المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الرابع (في ترتيب آيات القرآن وسوره) - تاريخ القرآن الكريم

[محمد طاهر الكردي]

فهرس الكتاب

- ‌الجدول الاول وفيه بعض الكلمات بحسب رسم المصحف العثماني

- ‌الباب الاول

- ‌(الفصل الاول * في تعريف القرآن وما يتضمنه)

- ‌الفصل الثاني (القرآن في اللوح المحفوظ)

- ‌الفصل الثالث (في انزال القرآن)

- ‌الباب الثاني

- ‌(الفصل الاول في جمع القرآن الكريم)

- ‌الفصل الثاني (في احتياط الصحابة في كتابة القرآن)

- ‌الفصل الثالث (في ضبط وتصحيح المصحف الكريم)

- ‌الفصل الرابع (في ترتيب آيات القرآن وسوره)

- ‌الفصل الخامس (في نزول القرآن على سبعة أحرف)

- ‌الباب الثالث

- ‌(الفصل الاول * في رسم المصحف العثماني وقواعده)

- ‌الفصل الثاني (في اختلاف رسم المصاحف العثمانية)

- ‌الفصل الثالث (في رسم القرآن الكريم هل هو توقيفي ام لا)

- ‌الفصل الرابع (في حكم اتباع رسم المصحف العثماني)

- ‌الفصل الخامس (في معرفة الصحابة لقواعد الاملاء والكتابة)

- ‌الباب الرابع

- ‌(الفصل الاول * فيما لو كتبنا القرآن الكريم بقواعد كتاباتنا)

- ‌الفصل الثاني (فيما لو اتبعنا رسم المصحف العثماني في كتاباتنا)

- ‌الباب الخامس (في ذكر شئ من مرسوم القرآن الكريم)

- ‌(الفصل الاول * في رسم الكلمات الآتية)

- ‌الفصل الثاني (في رسم البسملة، وهمزة نحو ائذا، وتبارك، وألف المد) (وألف التثنية، وما كتب بلام أو لامين وغيرها)

- ‌الفصل الثالث (في ألف التثنية * ورسم صيغ المبالغة، وصيغ المفرد والجمع) (ورسم صاحبكم، واسماء بعض الانبياء، وألف المد)

- ‌الفصل الرابع (في بعض غرائب رسم المصحف العثماني)

- ‌الباب السادس

- ‌(الفصل الاول * فيما ذكره العلماء من التعليلات لبعض مرسوم المصحف العثماني)

- ‌الفصل الثاني (في اختراع النقط والشكل)

- ‌الفصل الثالث (في كتابة المصاحف قديما وحديثا)

- ‌الفصل الرابع (في عدم جواز قراءة القرآن وكتابته بغير العربية)

- ‌الفصل الخامس (في عدد أجزاء القرآن وانصافه وسوره وآياته وحروفه)

الفصل: ‌الفصل الرابع (في ترتيب آيات القرآن وسوره)

بأربعة ممن لهم مناقب اخرى وإلى مفاخرتهما اشار صاحب نظم عمود النسب رحمه الله تعالى بقوله.

فاخرت الخزرج أوسا بنفر * مع النبي حفظوا كل السور زيد بن ثابت معاذ بن جبل * ثم أبى وابو زيد البطل والاوس خزرجا بذى الشهادة * كانت شهادتين في الافاده والمراد بذى الشهادتين خزيمة بن ثابت وبما ان المقصود ذكر حفاظ القرآن لم نأت ببقية المفاخرة * وإذا تأملت حالة العرب اول ظهور الاسلام وعدم انتشار الكتابة بينهم علمت ان عدد الذين ذكرناهم ممن يحفظ القرآن كله ليس بقليل - ولا شك ان جميع الصحابة رضى الله عنهم يحفظون منه بعض السور والآيات كل منهم بحسب فراغه واستعداده وذلك لصلواتهم وعباداتهم.

