الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بقى علينا أن نعرف لماذا لم يكتبوا المصحف على قواعد الكتابة ولماذا لم يمشوا في كتابته على وتيرة واحدة هذا سؤال يجب ان يوجه إلى الصحابة الذين كتبوه بأمر عثمان رضى الله عنه، وانى يكون ذلك وقد ذهبوا إلى جوار ربهم الكريم - ومن هنا يقول العلماء إن رسم المصحف سر من الاسرار لم يطلع عليه أحد وان خطه معجز كلفظه
المقروء.
هذا ولا تتوهمن عليهم السهو أو الخطأ في كتابة كلام الله تعالى وقد مر عليك بطلان ذلك في الفصل الثالث من الباب الثاني في ضبط وتصحيح المصحف الكريم، ولا يخطرن ايضا ببالك أنهم ما كانوا يعرفون اصول الكتابة فلذلك اضطربوا في رسم المصحف فان هذا وهم باطل كما سنقيم الدليل عليه في الفصل الخامس.
الفصل الرابع (في حكم اتباع رسم المصحف العثماني)
حكم اتباع رسم المصحف العثماني الوجوب باتفاق الائمة قاطبة وان لم ندرك حكمة كتابته على هذه الصورة من الرسم المخالف لقواعد الكتابة واليك تفصيل ذلك.
(قال بعضهم) لقد اجمع على كتابة المصاحف العثمانية اثنا عشر ألفا من الصحابة رضى الله عنهم فيجب على كل مسلم ان يقتدى بهم وبفعلهم لقوله صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ الحديث وقوله، اقتدوا باللذين من بعدى ابى بكر وعمر فانهما حبل الله المدود من تمسك بهما فقد تمسك بالعروة الوثقى وقال البيهقى في شعب الايمان من يكتب مصحفا فينبغي ان يحافظ على الهجاء الذى كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغيير مما كتبوه شيئا فانهم كانوا اكثر علما واصدق قلبا ولسانا واعظم امانة فلا ينبغى ان نظن بانفسنا استدراكا عليهم.
وسئل مالك رحمه الله تعالى (1) هل يكتب المصحف على ما احدثه
الناس من الهجاء فقال لا الا على الكتبة الاولى رواه الدانى في المقنع ثم قال ولا مخالف له من علماء الامة، وقال في موضع آخر سئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والالف أترى ان تغير في المصحف ان وجد فيه كذلك قال لا قال أبو عمر ويعنى الواو والالف المزيدتين في الرسم المعدومتين في اللفظ نحو أولو، وفى رواية قال أشهب سئل
(1) ولد الامام مالك سنة 95 هجريه وتوفى سنة 179 (*)
مالك فقيل له ارأيت من استكتب مصحفا اترى ان يكتب على ما احدثه الناس من الهجاء اليوم قال لا ارى ذلك ولكن يكتب على الكتبة الاولى (1) قال الدانى في المحكم ولا مخالف لمالك في ذلك من علماء الامة لان ما روى عنه هو مذهب باقى الائمة ومستند الائمة الاربع هو مستند الخلفاء الاربع وقال الامام احمد رحمه الله تعالى (2) تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء أو الف أو غير ذلك، ونقل الجعبرى وغيره اجماع الائمة الاربعة على وجوب اتباع هذا المرسوم قال القرطبى في اوائل تفسيره وقال اشهب سمعت مالكا وسئل عن العشور التى تكون في المصحف بالحمرة وغيرها من الالوان فكره ذلك وقال تعشير المصحف بالحبر لا بأس به وسئل عن المصاحف يكتب فيها خواتم السور في كل سورة ما فيها من آية قال انى اكره ذلك في امهات المصاحف ان يكتب فيها شئ أو يشكل فأما ما يتعلم به من الغلمان من المصاحف فلا أرى بذلك بأسا قال أشهب ثم اخرج الينا مصحفا
(1) يفهم من هذا ان الامة في القرنين الاولين ادركت مخالفة الرسم العثماني لقواعد كتاباتهم ورغبوا في كتابة المصاحف على القواعد الكتابية
فاستفتوا الامام مالكا فلم يفتهم بجواز ذلك فامتثلوا واطاعوا وما علينا الا اتباعهم والاقتداء بهم (2) ولد الامام احمد سنة 164 هجريه وتوفي سنة 241 (*)
لجده كتبه إذ كتب عثمان المصاحف فرأينا خواتمه من حبر على عمل السلسلة في طول السطور ورأيته معجوم الآى بالحبر اه قوله معجوم الآى بالحبر أي موضوع في آخر كل آية نقطة من الحبر للفصل بين الآيات.
