الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاقتِصَارُ عَلَى بَعضِ الحدَيِثِ
قولُهُ: (الاقتصارُ على بعضِ الحديثِ)(1) لما كانَ للحذفِ من الحديثِ تعلّقٌ بالمعنَى، عقَّبَ الروايةَ بالمعنَى بهِ.
قولُهُ: (فَامْنعَ)(2) هوَ على تقديرِ شرطٍ، أيْ ((حَذف بعضِ المتنِ إنْ أرادَهُ أحدٌ فامنعْ منهُ مطلقاً))، أي: سواءٌ كان قد رَوَى قبلَ ذلكَ تامَّاً أم لا. قالَهُ ابنُ الصَّلاحِ (3)، بناءً على القولِ بالمنعِ من النقلِ بالمعنى مطلقاً.
قولُهُ: (او أجِزْ)(4) أي: أجِزِ الحذفَ مطلقاً. وعبارةُ ابنِ الصَّلاحِ عن هذا القولِ: ((ومنهمْ مَنْ جَوَّزَ ذلكَ وأطلقَ ولم يُفصِّلْ)) (5) - أي: بينَ أنْ يكونَ الحديثُ قد رويَ تاماً قبلَ ذلكَ أو لا، ولا بينَ أنْ تجوزَ الروايةُ بالمعنى أو لا، قالَ -:((وقد رُوِّيْنا عَنْ مُجَاهِدٍ أنَّهُ قالَ: انقُصْ منَ الحديثِ ما شِئتَ ولا تزِدْ فيهِ (6))). انتهى.
ونُقِلَ عن الشيخِ محيي الدّينِ النوويِّ (7) أنَّه قالَ: ((إنَّ القاضِي عياضاً، نسبَ هذا القولَ، إلى مسلمِ بنِ الحجاجِ صاحبِ الصَّحيحِ)).
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 509.
(2)
التبصرة والتذكرة (635).
(3)
معرفة أنواع علم الحديث: 324.
(4)
التبصرة والتذكرة (635) بتسهيل همزة (أو).
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 324.
(6)
هذا الأثر أسنده الخطيب في " الكفاية ": 189 هـ، وفي " المحدث الفاصل " للرامهرمزي: 543 بلفظ: ((لأن أنقص من الحديث، أحب إليَّ من أنْ أزيد فيه)).
(7)
انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 1/ 52، وقال النووي: ((والصحيح الذي ذهب إليه الجماهير والمحققون من أصحاب الحديث والفقه والأصول: التفضيل وجواز ذلك من العارف إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه، بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة بتركه، سواء جوّزنا الرواية بالمعنى أم لا، وسواء رواه قَبْلُ تاماً أم لا؟ هذا إن ارتفعت منزلته عن التهمة، فأمّا من رواه =
قوله: (أَوْ لِعَالِمٍ)(1) قال شَيخُنا رحمه الله: ((يَنبغي أنْ لا يكونَ هذا قولاً برأسهِ، بلْ يجعلُ شَرطاً لقولِ من أجازَ، فإنَّ منعَ غيرِ العَالمِ منَ التصرُّفِ في مثلِ ذلكَ، لا يخالفُ فيه أحدٌ)).
وقولهُ: (إِنْ يَكُنْ مَا اخْتَصَرَهُ
…
) (2) إلى آخره شرطٌ لا بدَّ من وجودهِ، لكنْ لا يحتاجُ إلى ذكرهِ هنا؛ لأنَّهُ قد عرفَ من القولةِ التي قبلَ هذهِ (3) أنَّ التغييرَ مشروطٌ بالإتيانِ بتمامِ المعنى.
قالَ شيخُنا: ((وينبغِي أن يقيَّدَ ذلكَ بمن يقصدُ الاحتجاجَ، كما سَيأتي في آخرِ هذهِ القولةِ)). ويَستثني من غرضهِ الأعظم، تحريرَ السندِ كأصحابِ الأطرافِ، فإنَّهُ لا يشترطُ في حقّهِ أن يذكرَ من الحديثِ جملةً مفيدةً، بل يأتي بكلامٍ يُعرفُ منه تمامُ الحديثِ؛ ليدلَّ على أنّ هذا السندَ، للحديثِ / 214 ب / الذي ذكرَ طرفَهُ كأنْ يقولَ حديثَ:((لو يُعطَى النَّاسُ بدعواهُم)) (4).