‌الفصل الرابع (في ترتيب آيات القرآن وسوره)

جاء في كتاب الاتقان للسيوطي ان الاجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك (اما الاجماع) فنقله غير واحد منهم الزركشي في البرهان وابو جعفر بن الزبير في مناسباته وعبارته ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره

ص: 61

من غير خلاف في هذا بين المسلمين (ومنها النصوص) فمنها حديث زيد السابق كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع، ومنها ما اخرجه احمد بأسناد حسن عن عثمان بن أبى العاص قال كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شخص (1) ببصره ثم صوبه ثم قال أتانى جبريل فأمرني أن أضع هذه الاية هذا الموضع من هذه السورة (ان الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى إلى اخرها) ومنها ما اخرجه احمد وابو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس قال قلت لعثمان ما حملكم على أن عمدتم إلى الانفال وهى من المثانى وإلى براءة وهى من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال (2) فقال عثمان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) قال في المصباح شخص بصره من باب خضع إذا فتح عينيه وجعل لا يطرف اه منه (2) قال في الاتقان.

السبع الطوال بكسر الطاء وضمها أولها البقرة وآخرها براءة " هذا بجعل الانفال وبراءة سورة واحدة " وقيل السابعة يونس وقيل الكهف، والمئون ما وليها سميت بذلك لان كل سورة منها تزيد على مائة

آية أو تقاربها، والمثاني ما ولى المئين لانها ثنتها أي كانت بعدها فهى لها ثوان والمئون لها أوائل، وقال الفراء هي السورة التي آيها اقل من مائة آية وقد تطلق على الفاتحة وعلى القرآن كله ايضا والمفصل ما ولى المثانى من قصار السور سمى بذلك لكثرة الفصول التى بين السور بالبسملة ويسمى المفصل بالمحكم ايضا وآخره سورة الناس بلا نزاع - واختلف في أوله على اثنى عشر قولا أحدها ق) * i

ص: 62

تنزل عليه السورة ذات العدد فكان إذا نزل عليه الشئ دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هذه الآيات في السورة التى يذكر فيها كذا وكذا وكانت الانفال من اوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من اخر القرآن نزولا وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت انها منها فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا انها منها فمن اجل ذلك قرنت بينهما ولم اكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع الطوال واخرج القشيرى الصحيح ان التسمية لم تكن فيها (أي في براءة) لان جبريل عليه السلام لم ينزل فيها

والثانى الحجرات وصححه النووي..الخ انظر الاتقان - وللمفصل طوال وأوساط وقصار (قيل) طواله إلى عم واوساطه منها إلى والضحى ومنها إلى آخر القرآن قصاره.

وقد ذكر صاحب الاتقان جملة اقوال فراجعه وجاء في كتاب الفقه على المذاهب الاربعة في الجزء الاول من قسم العبادات ما ملخصه: الشافعية قالوا ان طوال المفصل من الحجرات إلى سورة عم يتساءلون واواسطه من سورة عم إلى سورة والضحى وقصاره منها إلى آخر القرآن * والحنفية قالوا ان طوال المفصل من الحجرات إلى سورة البروج واواسطه من سورة البروج إلى سورة لم يكن وقصاره من سورة لم يكن إلى سورة الناس *

والمالكية قالوا ان طوال المفصل من سورة الحجرات إلى آخر والنازعات واواسطه من بعد ذلك إلى والضحى وقصاره منها إلى آخر القرآن * والحنابلة قالوا ان طوال المفصل من سورة ق إلى عم واواسطه إلى سورة والضحى وقصاره إلى آخر القرآن انتهى من كتاب الفقه المذكور (*)

ص: 63

وقال البغوي في شرح السنة: الصحابة رضى الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذى انزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئا خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته فكتبوه كما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن قدموا شيئا أو أخروا أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقن اصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذى هو عليه الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل اياه على ذلك واعلامه عند نزول كل آية ان هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا فثبت ان سعى الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه فان القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب الذى انزله الله جملة إلى السماء الدنيا ثم كان ينزله مفرقا عند الحاجة وترتيب النزول غير ترتيب التلاوة - اه من الاتقان (واما ترتيب السور) ففى كونه اجتهاديا أو توقيفيا خلاف والجمهور على الاول قال أبو بكر الانباري انزل الله تعالى القرآن كله إلى سماء الدنيا ثم فرقه في بضع وعشرين فكانت السورة تنزل لامر يحدث والآية جوابا لمستخبر فيوقف جبريل النبي صلى الله عليه وسلم على موضع الآية والسورة فمن قدم أو أخر فقد افسد نظم القرآن *

ص: 64

وقال ايضا اتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن قدم سورة أو اخرها فقد افسد نظم القرآن.