قال الخراز في مورد الظمآن مشيرا إلى اجابة مالك: ومالك حض على الاتباع * لفعلهم وترك الابتداع إذ منع السائل من ان يحدثا * في الامهات نقط ما قد احدثا وانما رآه للصبيان * في الصحف والالواح للبيان ووضع الناس عليه كتبا * كل يبين عنه كيف كتبا اجلها فاعلم كتاب المقنع * وقد اتى فيه بنص مقنع قوله وانما رآه للصبيان الخ أي ان مالكا رحمه الله جوز كتابة الالواح والصحف بغير الرسم العثماني للصغار الذين يتعلمون القرآن حتى لا يصعب عليهم التعليم وهذا القول عن مالك ذكره ايضا العلامة الشيخ محمد مكى نصر في كتابه القول المفيد في علم التجويد وقال الشيخ محمد العاقب الشنقيطى رحمه الله تعالى رسم الكتاب سنة متبعة * كما نحا اهل المناحى الاربعة لانه اما بأمر المصطفى * أو باجتماع الراشدين الخلفا
وكل من بدل منه حرفا * باء بكفر أو عليه أشفا (1) وقال القاضى عياض في آخر كتاب الشفا أجمع المسلمون ان من نقص حرفا قاصدا لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفا مما لم يشمل عليه المصحف الذى وقع عليه الاجماع واجمع على انه ليس من القرآن عامدا لكل هذا انه كافر اه كلامه وايده شراحه.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن القاضى المغربي ولا يجوز مخالفة مرسوم المصحف العثماني ولا يلتفت إلى اعتلال من خالف بقوله ان العامة لا تعرف مرسوم المصحف ويدخل عليهم الخلل في قراءتهم في المصحف إذا كتب على المرسوم العثماني إلى آخر ما عللوا به فهذا ليس بشئ لان من لا يعرف المرسوم من الامة يجب عليه ان لا يقرأ في المصحف حتى يتعلم القراءة على وجهها ويتعلم مرسوم المصحف فان فعل غير ذلك فقد خالف ما اجمعت عليه الامة وحكمه معلوم في الشرع الشريف ومن علل بشئ فهو مردود عليه لمخالفته للاجماع المتقدم وقد تعدت هذه المفسدة إلى خلق كثير من الناس في هذا الزمان فليحتفظ من ذلك في حق نفسه وحق غيره اه من ايقاظ الاعلام.
وجاء في كتاب نهاية القول المفيد في علم التجويد ما نصه: أجمع
(1) قال في المصباح أشفيت على الشئ بالالف أشرقت (*)
اهل الاداء وأئمة القراء على لزوم تعلم مرسوم المصحف العثماني فيما تدعو إليه الحاجة وقال الامام الخراز في كتابة عمدة البيان في الزجر عن محالفة رسم المصاحف ما نصه: فواجب على ذوى الاذهان * أن يتبعوا المرسوم في القرآن
ويقتدوا بمن رآه نظرا * إذ جعلوه للامام وزرا وكيف لا يصح الاقتداء * بما اتى نصا به الشفاء روى عياض انه من غيرا * حرفا من القرآن عمدا كفرا زيادة أو نقصا أو إن بدلا * شيئا من الرسم الذى تأصلا فعلم مما سبق اجماع الائمة على عدم جواز كتابة القرآن بغير الرسم العثماني، اما ما ذكره الدمياطي في كتابه اتحاف فضلاء البشر في القراءات الاربعة عشر بأن شيخ الاسلام العز بن عبد السلام قال لا يجوز كتابة المصحف الآن على المرسوم الاول باصطلاح الائمة لئلا يوقع في تغيير من الجهال فقد رد عليه بعضهم بقوله وهذا لا ينبغى اجراؤه على اطلاقه لئلا يؤدى إلى درس العلم ولا يترك شئ قد احكمه السلف مراعاة لجهل الجاهلين لاسيما وهو احد الاركان التى عليها مدار القراءات (1) اه
