ أنْ يُقالَ فيهِ: ((قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الحديثَ))، أو ((بهذا))، أو ((قد ذَكَرَهُ))، أو ((بهِ))، أو ((بلفظهِ سَواء)).
وما أدَّى هذا المعنى من نحوِ هذه الألفاظِ، فلا يعدلُ عن الأوَّلِ إلى ما هوَ دونه / 224 ب /، فلا يعدلُ عن مثلِ هذه الألفاظِ، إلى قولهِ:((مثلهِ)) إلا لما هوَ ظاهرٌ فيهِ من التَّشابهِ في المعنى، وأكثر الألفاظِ لا للاتحادِ في الذَّاتِ (1).
ومُسلمٌ أكثرُ النَّاسِ ذكراً لذلكَ، فتارةً يقولُ بعدَ ذِكرِ الحديثِ: حَدَّثَنا فُلانٌ بهذا الإسنادِ ((نحوه))، وتارةً يقولُ:((مثلهُ))، وتارةً: قالَ فُلانٌ ((هذا))، أو
((نحوه))، وتارةً قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ((بهذا الحديثِ))، ((نحو حديثِ فُلانٍ))، وتارةً ((وسَاقَ الحديثَ بمثلهِ))، وتارةً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ((بهذا الحديثِ)) إلى غيرِ ذلكَ من العباراتِ.
ويمكنُ على بعدٍ أنْ يُنزَلَ كلامُ شُعبةَ على مَن شَكَّ في حالهِ، وكلامُ المجيزِ على مَن عَلمَ من حالهِ التحفظَ في عدِّ الحروفِ. ووجهُ البُعدِ إطلاقُ كلٍّ من الفريقينِ قولهُ من غير تقييدِ وقتٍ ما، واللهُ أعلمُ.
وأوَّلُ دليلٍ على أنَّ الظاهرَ في إطلاقِ ((المثلِ))، الشَّبَهُ لا العينُ، أنَّ مَن يَتقيَّدُ باللفظِ مَنَعَ بعضهم من الروايةِ بها مُطلقاً.
واشترطَ آخرُ أنْ يُعرفَ من عادةِ المحدِّثِ الضابطِ، تَمييزُ الألفاظِ وعدِّ الحروفِ (2).
(1) قال أبو زكريا الأنصاري في "فتح الباقي" 2/ 92: ((إذ ظاهر ((مثله)) يفيد التساوي في اللفظ دون ظاهر ((نحوه)))).
(2)
اشترط هذا سفيان الثوري، ويحيى بن معين. انظر: الإرشاد 1/ 490، ونسب الخطيب في "الكفاية": 212 هذا القول لبعض أهل العلم.
واشترطَ آخرُ (1) في الراوي أنْ يعرفَ الفرقَ بينَ معنى ((مثلهِ))، ومعنى ((نحوهِ))، وهذا هوَ الذي يَنبغي أنْ يُقطَعَ بهِ ولا يُعدَلَ عنهُ: أنَّ من عُرِفَ من عادتهِ أنَّه لا يقولُ: ((مثلَهُ))، إلاّ عندَ اتحادِ اللفظِ، وكان ثقةً عارفاً بصيراً، جازَ أنْ يُركِّبَ المتنَ المذكورَ، على ما ذَكَر من السّندِ، وقالَ فيهِ:((مثلَهُ))، واللهُ أعلمُ.
قولُه: (مثلُ حديثٍ قبلَهُ، متنُهُ)(2) لا يقالُ: إنَّ هذا يُوهِمُ أنَّه سَمِعَ المتنَ الثاني، وأنَّه إنَّما تَركَهُ لنسيانٍ أو غيرهِ، فلا يَخلو عن احتمالِ المنعِ؛ لإيهامهِ أنَّه سَمعَهُ بخصوصهِ، فيكونُ إيهاماً لما لو قِيلَ كانَ كاذباً؛ لأنَّا نقولُ: إنّ هذا الإيهامَ غيرُ مؤثِّرٍ بوجهٍ؛ لأنَّه لم يزدْ على ما سَمِعَ وهوَ موجودٌ، ولو لَم يُركِّب متنَ السَّندِ الأوَّلِ عليهِ.