وفي ايقاظ الاعلام قال أبو جعفر النحاس والمختار كون ترتيب السور توقيفا كالآيات وقال الزركشي والخلاف بين الفريقين في ترتيب السور لفظي لان القائل بعدم صدوره من النبي صلى الله عليه وسلم يقول انه رمز لهم بذلك والثانى يقول انه صرح لهم به ولذلك قال مالك انما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم اه وذكر الامام النووي في شرحه على صحيح مسلم في باب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه في الليل عند حديث حذيفة قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلى بها في ركعة فمضى فقلت يركع ذبها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح ال عمران فقرأها يقرأ مترسلا

الخ الحديث - مانصه - قال القاضى عياض فيه دليل لمن يقول ان ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف وانه لم يكن ذلك من ترتيب النبي صلى الله عليه وسلم بل وكله إلى امته بعده قال وهذا قول مالك وجمهور العلماء واختاره القاضى أبو بكر الباقلانى قال ابن الباقلانى هو اصح القولين مع احتمالهما قال والذى نقوله ان ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة ولا في الصلاة ولا في

ص: 65

الدرس ولا في التلقين والتعليم وانه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك نص ولا حد تحرم مخالفته ولذلك اختلف ترتيب المصاحف قبل مصحف عثمان قال واستجاز النبي صلى الله عليه وسلم والامة بعده في جميع الاعصار ترك

ترتيب السور في الصلاة والدرس والتلقين - قال واما على قول من يقول من اهل العلم ان ذلك بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم حدده لهم كما استقر في مصحف عثمان انما اختلف المصاحف قبل ان يبلغهم التوقيف والعرض الاخير فيتأول قراءته صلى الله عليه وسلم النساء أولا ثم آل عمران هنا على انه كان قبل التوقيف والترتيب وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أبى قال ولا خلاف انه يجوز للمصلى ان يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التى قرأها في الاولى وانما يكره ذلك في ركعة ولمن يتلو في غير صلاة قال وقد اباحه بعضهم وتأول نهى السلف عن قراءة القرآن منكوسا على من يقرأ من اخر السورة إلى اولها قال ولا خلاف ان ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من الله تعالى على ما هي عليه الآن في المصحف وهكذا نقلته الامة عن نبيها صلى الله عليه وسلم هذا آخر كلام القاضي عياض والله تعالي اعلم انتهى ما ذكره النووي.

قال السيوطي في الاتقان والذى ينشرح له الصدر ما ذهب إليه البيهقى وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفي الا براءة والانفال ولا ينبغى ان يستدل بقراءته صلى الله عليه وسلم

ص: 66

سورا ولاء على ان ترتيبها كذلك وحينئذ فلا يرد حديث قراءته النساء قبل آل عمران لان ترتيب السور في القراءة ليس بواجب ولعله فعل ذلك لبيان الجواز اه وقال الكرماني: ترتيب السور هكذا هو عند الله تعالى في اللوح المحفوظ وعليه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه وعرض عليه في السنة التى توفى فيها مرتين، وقال ابن الحصار ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها انما كان بالوحى كان

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ضعوا آية كذا في موضع كذا وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومما اجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف اه وقال البيهقى في المدخل كان القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مرتبا سوره وآياته على هذا الترتيب الا الانفال وبراءة لحديث عثمان السابق اه وقد ذكر السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه الاتقان روايات عديدة فراجعه ان شئت وإلى ما سبق أشار الشيخ محمد العاقب الشنقيطى رحمه الله في نظمه كشف العمى بقوله: قد أنزل القرآن دون ثنيا (1) * ليلته إلى سماء الدنيا ثم على قلب النبي هجما * به الامين أنجما منجما

(1) الثنيا بضم الثاء مع الياء والثنوى بالفتح مع الواو اسم من الاستثناء قاله في المصباح أي انزل القرآن إلى السماء الدنيا جملة واحدة دون استثناء شئ منه (*)

ص: 67

وليس ترتيب النزول كالادا * وفي الاد الترتيب بالوحى اقتدى (1) فهو كما هو عليه مستطر * في لوحه المحفوظ نعم المستطر وذاك في السور في القول الاحق * والحق في الآى عليه متفق ويحرم التنكيس فيه والخبر * جاء بتنكيس قراءة السور (2)(واما اسماء السور) فبتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك من الآحاديث والآثار فمن ذلك ما اخرجه احمد باسناد حسن عن عثمان بن ابى العاص قال كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال أتانى جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذى القربى