(1) انظر الفصل الاول من الباب الرابع لتقف على ما يترتب عن مخالفة الرسم العثماني (*)
(فان قيل) لم لم يقولوا باتباع رسم الصحف البكرية وهى كتبت قبل مصحف عثمان (فنقول) ان مصحف ابى بكر كان مكتوبا بجميع الاحرف السبعة ولابد أن تكون كتابة كل حرف منها برسم صريح لا يحتمل قراءة حرف آخر، وان أبا بكر لم يحمل الناس على اتباع مصحفه لعدم الضرورة إلى ذلك كما سبق بيانه (1) فان الناس كانوا يقرؤن في زمنه بالاحرف السبعة فكان مصحفه الذى جمعه محفوظا عنده ثم كان عند عمر ثم كان عند حفصة بنت عمر فلما ماتت غسل غسلا فلم يبق له اثر (2)
اما مصحف عثمان فقد استنسخه من الصحف البكرية على حرف واحد فقط من الاحرف السبعة وهو حرف قريش وترك الاحرف الستة الباقية خشية اختلاف الناس في القراءة وامر بحرق جميع الالواح والمصاحف غير مصحفه الذى جمعه حتى لا تكون فرقة ولا اختلاف وحمل الناس على مصحفه ووافقه الصحابة على هذا العمل المبرور فصار اتباعه واجبا في ترتيبه ورسمه، وان كل مصحف من المصاحف التى ارسلها عثمان إلى المدن والامصار كتب برسم غير رسم الآخر ليحتمل
(1) انظر الفصل الاول من الباب الثاني عند جمع ابى بكر للقرآن (2) تقدم في الجمع الثالث سبب غسل الصحف البكرية التى كانت عند حفصة رضى الله عنها بعد وفاتها (*)
الرسم وجها من القراءات (1) فلما صار العمل على هذه المصاحف العثمانية قالوا بوجوب اتباع رسم أي مصحف منها ولابد ان يكون رسم مصحف عثمان موافقا لرسم الصحف البكرية في حدود الحرف الواحد الذى جمع مصحفه عليه وهو حرف قريش خصوصا في حذف الالف من نحو الكتب والانسن واسحق واسمعيل وزيادة الواو في نحو اؤلئك وأولو وغير ذلك والله تعالى اعلم بغيبه.
ومما يناسب هذا المقام ذكر اربعة أسئلة من الاسئلة التى كنا بعثناها لمشيخة المقارئ المصرية (2) مع الاجابة عليها.
(فالسؤال الاول) هل من ضمن القراءات المتواترة (3) قراءة روعى فيها رسم المصحف العثماني ام لا.
(1) انظر في آخر الفصل الثاني من الباب الثالث لتقف على علة اختلاف
الرسم في المصاحف العثمانية (2) لما عزمتا على تأليف هذا الكتاب خطرت في بالنا جملة اسئلة عددها تسعة عشر سؤالا مما يتعلق بالقرآن الكريم فاستفتينا فيها مشيخة المقارئ المصرية فاجابتا عليها في اليوم العاشر من شهر شعبان عام ألف وثلاثمائة وثلاث وستين هجرية، ونحن نذكر في هذا الكتاب من تلك الاسئلة والاجابة عليها ما يناسب كل مقام، ولولا خوف التطويل لوضعنا جميع الاسئلة مع اجوبتها في ذيل هذا الكتاب.
(3)
سيأتي بيان القراءات المتواترة في السؤال الثالث قريبا (*)
(فأجابنا عليه) شيخ القراء هناك فضيلة الاستاذ المحقق الشيخ محمد على الضباع (1) بقوله: رسم المصحف ركن من اركان القراءة فكل قراءة مراعى فيها هذا الرسم وقد وردت نصوص أئمة الاداء بأن ائمة القراءة بالكوفة وأبا عمر والمازني ونافعا بن أبى نعيم المدنى اعتنوا بمتابعة خط المصحف في الوقوف الاختبارية (2) لقصد توقيف القارئ على حقيقة رسمها واستحسن ذلك المحققون لسائر القراء.
