المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الأول: الأصول عند القدامى - تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم - جـ ١

[عبد الرزاق بن فراج الصاعدي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌مقدمة

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأول: الأصول

- ‌المبحث الثاني: التَّداخُل

- ‌المبحث الثالث: المعجم

- ‌المبحث الرابع: مدرسة القافية

- ‌المبحث الخامس: سبب اختيار مدرسة القافية

- ‌الباب الأول: الأصول والزوائد

- ‌الفصل الأول: الأصول في عرف اللغويين

- ‌المبحث الأول: الأصول عند القدامى

- ‌المَبْحَثُ الثَّانِي: الأصُولُ عِنْدَ المتأخِّرِينَ

- ‌الفصل الثاني: الزوائد

- ‌المبحث الأول: الزيادات المقيسة: حروفها ومواضعها وأعراضها

- ‌المَبْحَثُ الثَّانِي: الإِلْحَاقُ

- ‌المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الزِّيادَاتُ غَيرُ المَقِيسَةِ

- ‌الفَصْلُ الثَّالثُ: مقاييس التَّفريقِ بينَ الأُصُولِ

- ‌الباب الثاني: التداخل في البناء الواحد (الثلاثي، الرباعي، الخماسي)

- ‌الفصل الأول: التداخل في الثلاثي

- ‌المبحث الأول: التداخل بين المعتل والمعتل

- ‌المبحث الثّاني: التّداخل بين المعتلّ والمهموز

- ‌المبحث الثّالث: التَّداخل بين المعتلّ والصَّحيح

- ‌المبحث الرّابع: التَّداخل بين الصَّحيح والصَّحيح

- ‌الفصل الثاني: التداخل في الرباعي والخماسي

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأوَّلُ: التَّداخل بين الرّباعي والرّباعيّ

- ‌المبحثُ الثَّاني: التَّداخل بين الخماسيّ والخماسيّ

- ‌الباب الثالث: التداخل بين بناءين مختلفين

- ‌الفصل الأول:‌‌ التداخل بين الثلاني والرباعي

- ‌ التداخل بين الثلاني والرباعي

- ‌المبحث الأوّل: ما جاء على (فعْلل) المضاعف

- ‌المبحث الثاني: ما تقارب فيه الأصلان فتداخلا

- ‌المبحث الثّالث: ما في آخره ميمٌ

- ‌المبحثُ الرَّابعُ: ما في حَشْوِهِ ميمٌ

- ‌المبحَثُ السَّادسُ: ما ثَانِيه نُونٌ

- ‌المبحث السَّابعُ: ما تنَوَّعَ فيه التَّدَاخلُ

الفصل: ‌المبحث الأول: الأصول عند القدامى

‌الباب الأول: الأصول والزوائد

‌الفصل الأول: الأصول في عرف اللغويين

‌المبحث الأول: الأصول عند القدامى

المبحث الأول: الأصول عند القدامى

استرعى تفاوت الأبنية في العربية أنظار علمائنا القدامى، منذ وقت مبكر من بدءِ نشاطهم اللغوي؛ فَمِنَ الكلمات ما جاء على حرفٍ، ومنها ما جاء على حرفين، أو ثلاثةٍ، أو أربعةٍ، أو خمسةٍ، أو ستةٍ، أو سبعةٍ. ورأوا كيف يغلب بعضها على بعضها الآخر في الكثرة والاستعمال؛ فما جاء على ثلاثةٍ أكثر من غيره، وما جاء على حرفٍ أقل إلى حدِّ النُّدرة. ثم رأوا أن الكلمة الواحدة تأتي على صورٍ مختلفة؛ فتكون تارة على ثلاثة أحرفٍ، وتارة على أربعةٍ، وتارة على خمسةٍ، وتارة على ستةٍ، وتارة على سبعةٍ؛ فهداهم تأملهم الطويل في أحوال البنية في اللغة إلى معرفة الأصول والزوائد.

وقسَّموا الكلام العربي ثلاثةَ أقسام: أسماء وأفعال وحروف، ورأوا كيف يتصرف بعضه – كأكثر الأسماء والأفعال- دون بعضه الآخر؛ كالحروف وبعض الأسماء والأفعال. ودرسوا ذلك كله، وقَنَّنُوه، وجعلوا له عِلْماً مستقلاً؛ هو التصريف.

ويعنينا من ذلك (الأصول) وقد وقفنا على تعريفها في اصطلاح اللغويين والصرفيين والنحاة؛ وهو أنها الحروف التي تلزم في جميع تصاريف الكلمة؛ فتكون موجودة تحقيقاً أو تقديراً، كما سيأتي.

ويكاد علماؤنا القدامى يُجْمعون على أن الكلمات المتصرفة

ص: 87

ثلاثةٌ: ثُلاثيةٌ، ورباعيةٌ، وخُماسيةٌ؛ لولا آراء نُقِلتْ لبعضهم؛ ولاسِيَّما الكوفيين؛ على نحو ما يأتي تفصيله-إن شاء الله. فما تصرَّف من الكلام عندهم مردود إلى تلك الأصول، ولا يخرج عن واحد منها؛ وهو مذهب الجُمهور1

وذهب بعض العلماء2 إلى أنَّ الكلام كله مشتق، ونُسِب إلى الزَّجَّاج3، وقيل: إنَّ سيبويه4 كان يراه. وذهب بعضهم5 إلى أنَّ الكلام كله أصل؛ وليس شيءٌ مشتقاً من شيءٍ.

ونقف - في البداية - على ما جاء على أقلّ من ثلاثة أحرفٍ، ثم نأتي ـ بشيء من التفصيل- على الأصول عند القدامى.

أ- ما جاء على حرفٍ:

من كلام العرب ما هو على حرفٍ واحد، وهو قليل.

قال سيبويه في باب عدة ما يكون عليه الكلم: "وأقل ما تكون عليه الكلمة حرفٌ واحدٌ"6 ومَثَّل له بحرف العطف الواو، وكاف الجر ولام الإضافة؛ من الحروف التي لا تتصرف، ولا يدخل فيها الأصول

1 ينظر: اشتقاق أسماء الله 277، والمساعد 4/83.

2 ينظر: اشتقاق أسماء الله 277، والمساعد 4/83.

3 ينظر: اشتقاق أسماء الله 278.

4 ينظر: المساعد 4/83.

5 ينظر: اشتقاق أسماء الله 279.

6 الكتاب 4/216.

ص: 88

والزوائد. ولا يكون اسمٌ مُظْهَرٌ يجوز أن ينفرد اللفظ به على حرفٍ أبداً؛ وعلة ذلك أن المُظْهَرَ يُسْكَتُ عنده، وليس قبله شيء ولا يَلْحَق به شيء، ولم يكونوا لِيُجْحِفوا بالاسم؛ فيجعلوه بمنزلة ما ليس باسم ولا فعل؛ وإنما يجيء لمعنى1؛لأنه لا بد من أن يبتدأ بمتحرك، ويوقف على ساكن؛ فإن كان على حرف لم يستقم2.

والفعل كالاسم في ذلك؛ لأن منه ما يُضارعُ الاسمَ، وهو المضارع؛ كما أنه يتصرف ويُبنى أبنيته كفَعَل وفَعِل وفَعُل ونحو ذلك؛ وهو الذي يلي الاسم؛ فعومل معاملته من حيث عدمُ مجيء الاسم على حرف واحد. أمّا ما جاء من الأفعال على حرف واحد؛ نحو:(قِ نَفْسَكَ عَذَابَ النَّارِ) و (عِ كلاماً) فوَجَّهَهُ سيبويه بقوله: "إلَاّ أن تُدْرِكَ الفعلَ علةٌ مطردةٌ في كلامهم في موضعٍ واحدٍ؛ فيصيرَ على حرفٍ؛ فإذا جاوزتَ ذلك الموضع رددتَ ما حذفتَ

وذلك قولك: عِ كلاماً"3.

وكان أبو زيد الأنصاري يقول: "إن ما بني عليه الكلام ثلاثة أحرف؛ فما نقص رفعوه إلى ثلاثة"4.

1 ينظر: الكتاب 4/218، وشرح السيرافي بتحقيق د. عبد المنعم فائز 518،519.

2 ينظر: شرح السيرافي 519.

3 الكتاب4/219.

4 ينظر: الجمهرة3/1306،والمزهر2/317.

ص: 89

ونَخْلُصُ مما تقدَّم إلى أن الأصول من الكلام المتصرف عند القدماء لا تكون على حرف واحد، وما جاء على ذلك فمما يكون فيه حذفٌ.

ب- ما جاء على حرفين:

أقدمُ نصٍّ وَصَلْنَا إليه في تقسيم الكلم إلى أصوله؛ وفيه ذكر للثنائي؛ يعود إلى القرن الثاني، وصاحبه هو الخليل؛ إذ قال فيه:"كلام العرب مبني على أربعة أصناف؛ على الثّنائيّ، والثّلاثيّ، والرّباعيّ، والخماسيّ" ثم مثَّل للثنائي بقوله: "فالثّنائيّ على حرفين؛ نحو: قَدْ، لَمْ، هَلْ، بَلْ، ونحوه من الأدوات والزَّجْرِ"1.

ويفهم من هذا القول أن الثّنائيّ عند الخليل لا يكون أصلاً للأسماء ولا للأفعال؛ بدليل الأمثلة التي ذكرها؛ فهي من حروف المعاني التي لا تتصرف، وبدليل آخر؛ وهو قوله:"من الأدوات والزَّجرِ"وهو يعني بالزجر: أسماء الأصوات والأفعال؛ نحو: مَهْ، وصَهْ، وكَخْ، وهِسْ؛ وذلك ونحوه عند الخليل وغيره مما لا يتصرف، وإن عومل معاملة الأسماء؛ فلا بُدَّ له –حينئذٍ- من حرفٍ ثالث يبلغ به أقربَ مرتبةٍ في أصول الأسماء المتصرفة. ومن هنا قال الخليل: "فإن صَيَّرْتَ الثّنائيّ؛ مثل: قَدْ، وهَلْ، ولَوْ، اسماً أدخلتَ عليه التّشديد؛ فقلتَ: هذه لوٌّ مكتوبة، وهذه قَدٌّ حسنة الكِتْبة؛ زدتَ واواً على واو، ودلاً على دال. ثم أدغمتَ وشَدَّدت؛ فالتشديد علامة الإدغام والحرف الثالثِ؛ كقول أبي زُبيد الطائي:

1 العين1/48.

ص: 90

ليتَ شِعْرِي وأيْنَ منِّيَ لَيْتُ

إنَّ لَيْتاً وإنَّ لَوًّا عَنَاءُ "1

ولا يجوز عند الخليل أن يكون أصول الاسم المتصرف أقل من ثلاثة أحرف، وله نصوص صريحة في ذلك، قال في أحدها:"الاسم لا يكون أقل من ثلاثة أحرف"2 وقال في ثانٍ: "وقد تجيء أسماء لفظها على حرفين، وتمامها ومعناها على ثلاثة أحرف، مثل: يد ودم؛ وإنما ذهب الثالث لعلة "3

ولا يخرج سيبويه عن رأي شيخه الخليل فهو يقول بنحو قوله4، ولم يَذْكُر خلافاً في ذلك عن متقدمي اللغويين والصرفيين والنحاة، أو عن معاصريه؛ وهو يؤكد أنَّ ما جاء على حرفين من الأسماء والأفعال المتصرفة قليلٌ؛ نحو: دمٍ، وفمٍ، في الأسماء، وخُذْ، وكُلْ في الأفعال؛ وهو مما حذف منه؛ ويُعَلِّلُ ذلك بقوله:"لأنَّه إخلال عندهم بهنَّ؛ لأنه حذف من أقلِّ الحروف عدداً "5.

ولما قلَّ الثّنائيّ في الأسماء فإنه لم يقع في الصفات، كما قال سيبويه6. وعلى منهجهما في الثّنائيّ سار المبرد 7.

1 العين 1/50.

2 العين 1/50.

3 العين 1/50.

4 ينظر: الكتاب4/219،220.

5 الكتاب 4/219.

6 الكتاب 4/220.

7 ينظر: المقتضب1/41-52.

ص: 91

واستمر مفهوم الثّنائيّ عند الجمهور من اللغويين والصرفيين والنحاة القدامى على نحو ما قننه الخليل وسيبويه. بَيْدَ أن ثَمَّةَ آراءً خالفت –نوع مخالفة- رأي الجمهور في الثّنائيّ؛ فقد كان صنيع المعجميين في مدرسة التَّقْليبات الذين عدوا الثّلاثيّ المضعف والرّباعيّ المضاعف في باب الثّنائيّ مُلْبِساً؛ فربما فُهم عملهم على غير وجهه، فظُنَّ أنهم يعدون ذلك ثنائياً. وممّن ظن هذا الظن الدكتور إبراهيم أنيس؛ حيث قال بعد أن ذكر طريقة المعجميين في مدرسة التقليبات:"وهكذا رأينا معظم علماء العربية؛ منذ القرن الثاني الهجري؛ ينظرون إلى بنية الكلمات على أنها قد تكون ثنائية الأصول، أو ثلاثيتها، أو رباعيتها"1. ومن القدامى من كأنّه فهم هذا الفهم؛ كابن القَطَّاع؛ إذ قال: "الثّنائيّ: ما كان على حرفين من حروف السلامة، ولا تبال أن تتكرر فاؤه، أوعينه، أو يلحق بالثّلاثيّ أو الرّباعيّ، أو الخماسيّ، أو السداسي، أو السباعي. وينقسم ذلك على أقسام؛ منها ما يكون الحرفان أصله؛ نحو: مَنْ، وما، ومِنَ الحروف نحو: مِنْ، وعَنْ، ومنه ما يخفف من المضاعف نحو: رُبَّ

ومن الفعل ما كان مضاعفاً؛ نحو: ردَّ، ومدَّ، وعدَّ، وعدَّدَ، وتعدَّدَ

وإذا تكرر نحو: بَرْبَرَ، وجَرْجَرَ، وفي ما أُظهر تضعيفه؛ نحو: العَدَدِ

1 ينظر: تطور البنية في الكلمة العربية165.

ص: 92

والمَدَدِ

فهذا كله ثنائي"1.

وعلى الرغم من ذلك فإنه يمكن توجيه ما قاله ابن القطاع توجيهاً يوافق صنيع المعجميين؛ فقد وجدته يأخذ ببعض طريقتهم في معجمه (الأفعال) فيما تكررت بعض حروفه كالثّلاثيّ المضعف؛ إذ عقد له باباً بعنوان (الثّنائيّ المضاعف) ومما ذكر فيه مواد: (أمّ) و (أبّ) و (أصّ) وكرر هذا الباب في كل حرف، وكذلك فعل في الرّباعيّ المضاعف، وعقد له باباً بعنوان (باب الثّنائيّ المكرر) ومن أمثلته التي ذكرها:(بَثْبَثَ) و (بَخْبَخَ) و (بَصْبَصَ) ونحو ذلك، ثم كرر هذا الباب في كلِّ حرف. وعمله قريب أشد القرب من صنيع معجميي مدرسة التقليبات، فليس الثّنائيّ عنده ما نعنيه بالثّنائيّ في الأصول، فلما أراد الأصول تغير القول والحكم؛ فقال:(وأقل ما بنيت عليه الأسماء والأفعال ثلاثة أحرف؛ فما رأيته ناقصاً عنها فاعلم أن التضعيف دخله؛ مثل: فرَّ، وردَّ)2.

