الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ففى هذه الروايات كلها دلالة واضحة على شدة احتياطهم في جمع القرآن الكريم وتثبتهم في كتابته لذلك اجمعت الصحابة كلهم على هذا العمل المبرور وتلقوه بالقبول التام (1) وكان عددهم حينئذ اثنى عشر ألفا تقريبا (2) رضى الله عنهم اجمعين
الفصل الثالث (في ضبط وتصحيح المصحف الكريم)
قد يتوهم بعض قاصري العقول ان القرآن ربما سقط منه شئ حين نسخهم وجمعهم له أو حصل فيه تغيير أو تحريف كما زعم ذلك
(1) ذكروا أن ابن مسعود رضى الله عنه لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة لم يوافق على الرجوع عن قراءته ولا على اعدام مصحفه من غير ان ينكر على عثمان عمله وقال أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة..الخ وابن مسعود هذا هو احد الاربعة المذكورين في حديث خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ وأبى بن كعب كما في صحيح البخاري.
وترجمة ابن مسعود ستأتي في الفصل الخامس في نزول القرآن على سبعة احرف (2) الظاهر انهم كانوا يحصون المسلمين فقد اخرج البخاري في كتاب الوصايا في باب كتابة الامام الناس عن حذيفة رضى الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم اكتبوا لى من تلفظ بالاسلام من الناس فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل..الخ (*)
بعض المستشرقين من الافرنج وكما زعمت الشيعه ان الصحابة حرفوا القرآن وأسقطوا كثيرا من اياته وسوره وكتموا ما نزل في امامة على رضى الله عنه واستخلافه (1) فنقول.
ان الله تعالى قد تكفل بحفظ القرآن الكريم وضمن صيانته من عبث العابثين بصريح قوله " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " وقوله " وانه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " واى دليل اعظم على ذلك من مرور أربعة عشر قرنا والقرآن هو هو ما مسته ايدى الخلائق بالتحريف ولا بالتزوير وهكذا
يكون محفوطا إلى ان يرفعه الله من الصدور والمصاحف فلا تبقى في الارض منه آية ويكون هذا في اخر الزمان قبل يوم القيمة كما جاء في كثير من الاخبار (2) فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم ما كانوا ليتهاونوا في امر المصحف وهم الذين ايد الله بهم الاسلام، فقد ورد عن زيد بن ثابت انه قال كنت
(1) راجع تفسير الالوسى في مقدمة الجزء الاول فانه روى كثيرا من اقوال الشيعة قاتلهم الله تعالى، وراجع ايضا تفسير القرطبى فانه ذكر شيئا مما طعن بعضهم في القرآن بالزيادة والنقصان والرد على قائل ذلك (2) قال القرطبى ان رفع القرآن على هذه الكيفية الواردة في الاحاديث انما يكون بعد موت عيسى عليه السلام وهدم الحبشة للكعبة اه (*)
اكتب الوحى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يملى على فإذا فرغت قال اقرأه فأقرؤه فان كان فيه سقط أقامه.
وفي بعض الروايات عن زيد بن ثابت ايضا المتخصص في كتابة القرآن أنه قال - فلما فرغت (أي من نسخ مصحف عثمان) عرضته عرضة فلم اجد فيه هذه الاية من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (1) قال فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها فلم اجدها عند احد منهم ثم استعرضت الا نصار أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم حتى وجدتها عند خزيمة (يعنى ابن ثابت)(2) فكتبتها ثم عرضته عرضة اخرى فلم اجد فيه هاتين الآيتين لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه
(1) في سورة الاحزاب
(2)
وترجمة خزيمة كما نلخصها من الاصابة هي.
خزيمة بن ثابت بن الفاكة الانصاري الاوسي من السابقين الاولين شهد بدرا وما بعدها وقيل أول مشاهده أحد وكان بكسر أصنام بني خطمة (بفتح المعجمة وسكون المهملة) وكانت راية خطمة بيده يوم الفتح وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم من شهد له خزيمة أو عليه فحسبه وجعل شهادته بشهادة رجلين (وقد تقدم سبب ذلك) قتل خزيمة يوم صفين فانه قال انا لا اقتل ابدا حتى يقتل عمار فلما قتل عمار جرد سيفه فقاتل حتى قتل اه وكانت وقعة صفين سنة سبع وثلاثين (*)
ما عنتم حريص عليكم.
