المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثاني: التداخل بين المعتل والمهموز - تداخل الأصول اللغوية وأثره في بناء المعجم - جـ ١

[عبد الرزاق بن فراج الصاعدي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌مقدمة

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأول: الأصول

- ‌المبحث الثاني: التَّداخُل

- ‌المبحث الثالث: المعجم

- ‌المبحث الرابع: مدرسة القافية

- ‌المبحث الخامس: سبب اختيار مدرسة القافية

- ‌الباب الأول: الأصول والزوائد

- ‌الفصل الأول: الأصول في عرف اللغويين

- ‌المبحث الأول: الأصول عند القدامى

- ‌المَبْحَثُ الثَّانِي: الأصُولُ عِنْدَ المتأخِّرِينَ

- ‌الفصل الثاني: الزوائد

- ‌المبحث الأول: الزيادات المقيسة: حروفها ومواضعها وأعراضها

- ‌المَبْحَثُ الثَّانِي: الإِلْحَاقُ

- ‌المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الزِّيادَاتُ غَيرُ المَقِيسَةِ

- ‌الفَصْلُ الثَّالثُ: مقاييس التَّفريقِ بينَ الأُصُولِ

- ‌الباب الثاني: التداخل في البناء الواحد (الثلاثي، الرباعي، الخماسي)

- ‌الفصل الأول: التداخل في الثلاثي

- ‌المبحث الأول: التداخل بين المعتل والمعتل

- ‌المبحث الثّاني: التّداخل بين المعتلّ والمهموز

- ‌المبحث الثّالث: التَّداخل بين المعتلّ والصَّحيح

- ‌المبحث الرّابع: التَّداخل بين الصَّحيح والصَّحيح

- ‌الفصل الثاني: التداخل في الرباعي والخماسي

- ‌مدخل

- ‌المبحث الأوَّلُ: التَّداخل بين الرّباعي والرّباعيّ

- ‌المبحثُ الثَّاني: التَّداخل بين الخماسيّ والخماسيّ

- ‌الباب الثالث: التداخل بين بناءين مختلفين

- ‌الفصل الأول:‌‌ التداخل بين الثلاني والرباعي

- ‌ التداخل بين الثلاني والرباعي

- ‌المبحث الأوّل: ما جاء على (فعْلل) المضاعف

- ‌المبحث الثاني: ما تقارب فيه الأصلان فتداخلا

- ‌المبحث الثّالث: ما في آخره ميمٌ

- ‌المبحثُ الرَّابعُ: ما في حَشْوِهِ ميمٌ

- ‌المبحَثُ السَّادسُ: ما ثَانِيه نُونٌ

- ‌المبحث السَّابعُ: ما تنَوَّعَ فيه التَّدَاخلُ

الفصل: ‌المبحث الثاني: التداخل بين المعتل والمهموز

‌المبحث الثّاني: التّداخل بين المعتلّ والمهموز

ومما يكثر فيه تداخل الأصول: التّداخل بين المعتلّ والمهموز، وقد وقفنا على تعريف المعتلّ في المبحث السّابق.

أمّا المهموز فهو "ما كان أحد أصوله الثلاثة همزة"1، نحو: أَكَلَ وسَأَلَ ومَلأَ.

وثمّة علاقة بين المعتلّ والمهموز، تُعدّ من أهمّ أسباب التّداخل بينهما؛ وهي هَمْزُ المعتلّ، وتخفيف المهموز؛ وهما ممّا يكثر في النّوعين؛ أعني: المعتلّ والمهموز؛ حتّى تكاد تُعدّ من حروف العلّة؛ ألا ترى كيف وُضعت في معاجم التّقليبات في باب واحد، وأول من فعل ذلك الخليل في العين 2؛ على الرّغم مما بينها وبين حروف العلّة من اختلاف في المخرج

1 المفتاح في الصرف 4.

2 ينظر على سبيل المثال: العي ن8/55،132،167،192، 232،273، 325، 332، 375، 437.

ص: 377

والصّفات. فمخرج الهمزة من أقصى الحلق1 أو من الحنجرة (المزمار) 2 وهي صوت شديد3، مجهور.

أمّا الواو والياء فمخرجهما من الشّفة، ومن صفاتهما اللّين؛ لأن مخرجهما يتّسع لهواء الصّوت من اتّساع غيرهما 4، والألف هاوية؛ ومخرجها أشدّ اتّساعاً من مخرج صاحبتيهما؛ وهنّ أخفّ الحروف؛ لاتّساع مخارجهنّ 5. ولعلّ سبب ذلك أنّهم وجدوا حروف العلّة تُخفّف وتهمز في كثير من الحالات، ونُمهّد لهذا المبحث بالوقوف على ذلك ـ بإيجاز ـ لأنّه يُعين على معرفة الأصول:

أ - همز المعتلّ:

تُقلب حروف العلّة همزة، وله ثلاثة أحكام: قلبها وجوباً أو جوازاً أو شذوذاً.

1 ينظر: الكتاب 4/433.

2 ينظر: الأصوات اللغوية 91، ومناهج البحث في اللغة 97.

3 ينظر: الكتاب 433، ومخارج الحروف وصفاتها 88، والأصوات اللغوية 91، ودراسة الصوت اللغوي 274، والمنهج الصوتي للبنية العربية 172.

4 ينظر: الكتاب 4/435.

5 ينظر: الكتاب 4/436.

ص: 378

فأمّا القلب الواجب فتشترك أحرف العلّة الثّلاثة فيه في موضعين، وتشترك الياء والواو فيه في موضعين، وتختصّ الواو به في موضع واحد.

فالموضع الأول: المشترك بينها، هو أن يقع أحدها لاماً أو زائداً في الطّرف الحقيقيّ، أو الحكميّ إثْر ألف زائدة.

فمثال قلبها في الطّرف الحقيقيّ قولهم: سماءٌ من السُّموّ، وبناءٌ من: البِنَايَة، وصحراءُ من: صَحْرَى.

والموضع الثّاني: المشترك بينهما هو أن يقع أحد الأحرف الثّلاثة بعد ألف الجمع الأقصى، وقد كان في المفرد مدّاً زائداً كقولهم: عَجَائِزُ في جمع: عَجُوز، وصَحَائِفُ في: صَحِيفَةٍ، ورَسَائِلُ في: رِسَالَةٍ.

وتشترك الواو والياء في قلبهما همزة وجوباً في موضعين:

الأول: أن تقع إحداهما عيناً لاسم فاعل من: فعل ثلاثيّ أُعلّت فيه، ما دامت العين في مكانها؛ نحو: قَائِمٍ وبَائِعٍ من: قَامَ وبَاعَ.

الثاني: أن يقع أحدهما ثاني حرفين ليّنين بينهما ألف الجمع الأقصى الذي بعد ألفه حرفان؛ سواء تماثل اللّيّنان أم اختلفا، فمثال الواوين: أَوّلُ وأَوَائِلُ أصله: أَواوِل.