وقال في موضع آخر: "وأقلّ أصول الأسماء المتمكنة على ثلاثة أحرف؛ نحو: صَقْرٍ، وحَجَرٍ، وجِذْعٍ"3. ولا أدلّ من هذين النّصين على مذهب ابن القطاع في الأصول.

وأُثِر عن بعض الكوفيين –كذلك- أنهم قالوا بأنّ من الأسماء ما قد يجيء على حرفين.

1 أبنية الأسماء والمصادر11ب 12أ.

2 الأفعال1/23.

3 أبنية الأسماء والمصادر3ب.

ص: 93

قال ابن عقيل: "وزاد أبو الفتوح 1 نصر بن أبي الفنون البغدادي

أنَّ مذهب الكوفيين أن أقل ما يكون عليه الاسم حرفان؛ حرف يبتدأ به، وحرف يوقف عليه"2. وعزا الجواليقي3ذلك للفراء.

وثمَّةَ خلافٌ عُزِي للقدماء في الرّباعيّ المضاعف؛ نحو: (زَلْزَلَ) و (حَثْحَثَ) و (سِمْسِمٍ) فالمشهور عند البصريين أن وزنه (فعلل) 4 كما سيأتي توضيحه في الكلام عن الرّباعيّ؛ إن شاء الله.

ولكنه عند الخليل5 - في أحد قولين عُزيا له - (فعفع) تكررت فاؤه وعينه؛ وهذا يخالف ما نص عليه الخليل في مقدمة (العين) ويخالف ما أُثِرَ عنه–أيضاً- من أنه (فعفل)6.

وعُزِيَ إلى الفراء 7 - أيضاً - أنه (فعفع) كما عزي إلى أبي إسحاق

1 هو نصر بن محمد بن المظفر بن أبي الفتوح البغدادي (ت630هـ) جمع بين الأدب واللغة والنحو، وتصدَّر بجامع الأزهر مدةً. ومن مصادر ترجمته: بغية الوعاة2/315، والوافي بالوفيات27/36.

2 المساعد 4/9.

3 شرح أدب الكتاب49.

4 ينظر: التكملة للفارسي57، وسر الصناعة1/180،181، والمساعد4/60، وهمع الهوامع 2/215.

5 ينظر: الارتشاف1/24.

6 ينظر: الارتشاف 1/24.

7 ينظر: أبنية الأسماء والمصادر12ب، والارتشاف1/24.

ص: 94

الزجاج1 في أحد قوليه.

وأطلق المعري القول فيه وجعله لمتقدمي اللغويين حين قال: "وقال المتقدمون من أصحاب اللغة: وزنُ (زَلْزَلَ)(فَعْفَعَ)2.

ولعل المعري يعني به الخليل ومعاصريه؛ فقد بحثت عن نصٍّ في ذلك لهؤلاء المتقدمين؛ فلم أظفر بشيء. ونخلص مما تقدم إلى أن الأصول عند جمهور العلماء القدامى، لا تكون ثنائية، كما أنها لا تكون أحادية. وفيما يلي الأصول لديهم؛ وهي إما ثلاثية، وإما رباعية، وإما خماسية.

أوَّلاً- الأصول الثّلاثيّة:

يكاد إجماع اللغويين والصرفيين والنحاة ينعقد على أن أصول أكثر الكلم في العربية ثلاثة أحرف، وتكون للأسماء والأفعال3.

ومن أوائل النصوص التي وَصَلْنَا إليها مما جاء فيه ذكر الأصول

1 ينظر: أبنية الأسماء والمصادر12أ.

2 رسالة الملائكة280.

3 ينظر: العين 1/48، 49، والكتاب4/230، والأصول3/179، والتكلمة للفارسي 229، والتبصرة والتذكرة 2/743، 783، والوجيز في علم التصريف 27، ونزهة الطرف للميداني 7، 8، وشرح الملوكي لابن يعيش 20، والتسهيل290، 291، وشرح ابن الناظم 821، والممتع1/60، 166، والارتشاف 1/17، وشرح مختصر التصريف العزي 28، والتصريح 2/358.

ص: 95

الثّلاثيّة ما قاله الخليل1، وهو ما أشرت إليه من قبل؛ وهو أن أقل ما يقع عليه ما تصرف من كلام العرب من الأسماء والأفعال ثلاثة أحرف، وهو قوله:"الاسم لا يكون أقل من ثلاثة أحرف"2والعلة في ذلك - على رأيه - أنَّ الحرف الأول للابتداء، والثالث للوقوف عليه والثاني للحشو بين الأول والثالث.

ثم جاء تلميذه سيبويه، وجعل الثّلاثيّ أول الأصول فيما تصرف من كلام العرب؛ حين قال:"فالكلام على ثلاثة أحرف، وأربعة أحرف، وخمسة"3.

ثم قال: "فعلى هذا عِدَّةُ حروف الكلم؛ فما قَصُرَ عن الثلاثة فمحذوف، وما جاوز الخمسة فمزيد فيه"4.

وقال: "ليس في الدنيا اسم أقلُّ عدداً من اسمٍ على ثلاثة أحرف، ولكنَّهم قد يحذفون ممَّا كان على ثلاثةٍ حرفاً"5.

وقال: "وأمَّا ما جاء على ثلاثة أحرف فهو أكثر الكلام في كل شيء من الأسماء والأفعال وغيرهما"6 وعلل ذلك بقوله:"وذلك لأنه كأنه هو الأوّل فمن ثَمَّ تمكن في الكلام".

1 ينظر: العين1/48، 49.

2 العين 1/49.

3 الكتاب 4/230.

4 الكتاب 4/230.

5 الكتاب 3/322.

6 الكتاب 4/229.

ص: 96

وفي (المقتضب) 1 للمبرد نحوٌ مما تقدم في كلام سيبويه. ومن أئمة اللغة الذين انتحوا هذا النحو - كذلك - ابن جِنّي؛ فقد ذكر رأيه في ذلك بما يوافق رأي الجمهور من المتقدمين حين قال: "الأصول ثلاثة: ثلاثي، ورباعي، وخماسي؛ فأكثرها استعمالاً، وأعدلها تركيباً الثّلاثيّ؛ وذلك لأنه حرف يبتدأ به، وحرف يُحْشى به، وحرف يوقف عليه"2.

وزاد على المتقدمين بتعليل كثرة مفردات اللغة العربية ذات الأصول الثّلاثيّة؛ حين قال: "وليس اعتدال الثّلاثيّ لقلة حروفه حسب؛ لو كان كذلك لكان الثّنائيّ أكثر منه؛ لأنه أقل حروفاً، وليس الأمر كذلك؛ ألا ترى أن جميع ما جاء من ذوات الحرفين جزءٌ لا قدرَ له فيما جاء من ذوات الثلاثة؛ نحو: مِنْ، وفي، وعن، وهل، وقد، وبل، وكم، ومَنْ، وإذ، وصه، ومهْ. ولو شئتُ لأثبتُ جميع ذلك في هذه الورقة

وأقل منه ما جاء على حرف واحد؛ كحرف العطف وفائه

فتمكن الثّلاثيّ إنما هو لقلة حروفه، ولشيء آخر وهو حجز الحشو –الذي هو عينه- بين فائه ولامه؛ وذلك لتباينهما، ولتعادي حاليهما؛ ألا ترى أن المبتدأ لا يكون إلَاّ متحركاً، وأن الموقوف عليه لا يكون إلَاّ ساكناً؛ فلما تنافرت حالاهما وَسَّطوا العين حاجزاً بينهما؛ لئلَاّ يفجئوا الحِسَّ بِضدِّ ما كان آخذاً فيه،

1 1/53.

2 الخصائص 1/55.

ص: 97

ومنصَبًّا إليه"1.

ولإقناع قارئه بهذا التعليل؛ بحيث لا يدع في نفسه شيئاً من التردد في قبوله –نَصَّب معترضاً على كلامه يقول: إن هذا الحرف الحاجز إما أن يكون متحركاً، وإما أن يكون ساكناً، فإن كان ساكناً فقد وافقَ الثالثَ في الوقف، وإن كان متحركاً فقد وافقَ الأولَ، وهذا ما هُرِبَ منه.

وكدأبه في هذا المنهج أجاب بأنَّ تحرك الثاني بعد حركة الأول يحدثُ ضرباً من الملال لهما؛ فاسْتُرْوِحَ –حينئذٍ- إلى السكون؛ فصار ذلك خفيفاً مَرْضِيّاً؛ خلافاً للثنائي؛ فإن سرعة الانقضاض من المتحرك الواحد إلى الساكن يكون مَعِيفاً مَأبِيّاً. وقريب من ذلك تعليله للحشو بالساكن.

وكان البلاغيون يرون أنّ من شروط فصاحة الكلمة أن تتوسط في عدد حروفها؛ فالثّلاثيّ عندهم أعدل الأصول،؛ وأفصحها؛ فقد كان فخر الدين الرازي يقَدِّم الكلمةَ الثّلاثيّةَ على غيرها في الفصاحة2.

وقال بهاء الدين السبكي: "الثّلاثيّ أحسن من الثّنائيّ والأُحادي ومن الرّباعيّ والخماسيّ؛ فذكر حازم3وغيره من شروط الفصاحة: أن تكون الكلمة بين قلة الحروف وكثرتها، والمتوسط ثلاثة أحرف"4.

1 الخصائص 1/56.

2 عروس الأفراح 1/92.

3 هو: حازم القرطاجني (المتوفى سنة 684هـ) وهو من علماء البلاغة في الأندلس، وقوله المشار إليه في كتابه: منهاج البلغاء 123.

4 ينظر: نهاية الإيجاز 152.

ص: 98

وثَمَّة من يرى أن الأصول ثلاثية فحسب، وقد عزي ذلك لأبي زيد1 والكوفيين2 وذهبوا إلى أن الرّباعيّ والخماسيّ ما هما إلَاّ ثلاثيان مزيدان، وسنقف على تفصيل لهذا الرأي في الكلام عن الرّباعيّ؛ إن شاء الله. وأوزان الثّلاثيّ الممكنة اثنا عشر وزناً؛ بضرب حركات الفاء الثلاث في أحوال العين الأربعة. واتفقوا على أن المستعمل المستفيض منها عشرة؛ وهي3:

1-

(فَعْل) كـ (بَكْرٍ) .

2-

(فَعَل) كـ (فَرَسٍ) .

3-

(فَعِل) كـ (كَتِفٍ) .

4-

(فَعُل) كـ (عَضُدٍ) .

5-

(فِعْل) كـ (حِبْرٍ) .

6-

(فِعَل) كـ (عِنَبٍ) .

7-

(فِعِل) كـ (إِبِلٍ) .

8-

(فُعْل) كـ (قُفْلٍ) .

9-

(فُعَل) كـ (صُرَدٍ) .

10-

(فُعُل) كـ (عُنُقٍ) .

1 ينظر: الجمهرة 3/1306، والمزهر2/317.

2 ينظر: الإنصاف 2/793، وشرح الشافية للرضي 1/47.

3 ينظر: المقتضب 1/53-55، وشرح الشافية للرضي 1/35.

ص: 99

واختلفوا في (فُعِلٍ) و (فِعُلٍ) فأهمله بعضهم؛ لاستثقال الخروج من ثقيل إلى ثقيل يخالفه1، وقالوا: إن الأول لم يرد إلَاّ في (الدُّئِلِ) وهو دويبة شبيهة بابن عِرْس، وجاء الثَّاني في (الحِبُك) على قراءة أبي مالك الغفّاري:{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ} . وقد قيل إنَّ (الحِبُك) من تداخل اللُّغات.

أمَّا الفعل فله ثلاثة أوزان في الماضي؛ وهي: (فَعَلَ)(فَعِلَ)(فَعُلَ) .

ومن الثّلاثيّ نوع تماثلت حروفه أو بعضها؛ وذلك على النحو التالي:

الأوّل: ما تماثلت حروفه الثلاثة؛ نحو قولهم: (غلام بَبَّةٌ) 2 أي: سمين، وهو - أيضاً - الأحمق الثقيل، وقال الفرزدق:

وبايعْتُ أقواماً وفيتُ بعهدهم

وبَبَّةُ قد بايعتُهُ غيرَ نادمِ 3

والفعل منه: بَبَّ يَبِبُّ بَبّاً وبَبَباً 4.ومن ذلك (القَقَقَةُ) 5 وهي الغربان الأهلية.

وقالوا: (زَزَزْتُه زَزّاً: صَفَعْتُه)6. وقد ذكروا أن ما تماثلت أصوله الثلاثة نادر؛ ولم يأت منه إلَاّ بضعُ

1 ينظر: شرح الشافية للرضي 1/35، 36.

2 ينظر: ليس في كلام العرب 36، 37.

3 ينظر: الصحاح (ببب) 1/89، والتكملة والذيل والصلة (ببب) 1/69، وليس في ديوان الفرزدق المطبوع بتحقيق الصاوي أو فاعور.

4 ينظر: المزهر 2/43.

5 ينظر: التهذيب 9/377، واللسان (ققق) 10/323.

6 ينظر: المساعد 4/22.

ص: 100

كلمات 1.

الثاني: ما تماثل بعض حروفه؛ فمما عُدَّ في الثّلاثيّ من هذا ما تماثل فيه الفاء والعين، أو الفاء واللام، أو العين واللام، أو اللام وبعدها، أو ماثل فيه حرفان حرفين. وفيما يلي بيان ما تقدم، وذكر ما وقع في بعضه من خلاف.

ا- ما ماثلَ فاؤُهُ عينَه:

ومثال ذلك (دَدَنٌ) ومنه يقال لنوع من السيوف: (الدَّدَانُ)2.

ومنه (يَيَنٌ) وهو اسم وادٍ أسفل الفَرْشِ3 بضواحي المدينة، و (قِقِنْ قِقِنْ) 4 حكاية صوت الضحك. ومنه ما فصل بين الحرفين بحرف زائد؛ نحو:(كَوْكَبٍ) و (قَوْقَلٍ) وهو: الذَّكر من القطا والحجل؛ فالواو زائدة في المثالين5 فوزنهما (فَوْعَل) . ونحو ذلك (زِيْزَيْزَمٌ) وهو حكاية صوت الجنّ، فإنه (فِيْعَيْعَل) 6 قال الراجز7:

1 ينظر: ليس في كلام العرب 36، 37، والمنصف 2/182، والمزهر 2/43.

2 ينظر: اللسان (ددن) 13/151،152.

3 ينظر: اللسان (يين) 13/465.

4 ينظر: المحكم 6/372، واللسان (ققن) 13/347.

5 ينظر: المساعد4/58.

6 ينظر: المنصف3/105، والمساعد4/58.

7 ينظر: المنصف 3/105، وأبنية الأسماء والمصادر13أ، والذي في ديوان رؤبة 184= =:((زِيْزِيَما)) بزاءين؛ آخرهما مكسورة، وياءين آخرهما مفتوحة، وفي اللسان (زيز) 5/359 ما يأتي:

"زِيْ زِيْ: حكاية صوت الجن؛ قال:

تسمع للجن به زِيْ زِيْ زِيَا "

ص: 101

تَسْمَعُ للجِنِّ بِهِ زِيْزَيْزَمَا

وثمة خلاف في نحو (كوكَبٍ) فالخليل يرى أنه من الرّباعيّ1.