إلى اخر السورة فاستعرضت المهاجرين فلم اجدها عند أحد منهم ثم استعرضت الانصار أسألهم عنها فلم اجدها عند احد منهم حتى وجدتها مع رجل آخر يدعى خزيمة ايضا (1) فأثبتها في آخر براءة ولو تمت ثلاث ايات لجعلتها سورة على حدة ثم عرضته عرضة اخرى فلم أجد فيه شيئا ثم ارسل عثمان إلى حفصة يسألها ان تعطيه الصحيفة وحلف لها ليردنها إليها فأعطته فعرض المصحف عليها فلم يختلف في شئ (2) فردها إليها وطابت نفسه وأمر الناس أن يكتبوا مصاحف (3) فأنت ترى في كلام زيد بن ثابت أنه بعد فراغه من كتابة
(1) جاء في بعض الروايات ان آخر سوره التوبة لقد جاءكم رسول من انفسكم الخ وجد مع خزيمة الانصاري وجاء في بعضها انه وجد مع ابى خزيمة الانصاري وقد تقدم الكلام على هذا في جمع ابى بكر للقرآن في الفصل الاول (2) أي لم يختلف مصحفه مع مصحف ابى بكر في الحرف الذى أخذه منه وهو حرف قريش هذا هو المقصود من كلامه لا أن مصحفه مطابق لمصحف
ابى بكر كلمة كلمة فان مصحف ابى بكر مكتوب بجميع الاحرف السبعه كما سبق بيانه ومصحف عثمان كتب على حرف واحد منها (3) هذه الرواية تدل على أن عثمان طلب صحف ابي بكر من حفصة بعد ان تم نسخ مصحفه ليستعرضه عليها، والرواية التى سبقت عند جمع عثمان المصحف تدل على انه طلب الصحف منها عند الشروع في جمع مصحفه لينسخه منها فنأمل (*)
المصحف راجعه ثلاث مرات ثم راجعه امير المؤمنين عثمان بنفسه فلما اطمأن قلبه حمل الناس على ان يكتبوا المصاحف على؟ فط هذا المصحف الامام، فهل بعد هذه المراجعات الاربعة واجماع الصحابة كلهم على قبوله يتطرق الشك إلى قلب احد من المسلمين في كلام رب العالمين القائل " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " ولو جوزنا في نسخ القرآن وكتابته وجمعه السهو والنسيان عليهم أو عدم معرفتهم لاصول الكتابة وقواعد الاملاء لادى ذلك فيه إلى التغيير والتبديل والنقص والزيادة وهذا محال فالقرآن سليم من اللحن والغلط ليس فيه حرف زايد ولا حرف ناقص ولا تبديل في كلمة ولا تحريف في اخرى - وكيف لا يكون كذلك والذين جمعوه هم كبار الصحابة وأشراف العرب الذين عنهم اخذت الفصاحة وفيهم ظهر البيان وقد تلقوه غضا طريا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما ما ورد أن عثمان رضى الله عنه قال (ان في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها) فغير صحيح ولا يعقل ان عثمان يقول ذلك لا قبل جمعه القرآن ولا بعده - نعم انه قال قبل جمعه لما بلغه اختلاف الناس في القرآن حتى اقتتل الغلمان والمعلمون (عندي تكذبون به
وتلحنون فيه فمن نآى عنى من الامصار كان اشد تكذيبا واكثر لحنا يا اصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس اماما) ولا يخفى الفرق بين القولين
وقد رد القول الاول العلامة الالوسى في اول تفسيره روح المعاني بقوله.
فالحق ان ذلك لا يصح عن عثمان والخبر ضعيف مضطرب منقطع إذ كيف يظن بالصحابة اولا اللحن في الكلام فضلا عن القرآن وهم هم ثم كيف يظن بهم ثانيا اجتماعهم على الخطأ وكتابته ثم كيف يظن بهم ثالثا عدم التنبه والرجوع ثم كيف يظن بعثمان عدم تغييره وكيف يتركه لتقيمه العرب وإذا كان الذين تولوا جمعه لم يقيموه وهم الخيار فكيف يقيمه غيرهم فلعمري ان هذا مما يستحيل عقلا وشرعا وعادة اه منه ومن المشاهد انه لو أمر احد الملوك أو الامراء بنسخ مصحف أو كتاب لا يقدمه الكاتب إليه الا بعد العناية بتصحيحه والتثبت من عدم وجود أي غلط فيه فكيف بهؤلاء الصحابة الذين بذلوا أنفسهم لله لا يتحرون في كتابة وضبط المصحف الكريم الذى هو اساس الدين الاسلامي الحنيف هذا ولقد وصلت عدة مصاحف من جمع عثمان إلى البلدان الاسلامية فلو وجدوا فيها خطأ أو غلطا لما سكت احد من المسلمين عليه ولكنهم أجمعوا على صحتها وقبولها وقد قال عليه الصلاة والسلام " ان امتى لن تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الاعظم " رواه ابن ماجة عن انس بن مالك وهو حديث صحيح
وقال ايضا في حديث العرباض بن سارية " فانه من يعش منكم فسيرى
اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ " رواه أبو داود والترمذي ولهذا كان اجماعهم حجة.