قولُه: (وَهذا الذي أَختارُهُ)(3) نُقِلَ عن النّوويِّ أنّه قالَ: ((ولا شَكَّ في حُسنهِ)) (4).
قولهُ: (وَذَكَرَ الحَدِيْثَ)(5).
وقولُه: (إذْ بَعْض مَتْنٍ)(6)، ((بعضُ)) نكرةٌ في سياقِ النفي، فيقتضي ذلكَ أنّه لم يَسقْ شيئاً من المتنِ، وليسَ هوَ المراد؛ لأنَّ المسألةَ مفروضةٌ فيمن ذَكَرَ المتنَ،
(1) هو الحاكم النيسابوري كما نقل عنه قبل قليل في "سؤالات مسعود": 123.
(2)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 11، وهو كلام الخطيب نقلاً عن بعض أهل العلم.
انظر: الكفاية: 212.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 11، وهو كلام الخطيب في "الكفاية":212.
(4)
شرح صحيح مسلم 1/ 38.
(5)
التبصرة والتذكرة (673).
(6)
التبصرة والتذكرة (673).
وحَذفَ بعضهُ، فلو / 225 أ / قالَ الشَّيخُ:((كل متنٍ)) لكانَ أقربَ، وكانَ المعنى:((وقولُ المحدّثِ حينَ لم يَسقْ كلَّ المتنِ بل سَاقَ بعضَهُ)).
وقالَ: ((وَذَكَرَ))، أي: الشَّيخُ الذي حَدَّثَني الحديثَ. ((فالمنعُ)) للرَّاوي عن ذلكَ الشّيخِ من إكمالِ الحديثِ ((أحقّ)) من المنعِ في المسألةِ التي قبلها، وهي ما إذا سَاقَ الحديثَ، ثُم سَاقَ إسناداً آخرَ لهُ، ثُم قالَ:((فَذَكرَ مثلَهُ)).
قولهُ: (إذا أتى الشَّيخُ الراوي)(1) عِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: ((إذا ذَكَرَ الشَّيخُ إسنادَ الحديثِ، ولمْ يَذكرْ مِنْ مَتْنهِ إلاّ طَرفاً ثُمَّ قالَ: ((وَذكرَ الحديثَ))، أو قالَ: وذكرَ الحديثَ بطولِهِ)) (2).
قولهُ: (وبالمنعِ أجابَ الأستاذُ)(3) عِبارةُ ابنِ الصَّلاحِ: ((وسألَ بعضُ [أهلِ] (4) الحديثِ أبا إسحاقَ إبراهيمَ بنَ محمدٍ الشّافعيَّ المقدَّمَ في الفقهِ والأصولِ عنْ ذَلكَ، فقالَ: لا يجوزُ لمنْ سمعَ عَلى هذا الوصفِ، أنْ يرويَ الحديثَ بما فيهِ مِنَ الألفاظِ عَلَى التفصيلِ، وَسألَ أبو بكرٍ البَرْقَانيُّ (5) الحافظُ الفقيهُ أبا بَكرٍ الإسماعيليَّ الحافظَ الفقيهَ عمَّنْ قَرَأَ إسنادَ حديثٍ عَلَى الشَّيخِ، ثمَّ قالَ:((وَذَكرَ الحديثَ))، هَل يجوزُ أنْ يُحدِّثَ بجميعِ الحديثِ؟ فقالَ: إذا عَرَفَ
…
)) (6) إلخ.
(1) شرح التبصرة والتذكرة 2/ 11.
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 340.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 12.
(4)
ما بين المعكوفتين زيادة من "المعرفة".
(5)
الكفاية: 311. وتتمة كلامه الذي نقله ابن الصلاح: ((فقال: إذا عرف المحدّث والقارىء ذلك الحديث، فأرجو أن يجوز ذلك، والبيان أولى أن يقول: كما كان)). وانظر: الإرشاد 1/ 492، وشرح صحيح مسلم 1/ 38، والمقنع 1/ 189.