اه (والسؤال الثاني) هل يطلق على من كتب مصحفا بقراءة من القراءات المتواترة انه خالف رسم المصحف العثماني وانه ارتكب محظورا أم لا.
(فأجابنا عليه) شيخ القراء المذكور بقوله: كاتب المصحف إذا رسم هجاء كلماته بصورها الرسمية على وجه مما اثر عن اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتزم فيما ورد فيه منها رسمان كل منهما لقراءة رسما يطابق قراءة معينة من القراءات المتواترة ثم ضبطه بأى طريق من طرق الضبط على وجه
(1) الضباع بالضاد المعجمة والباء الموحدة المشددة (2) الوقف الاختباري بالباء الموحدة هو اختبار القارئ ليعلم كيف يقف على رسم المصحف العثماني من مقطوع وموصول وثابت ومحذوف وتاء تأنيث لم تكتب بهاء (*)
معتبر عند اهل الاداء فلا يقال انه خالف الرسم العثماني ولا انه ارتكب محظورا وان كانت الصورة التى أتى بها لا تحكى صورة بعينها لمصحف من المصاحف الستة (1) لان المعتبر في متابعة الرسم العثماني تصوير الكلمة القرآنية على وجه أثر عن تلك المصاحف أو بعضها وأما الضبط فقد جرى عمل المسلمين على الترخيص به دفعا للالتباس ومنعا للتحريف والخطأ في كلام رب العالمين.
اه (والسؤال الثالث) ما هي القراءات المتواترة وكم عددها وما أسماؤها وما معنى القراءة الشاذة وهل تصح الصلاة بها في احد المذاهب ام لا وما مثالها وهل من يقرأ بها في غير الصلاة للتعبد يثاب عليها ام لا فان لم تصح الصلاة بها ولم يؤجر قارئها فما معنى كونها قراءة شاذة وهل يترتب عليها حكم شرعى ام لا.
(فأجابنا عليه) شيخ القراء المذكور بقوله: القراءات المتواترة هي كل قراءة صح سندها بنقل جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم من البداءة إلى المنتهى ووافقت العربية مطلقا ووافقت احد المصاحف العثمانية ولو تقديرا، والذى جمع في زماننا هذه الاركان الثلاثة
(1) هذا على القول بان المصاحف التى ارسلها عثمان بن عفان إلى الامصار ستة وقد تقدم ذكر الاختلاف في عددها فراجعه في صحيفة 74 (*)
هو قراءة الائمة العشرة (1) - نافع، وابن كثير، وابو عمرو، وابن عامر وعاصم، وحمزة، والكسائي، وابو جعفر، ويعقوب، وخلف - أخذها الخلف عن السلف إلى أن وصلت الينا فقراءة احدهم كقراءة باقيهم في كونها مقطوعا بها..الخ ما أجابنا به شيخ القراء حفظه الله تعالى. اه
وقد اكتفينا بهذه النبذة من اجابته على سؤالنا المذكور المتشعب بيانا للقراءات المتواترة ولم نذكر بقية الاجابة خوفا من التطويل مع انها نافعة قيمة كيف لا وهى صادرة من علامة محقق اكثر الله من امثاله ولما كان في الاجابة بعض جمل تحتاج لزيادة الايضاح رأينا أن نعقب عليها بشرح مختصر نقلناه من كتاب عنوان البيان في علوم التبيان وهو منقول عن الامام ابن الجزرى رحمه الله تعالى فنقول: " قوله ووافقت العربية مطلقا " أي ولو بوجه من وجوه النحو سواء كان أفصح ام فصيحا مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الائمة بالاسناد الصحيح إذ هو الاصل الاعظم والركن الاقوم وكم من قراءة انكرها بعض اهل النحو أو كثير منهم ولم يعتبر انكارهم كإسكان بارئكم ويأمركم وخفض الارحام والفصل بين المضافين في مثل " قتل أولادهم شركائهم "
(1) سيأتي الكلام على ذكرهم وتاريخ وفاتهم في الفصل الاول من الباب الرابع (*)
فإذا ثبتت الرواية لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة لان القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها.