ونُسب إلى بعض النحويين أن الحرف الأول في نحو (كوكَبٍ) زائد، والواو أصليةٌ؛ فيكون اشتقاقه من (وَكَبَ) وقد نَصَّ على ذلك الأزهري بقوله:"قال الأصمعي: وذكر الليث الكوكبَ في باب الرّباعيّ، ذهب إلى أن الواو أصلية؛ وهو عند حُذَّاق النحويين: كوكبٌ من باب (وكبَ) صُدِّرَ بكاف زائدة"2. فينبغي - على ما روى الأزهري - أن يكون وزنه (كَفْعَل) .

والذي عليه أكثر أهل اللغة أنّ الواو زائدة، والكاف الأولى فاء الكلمة، والكاف الثانية عينها.

ولا خلاف في نحو (حَمَام) و (همومٍ) و (خفيفٍ) .

ب- ما ماثَلَ فَاؤُه لامَهُ:

وذلك نحو: (سَلِسٍ) وهو اللين السهل، والشيء المرن، و (قَلِقٍ) وهو المنزعج المضطرب، و (دَعْدٍ) عَلَمٌ، و (السَّجَسِ) وهو الماء المتحرك.

1 ينظر: العين5/433.

2 التهذيب10/402.

ص: 102

وهذا النوع من الثّلاثيّ قليل1جداً.

ج- ما ماثلَ عينُهُ لامَهُ:

ويكون مدغماً أو غير مدغم، فالمدغم نحو (شَدَّ) و (صَدَّ) و (هَمَّ) وغير المدغم نحو (القَصَصِ) و (الجَلَلِ) و (الصَّدَدِ) . ويسمى ما ماثلَ فاؤُهُ عينَهُ، وما ماثلَ عينُهُ لامَهُ؛ الثّلاثيّ المضعَّف، أو المضاعف، والأخير كثير في العربية2.والأنواع الثلاثة المتقدمة وُضعت في باب (الثّنائيّ) من معاجم التقليبات؛ بسبب الصَّنْعَة المعجمية لنظام تلك المعاجم؛ كما تقدم3.

وثمة كلام لابن القطاع ذو صلة بما نحن فيه؛ وهو أن الثّنائيّ ما كان على حرفين من حروف السلامة، ولا يخرجه من ذلك تكرار فائه أو عينه، ويمكن توجيه كلامه بما يوافق صنيع المعجميين في مدرسة التقليبات. وجمهور اللغويين والصرفيين يعدون هذه الأنواع الثلاثة من الثّلاثيّ.

قال ابن جِنِّي: "اعلم أنه متى اجتمع معك في الأسماء والأفعال حرف أصلٌ ومعه حرفان مثلان لا غير؛ فهما أصلان؛ متصلين كانا أو

1 ينظر: الممتع1/258، 259.

2 ينظر: شرح الشافية للرضي1/34.

3 ينظر: ص (70-74) من هذا البحث.

ص: 103

منفصلين"1.

د- ما ماثَلَ لامُهُ ما بعدَه:

وهذا نوع من الثّلاثيّ يأتي على صورة الرّباعيّ (فعلل) فيكون على (فُعْلُل) نحو: (القُعْدُدِ) وهو الجبان اللَّئيم، وعلى (فَعْلَلٍ) نحو (القَرْدَدِ) وهو الوجه، وعلى (فِعْلِلٍ) نحوِ (الرِّمْدِدِ) وهو الكثير الدقيق، وعلى (فُعْلَلٍ) نحوِ (قُعْدَدٍ) . وهذا النوع ملحق بأوزان الرّباعيّ المذكورة؛ فحرفه الأخير زائد2.

وربما جاء على صورة الخماسيّ؛ مثل (عَفَنجَجٍ) وهو الضخم الأحمق؛ فهو ثلاثي ملحق بالخماسيّ؛ نحو (سَفَرْجَلٍ) فالنون والجيم الأخيرة زائدتان؛ فيكون من (ع ف ج) .

وربما جاء على صورة الخماسيّ؛ دون أن يكون المضعف زائداً؛ وذلك نحو (أَلَنْجَجٍ) وهو عودٌ طَيِّبُ الرائحة؛ فإن نونه زائدة لا محالة؛ لوقوعها ثالثة ساكنة؛ فتبقى أربعة أحرف (فلا يخلو- حينئذٍ - أن يكون مكرر اللام؛ كباب: قُعْدَدٍ، وشُرْبُبٍ، أو مزيدةً في أوله الهمزة؛ كأحمرَ، وأصفرَ، وإثمدٍ. وزيادة الهمزة أولاً أكثر من تكرير اللام آخراً

فتبقى الكلمة من تركيب (ل ج ج) فمِثلاها - إذن - أصلان) 3 وكذلك (يَلَنْجَجٌ) و (أَلَنْدَدٌ) و (يَلَنْدَدٌ) وهو الشديد الخصومة.

1 الخصائص2/56.

2 ينظر: المنصف1/41-43.

3 ينظر: الخصائص2/57.

ص: 104

والأخيران أوضح في الاشتقاق؛ لأنهما بمعنى (الألدِّ) فهما مشتقان من اللَّدَدِ1.

هـ - ما تكرر فيه حرفان:

وذلك على نوعين: نوع يبقى منه ثلاثة أصول عند إسقاط المثلين، ونوع يبقى منه أصلان حسب.

أما النوع الأول؛ وهو ما يبقى منه ثلاثة أصول عند إسقاط المثلين؛ فلا يخلو أن يكون المتماثلان في أوله أو في آخره؛ فإن كانا في أوله فمثاله: (مَرْمَرِيسٌ) للدَّاهية، و (مَرْمَرِيتٌ) للقفرِ؛ وهما ثلاثيان؛ لأن إسقاط المثلين يجعلهما:(مَرِيساً) و (مَرِيتاً) ببقاء ثلاثة أصول؛ وهي الميم، والراء والسين؛ في الأول، والميم، والراء، والتاء؛ في الثاني. ويؤكد ذلك أن معناهما من (المراسةِ) و (المَرْتِ) فوزنهما –حينئذٍ- (فَعْفَعِيل) وهذا مذهب البصريين2. وإن كانت المتماثلات في آخره؛ فمثاله:(الصَّمَحْمَحُ) وهو الشديد المجتمع الألواح، و (الدَّمَكْمَكُ) وهو الشديد، و (خُلَعْلَعٌ) وهو الجُعَلُ، و (الكُذُبْذُبُ) وهو الكثير الكذب، و (الذُّرَحْرَحُ) وهي دويبة، ووزن ذلك كله (فعلعل) وهو مذهب البصريين3.

1 ينظر شرح الشافية للرضي2/335.

2 ينظر: الإنصاف 2/792، وشرح الكافية الشافية 4/2034، وشرح الشافية للرضي1/62.

3 ينظر: الممتع 1/115، وشرح الشافية للرضي1/63.

ص: 105

وذهب الكوفيون إلى أن وزن الأول - أعني: مَرْمَرِيساً (فَعْلَلِيل) والثاني - أعني: صَمَحْمَحاً (فَعَلَّل) . وقد فصَّل أبو البركات الأنباري1 الخلاف في ذلك بين البصريين والكوفيين، وعزا الرَّضِيُّ2 قولَ الكوفيين إلى الفراء. وحجة الكوفيين3 في جعل نحو (صَمَحْمَحٍ) و (دَمَكْمَكٍ) على وزن (فَعَلَّل) قولهم: إن الأصل فيهما: (صَمَحَّحٌ) و (دَمَكَّكٌ) إلَاّ أن العرب استثقلوا جمع ثلاث حاءات وثلاث كافات؛ فأبدلوا الأوسط منهما ميماً من جنس الحرف الثاني في الكلمة، وادَّعوا أن الإبدال - لاجتماع الأمثال - كثير في الاستعمال، وقالوا: إن الأصل في قوله عز وجل: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالغَاوُون} 4: كُبِّبُوا؛ لأنه - كما يقولون - من:كَبَبْتُ الرجلَ على وجهه؛ إلَاّ أنهم استثقلوا اجتماع ثلاث باءات؛ فأبدلوا من الوسطى كافاً من جنس الحرف الأول.

واستدلوا – أيضا ً- على أنَّ: (صَمَحْمَحاً) ليس (فَعَلْعَلاً) وأنه لا يجوز أن يكون كذلك؛ لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يقال: إن (صَرْصَرَ) و (سَجْسَجَ) وزنُهُما (فَعْفَعَ) فلما بطل أن يكونا على (فَعْفَعَ) بطل - أيضاً - أن يكون (صَمَحْمَحٌ) على (فَعَلْعَل) .

1 ينظر: الإنصاف 2/788، (المسألة 113) .

2 ينظر: شرح الشافية 1/63.

3 ينظر: الإنصاف 2/788.

4 سورة الشعراء: الآية 94.

ص: 106

واحتج البصريون 1 بأمور:

أحدها: أنَّ تكرار العين واللام في (صَمَحْمَحٍ) هو الظَّاهر؛ لأنَّ تكرار حرف أصليٍّ يوجب تكراره في الميزان؛ فكما أنّ وزن (ضَرَّبَ) و (قَتَّلَ) : (فَعَّلَ) ووزن (احْمَرَّ) و (اصْفَرَّ)(افْعَلَّ) وجب أن يكون وزن (صَمَحْمَحٍ) و (مَرْمَرِيس)(فَعَلْعَل) و (فَعْفَعِيل) هذا هو الأصل، وهو الصحيح.

الثاني: ما ذكره الرَّضِيُّ2 من أنه يمكن أن يستدلّ للبصريين على تضعيف (صَمَحْمَحٍ) و (بَرَهْرَهَةٍ) بجمعك إياه على صمامح، وبراره، ولو كان خماسياً كسفرجلٍ- لقلتَ: صَمَاحِمُ.

والثالث: طعنهم3 في قياس الكوفيين على (صَرْصَرَ) ونحوه، من الرّباعيّ المضاعف بأن ذلك باطل؛ لأن الحرف إنما يجعل زائداً في الاسم والفعل؛ إذا كان على ثلاثة أصول سِوَاهُ؛ وهي فاء الفعل وعينه ولامه، و (صَرْصَرَ) لا يتحقق فيه ذلك؛ فلو قيل: إنّ وزنه (فَعْفَعَ) 4 لأدى ذلك إلى إسقاط أحد أصوله الثلاثة؛ وهو اللام، وذلك لا يجوز؛ بخلاف (صَمَحْمَحً) فإنه وجد فيه ثلاثة أصول، فلما لم يؤدّ ذلك إلى محظور؛ وهو إسقاط أحد الأصول الثلاثة جاز أن يكون وزنه (فَعَلْعلا) وهو

1 ينظر: الإنصاف 2/792.

2 ينظر: شرح الشافية 1/63.

3 ينظر: الإنصاف 2/792.

4 أجاز الخليل – في أحد قولين عزيا له – أن يكون نحو ((صرصر)) على وزن (فعفع) انظر: ص (89) من هذا البحث.

ص: 107

الظاهر، كما تجعل إحدى الدالين في (اسْوَدَّ) زائدة، ولا تجعل إحداهما زائدة في (رَدَّ) و (مَدَّ) .

ولا يطعن في حجة البصريين أنهم خالفوا في المكرر بين (صَرْصَرَ) و (صَمَحْمَحٍ) فجعلوا الأول أصلاً، والثاني مكرراً؛ لأنَّ تلك المخالفة لا مناص من وقوعها؛ كما في (اسْوَدَّ) و (رَدَّ) ولأنها وقعت –أيضاً- للكوفيين؛ حيث لزم على مذهبهم أن يكون نحو: احْقَوْقَفَ الظَّبْيُ، واغْدَوْدَنَ الشَّعْرُ، وما أشبه ذلك على وزن:(افْعَلَّلَ) وليس هذا من أوزان الأفعال، ولم يقولوا به، ولكنهم يقولون: إن وزنه (افْعَوْعَلَ) كما يقول البصريون. وبالجملة؛ فإن مذهب البصريين أقوى حجةً، وهو مذهب جمهور اللغويين، والصرفيين؛ من المتقدمين والمتأخرين.

أما النوع الثاني: وهو ما يبقى منه أصلان عند إسقاط مِثْليه؛ فنحو (زَلْزَلَ) و (صَرْصَرَ) و (حَثْحَثَ) وهو من الرّباعيّ عند البصريين، وأكثر اللغويين والصرفيين؛ كما سيأتي بيانه عند الكلام عن الرّباعيّ- إن شاء الله -. وهو معدود في الثّلاثيّ عند الكوفيين، وبعض علماء البصريين.

وجعله ثلاثياً عندهم يأخذ صورتين:

إحداهما: أنه (فَعْفَلَ) .

والأخرى: أنه (فَعَّلَ) .

وهما يؤديان إلى أصل ثلاثي واحد في نهاية الأمر، وفيما يلي بيان ذلك:

ص: 108

أ- فَعْفَلَ: من العلماء من يرى أن الحرف الثالث في نحو (زَلْزَلَ) و (صَرْصَرَ) تكرير للحرف الأول؛ كتكرير السين في (كَسَّرَ) والدال في (قَرْدَدٍ) فيكون وزنه – حينئذٍ - (فَعْفَلَ) فأصل زَلْزَلَ (ز ل ل) وأصل صرصرَ (ص ر ر) وأصل كبْكَبَ (ك ب ب) وهكذا.

وأول من عُزي إليه القول بهذا الرأي هو الخليل1 وهو أحد رأيين عزيا له في ذلك، وعُزي -أيضاً- إلى جماعة من العلماء؛ منهم: قُطْرُبٌ2 (ت 206هـ) والفراء 3 (ت 207هـ) وابن كيسان4 (ت 299هـ) في أحد قوليه، والزجاج5 (ت 310هـ) وارتضى ابن القطاع (ت 515هـ) هذا المذهب، وأخذ به6. وعلى هذا المذهب يكون (بُغَيبغ) وهو التيس الكبير من الظِّباء:(فُعَيْفِل) و (كِعِنْكِعٍ) للغول: (فِعِنْفِل) و (زَوَنْزَى) للقصير (فَعَنْفَل)7.

وهذا المذهب غير مقبول عند أكثر اللغويين والصرفيين؛ كابن

1 ينظر: أبنية الأسماء والمصادر 11أ، والارتشاف 1/24، والمساعد 4/61، والتصريح 2/360.

2 ينظر: أبنية الأسماء والمصادر (11أ) والارتشاف 1/24، والمساعد 4/61.

3 ينظر: معاني القرآن 3/114.

4 ينظر: أبنية الأسماء والمصادر 12أ، والارتشاف1/24، والمساعد1/61.

5 ينظر: رسالة الملائكة 281، والارتشاف 1/24، والمساعد 1/61.

6 ينظر: أبنية الأسماء والمصادر (12أ) .

7 ينظر: أبنية الأسماء والمصادر (13أ) .

ص: 109

جني1، والمرادي2، الذين جعلوا ذلك بعيداً، وكان ابن عقيل يقول في ذلك:"وأما أن وزن الكلمة (فَعْفَل) فضعيف؛ لأنه بناء مفقود"3.

وعلل السيوطي عدم قبولهم إياه بقوله: "لأنه إن جُعِلَ كلٌّ من المثلين زائداً أدى إلى بناء الكلمة على أقل من ثلاثة، أو أحدُهُما أدى إلى بناءٍ مفقود؛ إذ يصير وزنها على تقدير زيادة أول الكلمة (عَفْعَل) وعلى زيادة الثاني (فَلْعَل) وعلى زيادة الثالث (فَعْفَل) وكلها مفقود"4.

