الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الجانب التربوي الاجتماعي]
[إرساء قواعد التسامح]
الجانب التربوي الاجتماعي جعل الإسلام رابطة الدين الجامعة المعتبرة، ودعا الناس لاتباعها ليكونوا أمة واحدة تجمعها وحدة الاعتقاد والتفكير والعمل الصالح، فأمر بإقامة الدين كما في قوله تعالى:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] وقد أبان الله تبارك وتعالى أن مراده الاجتماع تحت شريعة الإسلام (1) إذ يقول تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] وحبل الله هو الإسلام (2) .
وكما عني الإسلام بتأسيس هذه الجامعة وتسهيل الدخول إليها وتكثير سواد أتباعها - حاطها بسياج منيع من أن يجد معول الهدم إليها سبيلا، فجعل لها نظما تضبط تصرفات الناس في معاملاتهم وتدابير تذود عنهم أسباب الاختلال وتقيها من الانحلال (3) وذلك ما سنشير إلى شيء من ملامحه - على وجه الإيجاز - فيما يلي:
إرساء قواعد التسامح عني القرآن الكريم بموضوع التسامح عناية فائقة، فنوه به ليتمثله أهل الإسلام ولينبذوا ما ينافيه، وعده من خصائص دين الإسلام، فقال
(1) انظر أصول النظام الاجتماعي في الإسلام للشيخ محمد الطاهر بن عاشور ص 176، 179.
(2)
وهو قول ابن زيد، انظر المحرر الوجيز 3 / 248 والمرجع السابق ص 179.
(3)
انظر أصول النظام الاجتماعي في الإسلام ص 184.
جل شأنه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وقال في صاحب الرسالة وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} [الأعلى: 8] وقال في أصحابه وأتباعه: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 63]
ولذلك اعتبر القرآن المؤمنين إخوة، ووصفهم بهذا الوصف إشاعة لخلق التسامح فيما بينهم، فقال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]((ثم إن وصف الأخوة يستدعي أن تبث بين الموصوفين به خلال الاتحاد والإنصاف والمواساة والمحبة والصلة والنصح وحسن المعاملة فيتقبلها جميع الأمة بالصدر الرحب، سواء في ذلك الشريف والمشروف والقوي والضعيف، فإذا ارتاضت نفوس الأمة على التخلق بالأخوة بينهم سهلت على الشريعة سياستهم، وإنما ترضاض النفوس على الأخوة بتكرير غرسها فيها، وبتأكيد الدعوة إليها واجتثاث ما ينافيها)) (1) .
ولم يقتصر القرآن الكريم على إشاعة هذا الخلق فيما بين المسلمين، بل جعله عاما بين الناس جميعا، ((فلذلك يحق لنا أن نقول إن التسامح من خصائص دين الإسلام وهو أشهر مميزاته، وإنه من النعم التي أنعم بها على أضداده وأعدائه، وأدل حجة على رحمة الرسالة الإسلامية المقررة بقوله
(1) انظر المرجع السابق ص 197.
تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] )) (1) وشواهد القرآن الكريم على ذلك كثيرة جدا، منها قوله تعالى {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] وقوله سبحانه: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] وقد تمثل هذه الآية الإمام الجليل إسماعيل بن إسحاق القاضي، إذ ((دخل عليه ذمي فأكرمه، فوجد عليه الحاضرون فتلا هذه الآية عليهم)) (2) .
وخلق التسامح أحد الأخلاق التي حرص القرآن الكريم على ترسيخها، فلذلك نجد تقريره في الآيات المكية والمدنية، ومن الآيات المكية قوله تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] وفيها يقول الإمام الكبير جعفر الصادق: ((أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية)) (3) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وهذه الآية فيها جماع الأخلاق الكريمة، فإن الإنسان مع الناس إما أن يفعلوا معه غير ما يحب أو ما يكره، فأمر أن يأخذ منهم ما يحب ما سمحوا به، ولا يطالبهم بزيادة، وإذا فعلوا معه.
(1) انظر المرجع السابق ص 197.
(2)
أحكام القرآن لابن العربي 4 / 1786.
(3)
معالم التنزيل للبغوي 3 / 316.