" وقوله ووافقت احد المصاحف العثمانية " يعنى ما كان ثابتا في
بعضها دون بعض كقراءة ابن عامر قالوا اتخذ الله ولدا في البقرة من غير واو وبالزبر وبالكتاب المنير بزيادة الباء في الاسمين فأن ذلك ثابت في المصحف الشامي فان لم يكن في شئ من المصاحف العثمانية فشاذ لمخالفته الرسم المجمع عليه.
" وقوله ولو تقديرا " كملك يوم الدين فأنه كتب في الجميع بلا ألف فقراءته بالالف توافقه تقديرا لحذفها في الخط اختصارا وقد يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقا نحو تعلمون بالتاء والياء ويغفر لكم بالياء والنون ونحو ذلك مما يدل تجرده عن النقط والشكل في حذفه واثباته على فضل عظم الصحابة رضى الله عنهم في علم الهجاء خاصة وفهم ثاقب في تحقيق كل علم اه من كتاب عنوان البيان للعلامة الشيخ محمد حسنين مخلوف العدوى رحمه الله تعالى.
ولقد طلبنا من الاستاذ الجليل مرجع القراء وعمدتهم عندنا بمكة المشرفة الشيخ احمد بن محمد التيجى حفظه الله وأطال عمره ايضاح ما ذكر من اسكان بارئكم ويأمركم وخفض الارحام والفصل بين المضافين
في مثل قتل أولادهم شركائهم (فأجابنا بما يأتي) : إن أبا عمرو بن العلاء احد أئمة القراء يقرأ كلمة " بارئكم " من قوله تعالى " فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم " باسكان الهمزة تخفيفا - ويقرأ كلمتي " يأمركم ويأمرهم " من قوله تعالى " ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها " ومن قوله تعالى " يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات " باسكان الراء في الكلمتين للتخفيف - وإن حمزة أحد
أئمة القراء يقرأ كلمة " والارحام " من قوله تعالى " واتقوا الله الذى تساءلون به والارحام " بكسر الميم عطفا على الضمير المجرور.
وأما قوله تعالى " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم " بسوره الانعام فيقرأ ابن عامر أحد أئمة القراء زين بضم الزاى فعل مجهول، وقتل بضم اللام نائب فاعل، وأولادهم بفتح الدال مفعول للمصدر، وشركائهم بكسر الهمزة مضاف إليه وقتل هو المضاف وقد فصل بينهما بأولادهم - والفصل بين المضاف والمضاف إليه لا يجوز عند اكثر النحويين الا في الشعر لان المضاف إليه بمنزلة جزء المضاف كما لا يجوز عندهم اسكان الهمزة من قوله تعالى فتوبوا إلى بارئكم وهو اسم مجرور واسكان الراء من قوله تعالى ان الله
يأمركم وهو فعل مضارع مرفوع.
ولكن ثبوت القراءة بما ذكر عن هؤلاء الائمة مقدم على القواعد النحوية فالقراءة هي الاصل المعتبر اه قول الشيخ التيجى ادام الله النفع به.
(والسؤال الرابع) هل يجوز اتلاف المصاحف المطبوعة على غير رسم المصحف العثماني ام لا وهل لها حرمة ام لا.
(فأجابنا عليه) شيخ القراء المذكور بقوله: إذا كان في المصحف المطبوع كلمات رسمت على خلاف الرسم العثماني المشهور وكانت هذه الكلمات مما يترتب على رسمها كذلك اخلال بحكم من احكام تلاوة القرآن كوصل ما اثر عن الرسم العثماني قطعه وعكسه أو كرسم هاء التأنيث التى يقتضى الرسم العثماني رسمها بالتاء هاء فخشية ان يتسرب التحريف إلى اللفظ الشريف يتعين اتلاف ذلك المصحف إذا تعذر
اصلاحه، اما إذا كانت تلك الكلمات مما لا يترتب على رسمها كذلك اخلال بحكم من احكام اللفظ كاثبات بعض الالفات أو الياءات أو الواوات المحذوفات في الرسم العثماني لقصد الا ختصار فلا بأس ببقائه واحترامه تبعا لما جرى عليه بعض متأخرى المشارقة من الترخيص باثباتها تيسيرا على العامة وتنزيلا لها منزلة الضبط لانها تؤدي ما يؤديه ولم أر في ذلك نصا يعتد به، وهل تعد هذه الاحرف من القرآن
أولا، الظاهر من عمل العادين أن منهم من عدها مراعاة للفظ ومنهم من أسقطها مراعاة للخط العثماني وهذا أولى وأحوط محافظة على المرسوم وخشية ان يزاد في القرآن ما ليس منه.