(1) أي ليس ترتيب النزول كترتيب التلاوة فان اول ما نزل اقرأ باسم ربك

الذى خلق واول القرآن الفاتحة (2) أي يحرم التنكيس في الآيات مطلقا خطا وقراءة، واما في السور فيحرم تنكيسها في الخط عن حالتها في المصحف، اما في قراءتها فقد ورد في الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم فعله اه من كتاب ايقاظ الاعلام لوجوب اتباع رسم المصحف الامام للشيخ محمد حبيب الله الشنقيطى رحمه الله قال في فتح الباري واما ما جاء عن السلف من النهى عن قراءة القرآن منكوسا فالمراد به أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها اه (*)

ص: 68

إلى آخرها (ومنه) ما أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة ان البيت الذى تقرأ فيه البقرة لا يدخله شيطان (ومنه) ما اخرجه مسلم ايضا عن ابى الدرداء مرفوعا من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال وفي لفظ من قرا العشر الاواخر من سورة الكهف * ومن تتبع ما ورد في خصائص بعض السور ظهر له ذلك واضحا جليا فلا داعى لاطالة البحث.

فعلم من جميع ما تقدم ان ترتيب آيات القرآن توقيفي باتفاق العلماء، وكذلك تسمية السور باسماء خاصة، وان ترتيب سوره مختلف فيه فقال بعضهم انه توقيفي وقال بعضهم انه من اجتهاد الصحابة رضى الله تعالى عنهم.

ولقد أنعمنا النظر في ترتيب السور فلم يظهر لنا ترجيح أحد القولين على الآخر فلكل منهما وجهة ولا يسعنا الا أن نفوضه إلى علام الغيوب، ولا بأس أن نذكر هنا ما يؤيد كلا القولين فنقول (الدليل على انه توقيفي) أن الصحابة رضى الله تعالى عنهم هم

أشد الناس اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وأبعدهم عن الابتداع والعمل بالظن والهوى، ومما لا شك فيه انه حين جمعهم للقرآن الكريم تحروا فيه كل شئ فما قدموا سورة على اخرى الا باستناد إلى أمره صلى الله عليه وسلم أو فعله

ص: 69

أو تقريره، ولا يخفى أن النبي صلى الله عليه وسلم عرض القرآن على جبريل مرتين (1) في السنة التى توفى فيها، ولا ريب أن القرآن حينئذ كان قد انزل كله على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضه على جبريل هذه المرة كان من أوله الي آخره، وبالضرورة يكون ترتيبه على ما هو في اللوح المحفوظ الموافق على ما هو عليه الآن بهذه الصفة إذ لا يعرضه صلى الله عليه وسلم العرض الاخير على جبريل الا مرتب الايات والسور، وان زيد بن ثابت كان حاضرا هذه العرضة الاخيرة وهو كاتب الوحى فعلى هذه العرضة كتب مصحف ابى بكر ومصحف عثمان.

ثم لا يعقل أن يضعوا سور القرآن كيفما اتفق لهم، فلو كان ترتيبها باجتهادهم لرتبوها اما بحسب تاريخ نزولها أو مواقعها، واما بحسب طولها وقصرها، واما بحسب ترتيب مصحف احد كبار الصحابة

(1) قال في فتح الباري شرح صحيح البخاري واختلف في العرضة الاخيرة هل كانت بجميع الاحرف المأذون في قراءتها أو بحرف واحد منها وعلى الثاني فهل هو الحرف الذى جمع عليه عثمان جميع الناس أو غيره وقد روى احمد وابن ابى داود والطبري من طريق عبيدة بن عمر السلمانى ان الذي جمع عليه عثمان الناس يوافق العرضة الاخيرة اه من الفتح وتؤخذ من هذه العرضة جملة امور - منها - اكمال نزول القرآن - ومنها ترتيب الآيات والسور - ومنها الاشارة إلى قرب أجله صلى الله عليه وسلم فقد

روى البخاري انه اسر إلى ابنته فاطمة أن جبريل يعارضني بالقرآن كل سنة وانه عارضنى العام مرتين ولا أراه الا حضر اجلى.