ومثال اليائين: نَيّفٌ ونَيَائِفُ، وأصله: نَيَايِفُ.

ومثال ما اختلفا فيه: سَيّد وسَيَائِد، وأصله: سَيَاوِدُ.

أمّا الموضع الذي اختصّت فيه الواو بالقلب همزة وجوباً، فذاك عند اجتماع واوين في صدر الكلمة بشرط ألاّ تكون ثانيتهما مدة غير

ص: 379

أصلية، ومثال ذلك (أُوَلٌ) جمع أُوْلى، وأصله (وُوَلٌ) على مذهب من جعله من (وول) كما سبق به البيان1 و (أُوْلَى) وأصلها (وُولَى) وأُواصل جمع: وَاصِلة.

أمّا قلب أحرف العلّة همزة جوازاً، فهو خاصّ بالواو والياء؛ وهما كما يلي:

1-

تُقلب الواو همزة جوازاً - باتفاق - إذا وقعت مضمومة ضمّة لازمة غير مشدّدة ولا موصوفة بموجب الإبْدال؛ وذاك نحو: (أَدْؤُر) في (أَدْوُر) جمع دَارٍ، وأُجُوه في (وُجُوُهٍ) جمع: وَجْهٍ.

ويُجيزُ المازنيّ قلب الواو المُصدّرة المكسورة همزةً قياساً مُطّرداً؛ نحو: إِشَاحٍ في: وِشَاح، وإِسَادة في: وِسَادَة، وإِعَاءٍ في: وِعَاءٍ 2. ويرى سيبويه أن يكون ذلك مقصوراً على السّماع 3.

2-

تُقلب الياء همزة جوازاً في موضع واحد؛ وهو أن تقع بين ألفٍ وياء مشدّدة؛ نحو: غائيّ ورائيّ، وذلك في النَّسب إلى: غايةٍ ورايةٍ. وتقلب أحرف العلّة همزة شذوذاً:

مثال قلب الواو همزة قولهم: مُؤْسَى في: مُوسى، والمُؤْقِدَان في: المُوقِدَانِ في قول جرير:

1 ينظر: ص (313) من هذا البحث.

2 ينظر: ينظر: المصنف 1/229، وشرح الشافية للرضى 3/204.

3 ينظر: الكتاب 4/331.

ص: 380

أَحَبُّ المُؤْقِدَانِ إليّ مُؤْسَى

وَجَعْدَةُ إِذْ أَضَاءهُمَا الوَقُودُ1

ومثال قلب الياء همزة شذوذاً قولهم: في أسنانهم أَلَلٌ؛ أي: يَلَلٌ، وهو: قِصَرُ الأسنان، أو ميلها إلى داخل الفم.

ومثال قلب الألف همزة شذوذاً، قولهم: العَأْلَم والمُشْتَئِقُ؛ في قول الرّاجز:

صَبْرا فَقَدْ هَيّجْتَ شَوْقَ المُشْتَئِقْ2

وأصله المُشتاق، فهَمَزه ضرورة؛ لأنها تُقابل لام (مُسْتَفْعِلُنْ) .

ب - تخفيف المهموز:

لا يخلو صوت الهمزة من صعوبة في النّطق؛ لبعد مخرجها في الحَلْق، وقد أشار إلى ذلك سيبويه؛ فقال:"اعْلَم أَنَّ الهَمْزَةَ إِنَّمَا فعَلَ بِهَا هَذَا مَنْ لّمْ يُخفّفها؛ لأنه بَعُدَ مخرجُها؛ ولأنّها نبْرةٌ في الصّدر تُخرج باجتهاد، وهِيَ أَبْعَدُ الحُرُوف مَخْرَجاً؛ فثَقُل عليهم ذلك؛ لأَنَّه كَالتَّهُوّع"3.

ولعلّ هذا ما جعلهم يتّبعون مذاهب العرب في أدائها؛ من حيث التّحقيق، والتّخفيف، والبدل4.

1 ينظر: ص (315) من هذا البحث.

2 ينظر: سرّ الصناعة1/91، والخصائص 3/145، وشرح الشافية للرضى 2/250، 3/204، وشرح شواهد الشافية 175.

3 الكتاب 3/548. والتهوع: التقيؤ. ينظر: اللسان (هوع) 8/377.

4 ينظر: الكتاب 3/541.

ص: 381

وتحقيق الهمزة هو إعطاؤها حقّها من الأداء1؛ وهو لغة تميم2؛ نحو قولك: قَرَأْتُ، وسَأَلَ، ولَؤُمَ، وبَئِسَ3. أما التّخفيف ففيه ثلاث صور؛ وهي 4:

1-

أن تُجعل الهمزةُ بينَ بين.

2-

أن تُقلب (تُبْدل)5.

3-

أن تُحذف.

أمّا الأول: فنُطْقُ الهمزةِ مع إضعاف الصوت وإخفائه، وعدم إتمامه؛ وله صورٌ ذكرها الصرفيون6.

أمّا الثّاني: وهو قلبها أو إبدالها حرفاً من حروف العلة الواو والياء والألف؛ وهو المهمّ هنا؛ لأنه من المواضع الّتي يكثر فيها تداخل الأصول؛ كالموضع السابق - أعني: همْز المعتلّ - ولكنّه على عكسه.

1 ينظر: اللهجات في الكتاب 314.

2 ينظر: الكتاب3/42،533، وشرح المفصل لابن يعيش 9/107، والبحر المحيط 1/204، 3/236، والمزهر 2/276، واللهجات في الكتاب 314.

3 ينظر: الكتاب 3/541.

4 ينظر: الكتاب 3/541، ودقائق التصريف252.

5 يجوز هنا أن يستخدم مصطلحان؛ لأن الإعلال بالقلب في حروف العلة، والهمزة فرع من الإبدال؛ بينهما العموم والخصوص؛ فكل قلب بين تلك الحروف إبدال؛ وليس العكس.

6 ينظر: الكتاب 3/541،542.

ص: 382

ومِلاكُ القول في هذا أنّ الهمزة تُقلب حرفَ علةٍ وجوباً وجوازاً على النّحو التالي1:

أولاً: قلب الهمزة حرف علةٍ وجوباً:

وهذا يكون في موضعين: أحدهما الجمع الأقصى على (مَفَاعِل) فتُقلب فيه الهمزة ياءً؛ إن كانت عارضة في الجمع، وكانت لام الجمع معتلة أو مهموزة؛ نحو: قَضَايا2 جمع: قَضِيّةٍ، ومطايا جمع: مطيّة، وخطايا جمع: خَطِئةٍ.

وتُقلب واواً: إذا كانت لام المفرد واواً سلِمت فيه من الإعلال؛ نحو: أَدَاوَى، وأصله (أَدَائِوُ) .

