الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 -
وصنف ثالث غال في الدين متتبع للأهواء متجاوز للحق ضال عن سواء السبيل.
[مؤسسات تعليم القرآن الكريم وأثرها في نشر الوسطية]
مؤسسات تعليم القرآن الكريم وأثرها في نشر الوسطية مما لا مراء فيه أن كتاب الله الفرقان هو ينبوع الهدى، والعاصم من القواصم من تمسك به فقد هدي إلى صراط مستقيم، عالج مشكلات الإنسان علاجا حكيما؛ لأن راسم المنهج هو خالق الإنسان {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]
فقد تناولت أسسه العامة مظاهر الحياة جميعها لشمولية نصوصه، وتبيانه لكل شيء، فهو البلسم الشافي من أدواء الإفراط والتفريط، يهتدي به الإنسان الحائر ويغلب كل بهرج زائف ويقود صاحبه إلى رياض السعادة الحقيقية، حين ينهل من منهله الروي، وتستجيب جوارحه لتعاليم الحنيفية السمحة، والإنسانية اليوم تترنح في سلوكها، وتضطرب في أنظمتها، عراها القلق المعنت، وعصفت بها ريح الانحرافات وركد الضمير الأخلاقي فاستحجرت القلوب، وجفت منابع الإيمان من الأفئدة، حين انتشرت أدواء الشهوات في نفوسهم، وعمهم القلق، وتغشاهم الاضطراب النفسي ولا منجاة من العذاب المؤلم إلا إذا حمل المسلمون مشعل الهداية (القرآن الكريم) إلى الإنسانية الحائرة في متاهات الجهال، فلا عاصم لها من الهاوية التي تتردى فيها إلا بالتنزيل الحكيم، كما قال جل وعلا:{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى - وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123 - 124]
وأهل الله وخاصته قراؤنا الذين يتغنون بآيات الله تعالى في محاريب الإيمان بذلك الانتصاب الخاشع بين يدي رب العالمين، هم الفائزون بالوسطية الحائزون السبق في ميدان الفضائل. لا سيما إذا تعانق القول والفعل، وتطابق الظاهر والباطن، واستوى السر والعلانية. (والواقع أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحتلوا في الإيمان مكان القمة ولم يغيروا التاريخ الإنساني ويقيموا حكما مكان حكم وأخلاقا مكان أخلاق إلا لقربهم من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم واقتباسهم من سناه وسريان الإخلاص من قلبه إلى قلوبهم، وحب الله من فؤاده إلى أفئدتهم)(1) .
وأقول: نعم إن الصحب الكرام هم الرعيل الأول الذين أدبهم صاحب الخلق العظيم، وهداهم إلى الصراط المستقيم، وهذب طباعهم التنزيل الحكيم، وأنجبتهم مدرسة النبوة كما قال بعضهم:
(1) فن الذكر والدعاء: ص 26 ط دار الاعتصام.
أنتج المسجد الكريم أناسا
…
أنجبتهم مدارس القرآن
صقلتهم يد الرسول فأضحوا
…
غرة الدهر في جبين الزمان
نعم أهل القرآن هم الفائزون بالوسطية.
* القرآن الكريم كتاب هداية فهو نور، وشفاء لما في الصدور، وهو الهادي إلى الحق، فالإعراض عنه ضلال وخسران، وزيغ وطغيان ويظل المعرض عنه في الدنيا في ضنك واضطراب، ويحشر أعمى في يوم المآب كما ورد في النص في (طه) قال ابن عباس رضي الله عنه:(تضمن الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة)(1) يشير إلى قوله سبحانه: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123] وهذا المعنى هو الذي نقصده واليراعة نحوه تسعى ويرحم الله تعالى من قال:
فأدنى البرايا من إلى البدع اعتزى
…
وأعلى البرايا من إلى السنن انتمى
ومن ترك القرآن قد ضل سعيه
…
وهل يترك القرآن من كان مسلما؟
وحملة التنزيل الحكيم الذين أنار الله تعالى بصائرهم ومنحهم تقواه فهدوا إلى الحق وتفتحت لهم أبواب المعرفة، وامتزجت أفئدتهم بآيه وتعاليمه ورتلوه في الغدو والآصال فانقادت جوارحهم لطاعة ربهم، واطمأنت قلوبهم بذكره، وكانوا من عباد الرحمن فهم يمشون على
(1) أخرجه الطبري (16 / 225) .