ب ـ فَعَّلَ: وللكوفيين وبعض البصريين توجيه لنحو (زَلْزَلَ) و (صَرْصَرَ) غير ما تقدمَّ ذكره؛ وهو أن الأصل فيهما (زَلَّلَ) و (صَرَّرَ) استُثْقِل، للأمثال الثلاثة؛ فأبدل من الأوسط حرفاً من جنس الحرف الأول من الكلمة. وهم لا يأخذون بذلك على إطلاقه، بل يقصرونه5 على ما كان ثالثه صالحاً للسقوط مع سلامة المعنى؛ نحو (كَبَّه) أي: قَلَبَه، و (كَبْكَبَه) بمعناه، و (كَفَّه) عن الشيء، و (كَفْكَفه) فهو بدل من التضعيف في (كَبَّبه) و (كَفَّفه) . ويقولون-كذلك:(تَغَلْغَلَ) في الشيء، والأصل: تَغَلَّل؛ لأنه من

1 ينظر: الخصائص 2/57.

2 ينظر: شرح المرادي 5/241.

3 المساعد 4/61.

4 همع الهوامع 2/215، 216.

5 ينظر: مجالس ثعلب 2/467، وشرح الكافية الشافية 4/2035، 2036.

ص: 110

الغلل، وهو الماء الجاري بين الشجر؛ فيبدلون من اللام الوسطى غيناً1.

ويقولون في قول الأعشى:

وتَبْرُدُ بَرْدَ رِدَاءِ العَرُو

سِ بالصَّيفِ رَقْرَقْتَ فيه العَبِيرَا 2

إنَّ الأصل في (رقرقت) رَقَّقْتَ؛ لأنه من الرِّقَةِ؛ فأبدل من القاف الوسطى راء.

ويقولون في قول الفرزدق:

موانعُ للأسرار إلَاّ لأهلها

ويُخْلِفْنَ ما ظَنَّ الغَيُورُ المُشَفْشَفُ 3

إن الأصل في: المشفشف: المُشَفَّفُ، من: شَفَّتْه الغيرة، وشَفَّه الحزن. إلَاّ أنه استثقل اجتماع ثلاث فاءات؛ فأبدل من الوسطى شيناً. ومن أوائل من عرف عنه هذا المذهب الخليل إذ قال: "والعرب تشتق في كثير من كلامها أبنية المضاعف من بناء الثّلاثيّ المثقل بحرفي التضعيف

ألا ترى أنهم يقولون: صَلَّ اللِّجامُ يَصِلُّ صليلاً؛ فلو حَكَيْتَ ذلك قلتَ: صَلَّلَ4 تمدّ اللام وتثقّلها، وقد خففتها في الصَّلْصَلَةِ؛ وهما جميعاً صوت اللجام؛ فالثقل مدٌّ، والتضاعف ترجيع يخِفُّ فلا يتمكن؛ لأنه على حرفين؛ فلا يتقدر للتصريف حتى يُضاعفَ، أو يثقَّلَ؛ فيجيء كثير منه متفقاً على ما وصفت لك"5.

1 ينظر: الإنصاف 2/791.

2 ديوانه 145، وينظر: الإنصاف 2/790.

3 ديوانه 383، وينظر: الإنصاف 2/790.

4 في الأصل:صلّ؛ وهو تحريف يفسره السياق.

5 العين 1/56.

ص: 111

ولم يؤثر عن الخليل أنه قال باطِّراد ذلك. ويُعزى رأي الكوفيين - أيضاً - إلى الزجاج1 - في أحد قوليه- إلَاّ أن رأيه بختلف عن رأيهم في أنه لا يقال فيه إن الحرف الثالث مبدل من جنس الأول؛ بل يرى أن ذلك الحرف زائد 2، لا مبدل؛ فيكون وزن (كَبْكَبَ) على رأي الزجاج:(فَعْكَلَ) وهو (فَعَّلَ) على مذهب الكوفيين. ونسبَ ابنُ جني مذهبَ الكوفيين إلى البغداديين 3.

وعزا أبو حَيَّان4ذلك إلى بعض الكوفيين، وذكر أن للفراء فيه قولين؛ أحدهما الذي مر، والآخر: أنه (فَعْفَعَ) كما مرَّ-أيضاً.

ونُسِبَ مثلُ هذا الرأي –أيضاً- إلى سيبويه، وذُكِرَ أنه كان يرى أن وزن (رَبْرَبَ) ونحوه (فَعَّلَ) أصله: رَبَّبَ؛ أبدلت باؤه الوسطى راءً من جنس الحرف الأول في الكلمة، وقد ذكر ذلك أبو حَيَّان5، وتابعه معاصره ابنُ عقيل 6، ولعله تأثر به. ولم أقف في كتاب سيبويه على مثل ذلك؛ بل وقفتُ على ضده؛

1 ينظر: شرح الكافية الشافية 4/2036، وشرح المرادي 5/241، والمساعد= =4/60.

2 ينظر: شرح الكافية الشافية 4/2036.

3 ينظر: سر الصناعة 1/180.

4 ينظر: الارتشاف 1/24.

5 الارتشاف 1/24.

6 ينظر: المساعد 1/61.

ص: 112

وهو أنه يجعل الكلمة رباعية؛ حيث يجعل (الزَّلْزَلَةَ) في باب (الفَعْلَلَة) 1 ثم وجدتُه يقول في موضع آخر: "ولا نعلم في الكلام على مثال فعْلالٍ إلَاّ المضاعف من بنات الأربعة؛ الذي يكون الحرفان الآخران منه بمنزلة الأولين، وليس في حروفه زوائد"2.

وهذا يؤكد أن سيبويه يرى أن نحو (زَلْزَلَ) و (حَثْحَثَ) من باب الرّباعيّ، إلَاّ أن يكون له رأي آخر؛ لم أقف عليه، وكثيراً ما يعزى إلى سيبويه ما يخالف آراءه في الكتاب. وممن أخذ برأي الكوفيين في هذه المسألة: أبو عبيدٍ القاسم بن سلَاّمٍ3 وابن قتيبة الذي قال في باب الإبدال من المشدد: "تَكَمْكَمَ الرجلُ، من الكُمَّةِ؛ وهي القَلَنْسُوَةُ، والأصل: تَكَمَّمَ، وتَمَلْمَلَ على فراشه، والأصل: تمَلَّل من المَلَّةِ؛ وهي الرماد الحارّ، وقال الشاعر:

باتَتْ تُكَرْكِرُهُ الجَنُوبُ

وأصله: تُكَرِّرُهُ؛ من: التكرار"4.

ومنهم ابن دريد في قوله: "وأحسب أن قولهم: رجلٌ هَفْهافٌ؛ إذا كان خفيفاً؛ وإنما كان أصله: هَفَّافٌ؛ فثقل عليهم؛ فَفَصلوا بينهما بهاء"5.

1 الكتاب4/85.

2 الكتاب 4/294.

3 ينظر: الارتشاف1/110، والمساعد 4/61.

4 أدب الكاتب 489.

5 الاشتقاق 230.

ص: 113

ووثمة رأيٌ يعزى للسَّرِيِّ الرَّفَّاء الشاعر (ت366هـ) يوافق رأيهم في أن نحو (زَلْزَلَ) ثلاثي؛ ولكنه يختلف عنهم قليلاً في توجيه ذلك؛ فقد نقل عنه الرَّضي ما نصه: "قال السَّريُّ الرفاء في كتاب: المُحِبِّ والمحبوب: زَلْزَلَ من: زَلَّ؛ كجَلْبَبَ من: جَلَبَ، وكذا نحوه"1.

قال الرَّضيُّ: "يعني أنه كرر اللام للإلحاق؛ فصار: زَلَّل؛ فالتَبَسَ بباب: ذَلَّلَ يُذِلِّلُ تَذْلِيْلاً؛ فأبدَلَ اللامَ الثانيةَ فاءً؛ وهو قريب"2.

وقوله: "فالتبس بباب ذَلَّلَ

" يعني أن زَلَّل يحتمل أن يكون (فَعَّل) مثل: كسَّرَ، أو يكون (فَعْلَلَ) وهو المراد للإلحاق، ولا دليل على ذلك؛ لتشابه حروفه الثلاثة الأخيرة؛ فإن كان (فَعَّلَ) فمصدره (التفعيل) وإن كان (فَعْلَلَ) بالإلحاق، فمصدره (الفَعْلَلَة) و (الفِعْلَال) عند التضعيف؛ فأبدلَ اللامَ الثانيةَ في الكلمة من جنس الأول. وهذا أقرب من توجيه الكوفيين، ولكنه يوافقهم في أن أصل ذلك ونحوِه ثلاثي، وليس رباعياً؛ كما يقول البصريون، ويرِدُ عليه أن فيه الإبدالَ مما ليس من حروف الإبدال؛ كالحاء في: حَثْحَثَ من الثاء في: حَثَّثَ. وإنما الإبدال عندهم يكون فيما تقاربت مخارجه.

وما حكاه الرَّضي عن السَّري الرَّفَّاء يصلح جواباً عن اعتراضٍ قد يرد على الكوفيين في جعلهم نحو (زَلْزَلَ) ثلاثياً على (فَعَّل) بأن يقال: إن ذلك ينافي مصدره؛ وهو (الفَعْلَلَة) و (الفِعْلال) فلو كان (فَعَّل) لقيل في

1 شرح الشافية 1/62.

2 شرح الشافية 1/62، 63.

ص: 114

مصدره بعد الإبدال: زَلْزَلَ يُزَلْزِلُ تَزْلِيلاً، ولم تَقُلِ العربُ ذلك، ولا يكون في قياس كلامها. وجواب ذلك: أن اللام الأخيرة في: زَلْزَلَ زائدة؛ لإلحاق الثّلاثي بالرّباعيّ؛ فجاء مصدره على قياس الرّباعيّ.

وإن قيل: إنَّ جعلَ اللام الأخيرةِ زائدةً يؤدي إلى أن يكون أصل (زَلَزَلَ)(ز ل ز) لا (ز ل ل) قيل: إن الزاي الأخيرة مبدَلَة عن لامٍ؛ فأصلها (ز ل ل) .

ومن هؤلاءِ - أيضاً - أبو إبراهيم إسحاق الفارابي (ت350هـ) إذ يرى أن (سَلْسَلَ) ونحوه ثلاثي، والإبدالُ عنده ليس لثقل التضعيف بل للتفريق1 بين (فَعَّلَ) و (فَعْلَلَ) ولعله يريد التفريق بينهما في المصدر؛ أي أنه يأتي في هذا النوع على (فَعْلَلَ) وليس (فَعَّلَ) فيكون ثمَّةَ تشابهٌ بين رأيه ورأي السَّريّ الرَّفَّاءِ. وهو يعلل اختيارهم في الإبدال حرفاً موافقاً للحرف الأول من الكلمة؛ بقوله في إبدال السين من اللام في (سَلْسَلَ) :"وإنما أبدلت سيناً؛ دون سائر الحروف؛ لأنه ليس فيه إلَاّ سين ولام مضعفة؛ فجعلوا السين سينين؛ فاعتدل الحرف؛ سين مرتين، ولام مرتين، وكذلك سائر هذا الباب"2.

ومنهم الجوهري (ت 393هـ) حيث ذكر أن أصل (خَبْخَبُوا)

1 ينظر: ديوان الأدب 3/115.

2 ديوان الأدب 3/115.

ص: 115

بمعنى أبردوا: خَبَّبُوا، بثلاث باءات، وذكر العلة 1 التي ذكرها خاله الفارابي. واختار بدر الدين بن مالك (ت 686هـ) مذهب الكوفيين، فيما دلّ الاشتقاق على زيادته بقوله: "

إلَاّ أن يدلّ الاشتقاق على الزيادة؛ كـ (لَمْلِمْ) أمرٌ من (لَمْلَمَ) فإنه مأخوذ من (لَمْلَمْتُ) وأصله: لَمَّمْتُ؛ بزيادة مثل العين، ثم أبدل من ثاني الأمثال مثل الفاء؛ كراهية تواليها؛ فصار: لَمْلَمَ؛ وهذا أولى من جعله ثنائياً مكرراً، موافقاً في المعنى للثلاثي المضاعف"2.

ويوافق بدرُ الدين البصريينَ فيما لم يدل الاشتقاق فيه على الزيادة؛ كـ (سِمْسِمٍ) فإنه يحكم فيه بأصالة المكرّرَين؛ لأن أصالة أحدهما واجبة تكميلاً لأقل الأصول، وليس أصالة أحدهما بأولى من أصالة الآخر؛ فحُكم بأصالتهما معاً. وثَمَّ مصطلح لضربٍ من الثّلاثيّ - وهو معتل اللام - يرد استخدامه عند بعض الكوفيين؛ لا يخلو من إيهامٍ لمن لم يقف على حقيقته؛ وهو مصطلح (ذوات الأربعة) أو (أولاد الأربعة) . فقد عقد ابن السِّكِّيت باباً بعنوان (مما يقال بالياء والواو من ذوات

1 ينظر: الصحاح (خبب) 1/118، وفيه أنه للفرق بين (فعللل) و (فعّل) وهو تحريف صوابه (فعلل) و (فعّل) كما في ديوان الأدب 3/115، واللسان (خبب) 1/344.

2 شرح ابن الناظم 828.

ص: 116

الأربعة) 1.

ومما جاء في هذا الباب قولهم: حَكَوْتُ عنه الكلام؛ أي: حَكَيْتُ، ويقال: طَمَا الماءُ يَطْمي. ونحو ذلك. وجميع ما ذكر فيه من الثّلاثيّ؛ وليس من الرّباعيّ؛ كما أوهم العنوان.

ومن ثَمَّ تصدر التبريزي لشرح مراد ابن السِّكِّيت - وكلامه خير ما يوضح به هذا المصطلح- فقال: "ترجم هذا الباب بأنه من بنات الأربعة، والباب الذي قبله بابه من ذوات الثلاثة، وكلا البابين من ذوات الثلاثة؛ لأنّ: غارَ، وحَكَى؛ بابهما واحدٌ، إلَاّ أنَّه سلك في هذا طريقة الكوفيين؛ وذلك أنهم يقولون لما كان معتل العين من الأفعال: هو من بنات الثلاثة، وذوات الثلاثة. ولِمَا كان معتل اللام هو من بنات الأربعة لا يردُّونه إلى الأصل؛ بل يحملونه على الظاهر؛ وذلك أنَّ: غار؛ إذا رددتَ الفعل إلى نفسك قلتَ: غُرْتُ، فيكون على ثلاثة أحرف. و (حَكَى) إذا رددتَه إلى نفسك قلتَ: حَكَيْتُ؛ فيكون على أربعة أحرف؛ فلأجل هذا ترجم هذا الباب ببنات الأربعة؛ وما قبله ببنات الثلاثة"2.

وللقاسِمِ المُؤَدِّبِ 3 تعليلان في ذلك، قال "وإنما سمى: أولاد

1 ينظر: إصلاح المنطق 138.

2 تهذيب إصلاح المنطق1/357،358.

3 هو: القاسم بن محمد بن سعيد المؤدب، من علماء اللغة في القرن الرابع، صاحب كتاب (دقائق التصريف) لا تعرف له ترجمة. ينظر: مقدمة محققي كتابه (دقائق التصريف)8.

ص: 117

الأربعة؛ لوقوع الحرف المعتل رابعَ الحروف من غابرِه 1، نحو: يَدْعو، ويَبْكي. وقيل: بل سمي:أولادَ الأربعة؛ لاستواء حروفه بحروفِ: فَعَلْتُ، مع اعتلال موضع اللام منه. وأهل البصرة يسمون هذا الباب ثلاثياً؛ لأنهم يعتبرون فيه البناء"2.