وثانيهما: أن تلتقي همزتان في كلمة واحدة؛ فيجب قلب الثّانية حرف علة؛ لأن الثّقل حصل منها؛ نحو: آمَنَ، أصله: أَأْمَن، وإِيثَار أصله: إِئْثَار، وأُوتُمِن أصله: أُؤْتُمِن، وأَوَادِم في جمع آدَمَ، وأصلها: أَأَادِمُ.

ثانياً: قلب الهمزة حرف علة جوازاً:

ويكون ذلك في موضعين:

1 ينظر: شرح الشافية للرضى 3/59، ومنجد الطالبين 52، والقواعد والتطبيقات 36-47.

2 قلبت الياء الأولى همزة لوقوعها بعد ألف (مفاعل) وهي - في المفرد - مدة زائدة؛ فصارت: قضائي، وفتحت الهمزة العارضة للتخفيف، كما في عَذاري ومَداري؛ فصارت: قضاءيُ، ثم قُلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ فصارت قضاءا؛ فاجتمع شبه ثلاث ألفات فقلبت الهمزة ياء فصارت: قضايا. ينظر: القواعد والتطبيقات 37.

ص: 383

1-

إذا سُكّنت الهمزة المفردة؛ وتحرك ما قبلها جاز قلب الهمزة من جنس الحركة السّابقة؛ نحو: رَاسٍ في رَأْسٍ، وبِير في: بِئْر، ومُومن في: مُؤْمن.

2-

إذا انفتحت الهمزة وضُمّ ما قبلها أو كُسر جاز قلب الهمزة من جنس حركة ما قبلها؛ نحو: جُوَنٍ في: جُؤَنٍ، ومِيرَة في: مِئَرَةٍ.

ومن هنا عُرف فيما جاء على التّحقيق أو جاء مهموزاً تارة ومخفّفاً تارةً أخرى أنّ الأصل فيه الهَمْز "لأن ما كان مهموز الأصل فتخفيفه جائز، وما لم يكن مهموزاً في الأصل فهَمْزُه لحن، إلاّ ما كانت فيه علة موجبة لذلك"1 كما تقدم في هَمْز المعتلّ.

على أن التسهيل - هنا - لا يُؤخذ على إطلاقه، فثمّة شرط يجب أن يتوفّر فيما يُخفّف؛ وهو ألاّ يؤدّي ذلك إلى تغيير دلالة اللّفظ؛ فالمُؤْكِلُ والمُوكِلُ، وزَأَرَ وزار، وبَدَأَ وبدا؛ ليس أحدهما مخفّفاً من الآخر؛ بل كلٌ منهما أصل مستقلٌ؛ لاختلاف المعنى بين الأصلين المهموز وغير المهموز2؛ ألا ترى أنّ المُؤْكِل: المُطْعِمُ، والمُوكِل: مَنْ وكّل غيره على أمر ليقوم به، وزَأَرَ الأسد: إذا صاح وزمْجر، وزار الرجل جاره بمعنى: عاده، وبدأ بالشيء، أي: فعله ابتداءً قبل غيره، أمّا بدا فمن قولهم: بدا يبدو إذا ظهر، وبدا إذا تحول إلى البادية، ونحوه. وقد يؤدّي مثل ذلك إلى تداخل الأصول، أو الشّك فيها؛ كقول الرّاجز:

يَا صَاحِ أرْحِلْ ضَامِرَات العِيسِ

وابْكِ عَلَى لَطْمِ ابْنِ خَيْرِ الفُوسِ 3

1 اشتقاق أسماء الله 294.

2 ينظر: شرح النظم الأوجز (مقدمة المحقق)11.

ص: 384

وبدأ بالشيء، أي: فعله ابتداءً قبل غيره، أمّا بدا فمن قولهم: بدا يبدو إذا ظهر، وبدا إذا تحول إلى البادية، ونحوه. وقد يؤدّي مثل ذلك إلى تداخل الأصول، أو الشّك فيها؛ كقول الرّاجز:

يَا صَاحِ أرْحِلْ ضَامِرَات العِيسِ

وابْكِ عَلَى لَطْمِ ابْنِ خَيْرِ الفُوسِ 1

1 ينظر: اللسان (فأس) 6/158، وأنبه على أن في طبعة (دار صادر) لـ (لسان العرب) :(الفؤوس) ومثلها في طبعة (دار لسان العرب) وفي طبعة (بولاق) : (الفُؤْس) والراجح (الفُوْس) .

أما (الفؤوس) فيأباه الوزن، وأما (الفؤس) فتأباه القافية؛ لأنها مردوفة بالواو أو الياء؛ وهما يتعاقبان في الردف في القصيدة الواحدة؛ كـ (صَبُور) و (سَمير) فدّل ذلك على أنها (الفُوس) بدلالة ما في آخر البيت الأول وهو (العيس) لأن الظاهر أن البيتين من مشطور الرجز؛ وإنما لم أقطع بذلك لأنه يجوز أن يكونا بيتاً واحداً مُصرّعاً؛ كما يقع في العادة في أول القصيدة.

ومهما يكن من أمر فإن الرّويّ يرجح (الفُوْس) ويؤكد ذلك ما حكاه ابن منظور في تعليقه على أصل الكلمة، الذي أثبّته في المتن، أتراه يقول ما قال لو كانت:(الفُؤُوْس) ؟ أو حتى (الفُؤْس) ؟ بل إنه قال ذلك لما رآه (الفُوْس) فاحتملت الوجهين اللذين أشار إليهما، أي أنها في الأصل (الفؤوس) ثم حُذف منها للضرورة إما عين الكلمة وهو الهمزة، أو واو الجمع، وحذف العين أولى؛ لأن الواو جاءت لمعنى، وهو الجمع؛ فهي أولى بالبقاء؛ فإن كان المحذوف العين فوزن (الفوس)(الفُوْل)، وإن كان الواو فالوزن (الفُعْل) لأنه بعد الحذف:(الفُؤْس) سُكّنت الهمزة وقد كانت مضمومة لضرورة الشعر، ثم سهلت الهمزة لضرورة القافية. والله أعلم بالصواب.

ص: 385

ألا ترى إلى ما حكاه ابن منظور في التّعقيب على البيت بقوله: "لا أدري أهو لجمع فأس، كقولهم: رُؤُوس في جمع: رأس، أم هي من غير هذا الباب؛ من تركيب (ف وس) "1.

ومنه تداخل الأصلين في (مُؤْهِب) في قول الشّاعر:

جَيْشُ المِحَمّيْنِ حَشّ النّارَ تَحْتَهُما

غَرْثَانُ أَمْسَى بِوَادٍٍ مُؤهِبِ الحَطَبِ 2

قال أبو علي: "فمن أخذه من: الأُهْبَةِ والتّأهّب هَمَزَ إن شاء، ومن أَخَذَه من: وَهَبَ، وجعل الفاء والواو لم يَهْمِز، إلا على قول من قال: مُؤْسَى، وقد تُؤُوِّلَ البيت على الأمرين جميعاً"3.

