الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحثُ الرَّابعُ: ما في حَشْوِهِ ميمٌ
زيادة الميم حشواً أمرٌ نادرٌ؛ كما قرّره العلماء1، ومع ذلك وقع تداخل في عدد غير قليل ممَّا في حشوه ميم؛ فاختلفوا في بعضه؛ فمنهم من عدَّ الكلمة ثلاثيّة، ومنهم من عدّها رباعيّة؛ على أصالة الميم.
فمن ذلك تداخل (ط ر ح) و (ط ر م ح) في قولهم: طَرْمَحَ بِنَاءَ هـ؛ أي: طَوَّله، ومنه قولهم: طِرِمَّاح؛ وهو الطّويل، أو المرتفع العالي؛ وقد اختلفوا فيه:
فذهب كُراع2 إلى أنَّه ثلاثيّ بزيادة الميم؛ ووزنه (فِعِمَّال) وإلى هذا ذهب ابن فارس3، والجوهريّ4، والسّيوطيّ5وهم يشتقّونه من (الطّرَّحِ) وهو: البعيد الطّويل، ومنه قول الأعشى:
تَبْتَنِي الحَمْدَ وتَسْمُو للعُلَى
…
وتُرَى نَارُكَ من نَاءٍ طَرَحْ6
ومنه قولهم: نخلة طَرُوحٌ؛ إذا كان أعلاها بعيداً عن أسفلها، أو
1 ينظر: الخصائص2/51.
2 ينظر: المنتخب2/690.
3 ينظر: المقاييس3/457.
4 ينظر: الصِّحاح (طرح) 1/387.
5 ينظر: المزهر2/23.
6 ينظر: ديوانه289، وينظر: الصِّحاح (طرح) 1/387،وفيه اختلاف في الرواية لا يضرّ بالشّاهد.
طويلة العَرَاجِينِ. وطَرَحَ الشَّيء طَوَّله، وقيل: رفعه وأعلاه، وخصَّ بعضهم به البناء؛ فقال: طَرَّحَ بناءَ هـ تَطْرِيحاً طَوَّله، وكذلك طَرْمَحَ1.
ومذهب سيبويه أنّه رباعيّ؛ بأصالة الميم؛ وجعل وزنه (فِعِلَاّلاً) 2 وتابعه جماعة من العلماء؛ منهم: ابن السَّرّاج3، والجواليقيّ4، وابن عصفور5.
ومذهبهم غير قويّ؛ لأنّ الاشتقاق ليس في صفهم، فجعله ثلاثياً هو الرّاجح.
ومن ذلك (الشَّمْحَطُ) و (الشَّمْحَاطُ) و (الشُّمْحُوط) وهو: المفرط طولاً؛ فهو يحتمل الأصلين:
فذهب الجوهريّ إلى أنّه ثلاثيّ من (ش ح ط) والميم زائدة6؛ ودليله الاشتقاق؛ لأنَّ (الشَّحْطَ) البُعْدُ7، يقال: شَحَطَ المزارُ؛ أي: بَعُدَ.
وجعله ابن دريد8 من الرّباعيّ، وذكره سيبويه9بالنّون:
1 ينظر: اللّسان (طرح) 2/529.
2 ينظر: الكتاب4/295.
3 ينظر: الأصول3/218.
4 ينظر: مختصر شرح أمثلة سيبويه122.
5 ينظر: الممتع1/155.
6 ينظر: الصِّحاح (شحط) 3/1136.
7 ينظر: المقاييس3/251.
8 ينظر: الجمهرة2/1142.
9 ينظر: الكتاب4/291.
(شُنْحُوطٌ) وهو عنده رباعيٌ، وتابعه ابن عصفور1. ولعلّ النّون مبدلة من الميم، ويجوز العكس. وقد ذكره ابن منظور في الموضعين2.
والرّاجح في هذا- أيضا ً- أنّه ثلاثيّ لدلالة الاشتقاق؛ فلا يجوز - على ما تقرّر - أن يكون (الشَّحْطُ) و (الشُّمْحُوط) من باب: سَبِطٍ وسِبَطرٍ؛ لأنّ الميم من حروف الزّيادة.