ثانياً- الأصول الرّباعيّة:

الرّباعيّ عند البصريين، ومن تابعهم؛ من جمهور اللغويين والصرفيين القدامى3: أحد أصول كلام العرب المتصَرِّف، ويكون في الأسماء والأفعال؛ نحو:(جَعفرٍ) و (دَحْرَجَ) . وذكروا أنه أقلُّ من الثّلاثيّ؛ لثقله بالحرف الرابع. والأبنية الممكنة –عقلاً- للرباعي في الأسماء ثمانية وأربعون بناءً؛ وذلك بضرب حركات الفاء الثلاثة، في أحوال العين الأربعة في حركات

1 يعني: المضارع.

2 دقائق التصريف 292.

3 ينظر: العين1/48، 49، والكتاب4/230، والأصول3/179، والتكملة للفارسي229، والمنصف 1/24،25، وديوان الأدب1/76،77، والتبصرة والتذكرة2/743،783، والوجيز في علم التصريف27،28، وأبنية الأسماء والمصادر 3ب، ونزهة الطرف للميداني5،8، وشرح الملوكي لابن يعيش 30، والتسهيل290، 291، والارتشاف1/17،30، وغير ذلك.

ص: 118

اللام الأولى، وقد تخلّف معظمها؛ لالتقاء الساكنين، أو للثقل، أو لتوالي أربع متحركات1. ويكادون يُجْمِعون2 على أنَّ أبنيةَ الرّباعيّ المستعملةَ خمسة؛ وهي:

(فَعْلَل) نحوُ (جَعْفَرٍ) .

(فِعْلِل) نحوُ (زِبْرِجٍ) .

(فُعْلُل) نحوُ (بُرْثُنٍ) .

(فِعْلَل) نحوُ (ضِفْدَعٍ) .

(فِعَلّ) نحوُ (فِطَحْلٍ) وهو دهرٌ لم يُخْلَقِ الناسُ فيه بعدُ.

وأثبت الكوفيون والأخفش بناءً سادساً؛ وهو (فُعْلَل) 3 بضم الفاء وفتح اللام؛ نحو (جُخْدَبٍ) و (جُؤْذَرٍ) وأنكره البصريون، وعدوه متفرعاً من (فُعْلُلٍ) إذ الفتح أخف من الضم؛ فهو ليس بناءً مستقلاً؛ ودليلهم أنَّ كل مفتوح اللام ورد فيه الضم دون العكس؛ إذ جاء

1 ينظر: تصريف الأسماء 22.

2 ينظر: المقتضب1/66، والمنصف1/24،25، والمقتصد في شرح التكملة2/768، وشرح الشافية للرَّضي 1/47.

3 ينظر: شرح السيرافي5/770، 6/5، والتبصرة2/784، والمقتصد في شرح التكملة2/768.

ص: 119

مضموم اللام؛ ولم يُسمع فيه الفتح؛ مثل (بُرْجُدٍ) وهو: كساء مخطط، و (عُرْمُطٍ) وهو: شجر بالبادية، وغيره 1.

نعم؛ وليس جعل الرّباعيّ أصلاً من الأصول محل اتفاق بين القدامى؛ فجمهور الكوفيين يخرجون من الأصول ما زاد على الثلاثة 2، ووافقه على ذلك بصري متقدم؛ وهو أبو زيد الأنصاري، فيما حُكِيَ عنه. قال ابن دريد: "أملى علينا أبو حاتم قال: قال أبو زيد: ما بني عليه الكلام ثلاثة أحرف؛ فما زاد ردوه إلى ثلاثة، وما نقص رفعوه إلى ثلاثة؛ مثل: أَبٍ، وأخٍ، ودمٍ، وفمٍ، ويدٍ

"3.

قال ابن دريدٍ: "لا أدري ما معنى قوله: فما زاد ردوه إلى ثلاثة؛ وهكذا أملاه علينا أبو حاتم؛ عن أبي زيد، ولا أغيره"4.

وظاهر نصه أنه موافق لمذهب الكوفيين؛ في ردهم الأصول إلى الثلاثة فحسب، أما تردد ابن دريد في فهم معنى قول أبي زيد "فما زاد ردوه إلى ثلاثة" فمردود - عندي - إلى أن مذهب الكوفيين في أصول ما زاد على الثلاثة كان مغموراً، ولعل أبا البركات الأنباري هو الذي أسهم في نشر مذهبهم في ذلك. ومذهبهم أن كلَّ ما زاد على ثلاثة أحرف من الأسماء أو الأفعال

1 ينظر: تصريف الأسماء 23، 24.

2 ينظر: الإنصاف2/793، وشرح المفصل لابن يعيش6/112، وشرح الشافية للرضي1/47، والممتع1/311، والتصريح2/358.

3 الجمهرة 3/1306، وينظر: المزهر2/317.

4 الجمهرة 3/1306، وينظر: المزهر2/317.

ص: 120

ففيه زيادة؛ فإن كان على أربعة أحرفٍ؛ نحو (ضِفْدَعٍ) و (جعفرٍ) فالزائد فيه حرف؛ وإن كان على خمسة أحرفٍ؛ نحو (سَفَرْجَل) ففيه زيادة حرفين. ثم اختلفوا في تحديد الزائد، وكيفية وزن الكلمة، بأن انقسموا ثلاثة مذاهب:

الأول: مذهب الكسائي1 وهو أن الزائد هو الحرف الذي قبل الأخير؛ أي: الفاء في (جعفرٍ والدال في (ضِفْدَع) .

الثاني: مذهب الفراء2 وهو أن الزائد هو الحرف الأخير؛ فيكون الزائد عنده الراء في (جعفر) والعين في (ضفدع) . وذهب الفراء 3 إلى أن الزائد في الخماسيّ الحرفان الأخيران.

ولم أقف على ما يحدد الزائد في الخماسيّ عند الكسائي، وبالقياس على مذهبه في الرّباعيّ فإن الزائد الحرفان السابقان الحرفَ الأخيرَ؛ وهما: الراء والجيم في (سَفَرْجَل) .

الثالث: أنَّ ما زاد على ثلاثة أحرف لا يوزن؛ لأنه لا يُدرى كيفية وزنه4!!

واحتج الكوفيون لقولهم: إن نهاية الأصول ثلاثة، وما زاد عليها

1 ينظر: الإنصاف2/793، وشرح الشافية للرضي 1/47، والممتع311.

2 ينظر: الإنصاف2/793، وشرح المفصل6/112، والممتع1/311، والتصريح2/358.

3 ينظر: الإنصاف 2/793، وشرح الشافية للرضي1/47.

4 ينظر: الممتع1/312، والتصريح2/358.

ص: 121

فزائد، بأن قالوا:"إنما قلنا ذلك لأنا أجمعنا على أنَّ وزن جعفرٍ (فَعْلَلٍ) ووزن سفرجلٍ (فَعَلَّلٍ) وقد علمنا أن أصل (فَعْلَل) و (فَعَلَّل) فاء وعين ولام واحدةٌ، فقد علمنا أنَّ إحدى اللامين في وزن: جَعْفَرٍ زائدةٌ، واللامان في وزن سَفَرْجَلٍ زائدتان، فدلَّ على أنَّ في جعفرٍ حرفاً زائداً من حرفيه الأخيرين، وأنَّ في سفرجلٍ حرفين زائدين؛ على ما بيَّنَّا"1. وما احتجوا به غيرُ سديدٍ من وجوه:

أحدها2: أنَّ الحكم بزيادة الحرف لا يكون إلَاّ بدليل من الأدلة التي يعرف بها الزائد؛ كالاشتقاق والتصريف وعدم النظير، ولا شيءَ من ذلك حاصلٌ في (جعفرٍ أو (سَفَرْجَلٍ) فالقضاء بالزيادة فيهما ليس له أدنى دليل.

ثانيها: أنَّ تكرير اللام في نحو (فَعْلَل) و (فَعَلَّل) إنما وقع لأن الميزان الذي تم اختياره؛ وهو (فعل) على ثلاثة أصول؛ وهو يناسب أكثر الأصول شيوعاً؛ وهو الثّلاثيّ؛ فإن زادت الأصول على الثلاثة كُرِّرتِ اللام دون الفاء والعين؛ لأنه لما لم يكن بدٌّ في الوزن من زيادة حرف بعد اللام، أو تغيير الكلمة الموزونُ بها بكلمة رباعية؛ كـ (دَحْرَجَ) لوزن الرّباعيّ، وكلمةٍ خماسيةٍ؛ كـ (سَفَرْجَلٍ) لوزن الخماسيّ فتختلف الموازين فاختاروا الأول؛ وهو زيادة حرفٍ بعد اللام؛ ليكون الميزان موحّداً؛ فلم يكن بدٌّ من تكرير حرفٍ في (فَعَلَ) من جنس أحد حروفه

1 الإنصاف2/793.

2 ينظر: الممتع 1/311،312.

ص: 122

الثلاثة؛ فاختاروا اللام لقربها للحرف الأخير، ولبعد الفاء والعين عنه، وكرروا اللام مرتين في الخماسيّ. وإن كان في الكلمة حرف زائد أظهروه في الميزان؛ فوزنوا لفظ (كاتِبٍ) بـ فَاعِلٍ، و (صَيْقَلٍ) بـ (فَيْعَلٍ) ، و (زُرْقُمٍ) بـ (فُعْلُمٍ) ؛ لتمييز الأصول من الزوائد، وهذا ممَّا يدلُّ على أنَّ مثل (جَعْفَرٍ) رباعي.

ولذا؛ فإن صحَّ ما ذهب إليه الكوفيون في أنَّ (جَعْفَراً و (سفرجلاً) ونحوهما ثلاثيان زِيدَ فيهما، وجبَ –على ما تقدَّم- أن يكون وزنهما (فَعْفَلا) و (فَعَرْجَلا) على مذهب الكسائي، و (فَعْلَرا) و (فَعَلْجَلا) على مذهب الفراء. ومن الكوفيين من ذهب هذا المذهب1؛ فوزن الرّباعيّ؛ نحو (جعفرٍ) بـ (فَعْلَرٍ) والخماسيّ؛ نحو (فَرَزْدَقٍ) بـ (فَعَلْدَقٍ) ونحو ذلك.

وثالثها: ما ذكره سيبويه في رده على من زعم أنَّ الرَّاء في (جعفرٍ) زائدة أو الفاء، ونحو ذلك؛ بقوله:"فإذا قال هذا النحوَ جعل الحروفَ غيرَ الزوائدِ زوائدَ، وقال ما لا يقوله أحد".2

ورابعُ ما يُضْعِفُ رأيَ الكوفيين: أنَّه يرد عليهم ما لا يستطيعون أن يزعموا أنَّ فيه زيادةً؛ وذلك المنحوت من كلمتين؛ نحو (عَبْشَمِيٌّ) و (عَبْقَسِيٌّ) من الكلمات الرّباعيّة المسلَّم بأصالة حروفها الأربعة؛ لأنها نحتت من كلمتين ثلاثيتين؛ حروفهما جميعاً أصول، وكذلك (شَقَحْطَب)

1 ينظر: الممتع1/312.

2 الكتاب4/328.

ص: 123

من الخماسيّ؛ إن صحَّ نَّه منحوت من (شِقٍّ) و (حَطَبٍ)1.

وانفرد أحمد بن فارس بطريقة خاصة - فيما زاد عن الثّلاثيّ؛ وهو الرّباعيّ والخماسيّ عند البصريين- التزمها في معجمه (مقاييس اللغة) ومؤدَّاها أنه لا يعتد بما زاد عن الثّلاثيّ في الأصول؛ فهو يردُّ ما زاد عن الثلاثة إلى الثّلاثيّ، بعرض الأصول الرّباعيّة أو الخماسيّة على ما قاربها من الأصول الثّلاثيّة، ورَدَّها إلى ذلك بإحدى طريقتين، وهما:

1-

أن تكون منحوتةً2.

2-

أن تكون مزيدةً3.

وإن بقي شيءٌ خفيَ اشتقاقه، وتعسرت إعادته إلى الثّلاثيّ بإحدى هاتين الطريقين، خرَّجه على أنَّه مما وُضع وضعاً4.

ومثال الطريقة الأولى عنده –وهي النحت- قوله 5: إنَّ البَعْثَقَةَ؛ وهي خروج الماء من الحوض، منحوتةٌ من كلمتين:(بَعَقَ و (بَثَقَ والأولى بمعنى شقَّ الشيء وفتحه، والثانية بمعنى التَّفتّح في الماء وغيره. وقوله 6:إنَّ (بَلْهَسَ) إذا أسرع منحوت من (بَهَسَ) و (بَلِهَ) وهو صفة الإبل.

1 ينظر: الاشتقاق لعبد الله أمين 410.

2 ينظر: المقاييس 1/332، 2/248،336،509، 3/52.

3 ينظر: المقاييس 1/328،403،505، 2/143،248،509.

4 المقاييس 1/335،512، 2/253، 3/54.

5 المقاييس 1/330.

6 المقاييس 1/231.

ص: 124

وقد أحصيتُ ما في (مقاييس اللغة) مما زاد فيه على الثلاثة، ونصَّ ابن فارس على الزيادة فيه فألفيتُ عدته تسعاً وثلاثين ومائتي كلمة رباعيةٍ وأن فيه عشر كلمات خماسيةٍ، قال بزيادة حرفين في كل منها. وتلك الزيادات موزعة على الكلمة من أولها إلى آخرها؛ على النحو التالي:

ما وقعت الزيادة في أوله (فائه) وعدته تسع وثلاثون كلمة1.

ومن أمثلة ذلك قوله: "البَحْظَلَةُ: قالوا: أن يقفِزَ الرَّجلُ قفز اليَرْبُوع؛ فالباء زائدةٌ"2.

وقوله: "الحِبْجَرُ: وهو الوَتَرُ الغليظ

والحاء فيه زائدة، وإنما الأصل الباء والجيم والراء"3.

وقوله: "العَمَلَّطُ: الشديد من الرجال

وهذا مما زيدَ فيه العينُ"4.

ما وقعت الزيادة في ثانيه (عينه) وعدته ثلاث وثمانون كلمةً5، ومنه قوله "البِرْشاعُ: الذي لا فؤاد له، فالراء زائدة، وإنما

1 المقاييس 1/332، 233، 334، 363، 508، 511، 2/114، 145، 338، 339، 340، 341، 3/54، 4/358، 360، 362، 363، 364، 365، 369، 370، 514، 5/118، 165، 483، 6/72.

2 المقاييس 1/332.

3 المقاييس 2/144.

4 المقاييس 4/368، 369.

5 المقاييس 1/332، 333، 334، 335، 508، 509، 510، 511، 512، 2/145، 251، 252، 337، 339، 340، 341، 3/52، 53، 55، 158؛ 159، 160، 172، 273، 350، 351، 352، 402، 457، 458، 459، 4/357، 358، 359، 361، 362، 363، 366، 365، 368، 370، 371، 372، 513، 5/116، 117، 118، 193، 194، 5/71،72.

ص: 125

هو من الباء والشين والعين"1.

وقوله: "الشُّرْسُوف

وهي مَقَاطُّ الأضلاع؛ حيث يكون الغُضْرُوف الدَقيق؛ فالراء في ذلك زائدة، وإنما هو: شَسَفَ"2.