ولِيَتَمَيَّزَ الأصلان اشتغل فريق من علماء العربية في جمع ما يُهمز وما لا يُهمز من النّوعين: فأفرد ابن السكيت - مثلاً - أبواباً للهمْز في كتابه (إصلاح المنطق) ممّا يُقال بالهمزة مرّة وبالواو مرّة أخرى4، وما

1 اللسان (فأس) 6/158.

2 ينظر: الحجة للقراء السبعة 1/243، وأساس البلاغة (وهب)510.

3 الحجة للقرّاء السبعة 1/243.

4 ينظر: إصلاح المنطق 159.

ص: 386

يُقال بالهمز والياء1، وما هَمَزَه بعض العرب وترك هَمْزه بعضهم2، وما تركت العرب هَمْزه3، ونحو ذلك. وأفرد ابن قتيبة4 وابن سيده5 مثل تلك الأبواب.

ثمّ جاء ابن مالك؛ فألّف كتاباً جامعاً في ذلك سمّاه: (شرح النظم الأوجز في ما يُهمز وما لا يهمز) جمع فيه أقوال السّابقين، وزاد عليها.

أمّا تخفيف الهمزة بحذفها - وهو الصورة الثالثة - فيكون في "كلّ همزة متحركة كان قبلها حرف ساكن؛ فأَردت أن تخفّف حَذَفْتَها، وألقيت حركتها على السّاكن الذي قبلها؛ وذلك قولك: مَنَ بُوكَ؟ ومَنُ مُّكَ؟ وكَمِ بِلُك؟ إذا أردت أن تُخفّف الهمزة في الأبّ والأمّ والإبل"6.

ومن ذلك قولهم: المَرَةُ والكَمَةُ في: المرأة والكمأة؛ وهو نوع من النّبات.

1 ينظر: إصلاح المنطق 159.

2 ينظر: إصلاح المنطق 151.

3 ينظر: إصلاح المنطق 158.

4 ينظر: أدب الكاتب 568-570.

5 ينظر: المخصص: 14/2-19.

6 الكتاب 3/545.

ص: 387

أمّا البدل - وهو المذهب الثالث في مذاهب العرب في أداء المهموز - فالمقصود منه عموم البدل بين الهمزة وغيرها؛ فيدخل فيه المعتلّ وغير المعتلّ؛ كالتّبادل بين الهمزة والعين. أمّا المعتلّ فقد مرّ ذكره؛ وهو الصورة الثّانية من صور تخفيف الهمزة، أمّا التّبادل بين الهمزة وغير المعتلّ فليس من مواضع هذا المبحث.

والّذي يراه البحث فيما جاء مخفّفاً وأصله الهمز، أو جاء مهموزاً وأصله غير الهمز والمعنى واحد، أن يُذكر في المعاجم في موضع واحد؛ لأنّه ليس له إلاّ أصل واحد؛ وللحفاظ على اطّراد النّظام المعجميّ الدّقيق، ودرء اتّساع معاجم القافية؛ مما لا موجِب له، ولتيسير سبيل اطّلاع القارئ على كلّ ما جاء في المادّة الواحدة في مكان واحد.

ولا بدّ - هنا - من الإشارة إلى أنّ التّداخل بين المعتلّ والمهموز، في هذا المبحث، لا يُعزى كلُّه إلى همز المعتلّ أو تخفيف المهموز؛ إذ قد يُعزى إلى أسباب أخرى مختلفة؛ راجعة إلى طبيعة المعتلاّت كما أشرنا إلى ذلك فيما مضى، أو إلى طبيعة المهموز، أو إليهما معاً، وبخاصّة إذا وقعت الهمزة أو المعتلّ في أوّل الكلمة؛ وهو من مواضع زيادتهما؛ وكثيراً ما تلتبس بالأصليّ.

والقسمة الجامعة للتّداخل في هذا المبحث على النحو التّالي:

أ- التّداخل بين المثال والمهموز.

ب- التّداخل بين الأجوف والمهموز.

ص: 388

ج- التّداخل بين النّاقص والمهموز.

د- التّداخل بين اللّفيف والمهموز.

وعلى أنّ المراد من ذلك هو التّداخل بين الأصل المعتلّ والأصل المهموز؛ وليس المراد التّداخل بين الحرف والحرف.

أ - التّداخل بين المثال والمهموز.

يكثر التّداخل بين المثال والمهموز؛ لما مرّ من التّعاقب بين حرف العلّة والهمزة؛ أو لأن الهمزة وحروف العلّة قد يلتبس أمرها بين الأصالة والزّيادة في أوّل الكلمة. وفيما يلي بيان ذلك، وتفصيل حال التّداخل فيه:

فمن هذا النّوع تداخل (وح د) و (أح د) في (أحد) و (إحدى) أوّل العدد؛ وهما يحتملان الأصلين:

الرّاجح عند الجمهور أن الأصل (وح د) وأنّ الهمزة فيه مبدلة من الواو، وقد كان سيبويه يرى هذا؛ فقد قال:"وقالوا: أَحَدٌ؛ وأصله: وَحَدٌ؛ لأنّه واحد؛ فأبدلوا الهمزة لضعف الواو عوضاً لما يدخلها من الحذف والبدل"1. ويدلّ على أنّ أصله الواو - أيضاً - مجيئه بالواو؛ كقول النّابغة:

1 الكتاب 4/ 331.

ص: 389

كَأَنّ رَحْلِي وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا

بِذِي الجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأْنِسٍ وَحَدِ1

وقولهم (مَوْحَدٌ) يدلّ على أصالة الواو، ولو كانت الهمزة أصليّة لقالوا:(مَأْحَدٌ) ؛ مثل: مَأْخَذٍ من: أَخَذَ، ومَأْكَلٍ من: أَكَلَ، قال الشّاعر:

ولَكِنّمَا أَهْلِي بِوَادٍ أَنِيسُه

سِبَاعٌ تَبَغَّى النَّاسَ مَثْنى ومَوْحَد2

ويجوز أن يكون أصله (أح د) وهو بعيد؛ يردّه ما تقدّم، ولا يجوز أن يُقال: إنّ (الواحد) لا دليل فيه؛ إذ يجوز أن يكون أُبدل من الهمزة واو؛ فراراً من اجتماع الهمزتين3؛ وهو ثقيل كما تقدّم؛ فيكون أصله حينئذ (آحِداً) لأنّ ذلك غير مألوف في العربيّة؛ ألا تراهم لم يقولوا في: الآكِل والآمِل والآمِن والآسِر، ونحو ذلك: الواكل والوامل والوامن والواسر. وعلى الرُّغْم من ذلك فقد وضعه أكثر المعجميّين في الأصلين، ومنهم: الجوهريّ4 وابن منظور5 والفيروزآباديّ6.

1 ديوانه 17، وينظر: الزّينة 2/36، واشتقاق أسماء الله 91.