واختلفوا في أصل (القَمَحْدُوَةِ) :عظمٍ خلف الرّأسِ؛ وهو يحتمل الأصلين:
فذهب الجوهريّ 3 إلى أنّه ثلاثيّ، ووزنه على كلامه (فَمَعْلُوة) .
وذهب سيبويه 4 ومن تابعه 5 إلى أنّه رباعيٌ، على وزن (فَعَلُّوَة) .
ولعلّ في جمعها على (فَعَالِل) في قولهم: (قَمَاحِدُ) ما يستأنس به على أصالة الميم، وإن كان حمله على التّوهّم غير بعيد.
ومن ذلك (الدَّهْمَجَةُ) وهو: المشي للكبير؛ كأنّه في قيد، ومقاربة خطو البعير أو العير.
قال الشَّاعر:
1 ينظر: الممتع1/149.
2 ينظر: اللّسان (شحط) 7/329، و (شمحط) 7/337.
3 ينظر: الصِّحاح (قحد) 2/522.
4 ينظر: الكتاب4/292.
5 ينظر: الأصول3/215، والممتع1/154.
وعَيْرٌ لَهَا مِنْ بَنَاتِ الكُدَادِ
…
يُدَهْمِجُ بالوَطْبِ والمِزْوَدِ1
وهو يحتمل الأصلين:
ذهب الجوهريّ إلى أنّه ثلاثيّ من (د هـ ج) بزيادة الميم2، ووزنه - حينئذٍ - (الفَعْمَلَة) .
وذهب الأزهريّ إلى أنّه رباعيّ بأصالة الميم3، وتابعه الصَّغانيّ4، وابن منظور5، والفيروزآباديّ6، والزَّبِيديّ7، وما ذهبوا إليه هو الصّواب؛ فليس ثَمَّةَ اشتقاق يدعم مذهب الجوهريّ في أنّه ثلاثيّ بزيادة الميم.
1 ينظر: الصِّحاح (دهج) 1/316، واللسان (دهج) 2/276، والتّاج (دهمج) 2/46.
2 ينظر: الصِّحاح (دهج) 1/316.
3 ينظر: التهذيب6/510.
4 ينظر: التكملة (دهنج) 1/434.
5 ينظر: اللّسان (دهمج) 2/276.
6 ينظر: القاموس (دهمج)242.
7 ينظر: التَّاج (دهمج) 2/46.
المبحث الخامس: ماآخره نون
تقدَّم أنَّ النّونَ تزاد كثيراً في آخر الكلمة في بعض الصّيغ المخصوصة، وتزاد -أيضاً- بما يقرب من الاطّراد، إذا كان قبلها ألفُ مدٍّ مسبوقة بأكثر من أصلين؛ وليست من باب: جَنْجَان وبَنْبَان.
ويكثر التَّداخل في نوع تزاد فيه النّون آخراً غير مسبوقة بألف؛ نحو: (رَعْشَنٍ) للمُرْتَعِش، و (بِلَغْنٍ) وهو الّذي يبلِّغُ النّاس أحاديث بعضٍ، و (العَلْجَنِ) وهي النّاقة الغليظة الجَسْرَة، و (الخِلَفْنَة) في قولهم:(في خُلُقِ فُلانٍ خِلَفْنَةٌ) أي: خلاف، و (السِّمْعَنَّةِ) و (النِّظْرَنَّةِ) من: السَّمْعِ والنَّظَرِ، ومثل هذا كثير1؛ ممَّا كان الاشتقاق دليلاً على زيادة النّون فيه، ولا يجوز أن يجعل من باب سَبِطٍ وسِبَطْرٍ؛ لأنَّ النُّون من حروف الزّيادة.
ومما تداخل فيه الثّلاثيّ بالرّباعي؛ ممَّا آخره نون (ارْجَحَنَّ) بمعنى: اهتزَّ ومالَ، فإنّه يحتمل الأصلين:
فذهب قوم إلى أنّ أصله (ر ج ح) وأنَّ النّون زائدة؛ لأنّهم أخذوه من الرّجحان؛ فوزنه -حينئذٍ- (افْعَلَنَّ) .