وقوله: "العَمَيْثَلُ: الضخم الثقيل

وهذا مما زيدت فيه الميم، والأصل:عَثَلَ"3.

ج- ما وقعت الزيادة في ثالثه (لامه الأولى) وعدته سبع وخمسون كلمةً 4. فمن ذلك قوله: "الثَّعْلَبُ: مخرج الماء من الجَرِين؛ فهذا مأخوذ من: ثَعَبَ؛ اللام فيه زائدةٌ"5.

وقوله: "الخُذْرُوفُ: وهو السريع في جريه، والراء فيه زائدة"6.

وقوله: "العُبْسُورَةُ والعُبْسُرَةُ: الناقة السريعة

والسين في ذلك

1 المقاييس 1/332.

2 المقاييس 3/273.

3 المقاييس 4/371.

4 المقاييس 1/403، 509، 2/144، 136، 248، 250، 251، 252، 253، 337، 339، 340، 509، 510، 3/54، 159، 160، 272، 273، 350، 351، 352، 402، 457، 458، 4/371، 372، 430، 431، 357، 359، 362، 363، 367، 368، 5/116، 6/71، 72.

5 المقاييس 1/403.

6 المقاييس 2/252.

ص: 126

زائدة"1.

د-ما وقعت الزيادة في رابعه (لامه الثانية) وعدته ستون كلمة 2.

فمثاله قوله: "ومن ذلك قولهم للقصير: جَعْبَرٌ

وتكون الراء زائدة"3.

وقوله: "الخَدَلَّجَةُ: وهي الممتلئة الساقين والذراعين، والجيم زائدة، وإنما هو من الخدالة"4.

وقوله: "بعير قُرَامِلٌ عظيمُ الخَلْقِ؛ وهذا مما زيدت لامه، وأصله القَرْمُ"5.

ويلَخِّصُ الجدول التالي الزوائدَ في كل موقع من الرّباعيّ عند ابنِ فارس:

موقع الزيادة

الحرف الأول

الحرف الثاني

الحرف الثالث

الحرف الرابع

العدد

39

83

57

60

النسبة

16.31%

34.72%

23.84%

25.10%

1 المقاييس 4/367، 368.

2 المقاييس 1/329، 332، 333، 334، 509، 2/143، 144، 145، 146، 248، 249، 510، 511، 3/52، 54، 160، 274، 349، 351، 401، 402، 457، 458، 359، 360، 362، 363، 365، 370، 373، 4/513، 514، 5/117، 118، 193، 483، 484، 6/71، 72.

3 المقاييس 1/510.

4 المقاييس 2/248.

5 المقاييس 5/118.

ص: 127

ويفهم من هذا الجدول أنَّ الثاني هو أكثر المواقع زيادةً عند ابن فارس، أما أقلها زيادةً فهو الحرف الأول. ومن أمثلة الخماسيّ –وهو قليل عند ابن فارس- قوله:"الشَّمَرْدَلُ، وهو الرجل الخفيف في أمره، ويقال: الفتي القوي من الإبل، وأيُّ ذلك كان؛ فهو من: شَمَرَ"10

وقوله: "القَلَهْذَمُ: يقال هو صفة للماء الكثير؛ وهذا مما زيدت فيه اللام والهاء؛ وهو من القذْمِ؛ وهو الكثرة"2.

وقوله: "العَنْتَرِيسُ: الناقة الوثيقة، وقد يوصف به الفرس

وهذا كله مما زيدت فيه التاء

والنون –أيضاً- زائدة"3.

ومن أهمِّ ما يلحظ في زوائد ابن فارس أنه لا يقصرُها على حروف الزيادة؛ بل كل الحروف –تقريباً- تقع عنده زائدة. وسيأتي تفصيل ذلك في الكلام على حروف الزيادة - إن شاء الله -.

ومن ذلك أنَّه ذكر في باب (ما زاد على الثلاثة) كلماتٍ ليست منه؛ بل هي ثلاثيةٌ؛ كـ (الشَّوْقَبِ) 4 و (الزُّعْرُور) 5 و (العَيْهَرَةِ)

1 المقاييس 3/274.

2 المقاييس 5/116.

3 المقاييس 4/366.

4 المقاييس 3/272.

5 المقاييس 3/53.

6 المقاييس 4/357.

ص: 128

وهي (ش ق ب) و (ز ع ر) و (ع هـ ر) .

أما النوع الثالث مما زاد على الثلاثة؛ وهو عند ابن فارس (ما وُضِعَ وضعاً) بحيث لا يعرف اشتقاقه؛ فذكر1 منه (البَهْصَلَةَ) وهي المرأة القصيرة، و (البَحْزَجَ) وهو ولد البقرة، و (بَرْشَمَ) الرجل إذا وَجَمَ. وقد اعتاد ابن فارس أن يذيِّل بهذا النوع كل باب - تقريباً - من أبواب ما زاد على الثلاثة.

على أنه كان متردداً في أمره؛ فلم يجزم به؛ بل يشير - في كثير من الأحيان - إلى تردده كقوله: "ومما وُضعَ وضعاً، وقد يجوز أن يكون عند غيرنا مشتقاً"2.وقولِه: "ولا أظن له قياساً"3 وقولِه: "ولعل له قياساً لا نعلمه"4.

وربما شك ابن فارس في صحة النقل عن العرب؛ كقوله: "وكل الذي ذكرناه مما لا قياس له، وكأنَّ النفس شاكّةٌ في صحته، وإن كنَّا سمعناه"5.

ويلخّص ابن فارس الطرق الثلاث؛ التي اعتمدها فيما زاد على الثَّلاثة في قوله: "وسبيل هذا سبيل ما مضى ذكره؛ فبعضه مشتق ظاهر الاشتقاق، وبعضه منحوت بادي النحت، وبعضه موضوع وضعاً، على

1 المقاييس 1/335.

2 المقاييس 2/253.

3 المقاييس 3/402.

4 المقاييس 4/514.

5 المقاييس 3/459.

ص: 129

عادة العرب في مثله"1.

هذا مذهب ابن فارس فيما زاد على الثلاثة من الأصول، وهو مذهب تفردَّ به؛ وإن كان فرعاً على مسلك الكوفيين؛ لا سيما في الزوائد؛ على أنَّ له فيه مذهباً خاصاً؛ فهو يخالف الكسائي والفراء في عدم تقيده بموقع الزائد؛ فقد يكون هذا الزائد في آخر الكلمة؛ كما قال الفراء، وقد يكون في الحرف الذي قبل الأخير؛ كما قال الكسائي، وقد يكون في غير ذلك، كأن يكون في أول الكلمة، أو في ثانيها، أو في ثالثها في الخماسيّ. ومذهب ابن فارس في الزوائد يحتاج إلى دراسة تحليلية موسعة ليس هذا مكانها.

وأما مذهب البصريين في عدّ الرّباعيّ أصلاً من الأصول –فهو المذهب الصحيح الذي يؤيده الاشتقاق والتصريف؛ وهو المذهب الذي كتب له الانتشار والاستمرار. وما احتجّ به الكوفيون لنفي الأصول الرّباعيّة ضعيف لا يعوَّل عليه.

وثمة تفصيل في الرّباعيّ؛ فمنه ما اختلفت أحرفه الأربعة؛ وهو الكثير؛ نحو: جعفرٍ، ودَحْرَجَ، وأمرُ هذا النوع واضح، ومن الرّباعيّ نوع تكرر بعض حروفه؛ فمنه ما تكرر فيه حرف واحدٌ، ومنه ما تكرر فيه حرفان، وفيما يلي تفصيل ذلك:

1 المقاييس 2/253.

ص: 130

أوَّلاً: ما تكرَّرَ فيه حرف واحد؛ وفيه تفصيل:

أ- ما ماثلَ أولُه ثانيه: مع اختلاف الثالث والرابع؛ نحو (دَيْدَبُونٍ) في قول الشاعر:

خَلّوا طَرِيقَ الدَّيْدَبُونِ وقد

فاتَ الصِّبَا وتُنُوزِعَ الفَخْرُ1

أي: اللهو أو الباطل، وهو رباعي2؛ وأصوله (د د ب ن) ووزنه (فَيْعَلُول) .

ومثله (زَيْزَفُونٌ) وهي الناقة السريعة؛ في قول أمَيَّة بن أبي عائذ:

مَطَارِيحَ بالوَعْثِ مَرَّ الحُشُو

رِ هاجَرْنَ رَمَّاحَةً زَيْزَفُونَا 3

وهو رباعي4؛ وأصوله (ز ز ف ن) ووزنه (فَيْعَلُول) .

وثمة تداخل أصول في هذه الكلمة بين الثّلاثيّ والرّباعيّ، وقد كان ابن جني متردداً في أصولها؛ فقال مرةً: إنها رباعية5، وأظهر تردده في موضع آخر؛ فقال:(وهي في ظاهر الأمر: (فَيْفَعُول) من (الزَّفَنِ) لأنه ضرب من الحركة مع صوتٍ. وقد يجوز أن يكون: زيزفونٌ رباعياً قريباً من لفظ الزَّفنِ، ومثله من الرّباعيّ: دَيْدَبُون) 6.

1 ينظر: الخصائص2/22، واللسان (د د ن) 13/152.

2 ينظر: الخصائص 2/22.

3 ينظر: شرح أشعار الهذليين2/519، والخصائص3/215.

4 ينظر: الخصائص 2/58.

5 ينظر: الخصائص 2/58.

6 الخصائص3/216.

ص: 131

وجعله السيرافي1 ثلاثياً من الزَّفنِ، ورجَّح ابن عصفور2 كونَه رباعياً.

ب - ما ماثل أولُه ثالثَه؛ مع اختلاف الثاني والرابع؛ نحو (قَرْقَلٍ) وهو قميص للنساء، و (جَرْجَمَ) إذا شرب الشراب، و (فَرْفَخٍ) وهو نبات الرِّجْلَةِ، و (زَهْزَقَ) إذا أكثرَ الضحك، و (القَرْقَمَةِ) وهي ثياب كتان بيض؛ فحروفه الأربعة أصول3، ولا يجوز أن يقال: إن وزنه (فَعْفَل) .

ج- ما ماثل أولُه رابعَه: مع اختلاف ثانيه وثالثه؛ نحو (قُرْبَقٍ) وهو دكَّان البقال، و (صَعْفَصَةٍ) وهو نوع من اللحوم يطبخ بخل، و (سَعْلُوسٍ) وهو موضعٌ؛ وذلك ونحوه حروفه الأربعة أصول4،ولا يجوز أن يقال: إن وزنه (فَعْلَف) .

د - ماثل ثانيه رابعَه؛ فمن ذلك (قِسْطَاسٌ) و (شَعَلَّعٌ) وهو الطويل، و (الهَزَنْبَزُ) و (الهَزَنْبَزَانُ) وهو الحديد الوثاب من الرِّجال؛ وهو رباعي5.

ثانياً: ما تكرر فيه حرفان:

ومثاله (زَلْزَلَ) وهذا النوع من أكثر الأصول مَدْعاةً للتداخل، وجملة القول في مذاهبهم فيه ما يلي:

1-

إنه ثنائيٌّ؛ ووزنه (فَعْفَع) .

1 ينظر: الممتع 1/138.

2 ينظر: الممتع 1/138.

3 ينظر: الخصائص2/57.

4 ينظر: الخصائص 2/58.

5 ينظر: الخصائص 2/58.

ص: 132

2-

إنه ثلاثي؛ ووزنه (فَعَّل) أو (فَعْفَل) .

3-

إنَّه رباعي؛ ووزنه (فَعْلَل) .

وقد مرَّ بنا ما يتصل بالثّنائيّ والثّلاثيّ، وفيما يلي تفصيل المذهب الثالث المتصل بالرّباعيّ؛ وهو أوسع المذاهب فيه انتشاراً بين اللغويين؛ وهو المشهور 1؛ وهو مذهب البصريين.

ومن أقدم من قال به سيبويه؛ حيث قال: "ولا نعلم في الكلام على مثال (فَعْلال) إلَاّ المضاعف من بنات الأربعة؛ الذي يكون الحرفان الآخران منه بمنزلة الأولين؛ وليس حروفه زوائد

ولا نعلم المضاعف جاء مكسور الأول إلَاّ في المصدر، نحو: الزِّلزال "2.

وأخذ به المبرد في قوله: "وليست الثُّرَّةُ عند النحويين البصريين من لفظ الثَّرْثَارَةِ، ولكنها في معناها"3. ونقل ابن عقيل أن المبرد سامح فيه ورجَّح أن يكون رباعياً4.

ومنهم المازني5 الذي جعل ذلك رباعياً. ومنهم أبو علي الفارسي6، وذكره في باب الفعل الرّباعيّ؛ نحو (قَلْقَلْتُه) و (زَلْزَلْتُه) فجعله رباعياً مضاعفاً.

1 ينظر: لحن العامة للزبيدي 124.

2 الكتاب4/294، 295.

3 الكامل 1/8، 9.

4 ينظر: المساعد4/61.

5 ينظر: المنصف2/178.

6 ينظر: التكملة 220.

ص: 133

وكان أبو عليٍّ يرى أن مذهب القائلين بالإبدال فيه ليس بسديد؛ لتباعد حروفه؛ فقد ذكر ابن جني رأي من قال: إنَّ (حَثْحَثَ) أصله: حثَّثَ؛ بإبدال الثاء الوسطى حاءً؛ بقوله: "وسألتُ أبا عليٍّ عن فساده؛ فقال: العلة في فساده أن أصل القلب في الحروف إنما هو فيما تقارب منها؛ وذلك: الدال والطاء والتاء، والذال والظاء والثاء، والهاء والهمزة، والميم والنون، وغير ذلك مما تداخلت مخارجه.

فأما الحاء فبعيدة من الثاء، وبينهما تفاوت يمنع قلب إحداهما إلى أختها؛ قال: وإنما حَثْحَثَ أصل رباعي، وحَثَّثَ أصل ثلاثي؛ وليس واحد منهما من لفظ صاحبه، إلَاّ أنّ حَثْحَثَ من مضاعف الأربعة، وحَثَّثَ من مضاعف الثلاثة، فلما تضارعا بالتضعيف الذي فيهما اشتبه على بعض الناس أمرهما؛ وهذا هو حقيقة مذهبنا

هذا هو الصواب"1.

وقد تبنى ابنُ جني رأيَ البصريين ممثلاً في رأي شيخه الفارسي حتى أمسى من أشدِّ المتمسكين به، ومن أكثرهم ترديداً له في كثير من كتبه؛ كـ (المنصِفِ) و (سِرِّ صناعة الإعراب) و (الخصائص) و (المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة) .

ومن ذلك قوله ردًّا على أبي إسحاق الزجاج، وهو بصري خرج عن جماعته في هذه المسألة: "وذهب أبو إسحاق في نحو: قَلْقَلَ، وصَلْصَلَ، وجَرْجَرَ، وقَرْقَرٍ، إلى أنه (فَعْفَلَ) وأن الكلمة لذلك ثلاثية

وذهب إلى مذهب شاذٍ غريبٍ في أصلٍ منقادٍ عجيبٍ، ألا ترى

1 سر الصناعة 1/180، 181.

ص: 134

إلى كثرته

وهذا باب واسع جداً، ونظائره كثيرة؛ فارتكب أبو إسحاق مركباً وعراً، وسحب فيه عدداً جماً، وفي هذا إقدام وتَعَجْرُفٌ"1.

وقوله: "وهذا عند حُذَّاق أهل التصريف مُحال"2.