2 هو ساعدة بن جؤّيّة الهذلي. ينظر: شرح أشعار الهذليين 3/1166، والزّينة 2/36.

3 أعني الهمزة والألف.

4 ينظر: الصحاح (أحد) 2/440، و (وحد) 2/548.

5 ينظر: اللسان (أحد) 3/70، و (وحد) 3/446.

6 ينظر: القاموس (أحد) 338، (وحد)414.

ص: 390

ووضعه الزمخشريّ1 في (وح د) عل الصّحيح.

ومنه تداخل (أب ب) و (وب ب) في (الوَبِّ) وهو: التّهيّؤ للحملة في الحرب؛ يقال: وبّ الرّجل؛ إذا تهيّأ للحملة في الحرب؛ وهو يحتمل الأصلين:

جعله الأزهري2 من (أب ب) وذكر أنّ الواو في (الوَبِّ) مبدلة من الهمزة.

وجعله الصّاغانيّ3 من (وب ب) وتابعه الفيروزآباديّ4. وذكره ابن منظور5 في الأصلين.

ومن أمثلة هذا النّوع تداخل (ود د) و (أد د) في (أُدَد) وهو أبو عدنان؛ أدُّ بن طابخة بن إلياس بن مضر6، وهو يحتمل الأصلين:

ذهب ابن دريد إلى أنّ أصله (ودد) وقال: "وأحسب أن الهمزة في: أُدٍّ، واو؛ لأنه من الوُدِّ أي الحب فقلبوا الواو همزة، لانضمامها؛ نحو

1 ينظر: أساس البلاغة (وحد)493.

2 ينظر: التهذيب (15/599) .

3 ينظر: التكملة (وبب) 1/282.

4 ينظر: القاموس (وبب)180.

5 ينظر: اللسان (أبب) 1/205، (وبب) 1/791.

6 ينظر: جمهرة النسب 189، وجمهرة أنساب العرب 198.

ص: 391

{أُقِّتَتْ} 1 وأُرِّخ الكتاب؛ الأصل: وُرِّخ2، ووَقِّتَتْ"3.

وذهب الجوهريّ4 إلى أنّ أصله (أدد) وتابعه ابن منظور5 والفيروزآباديّ6.

ويتداخل في هذا النوع (أل ق) و (ول ق) في (الأَوْلَق) وهو: ضرب من الجنون؛ وهو يحتمل الأصلين.7 يجوز أن يكون أصله (أل ق) من تألّق البرق إذا خفق؛ وذلك أنّ الخفوق ممّا يصحبه الانزعاج والاضطراب، وكذلك الأولق؛ فوزنه - حينئذ (فَوْعَل) وهو مذهب سيبويه8 والجمهور، واستدلّوا على ذلك بقولهم: أُلق الرّجل؛ فهو مألوق9؛ فدلّ ذلك على أصالة الهمزة.

1 سورة المرسلات: الآية 11.

2 الأعرف أن (وَرّخ) لغة في (أرّخ) وأن الهمزة هي الأصل. ينظر: اللسان (أرخ) 3/4.

3 الجمهرة 1/55.

4 ينظر: الصحاح (أدد) 2/440.

5 ينظر: اللسان (أدد) 3/71.

6 ينظر: القاموس (أدد)338.

7 ينظر: الكتاب 3/195، والأصول 3/232، وما ينصرف 15، والتكملة للفارسي 232، والواضح 264، والمنصف 1/113، والتخمير 4/306، وسفر السعادة 1/94.

8 ينظر: الكتاب 3/195.

9 ينظر: المقتصد 2/787.

ص: 392

وربّ قائل يقول: إنّه ليس في قولهم: (أُلِقَ) دليل على أصالة الهمزة؛ فقد تكون منقلبة عن الواو المضمومة؛ فيكون أصله - حينئذ (وُلِقَ) ثمّ قُلبت الواو همزة؛ على حدّ قولهم: (أُزِنَ) و (أُعِدَ) في: (وُزِنَ) و (وُعِدَ) فلا تكون حجة في (أُلِقَ) .

فالجواب أنّ قولهم: مألوق دليل أصالة الهمزة؛ فلو كانت الهمزة في (أُلِقَ) منقلبة عن الواو في (وُلِق) لزالت في اسم المفعول لزوال الضّمّة الموجبة للقلب؛ فكان يجب أن يُّقال - حينئذ (مَوْلُوقٌ) كما يقولون: (أُعِدَ) فهو (مَوْعود) ولم يُسمع قولهم: (مَأْعود) كما لم يقولوا: (مَوْلُوقٌ) وكقولهم: اُقِّتَت وتَوَقَّتَت؛ فاستُدلّ بذلك على أنّ الهمزة في (أُلِقَ) أصليّة غير منقلبة عن واو.1

قال ابن جنيّ: "ولو جاز لمدعٍ أن يقول: إنّ أصل أُلِقَ: وُلِقَ - من غير دلالة، ومع أنّ الهمزة ثانية في تصريف الكلمة بحيث لا موجب للقلب - لجاز لآخر - أيضاً - أن يقول: إنّ أصل: أُخذ: وُخِذَ، وإنّ أصل: أمّ: وُمّ، وإنّ أصل أُكل: وُكل، من غير دلالة ولا ثبت.

ولو جاز ذلك لخرج الأمر من باب طريق العلم إلى الجهل، وارتكاب ما لا حقيقة له، واعتقاد ما لا دليل عليه".2

1 ينظر: المنصف 1/114، والمقتصد 2/787.

2 المنصف 1/116.

ص: 393

وهذا - أعني القول بأنّ الأصل (أل ق) - مذهب الجماعة؛ كابن السّرّاج1 والزّبيديّ2 وأبي عليّ3 وابن جنّيّ4 والصّيمريّ5 والجواليقيّ6 وابن يعيش7 والرّضيّ8 والسّخاويّ9.

وجعله الجوهريّ - أيضاً - من (أل ق) وفاقاً للجمهور، غير أنّه سها رحمه الله في استدلاله على أنّه يجوز أن يكون (أَفْعَل) بقولهم: أُلِقَ الرجل فهو مَأْلوقٌ، وهو دليل لعكس ما ذكر، وهو (فَوْعَل) .

2-

ويجوز أن يكون أصله (ول ق) فيكون وزنه (أَفْعَل) واشتقاقه - حينئذ - من (وَلَقَ) يَلِق إذا أسرع، ومنه قراءة عائشة وابن عباس رضي الله عنهما:{إذ تَلِقونَه بألسنتكم} 10 وقول الشاعر:

1 ينظر: الأصول 3/232.

2 ينظر: الواضح 264.

3 ينظر: التكملة 232.

4 ينظر: المنصف 1/113-116، والخصائص 3/291.

5 ينظر: التبصرة 2/789.

6 ينظر: مختصر شرح أمثلة سيبويه 47.