انتهت الاسئلة الاربعة والاجابة عليها.
فخلاصة ما تقدم: ان الواجب علينا اتباع رسم المصحف العثماني وتقليد أئمة القراءات خصوصا علماء الرسم منهم والرجوع إلى دواوينهم العظام كالمقنع لابي عمر والدانى والعقيلة للشاطبي فان أئمة القراءات المتقدمين قد حصروا مرسوم القرآن الكريم كلمة كلمة على هيئة ما كتبه الصحابة في المصاحف العثمانية ونقولوا ذلك بالسند المتصل عن الثقاة العدول الذين شاهدوا تلك المصاحف.
هذا وقد بحثنا كثيرا في دور الكتب " الكتبخانات " بالحجاز ومصر عن نفس المصاحف العثمانية فلم نقف على خبر موثوق نطمئن إليه بوجودها.
ولقد جاء في خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى للسمهودي انه في الحريق الاول الذى حصل للمسجد النبوى سنة ستمائة واربع وخمسين
للهجرة كان من جملة ما احترق الكتب والمصاحف ولم يسلم من الحريق سوى بعض اشياء منها المصحف الشريف العثماني..الخ - فعلى هذا
كان المصحف العثماني موجود ابالحرم النبوى بالمدينة المنورة إلى التاريخ المذكور ثم لا يعلم احد أين ذهب، ويقول بعض من نعاصرهم انه كان موجود بالمدينة المنوره إلى ان خرج الاتراك من الحجاز عام ألف وثلاثمائة واربع وثلاثين وانه ربما نقل إلى الاستانة.
ولقد رأينا في " مجلة الدنيا وكل شئ " التى تصدر بمصر في كل اسبوع مرة واحدة بتاريخ 28 جمادى الثانية عام 1357 هـ الموافق 24 أغسطس عام 1938 - ان حكومة المانيا ستعيد في ستة اشهر من تنفيذ المعاهدة الحالية إلى حكومة ملك الحجاز النسخة الاصلية لمصحف الخليفة عثمان بن عفان رضى الله عنه والتى اخذت من المدينة المنورة بواسطة القوات الاتراك وثبت انها سلمت للامبراطور السابق غليوم الثاني هذا ما وقفنا عليه في هذا الشأن.
فوائد اتباع الرسم العثماني اعلم ان في اتباع الرسم العثماني جملة فوائد (منها) وقوف الناس على كيفية كتابة المصاحف في ابتداء الامر (ومنها) النص على بعض اللغات الفصيحة ككتابة هاء التأنيث تاء على لغة طئ وكحذف ياء يوم يأت لا تكلم نفس على لغة هذيل (ومنها) افادة المعاني بالقطع والوصل في بعض الكلمات نحو " أم من يكون عليهم عليهم وكيلا "
فان قطع أم عن من يفيد معنى بل دون وصلها بها (ومنها) أخذ القراءات
المختلفة من اللفظ المرسوم برسم واحد نحو " وما يخدعون الا أنفسهم " فلو كتبت وما يخادعون لفاتت قراءة وما يخدعون ومنها عدم الاهتداء إلى تلاوته على حقه الا بالتلقى شأن كل علم نفيس يتحفظ عليه.