(*)

ص: 70

كعلى بن ابى طالب وابن عباس وابن مسعود وأبى بن كعب - وكل ذلك لم يكن فما هناك سوى التوقيف (والدليل على انه اجتهادى) ما جاء في صحيح مسلم عن حذيفة قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلى بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا..الخ الحديث، فكونه صلى الله عليه وسلم قرأ النساء اولا ثم آل عمران فيه دليل على ان ترتيب سور المصحف من اجتهاد الصحابة كما تقدم ذلك من قول القاضى عياض وان ترتيبها في الصلاة ليس بواجب وايضا ما جاء في صحيح البخاري عن يوسف بن ماهك قال انى عند عائشة ام المؤمنين رضى الله عنها إذ جاءها عراقى فقال أي الكفن خير قالت ريحك وما يضرك قال يا ام المؤمنين ارينى مصحفك قالت لم قال لعلى أولف القرآن عليه فانه يقرأ غير مؤلف قالت وما يضرك أيه قرأت قبل انما نزل اول ما نزل منه سورة من المفصل..الخ الحديث، ففى قول عائشة للعراقي وما يضرك أيه قرأت قبل دليل على أن ترتيب السور في التلاوة ليس بواجب، وهو كذلك في جميع المذاهب فانه يجوز ترك ترتيبها في الصلاة والتلاوة والدرس، لان كل سورة

ص: 71

مستقلة بذاتها مستوفية لآياتها - ويفهم من هذا الحديث أن الناس

كانوا يقرؤن القرآن ويكتبونه من غير ترتيب لسوره حتى جمع عثمان مصحفه وحمل الناس عليه.

فلو كان ترتيب المصحف توقيفيا لم يختلف ترتيب السور في مصاحف كبار الصحابة كعلى بن ابى طالب وأبى بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعائشة ام المؤمنين وزيد ابن ثابت فكل واحد من هؤلاء كتب مصحفه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمصحف على كان أوله اقرأ ثم المدثر ثم ن وهكذا إلى آخر المكى والمدنى ومصحف ابن مسعود كان أوله البقرة ثم النساء ثم آل عمران على اختلاف شديد، وقد ذكر ابن النديم في كتابه الفهرست (1) ترتيب سور مصاحف بعض الصحابة كما ذكره ايضا السيوطي في كتابه الاتقان فراجعهما ان شئت.

فلو كان هناك أمر صريح أو اشارة خفية من النبي صلى الله عليه وسلم في ترتيب سور المصحف لما عزب ذلك على هؤلاء وهم من اجلاء الصحابة واكثرهم اتصالا به عليه الصلاة والسلام

(1) الف ابن النديم كتابه الفهرست عام 377 هجرية وهو يعد من اقدم الكتب واهمها وقد ظهر الآن في عالم المطبوعات (*)

ص: 72

(وختام المقام) أن ترتيب سور المصحف سواء كان توقيفيا أو اجتهاديا فانه يجب علينا اتباع المصحف العثماني في ترتيب سوره ورسم كلماته، لاننا مأمورون باتباع الصحابة آثمون بمخالفتهم قال عليه الصلاوة والسلام كما في حديث العرباض بن سارية "..فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ (1) " ولهذا كان

(1) والحديث المروي عن عرباض بن سارية رضي الله عنه هو " قال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون قلنا يارسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا قال اوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان تأمر عليكم عبد فانه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ واياكم ومحدثات الامور فان كل بدعة ضلالة رواه أبو داود والترمذي - وفي رواية احمد وابن ماجه عن عرباض ايضا " قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي الا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم..الخ الحديث والعرباض بن سارية رضى الله عنه هو بكسر العين وسكون الراء كان من اهل الصفة وهو ممن نزل فيه قوله تعالى " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم " قال محمد بن عوف كان قديم الاسلام جدا، نزل الشام ثم سكن حمص ومات في فتنة ابن الزبير سنة خمس وسبعين في خلافة عبد الملك بن مروان " فقوله صلى الله عليه وسلم ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا " هذا من ضمن معجزاته عليه الصلاة والسلام التي لا تحصى ملقد وقع ويقع كثير من الامور والفتن التى اخبر بها فكم من المغيبات ذكرا * فبعضها مضى وبعض سيرى ومعجزات المصطفى ليست تعد * وفي الشفا منها كثير قد ورد (*)

ص: 73

اجماعهم حجة، وقد أجمعوا على اعتماد مصحف عثمان ونسخوا مصاحفهم على نمطه كما سبق بيانه - فلا يوجد مسلم على وجه الارض يرى مخالفته ولله الحمد وهذا مصداق قوله تعالى " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " عدد المصاحف