وقوله في موضع آخر: "على أن أبا بكرٍ محمد بن السَّري قد كان تابع الكوفيين، وقال في هذا بقولهم. وإنما هذه أصول تقاربت ألفاظها، وتوافقت معانيها"3. وقوله نحواً من ذلك في (المنصف) 4.

ومما يقوي مذهب البصريين في أنَّ هذا النوع رباعي، وليس ثلاثياً أو ثنائياً ما أشير إلى بعضه من قبلُ؛ وهو كما يلي:

1-

قولهم في مصدره (فَعْلَلَة) و (فِعْلال) كـ (الزَّلزلة) والزِّلزال (فلو كان ثلاثياً مضعَّفاً لجاء مصدره على (التَّفعيل) كـ (كسَّر تكسيراً.

2-

يؤدّي رأي من قال بإبدال الثالث من جنس الأول للثقل إلى الإدعاء بوقوع الإبدال من حروفٍ غير متقاربة المخارج؛ لا يقع بينها الإبدال في العادة؛ كالحاء والثاء في (حَثْحَثَ) والكاف والباء في (كبكب) . بل إن سبيلهم؛ إذا استثقلوا التضعيف، غير ذلك؛ وهو فك التضعيف بإبداله بحرف العلة؛ كقولهم في: تَظَنَّنْتُ: تَظَنَّيْتُ 5؛ دون

1 الخصائص 2/52، 53.

2 المنصف2/200.

3 سر الصناعة1/181.

4 2/199، 200.

5 ينظر: المساعد4/61.

ص: 135

تَظَنْظَنْتُ، وقصيت أظفاري في: قَصَّصْتُ1.

ثالثاً- الأصول الخماسيّة:

هذا النوع هو ثالث الأصول عند البصريين، ومن تابعهم؛ من جمهور اللغويين والصرفيين؛ وهو مخصوص بالأسماء دون الأفعال، وأقلُّ الثلاثة في الكلام؛ كما نصَّ عليه سيبويه2.

وللعلماء تفسيرات في اختصاصه بالأسماء دون الأفعال، ومنها:

أ- أنَّ الفعل مُعَرَّض للزوائد من أوله وآخره؛ كقولهم: دحرجتُه فتدحرَجَ، فلو بنيتَ من الخماسيّ لكان تقديره: سَفَرْجَلتُهُ فتسَفَرْجلَ؛ وهو ثقيل كما ترى. كما أن الضمائر تلحق بالأفعال، وتصير معها بمنزلة الشيء الواحد، نحو: ضربنا وضربتم؛ فإذا جاء الخماسيّ فعلاً، ولحقته الضمائر، أفرط في الطول؛ فكان تقديره: سَفَرْجَلْتُم؛ وهو ثقيل3.

ب - وأن الأسماء أشدُّ تمكناً من الأفعال؛ بدليل استغنائها عن الأفعال4، وحاجة الأفعال إلى الأسماء5؛ فكانت أولى بالثقل؛ لتمكُّنها.

ج- وأنَّ الأسماء أصل الأفعال؛ وهي قبلها في الرتبة، وكثرةِ الأمثلة؛ فهي أولى بالخماسيّ من الأفعال، كما أنَّها أولى منها بالتنوين6.

1 ينظر: الغريب المصنف 221أ.

2 ينظر: الكتاب4/23.

3 ينظر: المقتصد في شرح التكملة 2/771.

4 ينظر: الإيضاح في علل النحو100.

5 ينظر: دقائق التصريف373.

6 ينظر: المقتصد في شرح التكملة2/771.

ص: 136

وكاد الإجماع على اختصاص الأسماء بالخماسيّ؛ دون الأفعال، ينعقد؛ لولا تفرد الخليل برأي يخالف ما أجمع عليه القوم؛ إذ قال: "والخماسيّ من الأفعال نحو: اسْحَنكَكَ، واقْشَعرَّ، واسْحَنفَرَ، واسْبَكَرَّ، مبني على خمسة أحرف

والألفِ، التي في: اسْحَنكَكَ، واقْشَعرَّ، واسْحَنفَرَ، واسْبَكَرَّ، ليست من أصل البناء"1.

وقال: "اعلم أن الراء في: اقشعرَّ، واسبكَرَّ، هما راءان أدغمت واحدة في الأخرى، والتشديد علامة الإدغام"2.

وقال: "ليس للعرب بناءٌ في الأسماء، ولا في الأفعال، أكثرُ من خمسة أحرف؛ فمهما وجدتَ زيادةً على خمسة أحرف في فعلٍ أو اسمٍ، فاعلم أنها زائدة على البناء"3.

وما ذكره الخليل ليس من الخماسيّ عند اللغويين؛ فأوله ثلاثي؛ وهو (اسحنكك) من (س ح ك) وما بعده رباعي؛ أصوله على التوالي: (ق ش ع ر) و (س ح ف ر) و (س ب ك ر) .

ويمكن توجيه ذلك بأحد ثلاثة أمور:

أحدها: أن لا يكون ذلك النصُّ للخليل؛ لأن (العين) مشكوك في نسبته له؛ وهو توجيه بعيد؛ لأن الإجماع شبه معقود على أن مقدمة (العين) من صنع الخليل أو رويت عنه؛ بدليل السند.

1 العين 1/48، 49.

2 العين 1/49.

3 العين1/49.

ص: 137

وثانيها: أن يكون ذلك من آراء الخليل المبكرة؛ التي لم تنضج؛ وهي مما يناسب مقدمات وضع المقاييس في العربية؛ التي لم تأخذ وضعها النهائي إلَاّ على أيدي تلامذة الخليل –وعلى رأسهم سيبويه- أو من جاء بعدهم.

ثالثها: أنَّ الذي دفعه إلى عدِّ تلك الأفعال من الخماسيّ أنه وجدها لا تُسْتعمل إلَاّ خماسيةً؛ أعني أنَّ الزيادة فيها لا تفارقها. ويقوي هذا الاحتمال قول سيبويه عن نوع من الزوائد:" وربما بني عليه الفعل؛ فلم يفارقه، كما أنه قد يجيء الشيء على: أَفْعَلْتُ وافْتَعَلْتُ ونحو ذلك، لا يفارقه بمعنى، ولا يستعمل في الكلام إلَاّ على بناء فيه زيادة"1.

ومثَّل له سيبويه بـ (اقْطَرَّ) النبات و (اقْطَارَّ) إذا وَلَّى، و (اقْشَعَرَّ) و (اسْحَنْكَكَ) .

ويعد سيبويه من أوائل المعترضين على مسألة أن يكون الفعل خماسياً بقوله عن بنات الخمسة: إنها "لا تكون في الفعل البتة"2.

ومنهم الأزهري الذي ذيَّل حديثه عن (مُسْحَنْكِكٍ) و (مُحْلَنْكِكٍ) ونحوهما باعتراضٍ على صاحب (العين) بقوله: "قلتُ: وأصل هذين الحرفين ثلاثي، صار خماسياً؛ بزيادة نون وكاف، وكذلك ما أشبهها من الأفعال.

1 الكتاب4/76.

2 الكتاب 4/230.

ص: 138

وأمَّا اسْحَنْفَرَ واحْرَنقَزَ فهما رباعيان، والنون زائدة؛ وبها أُلحقتا بالخماسيّ.

وجملة قول النحويين إن الخماسيّ الصحيح الحروف لا يكون إلَاّ في الأسماء؛ مثل: الجَحْمَرِشِ والجِرْدَحْلِ. وأما الأفعال فليس فيها خماسيٌّ إلَاّ بزيادة حرفٍ أو حرفين"1.

وهذا هو مذهب اللغويين والصرفيين؛ ولا أعلم أحداً من القدامى بعد سيبويه خالف فيه.

على أنَّ حق الخماسيّ أن يكون اثنين وتسعين ومائة بناءٍ2 إلَاّ أنَّه أُهْمِلَ معظمُها للثقل، ولالتقاء الساكنين؛ فلم يستعمل منها سوى أربعة أبنية؛ وهي3:

1-

(فَعْلَلِل) نحو (جَحْمَرِشٌ) وهي الثقيلة السَّمْجة من النساء، أو العجوز الكبيرة.

2-

(فَعَلَّل) نحو (شَمَرْدَلٍ) وهو القوي السريع الفَتِيُّ من الإبل وغيرها.

3-

(فِعْلَلّ) نحو (جِرْدَحْلٍ) وهو الضخم من الإبل.

4-

(فُعَلَّل) نحو (قُذَعْمِلٍ) وهو القصير الضخم من الإبل.

1 التهذيب 5/337، 338.

2 وذلك بضرب حركات الفاء في العين، فالعين في اللام الأولى، فاللام الأولى في الثانية، أي [3×4=12×4= 48×4=192] .

3 ينظر: المقتصد في شرح التكلمة2/770، وشرح الكافية الشافية4/2024.

ص: 139

وزاد ابن السراج1 بناءً خامساً؛ وهو (فُعْلَلِل) ومثاله (هُنْدَلِعٌ) ولا دليل على أصالة النون فيه2؛ فالحكم بزيادتها أقرب؛ لأن الحرف إذا تردد بين الأصالة والزيادة مع ندرة الوزنين، كان الأولى الحكم بالزيادة؛ لكثرة ذي الزيادة3. وقد تقدم4 مذهب الكوفيين –ومنهم ابن فارس- وهو ردهم ما زاد عن الثلاثة من الأصول إلى الثلاثة، بالزيادة أو النحت. وما قيل هناك يقال هنا؛ ولا حاجة لإعادته.

نعم؛ وليس في كلام العرب اسم على ستة أحرف5؛ لأن السداسي حدُّ اسمين6 ولا يلتفت لاسمين ذكرهما ابن سيده7 في باب السداسي؛ أحدهما: (شَاهَسْفَرَمٍ) بسكون الميم؛ وهو: ريحان الملك بالفارسية في قول الأعشى:

وشَاهَسْفَرِمْ والياسمينُ ونَرْجِسٌ

يُصَبِّحُنَا في كُلِّ دَجْنٍ تَغَيَّمَا8

1 ينظر: الأصول3/225.

2 ينظر: المنصف1/31.

3 ينظر: شرح الشافية للرضي1/49.

4 ينظر: ص 69 من هذا البحث.

5 ينظر: ليس في كلام العرب 125.

6 ينظر: ديوان الأدب 1/93.

7 ينظر: المحكم 4/355.

8 ديوانه 343، والراء من الشاهد في المحكم (4/355) مفتوحة، وفي الديوان مكسورة، وفي المحكم:((الياسمون)) بالواو.

ص: 140

وثانيهما: (الخَشَسْبَرَمْ) وهو من رياحين البر1.

وقد أشار إلى أنهما معرَّبان، وأولهما من الفارسية؛ وهو مركب من (شاه بمعنى الملك، و (سَبَرم وهو: الريحان. وهي في لغتها الأم (سَبَرَمْ)2.

وما جاء في هذا الباب في بعض المعاجم؛ وبخاصة (التاج) فهو من المعرَّب، ولا يدخل في بحث أصول العربية. هذه سبيلهم في الأصول، والذي عليه اللغويون في صناعة المعاجم هو مذهب البصريين؛ وهو أنَّ أصول ما تصرف من كلام العرب ثلاثة فحسب: ثلاثية، ورباعية، وخماسية. وقد اقتفيت في هذا البحث آثارهم في مذهبهم.

النَّحْتُ:

ومن تمام الحديث عن الأصول عند القدامى أن نعرض ـ بشيء من الإيجاز ـ لموضوع النَّحتِ، ونبين مواقفهم منه. وهو في اللغة: القطع والنقص والقشر والبَرْيُ3.

ومعناه الاصطلاحي مأخوذ من معانيه اللغوية؛ وهو4: أن يُعمدَ

1 ينظر: المحكم5/210.

2 ينظر: المعجم الذهبي 364.

3 ينظر: التهذيب14/441، واللسان (نحت) 2/98.

4 ينظر: الاشتقاق والتعريف13، والنحت في اللغة العربية66، والنحت في العربية163.

ص: 141

إلى كلمتين أو جملة؛ فينزع من مجموع حروفها كلمةٌ واحدةٌ؛ تدل على ما كانت تدل عله الجملة.

والنحت جنس من الاختصار1؛ وهو لون من ألوان التركيب2، إلَاّ أنَّه يختلف عنه بأنه تُنتقص فيه المواد المنحوت منها وتُخْتَزل؛ بخلاف التركيب الذي يُبقي على بنيتي الكلمتين.

وأقدم تعريف له –فيما وصل علمنا إليه- ما ذكره ابن فارسٍ بقوله: "ومعنى النحتِ أن تؤخذ كلمتان؛ وتنحت منهما كلمة؛ تكون آخذةً منهما جميعاً بحظٍّ"3.

ولم ينل النحت عناية كافية عند علماء العربية القدامى؛ فلم توضع له قواعد ثابتة، وقد ذكر عند أكثرهم عرضاً؛ كما فعل الخليل وسيبويه ومن أتى بعدهما. ولعل السبب في ذلك أن ما جاء من النحت عن العرب قليل؛ لا يكاد يتجاوز ستين كلمة4.

وأول من عرض للنحت –فيما وصلنا- الخليلُ؛ حيث ذكر قولهم: (حَيْعَلَ) و (الحَيْعَلَةُ) في قول الشاعر:

فباتَ خَيَالُ طَيْفِكِ لي عَنِيقاً

إلى أن حَيْعَلَ الدَّاعي الفَلاحا5

1 ينظر: فقه اللغة للثعالبي 421.

2 ينظر: دراسات في اللغة 51، 52.

3 المقاييس1/228، 229.

4 ينظر: الاشتقاق لعبد الله أمين 393.

5 ينظر: العين 1/60.

ص: 142

وقول الآخر:

أقولُ لها ودَمْعُ العينِ جارٍ

ألم يُحْزِنْكِ حَيْعَلَةُ المُنَادِي1

فقال الخليل: "فهذه كلمة جمعت من: حَيَّ، ومن: على، وتقول منه: حَيْعَلَ يُحَيْعِلُ حَيْعَلَةً؛ وقد أكثرتَ من الحيعلةِ؛ أي: من قولك: حيَّ على؛ وهذا يشبه قولهم: تَعَبْشَمَ الرَّجلُ، وتَعَبْقَسَ، ورجلٌ عبْشَمِيٌّ، إذا كان من عبدِ شمسٍ، أو من عبد قيس؛ فأخذوا من كلمتين متعاقبتين كلمةً، واشتقوا فعلاً؛ قال:

وتَضْحَكُ مِنٍّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ

كَأَنْ لَمْ تَرَى 2 قَبْلِي أسيراً يمانياً

نسبها إلى عبد شمسٍ، فأخذ العين والباء من: عبدٍ، وأخذ الشين والميم من: شمسٍ، وأسقط الدال والسين، فبنى من الكلمتين كلمةً؛ فهذا من النحت

وما وُجد من ذلك فهذا بابه"3.

ويلاحظ في النحت عند الخليل أنه يأتي من الأسماء على وزن (فَعْلَلٍ) ويشتق منه فعل رباعي على وزن (فَعْلَلَ) ويجوز عنده أن ينحت من اسمين، أو من فعلٍ وحرف؛ بشرط أن يكونا متعاقبين في جملة، أو بالإضافة. ويشير سيبويه إلى النحت في حديثه عن النسب بقوله: "وقد يجعلون للنسب في الإضافة اسماً بمنزلة: جعفرٍ، ويجعلون فيه من حروف

1 ينظر: العين1/60.