اه من اجابة مشيخة المقارئ المصرية لاسئلتنا الرد على الافرنج (القائلين باستنباط القراءات من الرسم) يقول بعض المستشرقين من الافرنج أمثال جولد زيهر اليهودي ونولدكة الالماني المولود عام 1836 م (1) ان رسم المصحف هو الاصل وان القراءات تابعة له نشأت عن عدم وجود الشكل والنقط أي " الحركات والاعجام " في الحروف والكلمات ايام الصحابة فنحن نرد هنا على قولهم هذا بالبرهان قاطع حتى لا يتوهم ذلك أحد من المسلمين
(1) كان بدء اهتمام الافرنج باللغة العربية من القرن العاشر للميلاد ثم زاد اهتمامهم باللغات الشرقية كالعربية والتركية والفارسية وتخصص اناس منهم في دراستها فترجموا كثيرا من العلوم إلى لغاتهم، ومن القرن الثامن عشر للميلاد إلى الآن نبغ كثيرون منهم - وقد ذكر جورجى زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية اسماء طائفة من المستشرقين وأعمالهم فراجعه ان شئت.
(*)
وأنى لهؤلاء الافرنج أن يفهموا كلام رب العالمين وشريعة خاتم النبين محمد صلى الله عليه وسلم وهم قد كفروا به.
ولئن استمعنا إلى فلسفتهم وآرائهم في بعض المواضيع، لا نسمح لهم أن يتناولوا الابحاث الدينيه الاسلاميه ويخوضوا في المسائل الدقيقة المهمة - على اننا لا ننكر للغربين نظرياتهم الصائبة في بعض النواحى التاريخية، واستكشافاتهم
العظيمة للاثار العمرانية، ومخترعاتهم الهائلة في المصالح الحيوية - وانما ننكر عليهم الخوض في الابحاث الدينية الاسلامية لانها غير مبنية على التصورات العقلية والتخيلات الفكرية بل انها مبنية على قول الله تبارك وتعالى وعلى سنة نبينا العربي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وهم لا يؤمنون بكتاب الله، ولا يقرون برسالة نبينا، ولا يعرفون من اللغة العربية ودقائقها ما يعرفه اهلها - فمن الانصاف والعدل أن يرجعوا إلى كبار علمائنا الاعلام فيما يشكل عليهم من الامور إذا ما أرادوا الوصول إلى الحقيقة.
واليك فساد رأيهم في بحث القراءات: اعلم اننا لو اخذنا بقولهم هذا للزم ان الصحابة والتابعين هم الذين استنبطوا هذه القراءات من رسم المصحف العثماني، فعليه يكون قد تطرق التحريف والتبديل في القرآن العظيم وهذا مستحيل بصريح قوله تعالى " انا نحن نزلنا الذكر واناله لحافظون " وقوله جل جلاله " وانه لكتاب عزيز لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " وحاشا لله ان يتهاون الصحابة أو يعلموا برأيهم في أمر من أمور الدين فضلا عن القرآن الكريم الذي هو اساس الدين الاسلامي الحنيف، وانما هم تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهة وسماعا كلمة كلمة وآية آية وسورة سورة بالقراءات التى تدخل في معنى حديث " ان هذا القرآن انزل على سبعة احرف فاقرؤا ما تيسر منه ".
ولقد وصل الينا القرآن المجيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتواتر القطعي والاسناد الصحيح عن الثقاة العدول والعلماء الفحول طبقة بعد طبقة فالقراءات مأخوذة من النبي صلى الله عليه وسلم مشافهة وسماعا وليست مستخرجة
من رسم المصحف بل الرسم تابع لها مبنى عليها واى دليل اعظم على هذا مما وقع لعمر بن الخطاب مع هشام ابن حكيم حينما سمعه يقرأ سورة الفرقان على حروف كثيرة لا يعرفها عمر، ومما وقع لابي بن كعب في المسجد مع الرجليين اللذين قرأ كل منهما سورة النحل في الصلاة بقراءة تخالف قراءة أبى.
ومما وقع لعبد الله بن مسعود مع رجل سمعه بقرأ قراءة تخالف قراءته ومما وقع كذلك مع غير هؤلاء، فيحتكمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقر كلا منهم على قراءته ويقول " إن هذا القرآن انزل على سبعة احرف
فاقرؤا ما تيسر منه " وتفصيل ما وقع لهؤلاء الصحابة الاجلاء مذكور في الفصل الخامس في نزول القرآن على سبعة احرف فراجعه.