(التى فرقها عثمان رضى الله عنه في الامصار) تقدم أن عثمان بن عفان لما فرغ من جمع مصحفه أرسل إلى كل افق بمصحف مما نسخوا وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذى أرسل به - وقد أختلفوا في عدة المصاحف التى فرقها في الامصار فقيل انه أربعة وهو الذى اتفق عليه اكثر العلماء، وقيل انها خمسة وقيل انها ستة وقيل سبعة وقيل ثمانية أما كونها اربعة فقيل انه ابقى مصحفا بالمدينة وارسل مصحفا إلى الشام ومصحفا إلى الكوفة ومصحفا إلى البصرة، وأما كونها خمسة فالاربعة المتقدم ذكرها والخامس ارسله إلى مكة، وأما كونها ستة فالخمسة المتقدم ذكرها والسادس اختلف فيه فقيل جعله خاصا لنفسه وقيل ارسله إلى البحرين، وأما كونها سبعة فالستة المتقدم ذكرها والسابع ارسله اليمن، واما كونها ثمانية فالسبعة المتقدم ذكرها والثامن

ص: 74

كان لعثمان يقرأ فيه وهو الذى قتل وهو بين يديه. اه من نهاية القول المفيد.

وبعث رضى الله عنه مع كل مصحف من يرشد الناس إلى قراءته بما يحتمله رسمه من القراءات مما صح وتواتر (1) فكان عبد الله بن السائب مع المصحف المكى، والمغيرة بن شهاب مع المصحف الشامي وابو عبد الرحمن السلمى مع المصحف الكوفى، وعامر بن قيس مع المصحف البصري - وأمر زيد بن ثابت أن يقرئ الناس بالمدني.

ولا ندرى لم لم يرسل عثمان رضى الله عنه لكل بلدة من البلاد الاسلامية مصحفا أو بضعة مصاحف، والظاهر والله تعالى اعلم ان ذلك

كان لقلة النساخ في عهدهم ولعدم وجود الورق عندهم فقد كانوا يكتبونها على الجلود والعسب واللخاف والاكتاف ونحوها فربما يلزم لكتابة مصحف واحد قنطار من هذه الاشياء ولقد وصف الزنجانى مصحف على رضى الله عنه بأنه كان في سبعة اجزاء وقد أتى به يحمله على جمل وهو يقول هذا القرآن جمعته، وروى أن الصاحب بن عباد المتوفى سنة 385 هجرية كان يحمل معه في اسفاره

(1) وهذا اختلاف قراءات في لغة واحدة لا اختلاف لغات، انظر في الفصل الثاني من الباب الثالث لتقف على سبب اختلاف رسوم هذه المصاحف.

(*)

ص: 75

كتاب الاغانى على اربعين جملا، وذكروا أن الامام الشافعي رحمه الله تعالى كان كثيرا ما يكتب المسائل على العظام حتى ملاء منها خبايا (1) كل ذلك كان لعدم انتشار الورق عندهم في ذلك الزمن (2) ، ولا ندرى كيف كانوا يعثرون على مسألة من المسائل وهى مكتوبة على نحو العظام واللخاف والاكتاف التى يعسر ترتيبها لا شك ان مراجعتها والوقوف عليها ليس بسهل ومع ذلك كانوا أئمة الدين وانجم الهدى والذى نراه ان المصاحف العثمانية التى ارسلت إلى الامصار كتبت على الجلود وكتبت بالخط الكوفى الذى ما كانوا يعرفون من الخط سواه وكتبت بغير نقط ولا شكل ولم يكن فيها علامات للاجزاء والاحزاب ونحوها

(1) نستنتج مما ذكر: أن المصاحف التى رفعت على رؤس الرماح في الحرب بين على ومعاوية رضى الله عنهما سنة 37 البالغ عددها نحو ثلاثمائة مصحف طلبا للهدنة وحقنا للدماء، لم تكن بمصاحف كاملة وانما هي اجزاء من القرآن مكتوبة

على نحو العسب والالواح والاكتاف وبذلك يمكن للرجل رفع ما كتب من القرآن على شئ مما ذكر، فاطلاق المؤرخين رفع المصاحف في هذه الحرب انما هو من اطلاق الكل وارادة الجزء والله اعلم (2) إذا أردت الوقوف على ظهور الورق فعليك بمراجعة كتابنا " تاريخ الخط العربي وآدابه " وهو مطبوع بمصر (*)

ص: 76