7 ينظر: شرح المفصل 9/145.

8 ينظر: شرح الشافية 2/343.

9 ينظر: سفر السعادة 1/94.

10 سورة النور: الآية 15، وينظر: مختصر شواذ القرآن 100، والمحتسب 2/104.

ص: 394

جَاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشَّامِ تَلِقْ1

وأصل (تَلِق)(تَوْلِقُ) . ولعلّ أول من ذهب إلى هذا: الكسائيّ.2

ويحتمل - أيضاً - أن يكون على وزن (فَوْعل) كالسّابق، ولكن من الأصل (ول ق) فيكون أصل أَوْلَق:(وَوْلَق) أُبدلت الواو الأولى فيه همزة؛ لالتقاء الواوين في أولّ الكلمة؛ على حدّ قولهم في تصغير: وَاصل (أُوَيْصِلٌ) وأصله (وُوَيْصلٌ)3.

وتظهر ثمرة هذا الخلاف عند التّسمية به، فإن جُعل (أَفْعَل) فإنّه لا ينصرف، وإن جُعل على وزن (فَوْعَل) فإنّه ينصرف. والرّأي هو ما عليه الجمهور من أنّ أصله (أَلَقَ) وأنّه (فوعل) لقوّة ما استدلوا به.

وتبعاً لاختلافهم في أصل هذا اللفظ اختلفت المعاجم فيه؛ فقد ذكره الأزهريّ4 في (أل ق) وكذا الجوهريّ5.

1هو: القُلاح بن حزن المنقريّ؛ ينظر: تهذيب الألفاظ 299، وما ينصرف 15، والتكملة 232، والمحتسب 2/104، والمحكم 6/350، وإيضاح شواهد الإيضاح 2/890.

2 ينظر: المنصف 1/116.

3 ينظر: ما ينصرف 15، والخصائص 1/9، وإيضاح شواهد الإيضاح 2/890.

4 ينظر: التهذيب 9/310.

5 ينظر: الصحاح (ألق) 4/1447.

ص: 395

وذكره ابن فارس1 في (ول ق) .

وذكره جماعة من المعجميّين في الموضعين؛ ومنهم: ابن سيده2 وابن منظور3 والفيروزآباديّ4.

ومن ذلك (أوْهَدَ) وهو من أسماء يوم الاثنين؛ ويحتمل الأصلين (أهـ د) و (وهـ د) :

ذهب كراعٌ5 إلى أنه (فوعل) فيكون أصله (أهـ د) لأنّه نظير (أَوْلَق) .

على أنّه لا دليل فيه على أصالة الهمزة؛ كـ (أَوْلَق) وحمله عليه لا يكفي، ويُضعفه ـ أيضاً ـ أنّ (أهـ د) أصل مهمل. وقياس مذهب سيبويه6 أن يكون (أوْهَد) من (وهـ د) ولا يُقاس على (أَوْلَق) عنده؛ لأنه لا دليل فيه ـ كما ذكرت ـ كما في (أَوْلَق) ولذلك حُمل على (أَفْعَل) لأنّه أكثر من (فَوْعَل) .

1 ينظر: المقاييس (ولق) 6/145.

2 ينظر: المحكم (ألق) 6/292، و (ولق) 6/350.

3 ينظر: اللسان (ألق) 10/7، و (ولق) 10/384.

4 ينظر: القاموس (ألق) 1117، و (ولق)1199.

5 ينظر: المحكم 4/298، وذكره كراع في المجرد 235 ولم يذكر وزنه.

6 ينظر: الكتاب 3/195.

ص: 396

وفي هذا الأصل ذكره: ابن سيده1، وابن منظور2، والفيروزآباديّ3.

ومن ذلك تداخل (وأ ب) و (ت أب) في (التَّوْأَبَانِيَّينِ) وهما قادمتا الضّرع في قول الشاعر:

فَمَرَّتْ عَلى أَطْرَافِ هِرٍّ عَشِيَّةً

لَهَا تَوْأَبَانِيَّانِ لَمْ يَتَفَلْفَلا 4

وكان الأصمعي يقول: "ولا أدري ما أصل ذلك"5 يريد أنه لا يعرف اشتقاقه، ومن أين أُخذ؟

وشكّك أبو عبيدة فيه، وذكر أنّ العرب لاتعرفه6.

فإن كان هذا عربيّاً فإنه يحتمل الأصلين:

1 ينظر: المحكم (وهد) 4/298.

2 ينظر: اللسان (وهد) 3/471.

3 ينظر: القاموس (وهد)418.

4 هو ابن مقبل. ينظر: الصحاح (تأب) 1/90، وقوله:(لم يتفلفلا) أي: لم تسود حلمتهما.

5 ينظر: التنبيه والإيضاح 1/44.

6 ينظر: الصحاح (تأب) 1/90.

ص: 397

يجوز أن يكون أصله (ت أب) وهو رأي الجوهريّ1، وتابعه ابن منظور2.

ويجوز أن يكون أصله (وأ ب) وإلى هذا ذهب أبو عليّ الفارسيّ3، وذكر أنّ تَوْأَبَاً (فَوْعَل) والتّاء بدل من الواو، فهو من الوَأْب؛ لأن الثّدْيَ الصّغير صُلب متوتِّر، وذاك أنّ نزول اللّبن فيه، وارتضاع الفصيل منه لم يُرْخه، ووصْفه بالصّلابة كوصفهم الحافر بها في قول الراجز:

بِكُلِّ وَأبٍ لِلْحَصَى رَضَّاخِ4

وقاسه - أيضاً - على (حَوْفَزَان) وهو اسم رجل، و (حَوْتَنَان) وهو اسم موضع؛ وهما (فَوْعَلان) وكذلك (تَوْأَبَان) . فيكون أصله قبل القلب - على رأي أبي عليّ (وَوْأَبَان) ثمّ أُلحق ياءً مشدّدة زائدة5، كما زادوها في (عاريّة) وهم يريدون (عارة) وفي (أَحْمَرِيٍّ) وهم يريدون (أحمر) ثمّ ثنّوه فقالوا:(تَوْأَبَانِيَّانِ) .

1 ينظر: الصحاح (تأب) 1/90.

2 ينظر: اللسان (تأب) 1/225.

3 ينظر: البصريّات 1/233-235.

4 وهو: أبو النجم العجلي؛ ينظر ديوانه 81، والوأب: القدح الضخم الصلب، ورضّاخ من رضخ النّواهـ؛ إذا كسرها. ينظر: التّاج (وأب) 1/499.

5 ينظر: التنبيه والإيضاح (تأب) 1/45.

ص: 398

ب - التّداخل بين الأجوف والمهموز:

وهذا هو النّوع الثّاني من أنواع التّداخل؛ بين المعتلّ والمهموز، وهو ممّا يكثر فيه التّداخل.