على انك لن تجد من المسلمين عناية بشئ كعنايتهم بكتاب الله تعالى الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - سواء في نسخه أو تصحيحه أو حفظه أو حرمته وهذا لا يحتاج إلى دليل.
وانظركم من المصاحف التى لا تعد ولا تحصى قد كتبت منذ بدء الاسلام إلى يومنا هذا " أي اربعة عشر قرنا " فهل رأيت فيه تبديلا أو تغييرا مع كثرة اعداء الدين من مختلف الاجناس والعقول (ولنختم هذا الفصل) بما رواه البيهقى عن يحى بن اكثم قال دخل يهودى على المأمون فأحسن الكلام فدعاه إلى الاسلام فابى ثم بعد سنة جاء مسلما فتكلم في الفقه فأحسن الكلام فسأله المأمون ما سبب اسلامه قال انصرفت من عندك فامتحنت هذه الاديان فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها البيعة (1) فاشتريت منى وعمدت إلى الانجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها البيعة فاشتريت مني وعمدت إلى القرآن فكتبت
(1) قال في المنجد البيعة بكسر الباء المعبد للنصارى واليهود (*)
ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها إلى الوراقين (1) فتصفحوها فوجدوا فيها الزيادة والنقصان فرموا بها فلم يشتروها فعلمت ان هذا الكتاب محفوظ فكان هذا سبب اسلامي - ذكره الزرقاني على المواهب في الجزء الخامس (حفظة القرآن) (في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
حفظ كثير من الصحابة القرآن كله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فممن حفظه من المهاجرين أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وطلحة، وسعد وابن مسعود، وحذيفة (2) وسالم مولى ابى حذيفة (3) وابو هريرة وابن عمر، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله، ومعاوية
(1) هم الذين يبيعون الكتب والورق (2) تقدمت ترجمته عند جمع عثمان القرآن في صحيفة 33 (3) هو سالم مولى ابى حذيفة بن عتبة احد السابقين الاولين، روى ان عائشة احتبست على النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما حبسك قالت سمعت قارئا يقرأ فذكرت من حسن قراءته فأخذ رداءه وخرج فإذا هو سالم مولي ابى حذيفة فقال الحمد لله الذى جعل في امتى مثلك، وروى البخاري من حديث ابن عمر كان سالم مولى ابى حذيفة يؤم المهاجرين الاولين في مسجد قباء وفيهم أبو بكر وعمر اه ملخصا من الاصابة (*)
وابن الزبير، وعبد الله بن السائب، وعائشة، وحفصة، وام سلمة (1) وأم ورقة (2) وممن حفظه من الانصار * زيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبى ابن كعب، وابو الدرداء، ومجمع بن حارثه، وانس بن مالك، وابو زيد الانصاري أحد عمومة أنس بن مالك (3) رضى الله تعالى عنهم اجمعين (ومما يناسب المقام) ما يروى.
أن خزرجا كانت تفاخر أوسا بأربعة ممن حفظوا القرآن كله على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أوسا كانت تفاخر خزرجا
(1) عائشة وحفصة وام سلمة هن امهات المؤمنين ازواج النبي صلى الله عليه وسلم وام سلمة اسمها هند على الاصح وهى آخر أمهات المؤمنين موتا ودفنت
بالبقيع بالمدينة رضي الله عن امهات المؤمنين اجمعين (2) ام ورقة هي بنت عبد الله بن الحارث كانت قد جمعت القرآن وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة وقد كان أمرها أن تؤم اهل دارها وكان لها مؤذن فغمها غلام لها وجارية كانت قد دبرتهما فقتلاها في امارة عمر فقال عمر صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول انطلقوا بنا نزور الشهيدة اه ملخصا من الاصابة (3) قال في الاصابة في تمييز الصحابة.
أبو زيد الذى جمع القرآن وقع في حديث أنس في صحيح البخاري غير مسمى وقال أنس هو احد عمومتي واختلفوا في اسمه فقيل أوس وقيل ثابت بن زيد وقيل معاذ وقيل سعد بن عبيد وقيل قيس بن السكن وهذا هو الراجح كما بينته في حرف القاف اه منه (*)