ومذهب البصرييّن أنّ النّون أصل، والكلمة -عندهم- رباعيّة من (ر ج ح ن) وكان المَعَرِّي يقول رداً على من قال بزيادة النّون:(وليس ذلك على مذهب البصرييّن؛ لأنّهم يجعلون ارْجَحَنَّ (افْعَلَلَّ) ولا يجعلون
1 ينظر: القلب والإبدال149،150،والمزهر2/259.
من أبنية الأفعال (افْعَلَنَّ) وإنّما تزاد النّون في أواخر الأسماء بالقياس الصحيح أو بالاشتقاق) 1.
ولعلّه من أجل ذلك وضعه ابن منظور2 في الرّباعيّ، والمذهب الأوّل قويّ؛ للاشتقاق؛ ولا يردّه ما ذكره المعرِيّ؛ لأنّه يمكن حمل (ارْجَحَنَّ) على توهّم أصالة النّون، قياساً على (اقْشَعَرَّ) .
واختلفوا في: (بَرْهَنَ) من قولهم بَرْهَنَ فلانٌ؛ إذا جاء بالبرهان؛ فجعله بعضهم ثلاثياً؛ وهو -عند بعضهم- رباعيّ.
ذهب الأزهريّ إلى أنّه ثلاثيّ من (ب ر هـ) من الظّهور والإيضاح وجعل قولهم: بَرْهَنَ فلانٌ: إذا جاء بالبرهان مولّداً، وذكر أنَّ الصّواب أن يقال:(أَبْرَهَ) إذا جاء بالبرهان؛ فالنّون عنده نون المصدر، وأجاز أن تكون نون الجمع على (فُعْلان) ثمّ جعلت كالنّون الأصليّة على التّوهّم، فاشتقّوا منها الفعل، بثبوت النّون3. وإلى ذلك ذهب الزّمخشريّ4والخَفَاجيّ5، وجعلا قولهم: (بَرْهَنَ) مولّداً.
وكان ابن جنّي يرى أنَّ قولهم: (بَرْهَنْتُ) عربيٌّ فصيح، وبه استدلّ
1 رسالة الملائكة247.
2 ينظر: اللّسان (رجحن) 13/177.
3 ينظر: التهذيب6/294.
4 ينظر: أساس البلاغة21.
5 ينظر: عناية القاضي4/74.
على أنّ البُرهان رباعيٌّ من (ب ر هـ ن) ووزنه (فُعْلال)1. وهو مذهب الجوهريّ2 - أيضاً - وتابعه الفيروزآباديّ3.
وقريبٌ من ذلك قولهم: (دِهْقَانٌ) للرَّجل القويّ على التّصرّف مع شدّةٍ وخُبْرٍ، ومنه قالوا:(تَدَهْقَنَ) وهو يحتمل الأصلين:
فذهب سيبويه إلى أنّه رباعيّ، وأصله (د هـ ق ن) مستدلاًّ بقولهم:(تَدَهْقَنَ) إذ ليس في الأفعال (تَفَعْلَنَ) 4 وتابعه ابن السَّرَّاج5، وابن جنّي6، وغيرهما7.
وأجاز الزّجَّاجيّ8 الوجهين الثّلاثيّ والرّباعي، وفصّل فيه، فذكر: أنّه من الرُّباعيّ عند من صَرَفه، ومن الثّلاثيّ عند من منعه من الصّرف. ولهذا جعله ابن منظور في الموضعين9.
ومن ذلك (هِيرُون) وهو ضربٌ من التّمر، فإنّه يحتمل عند ابن سيده الأصلين:(فِعْلَوناً) و (فِعْلَولاً) الأوّل من (هـ ي ر) والثّاني من
1 ينظر: التنبيه على شرح مشكلات الحماسة12.
2 ينظر: الصِّحاح (برهن) 5/2078.
3 ينظر: القاموس (برهن)1522.
4 ينظر: الكتاب4/321.
5 ينظر: الأصول3/240.
6 ينظر: المنصف1/135.
7 ينظر: الممتع1/261.
8 ينظر: اشتقاق أسماء الله285.