2 أثبت حرف العلة مع الجزم. ينظر: المفضليات158، وشرح شواهد المغني2/675.

3 ينظر: العين1/60،61.

ص: 143

الأول والآخر، ولا يخرجونه من حروفهما ليعرف

فمن ذلك عَبْشَمِيٌّ، وعَبْدَرِيٍّ"1.

وقد حاولوا أن يُقَعِّدوا له بالاستنباط من شواهده القليلة، والاعتماد على قولِ الخليل؛ فذكروا2 أنه يؤخذ من كلٍّ من الكلمتين الفاءُ والعينُ؛ نحو (عَبْشَمِيٌّ) في عبدِ شمسٍ، وإن كان عين الثاني معتلاً أُكْمِلَ البناء بلامه؛ نحو (عَبْدَرِيٌّ) في: عبدِالقيس، وعبد الدار.

غير أن ذلك لا يطَّرد؛ وبخاصة فيما نحت من أكثر من كلمتين؛ كقولهم: (حَوْلَقَ) و (حَوْقَلَ) و (بَسْمَلَ) . ويأخذ النحت - عند القدامى- اتجاهين؛ أحدهما لجمهور اللغويين والصرفيين والنحاة؛ وهو أن ينحت من كلمتين أو من جملة على وزن (فَعْلَل) في الغالب؛ على نحو ما ذكر قبل قليل.

أمَّا الاتجاه الثاني فمذهب ابن فارس3 وقد توسَّع في النحت؛ وهو أن ينحت على أيِّ وزن من أوزان العربية المستعملة في الرّباعيّ أو

1 الكتاب3/376.

2 ينظر: شرح الشافية للرضي 2/76، وشرح التسهيل للمرادي322ب.

3 استأثر مذهب ابن فارس باهتمامات الدارسين المتأخرين؛ فتناوله غير واحد منهم بالدرس والتحليل والنقد. ينظر على سبيل المثال: أحمد بن فارس، لهادي حمودي ص 315-317، والاشتقاق، لعبد الله أمين ص 401-405، والنحت في اللغة العربية، لنهاد الموسى ص 153-192، والنحت في العربية، لمحمد حسن عبد العزيز12-14، والنحت، لوجيه السمان ص 101، وبنا الرّباعيّ ومعانيه، لإبراهيم السامرائي ص104-114، ونشوء الفعل الرّباعيّ، لأحمد هريدي ص 18-20.

ص: 144

الخماسيّ. ويُعَدُّ ابن فارسٍ من أعظم المُنَظِّرِينَ الكوفيين للأصول، ولعل الذي دعاه إلى الأخذ بهذا المذهب هو اتجاهه الكوفي، وإخلاصه لمدرسةٍ لا تعتدّ بما زاد عن الثّلاثيّ من الأصول؛ فأراد أن يرد الرّباعيّ أو الخماسيّ إلى أصلهما؛ فخرَّج ما زاد عن الثّلاثيّ على الزيادة أو النحت، ورام أن يجعل لذلك قياساً يُتَّبع.

ووضَّح ابنُ فارسٍ مذهبه بقوله: "اعلم أن للرباعي والخماسيّ مذهباً في القياس؛ يستنبطه النظر الدقيق؛ وذلك أن أكثر ما تراه منه منحوت، ومعنى النحت أن تؤخذ كلمتان، وتُنحت منهما كلمةٌ؛ تكون آخذةً منهما جميعاً بحظ

فعلى هذا الأصل بنينا ما ذكرناه من مقاييس الرّباعيّ"1.

وما ذكره ابن فارس من المنحوت جدير بالتأمل لكثرته؛ إذ بلغ خمس عشرة ومائة كلمةٍ منحوتةٍ من كلمتين؛ باستثناء ثماني كلمات نحتن من ثلاث كلمات.

ومن أمثلة ما نحت من كلمتين قوله: "ومن ذلك: بُحْثُر، وهو القصير المُجْتَمِعُ الخَلْقِ؛ فهذا منحوت من كلمتين من: الباء والتاء والراء؛ وهو من: بترتُه فبُتِرَ؛ كأنه حُرِمَ الطول؛ فَبُتِرَ خَلقُه. والكلمة الثانية: الحاء والتاء والراء، وهو من:حَتَرْتُ وأحْتَرْتُ؛ وذلك أن لا تفضل على أحد؛ يقال: أَحْتَرَ على نفسه وعياله؛ أي: ضيَّق عليهم؛ فقد صار هذا

1 المقاييس1/338، 329.

ص: 145

المعنى في القصير؛ لأنه لم يُعْطَ ما أُعْطِيَهُ الطويل"1.

وقوله: "ومن الباب: الصَّهْصَلِقُ: الشديد الصوت الصَّخَّاب؛ يقال: امرأة صَهْصَلِقٌ: صَخَّابةٌ؛ وهذا منحوت من كلمتين: من صَهَلَ، وصَلَقَ"2.

وقوله: "ومن ذلك: النَّهْشَلُ: الذئب، ويقال: الصقر؛ وهو منحوت من كلمتين: نَشَلَ، ونَهَشَ؛ كأنه ينشل اللحم، وينهشه"3.

ومن أمثلة ما ينحت من ثلاث كلمات قوله: "ومن ذلك: القَلْفَعُ؛ وهو ما يَبِسَ من الطين على الأرض فَيَتَقَلَّفُ؛ وهذه منحوتة من ثلاث كلمات: من:قَفَعَ، و:قَلَعَ، و:قَلَفَ"4.

ومنه جَعْلُه (الكُردُوسَ) 5 وهي: الخيل العظيمة؛ منحوتة من (كرد) و (كرس) و (كدس) .

ومنه (النَّقْرَشَةُ) وهي: الحسُّ الخفيُّ؛ جعلها منحوتة من: نَقَرَ، وقَرَشَ، ونَقَشَ؛ قال:"لأنه كأنه ينقر شيئاً ويقرشه: يجمعه ويَنْقُشُهُ؛ كما يُنْقَشُ الشيء بالمنقاش"6.

على أن ابن فارس لم يستطع أن يبني رأيه على خطةٍ علميةٍ دقيقةٍ،

1 المقاييس 1/329.

2 المقاييس 3/351.

3 المقاييس 5/483.

4 المقاييس 5/117.

5 المقاييس 5/194.

6 المقاييس 5/483.

ص: 146

محكمة مطرةٍ؛ وآية ذلك ما وقع له فيها من هَنَاتٍ غيرِ هَيِّناتٍ. ومن ذلك عدُّهُ كلماتٍ منحوةً تارةً ومزيدةً تارةً أخرى، مثل 1: العَسْلَقِ – وهو كل سبع جَرُؤَ على الصيد- عدَّه منحوتاً من ثلاث كلمات: عَسِقَ وعَلَقَ وسَلَقَ، ثم قرَّر أنَّ (العَسَلَّقَ) وهو الظليم –مزيد، بقوله:"ممكن أن يكون من السرعة، وتكون القاف زائدة، ويكون من العسلان، ويمكن أن تكون العين زائدة من: السَّلْقِ والتَّسَلُّقِ"2.

والذي ينبغي في (العَسْلَقِ) و (العَسَلَّقِ) على مذهبه- أن يكونا منحوتين أو مزيدتين؛ لا أن يكون أحدهما منحوتاً، والآخرُ مزيداً؛ وهما مجتمعان في الحروف، وفي المعنى؛ وهو السرعة في سَبُعِ الصيد والظَّلِيم. ولا أدل على تردده بين الأمرين من قوله: "الثَّعلبُ: مَخْرَجُ الماء من الجرين، فهذا مأخوذ من: ثَعَبَ؛ اللام فيه زائدة.

فأمَّا ثعلبُ الرُّمحِ فهو منحوت من: الثَّعْبِ ومن العَلْبِ؛ وهو –في خِلْقتِه - يشبه المِثْعَبَ؛ وهو مَعْلُوبٌ3

ووجه آخر أن يكون من: العَلْبِ ومن الثَّلْبِ؛ وهو الرمح الخَوَّار؛ وذلك الطَّرَفُ دقيقٌ؛ فهو: ثَلِبٌ"4.

والكلمتان من أصل واحد؛ بجامع الحروف فيهما والمعنى الذي يمكن أن تشتركا فيه، وهو: امتداد الشيء وانبساطه وانسيابه5؛ ويُلْمَحُ ذلك

1 المقاييس 4/359.

2 المقاييس 4/359.

3 العَلْبُ: الخدش والأثر، وطريق معلوب، أي لاحب. ينظر: المقاييس4/121.

4 المقاييس 1/403.

5 ينظر: المقاييس1/403.

ص: 147

في انثعابِ الماء –جَرَيَانه- والثعلبِ –الحيوانِ- والثعبانِ، وثعلب الرمحِ. ومن ذلك أن العلاقة بين المنحوت منه –في بعض ما أورد من الألفاظ- ليست كاملةً؛ كورود حرف في المنحوت لا وجود له في الكلمتين المنحوتِ منهما؛ مثل (الجَعْظَار) وهو الرجل الجافي؛ عدَّه منحوتاً من كلمتين؛ هما (الجَظُّ) و (الجَعْظُ) وأغفل الراءَ؛ ولم يُبَيّن مأتاها في الكلمة المنحوتة. وقد احتاط ابن فارس لنفسه بالقسم الثالث؛ وهو ما وُضع وضعاً؛ ليخرِّج عليه ما استعصى، وخفيت عنه أصوله. على أنه يتضح في أمثلته وَلَعُهُ بالمعنى، واعتداده به؛ فلم يكن للنحت عنده قياس تصريفي واضح، ومن الصعب استنباط ذلك من أمثلته؛ على الرغم من كثرتها؛ لأنه لا طريق فيها إلى الاطراد. ولعله تلافى هذا النقص في كتابه الموسوم (المدخل إلى علم النحت)1.

ولا يخرج ما أورده ابن فارس –في الرّباعيّ- عن ستِّ صورٍ عقليةٍ؛ لا سابعَ لها:

أولاها: إفراد الحرف الأول من كلتا الكلمتين، فكلمة (البَحْتَرِ) مثلاً منحوتةٌ من (ب ت ر) و (ح ت ر) فالكلمتان تتشابهان في حرفين، وتنفرد كل منهما بحرفٍ؛ وهو الباء للأولى؛ وهو أولها، والحاء للثانية، وهو أولها - أيضاً- فلذا عبرتُ عن ذلك بانفراد الأول من كلتا الكلمتين.

1 ذكره الصغاني، وهو مفقود. ينظر: التكملة والذيل والصلة 1/8، والجاسوس128.

ص: 148

والصورة الثانية: انفراد الأول والثاني.

والثالثة: انفراد الأول والثالث.

والرابعة: انفراد الثاني والثاني.

والخامسة: انفراد الثاني والثالث.

والسادسة: انفراد الثالث والثالث.

وفيما يلي بيان ذلك بالجدول التالي:

إفراد الأول والأول

ب

...

ت

ر

ح

ت

ر

البحتر

إفراد الأول والثاني

ع

ف

...

ق

ف

ل

ق

العفلق

إفراد الأول والثالث

ب

ز

ع

...

ز

ع

ر

بزعر

إفراد الثاني والثاني

ز

هـ

...

ق

ز

...

ل

ق

الزهلق

إفراد الثاني والثالث

ز

ل

ق

ز

...

ق

م

الزلقوم

إفراد الثالث والثالث

د

غ

م

د

غ

...

ر

المدغمر

ص: 149

أمَّا ما أورده في الخماسيّ المنحوتِ فمن القلة بحيث يصعب تقنينه.

ولعل مذهب ابن فارس في النحت لم يَذِعْ؛ أو يلقَ قبولاً لدى معاصريه من القدامى؛ فلم أجد من حفل به من اللغويين والصرفيين والنحاة، أو أخذ به سوى ما كان من تخريج بعضهم الكلمةَ أو الكلمتين على مذهبه؛ كالثعالبي1 الذي جعل (الصَّلْدَمَ) من (الصَّلْدِ) و (الصَّدْمِ) والصَّهْلِقَ من (صَهَلَ) و (صَلَقَ) والتبريزي الذي ذكر أنَّ كلمة (ادْلَهَمَّ) مشتقة من (دَلَمَ) و (دَهَمَ) وذكر أنَّ (الشَّمَيْذَرَ) منحوتة من (الشَّمْذِ) و (الشَّذْرِ) 2وقد خالفَ ابنَ فارسٍ3 في ذلك.

وذكر بعضهم أنَّه وُجِدَ في القرن السادس مَن نحى مَنحَى ابن فارس في الأصول الرّباعيّة والخماسيّة؛ وهو الحسن بن الخَطِير المعروف بالظَّهير (ت 598هـ) فقد ذكر ياقوت أنه سئل عما وقع من ألفاظ العرب على مثال (شَقَحْطَبٍ) فأجاب بأن ذلك يسمى في كلام العرب المنحوتَ؛ وفسره بأن معناه أن الكلمة منحوتة من كلمتين؛ كما يَنحت النجار خشبتين، ويجعلهما واحدة، فـ (شَقَحْطَبٌ) منحوت من (شِقٍّ) و (حطبٍ) .

قال ياقوت: "فسأله البُلْطِيُّ4 أن يثبت له ما وقع من هذا المثال؛ ليعول في معرفتها عليه؛ فأملاها عليه في نحو عشرين ورقة من حفظه، وسماها

1 ينظر: فقه اللغة421، 422.

2 ينظر: شرح الحماسة2/147.

3 ينظر: المقاييس 3/273.

4 هو: أبو الفتح عثمان بن عيسى النحوي البُلْطي، لغوي نحوي، شيخ الديار المصرية (ت 599هـ) . ينظر: معجم الأدباء 12/141-167، وبغية الوعاة 2/135، 136.

ص: 150

كتاب: تنبيه البارعين على المنحوت من كلام العرب"1.

وأُعجب بعض اللغويين المتأخرين –من المعاصرين- بفكرة ابن فارس في النحت، كجُرْجِي زيدان في (الفلسفة اللغوية) وعبد القادر المغربي في (الاشتقاق والتعريب) والدكتور هادي حمودي في (أحمد بنِ فارس) . على أنهم لم يسلموا له بكل ما جاء به، وذهب بعضهم إلى حدِّ اتهامه بالظن والتخمين والتأويل البعيد2،والبعد عن القياس3، والتحيُّل العقلي4، والتكلف5 والتعجل والتخليط6، والافتيات والاصطناع، والتعسف والشَّطط7، وغير ذلك.

ومهما يكن من أمرٍ فإن ابن فارس رحمه الله بذل جهداً فذاً كبيراً فيما عالجه في هذا الباب، وكشف عن مقدرة لغوية متميزة في التأصيل، جديرةٍ بالإعجاب والتأمل. وتكلفه في بعض أمثلة النحت لا يعني فساد مذهبه من أساسه؛ فلعلّه لامس حقيقة بعض الأصول، ويكفيه فخراً أنه شقَّ درباً فسيحاً لمن أراد سلوكه، والمضيَّ فيه.

1 معجم الأدباء 8/102، 103.

2 ينظر: المباحث اللغوية في العراق86.

3 ينظر: بناء الفعل الرّباعيّ ومعانيه104.

4 ينظر: تهذيب المقدمة اللغوية 165، وفقه اللغة لوافي188، 189.

5 ينظر: دراسات في فقه اللغة267.

6 ينظر: النحت في اللغة العربية173.

7 ينظر: بناء الرّباعيّ ومعانيه 105.

ص: 151