= تاماً، ثم خاف إن رواه ثانياً ناقصاً أن يتهم بزيادة أوّلاً، أو نسيان لغفلة وقلة ضبط ثانياً، فلا يجوز له النقصان ولا ابتداء إن كان قد تعين عليه أداؤه.
وأما تقطيع المصنفين الحديث الواحد في الأبواب، فهو بالجواز أولى، بل يبعد طرد الخلاف فيه، وقد استمر عليه عمل الأئمة الحفاظ الجلّة من المحدّثين وغيرهم، من أصناف العلماء، وهذا معنى قول مسلم رحمه الله: أو أن يفصل ذلك المعنى
…
إلى آخره)).
(1)
التبصرة والتذكرة (635).
(2)
التبصرة والتذكرة (636).
(3)
إشارة إلى قوله في البيت (635):
وَحَذْفَ بَعْضِ الْمَتْنِ فَامْنعَ او أَجِزْ
…
أَوْ إِنْ أُتِمَّ أَوْ لِعَالِمٍ وَمِزْ
(4)
أخرجه: البخاري 6/ 43 (4552)، ومسلم 5/ 128 (1711) (1) من حديث ابن عباس. ولفظ البخاري:((لو يُعطى الناس بدعواهم، لذهب دماء قومٍ وأموالهم)).
قوله: (هو أو غيرُهُ لم يَجُزْ)(1) أي: وإن جازت الرواية بالمعنى، كما قال ابن الصلاح (2). وقد يُسأل عن علة ذلك، فإن قيل: إنّها الخوف من أن يُتهم بأنّه زاد فيه لو رواه بعد ذلك تاماً. فالخوف من أن يُتهم بأنّه زاد أوّل مرةٍ إذا رواه ثانياً ناقصاً موجودٌ. وقد يقالُ: إنّما ذلكَ لأجلِ الخوفِ من أنَّه قد يموتُ قبلَ أنْ يُحدِّثَ به تاماً، فَيفُوتَ بذلك حكمٌ من الأحكامِ أو نحو ذلك.
قوله: (إنْ أَتَمَّ مرَّةً ما، منهُ أو من غيرِهِ)(3) مُقيّدٌ بمن لا يُتّهمُ. أمّا مَن يَخشَى ذلكَ، فسيأتي أنَّهُ إذا رواهُ تامَّاً لا يسوغُ له بعدَ ذلكَ أن يروَيهُ ناقصاً؛ لِئلا يُظَنَّ به ظنّ السوءِ (4).
قولُهُ: (لأنَّ ذلكَ بمنزِلةِ)(5) عبارةُ ابنِ الصَّلاحِ بعدَ ما تقدَّمَ: ((لأنَّ الذي نَقلَهُ والذي تركَهُ - والحالَةُ هذهِ - بمنزلَةِ خَبَرَينِ منفصلينِ في أمرينِ لا تَعَلُّقَ لأحدِهِما
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 510.
(2)
معرفة أنواع علم الحديث: 324.
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 510.
(4)
قال الخطيب في " الكفاية ": 193: ((وإنْ خاف من روى حديثاً على التمام، إذا أراد روايته مرة أخرى على النقصان لمن رواه له قبل تاماً، أن يتهمه بأنه زاد في أول مرة مالم يكن سمعه، أو أنه نسي في الثاني باقي الحديث؛ لقلة ضبطه وكثرة غلطه، وجب عليه أن ينفي هذه الظنة عن نفسه؛ لأنّ في الناس من يعتقد في رواية الحديث كذلك أنه ربما زاد في الحديث ما ليس منه، وأنّه يغفل ويسهو عن ذكر ما هو منه، وأنّه لا يؤمن أن يكون أكثر حديثه ناقصاً مبتوراً، فمتى ظنَّ الراوي اتهام السامع منه بذلك، وجب عليه نفيه عن نفسه)).
وقال أبو الفتح سليم الرازي: ((إن من روى بعض الخبر، ثم أراد أن ينقل تمامه، وكان ممَّن يتهم بأنّه زاد في حديثه، كان ذلك عذراً له في ترك الزيادة وكتمانها)).
انظر: البحر المحيط 4/ 362، ومعرفة أنواع علم الحديث: 325، والمقنع 1/ 377، وشرح صحيح مسلم للنووي 1/ 52، وشرح التبصرة 1/ 510.
(5)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 510.
بالآخَرِ، ثمَّ هذا إذا كانَ رفيعَ المنزلةِ بحيثُ لا يتطرَّقُ إليهِ من ذلكَ تُهمَةُ نَقلهِ أوَّلاً تماماً ثمَّ نَقْلِهِ ناقصاً، أو نقلِهِ أوَّلاً نَاقِصاً ثمَّ نَقلِهِ تامَّاً)) (1).