9 ينظر: اللّسان (دهق) 10/107، و (دهقن) 13/163.
(هـ ي ر ن)1.
ولا يردُ على ابن سيده أنّه جعل الياء أصلاً في بنات الأربعة، لقوله: إنّه يحتمل أن يكون (فِعْلَولاً) بأصلة النّون، وأنّ حرف العلّة لا يكون أصلاً في بنات الأربعة، كما تقرّر في الأصول؛ لعدم وجود (فِيعُول) في الأصول، ولو كانت الفاء مفتوحة لحمل على (قَيْصُومٍ) و (حَيْزُومٍ) و (خَيْشُومٍ) بزيادة الياء.
ومن ذلك العِرَضْنَةُ، الاعتراض في السَّير والنّشاط، وهو يحتمل الأصلين الثّلاثيّ والرّباعي:
ذهب سيبويه إلى أنّه ثلاثيّ، من (ع ر ض) وأنّ وزنه (فِعَلْنَة) واستدلّ بأن اشتقاقه من الاعتراض2. وتابعه جمهور العلماء3.
وذهب الأزهريّ4إلى أنَّه رباعيّ، وتابعه ابن منظور فذكره في الرُّباعيّ5.
1 ينظر: المحكم4/274.
2 ينظر: الكتاب4/320.
3 ينظر: الأصول 3/238، وشرح الشَّافية 2/340، والممتع 1/471، والارتشاف 1/102.
4 ينظر: التهذيب3/328.
5 ينظر: اللّسان (عرضن) 13/284.
وما تقدّم يقال - أيضاً - في (عِرَضْنَى) وهي مشية بها اعتراض1.
ومن ذلك (فَرْتَنَى) وهي: الأمة البغيّ الفاجرة؛ فالنّون فيها - وإن كانت ليست آخراً - هي كالآخرة، في الحكم؛ ألا تراهم قالوا: الفَرْتَنَة والفَرْتَنَى، كما قالوا: العِرَضْنَة والعِرَضْنَى؟ وهي تحتمل الأصلين الثلاثيّ والرّباعي:
فذهب سيبويه2إلى أنّها (فَعْلَلَى) من (ف ر ت ن) وإلى ذلك ذهب الجوهريّ3، والصَّغانيّ4.
وذهب ابن حبيب - فيما حكاه ابن منظور5- إلى أنّها ثلاثيّة من (ف ر ت) بزيادة النّون والألف؛ فوزنها عنده (فَعْلَنَى) وأراه الأقرب؛ لقولهم: فَرَتَ الرَّجلُ يَفْرُتُ فَرْتاً؛ إذا فجر6.
وقد ذكرها في الموضعين كلٌّ من ابن منظور7، والفيروزآباديّ8، والزَّبِيديّ9.
1 ينظر: شرح الشَّافية للرّضي2/340.
2 ينظر: الكتاب4/296.
3 ينظر: الصِّحاح (فرتن) 6/2177.
4 ينظر: التكملة (فرتن) 6/286.
5 ينظر: اللّسان (فرتن) 13/322.
6 ينظر: اللّسان (فرتن) 13/322.
7 ينظر: اللّسان (فرت) 2/16، و (فرتن) 13/322.
8 ينظر: القاموس (فرت) 201، و (فرتن)1576.
9 ينظر: التَّاج (فرت) 1/568، و (فرتن) 9/300.
ومن التَّداخل في هذا النّوع: التباس (فِعْلَال) و (فِعْلان) فإنّ كلّ فعل في آخره نونٌ رابعة، مع ثلاثة أحرف أصول، ليس في أوّله همزة، فإنّ النّون تجيء في مصدره ملتبسة بنون (فِعْلان) حتّى يكون الاشتقاق مميّزاً بين النّونين؛ كقولهم في مصدر (سَلْعَنَ) وهو ضربٌ من المشي: السَّلْعَنَة، والسِّلْعَان، فيلتبس السِّلْعَان - والنّون فيه أصليّة - بالسِّلْعَان؛ إذا جعلته جمعَ سَلْعٍ، وهو ضربٌ من الشّجر، والنّون فيه زائدة1.
1 ينظر: رسالة الملائكة249.