فمنه تداخل (ل ي ت) و (أل ت) في قوله عز وجل: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} 1 أي: ما أنقصناهم؛ وهو يحتمل الأصلين:

يجوز أن يكون الأصل (أل ت) وذهب إلى ذلك الفرّاء؛ فقال: (الألت النّقص)2.

وهو مذهب الزّجّاج3 - أيضاً- فقد ذكر أنّه يُقال: أَلَتَه يَألِتُهُ: إذا نَقَصَه، ومنه قول الشاعر:

أَبْلِغْ سَرَاةَ بَنِي سَعْدٍ مُغَلْغَلَةً

جَهْدَ الرِّسَالَةِ لا أَلْتاً ولا كَذِبَا4

أي: لا نقصان. وعلى هذا فـ {أَلَتْنَاهُمْ} على وزن (فَعَلْنَاهُمْ) .

1 سورة الطور: الآية 21.

2 معاني القرآن 3/92.

3 ينظر: معاني القرآن وإعرابه 5/66.

4 وهو: الحطيئة كما في ديوانه 17، ينظر: معاني القرآن للفراء 3/92، والمحتسب 2/291، والجامع لأحكام القرآن 16/349.

ص: 399

ويقوّي هذا الأصل قراءة أبي عمرو ويعقوب في قوله عز وجل: {لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً} 1: {لا يَأْلِتْكُم} 2

ويقوّيه - أيضاً - قراءة ابن هرمز: (ألتناهم) بالمدّ؛ من: آلَتَ على وزن (أَفْعَلَ) كما ذكر أبو حيّان3.

ويجوز4 أن يكون الأصل (ل ي ت) من قولهم: لاتَهُ يَليِتُهُ ليْتاً؛ إذا نقصه وصرفه، ومن ذلك قول الشّاعر:

وَلَيْلَةٍ ذَاتِ نَدًى سَرَيْتُ

وَلَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاهَا لَيْتُ5

أي: لم يصرفني عنها صارف، أو نقصٌ بي، أو عجزٌ منّي.

وعلى هذا التقدير فإنّ وزن {أَلَتْنَاهُمْ} (أَفَلْناهُم) وتقديره في الأصل: (أَليَتْنَاهُم)(أَفْعَلْنَاهُم) وتقديره بعد الإعلال: (أَلاْتنَاهُم) فَحُذِفَتِ العَين؛ وهيَ حرف العلّة؛ لالتقاء السّاكنين.

1 سورة الحجرات: الآية 14.

2 ينظر: التبيان 2/1172، وحجة القراءات 676، وإتحاف فضلاء البشر 2/486.

3 ينظر: البحر المحيط 8/149.

4 ينظر: معاني القرآن للفراء 3/92، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج 5/66، والمحتسب 2/290، والتبيان 2/1172.

5 ينظر: معاني القرآن للفراء 3/92، ومجاز القرآن 2/221، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج 5/66، والمحتسب 2/290.

ص: 400

ولات وألات من (ل ي ت) وهما من باب: فَعَلْتُ وأَفْعَلْتُ؛ بمعنى واحد1.

ويقوّي هذا الأصل - أعني: ل ي ت - قراءة: {مَا لِتْنَاهُم} 2 وقوله عز وجل: {لا يَلِتْكُمْ} 3 فهو من (ل ي ت) والأصل فيه ـ قبل الجزم (يَلِيتُكم) وقد حُذِفت الياء بعد الجزم؛ لالتقاء السّاكنين.

وقد ذكره ابن منظور في الأصلين4.

وليس - هنا - ما يُرجَّح به أصل على الآخر؛ فلكل منهما وجه في اللّغة والصّناعة، ولا أستبعد أن يكون (أل ت) و (ل ي ت) من مقلوب (ل أت) ثمّ خُفِّفَتِ الهمزة؛ فنُسي الأصل؛ فجاء المضارع بالياء، فقالوا: لاتَ يَلِيتُ.

ولو قال قائل: إنّهما أصلان من باب التّرادف لكان وجهاً؛ ألا ترى أنّ الجوهريّ5 سوّى بينهما؛ فلا تداخل - حينئذ - لأنّهما أصلان مترادفان؛ مثل: جَدَّ ودَأَبَ، والأسد واللّيث.

1 ينظر: فعلت وأفعلت للزجاج 85، وما جاء على فعلت وأفعلت 66، وثلاثيات الأفعال 74.

2 ينظر: إتحاف فضلاء البشر 2/496، والمحتسب 2/290.

3 سورة الحجرات: الآية 14.

4 ينظر: اللسان (ألت) 2/4، و (ليت) 2/86.

5 ينظر: الصحاح (ألت) 1/241.

ص: 401

على أنّ اليزيديّ1 جعل لغة أَلَت بمعنى: نقص أكثر من أختها؛ فإن صحّ ما قال يكون (أل ت) هو الأصل. ويتداخل (أون) أو (أي ن) و (م أن) في (مَؤُونَةٍ) وهي: الإنفاق على العيال وغيرهم، وقد اختلفوا في أصلها:

يرى سيبويه2 أنّ الأصل (م ون) فهي (فَعُولَة) من: مُنْتُ الرّجل أمونُه، وأصلها (مَوُوْنَة) بلا همز؛ كقولهم: قَوُوْمٌ من القيام، ونَوُوْم من النّوم ثمّ هُمزت الواو الأولى استحساناً للزوم الضّمّة لها؛ فصارت مَؤُونَة مثل: قَؤُوم ونؤُوم. ويدلّ على ذلك قولهم: مانه يمونه؛ إذا احتمل مَؤونته، وقام بكفايته؛ وهذا اشتقاق ظاهر3.

وذهب الفرّاء إلى أن أصلها (أي ن) من الأيْن؛ وهو التّعب الشّديد؛ فيكون المعنى على هذا الاشتقاق أنّه عظيم التّعب في الإنفاق على من يعول ووزن مَؤُونَة عند الفرّاء (مَفْعُلَة) لأنّ الأصل (مَأْيُنَةٌ) نُقِلت الضّمة إلى ما قبلها، وقُلبت الياء واواً.

1 ينظر: الصحاح (ألت) 1/241.

2 ينظر: المحتسب 1/214، ولم أقف عليه في الكتاب، ولعله مما يُنسب إليه؛ ولم يكن في الكتاب.

3 ينظر: شرح الشّافية للرضيّ 2/349.

ص: 402

ولا يجوز على مذهب الخليل1 في الإعلال أن تكون (مَؤُوْنَةٌ) من (الأَيْن) لأنّها لو كانت منه لقالوا: (مَئِينَةٌ) كما قالوا: (مَعِيشَة) وهي (مفعلة) ولكنّ (مَعْيُشَةً) حين أُعلّت بنقل ضمّة الياء إلى العين أُبدل من الضمّة كسرة؛ لتسلم الياء بعدها.

ويجوز على مذهب الأخفش2 أن تكون (مَؤُونَة) من (الأَيْنِ) لأنّه أجاز (مَعُوشَةً) من العيش.