وعبارةُ ابنِ دَقيقِ العيدِ (2) فيما إذا اقتصرَ على واحدٍ من لَفظينِ مُستقلينِ في معنيينِ، ولا تغير للمعنى، فالأقربُ الجوازُ؛ لأنَّ عمدةَ الروايةِ في التجويزِ هو الصدقُ، وعُمدتها في التحريمِ هو الكذبُ، وفي مثلِ ما ذكرناهُ: الصدقُ حاصلٌ فلا وجهَ للمنعِ، فإن احتاجَ ذلكَ إلى تغييرٍ لا يُخِلُّ بالمعنى، فهو خارجٌ على جوازِ الروايةِ بالمعنى.
قولُهُ: (أَدَاءُ تمامِهِ)(3) ينبغي أنْ لا يرويَهُ ناقصَاً، بل لا يرويه إلا تامَّاً مُطلقاً؛ لأنَّه إما أنْ يتعينَ ذلكَ عليهِ، وإمّا أنْ يكونَ بصددِ أنْ يؤخذَ عاضِداً عندَ المعارضةِ، أو شَاهِداً، أو متابعاً بحيثُ يتمُّ به وبما تابعه الحُجَّة، ولو لم تكن هناكَ معارضةٌ، فيندبَ له أنْ لا يرويَهُ إلا تاماً نَدباً متأكداً، وقد يقالُ: إنَّ هذه الصورةَ داخلةٌ في كلامِ الشَّرحِ.
قولُهُ: (إلى الجوازِ أقربُ)(4) قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((ومنَ المنعِ أبعَدُ)) (5) ونُقِلَ عن النوويِّ (6) أنَّه يبعدُ طرد الخلافِ فيهِ.
(1) معرفة أنواع علم الحديث: 324.
(2)
الاقتراح: 238 - 239، وأول عبارته: ((إن كان اختصاره، مما يغير المعنى لو لم يُختصر لم يجز. وإن لم يغير المعنى، مثل أن يذكر لفظين مستقلين
…
)).
(3)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 511، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: 325.
(4)
شرح التبصرة والتذكرة 1/ 511، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: 325.
قلت: وقد فعله بعض الأئمة منهم: مالك، وأحمد، ونعيم بن حماد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي. انظر: الكفاية 193 - 194، ومعرفة أنواع علم الحديث: 325، والمقنع 1/ 377، والإرشاد 1/ 470، وشرح التبصرة والتذكرة 1/ 511.
(5)
معرفة أنواع علم الحديث: 325.
(6)
انظر: صحيح مسلم بشرح النووي 1/ 38 - 39.
قولُهُ: (ولا يَخْلُو منْ كَراهِيَةٍ)(1) ليسَ المرادُ الكراهةَ الاصطلاحيةَ، وإنّما المرادُ أنَّ سوقَهُ تامَّاً أحسنُ وأولَى.
(1) شرح التبصرة والتذكرة 1/ 511، وانظر: معرفة أنواع علم الحديث: 325. وقد نازعه النووي في " التقريب ": 135، فقال: ((وما أظنه يوافق عليه))، وقد عقد الخطيب في
" الكفاية ": 193 - 194 باباً سماه: ((ما جاء في تقطيع المتن الواحد وتفريقه في
الأبواب)). ونقل فيه آثاراً عن الأئمة في جواز ذلك.
وقال البلقيني في " محاسن الاصطلاح ": 190 ((فائدة وزيادة. قال النووي في مختصره: ((ما أظنُّ أنَّ ابن الصلاح يوافق على الكراهية))، وأطلق هو وابن الصلاح الخلاف في الفرع، ثم أردفاه بالتفصيل. وهو يقتضي أن لنا قولاً بجوازه مطلقاً، حتى يترك الشرط، والاستثناء، والغاية. وهذا مما لا يقوله أحد، وإنما يحمل التفصيل على جملة حالاته، ويتقيد القولان قبله بما إذا لم يكن للمحذوف تعلق بالمروي. ومن ثم قال ابن الحاجب في مختصره: حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر، إلاّ في الغاية والاستثناء ونحوه. وما تقدم من صنيع البخاري لم يفعله الإمام مسلم، بل يسوق الحديث بتمامه ولا يقطعه وقد تقدم أنّ ذلك من جملة أسباب ترجيحه عند جماعة)).