(6)
معرفة أنواع علم الحديث: 341، وانظر: الإرشاد 1/ 492، وشرح صحيح مسلم 1/ 38، والمقنع 1/ 389.
وعَن ابنِ كَثير أنَّه قالَ: ((إنْ كانَ - أي: الراوي - قدْ سمعَ الحديثَ المشارَ إليهِ قبلَ ذلكَ عَلَى الشَّيخِ في ذَلكَ المجلسِ، أوْ في غيرِهِ، فتجوزُ الرواية، وتكونُ الإشارةُ إلى شيءٍ قد سَلَفَ بيانهُ وتحقّقُ سماعه)) (1). انتهى.
وهوَ في غايةِ الظُّهورِ والحُسنِ، وإليهِ يَرشدُ قَولُ ابنِ الصَّلاحِ الآتي:((فالتحقيقُ أنَّه بطريقِ الإجازةِ فيما لمْ يذكُرهُ الشَّيخُ)) (2) فإنَّ مَفهومَهُ أنّه إذا ذَكَرَهُ الشيخُ كانَ سَماعاً.
قولهُ: (ثمَّ يقولُ:)(3)، أي: السَّامعُ (قالَ)(4)، أي: الشَّيخُ (وَذَكَرَ)(5)، أي: الذي حدَّثهُ الحديثَ.
صورةُ ذلكَ أنْ يقولَ الشّيخُ مثلاً: حَدَّثَنا فُلانٌ
…
إلى أنْ يقولَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إنّما الأعمالُ)) (6). ((قالَ)) يعني: شَيخَهُ، ((وَذَكَرَ))، أي: الذي حَدَّثني الحديثَ بطولهِ، أو كلَّهُ، ونحو ذلكَ.
(1) اختصار علوم الحديث 2/ 419، وبتحقيقي: 214، وزاد السخاوي في نقله عن ابن كثير:((وإلا فلا)). فتح المغيث 2/ 264.
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 341.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 12.
(4)
المصدر السابق.
(5)
المصدر نفسه.
(6)
إشارة إلى حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي أخرجه: ابن المبارك في " الزهد "(188)، والطيالسي (37)، والحميدي (28)، وأحمد 1/ 25 و43، والبخاري 1/ 2 (1) و1/ 21
(54)
و3/ 190 (2529) و5/ 72 (3898) و7/ 4 (5070) و8/ 175 (6689) و9/ 29 (6953)، ومسلم 6/ 48 (1907)(155)، وأبو داود (2201)، وابن ماجه (4227)، والترمذي (1647)، والبزار (257)، والنسائي 1/ 58 و6/ 158 و7/ 13 وفي " الكبرى "، له (78)، وابن خزيمة (142) و (143) و (455)، وابن الجارود (64)، والطحاوي في " شرح المعاني " 3/ 96 وفي " شرح المشكل "، له (5107) و (5108) و (5109) و (5110) و =
قولهُ: (إجازةٌ أكيدةٌ)(1)، أي: لكونِها إجازةَ شيءٍ مُعيَّنٍ لشخصٍ مُعيَّنٍ، وفي المسموعِ ما يدلُّ على المجازِ معَ معرفةِ المجازِ لهُ، كما قالَ الإسماعيليُّ.
= و (5111) و (5112) و (5113) و (5114)، وابن حبان (388) و (389)، والدارقطني 1/ 50 - 51 وفي " العلل "، له 2/ 194، وأبو نعيم في " الحلية " 8/ 42 وفي " أخبار أصفهان "، له 2/ 115، والبيهقي 1/ 41 و298 و2/ 14 و4/ 112 و235 و5/ 39 و6/ 331 و7/ 341، والخطيب في "تأريخه" 4/ 244 و6/ 153، والبغوي (1) و (206).
(1)
شرح التبصرة والتذكرة 2/ 12، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: 341، وقال البلقيني في "محاسن الاصطلاح": 201: ((وعلى تقدير الإجازة، لا يكون أولى بالمنع عن: ((مثله))
و ((نحوه)) إذا كان الحديث بطوله معلوماً لهما، كما ذكر الإسماعيلي بل يكون أولى بالجواز)).