ولقد أنعمنا النظر فوجدنا انه لا يمكن اخذ القراءات من رسم المصحف العثماني إذ الرسم لم يوضع للدلالة على شئ منها، وما جاء من قراءة بعض الكلمات بالغيبة والخطاب أو بالرفع والنصب انما هو بالتلقى والاخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا لاحتمال ذلك من صورة الرسم الخالية من النقط والتشكيل في ذلك الزمن واليك بيان ذلك ليتضح لك ما ذكرناه فمثلا قول الله تعالى " أم تقولون ان ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط.."(1) قرئ ام يقولون بالغيبة وأم تقولون بالخطاب، وقوله تعالى " وما الله بغافل عما يعملون ولئن أتيت.."(2) قرئ يعملون بالغيبة وبالخطاب وقوله تعالى " والله بصير بما يعملون قل من كان.."(3) قرئ بالغيبة وبالخطاب، وقوله " ومن تطوع خيرا.."(4) قرئ بالغيبة وبالخطاب.
كل ذلك كان بالتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم لا من رسم المصحف الذى يحتمل القراءة بالياء والتاء لعدم وجود النقط فيه فلو كان كذلك لقرئ
(1 و 2 و 3 و 4) بسورة البقرة (*)
قوله تعالى " ولا تنفعها شفاعة ولاهم.."(1) بالياء والتاء مع انه ما قرئ الا بتاء التأنيث فقط، بخلاف قوله تعالى " ولا يقبل منها شفاعة.."(2) فقد قرئ بالياء والتاء.
وقول الله تعالى " فبشرناها باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب "(3) قرئ يعقوب بالنصب والرفع، وقوله تعالى " ولا تسأل عن اصحاب الجحيم ولن ترضى عنك.."(4) قرئ ولا تسأل بالرفع والجزم، وقوله تعالى " واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى "(5) قرئ بكسر الخاء وفتحها، وقوله تعالى " فامتعه قليلا.."(6) قرئ بالتشديد والتخفيف، وقوله تعالى " ولكن البر من آمن بالله.."(7) قرئ بتشديد ولكن ونصب البر وقرئ بتخفيف ولكن ورفع البر.
كل ذلك كان بالتلقى من النبي صلى الله عليه وسلم لامن رسم المصحف الذى يحتمل القراءة بالرفع والنصب أو بالكسر والجزم لعدم وجود الحركات في المصحف في ذلك الزمن، فلو كان كذلك لقرئ قوله تعالى " إذا قضى
(1) هذه الآية قبل وإذا ابتلى ابراهيم ربه.
بسورة البقرة (2) هذه الآية بعد أتأمرون الناس بالبر بأربع آيات.
بسورة البقرة (3) بسورة هود (4 و 5 و 6 و 7) بسورة البقرة (*)
أمرا فانما يقول له كن فيكون " (1) بنصب فيكون مع انه ما قرئ الا بالرفع فقط، بخلاف قوله تعالى " انما امره إذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون " (2) فقد قرئ فيكون بالرفع وبالنصب.
ثم انه ما كل كلمة رسمت في المصحف العثماني لتدل على القراءات لكن احيانا توافق القراءات الرسم نحو: تعلمون بالتاء والياء ويغفر لكم بالياء والنون، وفاكهين وفكهين، وأسرى وأسارى، وتفادوهم وتفدوهم.
وأحيانا تقرأ الكلمة بجملة وجوه بينما الرسم لا يدل على كل ذلك نحو كلمة " جبريل " فقد قرئت بكسر الجيم وفتحها، وقرئت جبرءيل بفتح الجيم والراء وبعدها همزة مكسورة ممدودة، وقرئت جبرءل بفتح الجيم ولراء وبعدها همزة مكسورة غير ممدوده، وكلمة " ميكال " قرئت بلا همز وقرئت ميكاءيل بهمزة مكسورة ممدودة وقرئت ميكاءل بهمزة مكسورة غير ممدودة.
واحيانا لا يرمز الرسم إلى شئ من القراءات وان خالف قواعد الاملاء نحو: لااذبحنه، ولا تقولن لشائ وجائ يومئذ بجهنم
(1) بآل عمران (2) بيس (*)