ويرى ابن السّرّاج أنّ (مَؤُونة)(مَفْعَلة) ولكنّها من (أون) واشتقاقها من الأوْن؛ فهو يقول "ومَؤُونة ـ عندي؛ وهو القياس (مفعلة) مأخوذ من الأوْن، يُقال للأتان إذا أقْربت3، وعظُم بطنها: قد أوّنت، وإذا أكل الإنسان وشرب، وامتلأ بطنه وانتفخت خاصرتاه، يقال: أوّن تأْويناً؛ قال رؤبة:

سرّاً وقد أَوَّنَ تَأوين العُقُق4

ويُقال - أيضا - الأوْنان جانبا الخُرج، فينبغي أن يكون: مَؤُونة مأخوذة من: الأوْن؛ لأنّها ثِقَل على الإنسان"5.

1 ينظر: الأصول 3/349.

2 ينظر: شرح الشّافية للرضيّ 3/349، والمنصف 1/298.

3 أي: فرب وقت ولادتها.

4 ينظر: ديوان رؤبة 108.

5 الأصول 3/349، 350.

ص: 403

ولا يرد على ابن السراج ما يرد على الفرّاء؛ لأنّ العين واو.

وما عُزي إلى سيبويه من أنّها (فعولة) من (المَوْن) أقرب - في الاشتقاق - من مذهب ابن السّرّاج؛ لقولهم: مانه يمونه؛ وهما متساويان في التّصريف.

على أنّ الشّيخ عبد القادر المغربيّ1 رجّح الأصل المعتلّ، وأنّها (مَفْعُلة) وذكر أنّهم إنّما قالوا: مَأَنَه يَمْؤُنُه؛ على توهّم أصالة الميم؛ لمّا كثر استعمال الكلمة، ثمّ خفّفوه إلى: مانه يمونه.

وقد تأثّر أصحاب المعاجم بالخلاف في أصل هذه الكلمة؛ فمنهم من اختار أصلا واحداً، ومنهم من وضعها في الأصلين، ومنهم من وضعها في ثلاثة أصول؛ فقد وضعها الفيروزآباديّ2 في (م أن) ووضعها الجوهريّ3 في الأصلين، ووضعها ابن منظور4 في ثلاثة:(أون) و (م أن) و (م ون) .

ومن أمثلة هذا النّوع تداخل (ق وب) و (ق ب أ) في (قُوْبَاء) على لغة تسكين الواو: داء يظهر على الجلد؛ وهو يحتمل الأصلين:

1 ينظر: الشواهد على قاعدة توهم أصالة الحرف 365.

2 ينظر: القاموس (مأن)1590.

3 ينظر: الصحاح (مأن) 6/2198، و (مون) 6/2209.

4 ينظر: اللسان (أون) 13/39، و (مأن) 13/396، و (مون) 13/425.

ص: 404

ذهب سيبويه1 إلى أنه من (ق وب) ووزنه (فُعْلاء) وعلى هذا الجمهور2.

ويجوز أن يكون أصله (ق ب أ) ووزنه (فُوعَال)3.

وقد يكون في قولهم: (هذا قُوْبَاء) بالتّذكير والصّرف دليل على أصالة الهمزة؛ غير أنّ سيبويه حمله على الإلحاق ببناء فُسطاط مستدلاً بالتّذكير والصّرف4.

ومن التّداخل بين الأجوف والمهموز ما وقع في (أُعْيَبَ) وهو موضع باليمن، إذ يحتمل الأصلين (ع ي ب) و (أع ب) :

فقيل5 إنّه (فُعْيَل) فيكون أصله - حينئذ - (أع ب) .

وجعله الصّاغانيّ6 من (ع ي ب) فيكون وزنه (أفْعَل) وقال: إنه الصّواب، وقد أُخرج على الأصل.

وأجاز الفيروزاباديّ7 الوجهين، وأدّى ذلك إلى اعتراض الزّبيديّ عليه بقوله:(وقد سبق في كلام المصنّف في (ع ل ب) أنّه ليس في

1 ينظر: الكتاب 4/257.

2 ينظر: الأصول 3/196، وأدب الكاتب 565، والممتع 1/122، والمساعد 4/65.

3 ينظر: المساعد 4/65،67،86.

4 ينظر: الكتاب 3/215.

5 ينظر: التكملة للصاغاني (عيب) 1/224.

6 ينظر: التكملة للصاغاني (عيب) 1/224.

7 ينظر: القاموس (عيب)152.

ص: 405

كلامهم (فُعْيَل) غير: عُلْيَب1، ولو كان: أُعْيَبُ (فُعْيَلاً) لوجب ذكره في الهمزة) 2.

ويتداخل (ت ور) أو (ت ي ر) و (ت أر) في (تارة) وهو اسم يدل على وقت؛ ويحتمل الأصلين:

يجوز أن يكون أصله (ت ور) أو (ت ي ر) حملاً على الظّاهر، وقد أورده ابن منظور3 في هذا الأصل، وجعله الجوهريّ4 من (ت ي ر) وصنيع ابن منظور أقرب؛ لأنّ الواو أغلب على العين من الياء.

وجعله ابن الأعرابيّ5 من (ت أر) وذكر أنّها في الأصل (تَأْرَةٌ) بالهمز، ولمّا كثُر استعمالها خُفّفت؛ فقالوا: تارة. وفيما يلي بعض ما وقع فيه التّداخل بين الأجوف والمهموز:

فيتداخل في الظَّأْب - وهو الزَّجَل (ظ أب) 6 و (ظ وب)7.

1 وهو: واد على طريق اليمن بتهامة. ينطر: معجم ما استعجم 2/965.

2 التّاج (عيب) 1/403.

3 ينظر: اللسان (تور) 4/96.

4 ينظر: الصحاح (تير) 2/603.

5 ينظر: التهذيب 14/309.

6 ينظر: اللسان (ظأب) 1/568.

7 ينظر: التاج (ظأب) 1/360، و (ظوب) 1/362.

ص: 406

و (ث وج) و (ث أج) في قولهم: ثَاجَت البقرة؛ إذا صوّتت1.

و (ج ون) و (ج أن) في (جَوْنة) العطّار2.

و (م وت) و (م أت) في (مُؤْتة) وهو موضع بالشّام3.

و (ق ون) و (ق أن) في (القَان) وهو ضرب من الشّجر4.

و (ز ور) و (ز أر) في (الَّزيّر) وهو: الغضبان من الرجال5.

و (ف ور) و (ف أر) في (فأرة المسك)6.

و (ر ود) و (ر أد) في (الرِّئْد) وهو التّراب7.

و (م وس) و (م أس) في (الرّجل الماس) وهو الذي لا يلتفت إلى موعظة من أحد8.

1 ينظر: المحكم 7/375.

2 ينظر: اللسان (جون) 13/103.

3 ينظر: الصحاح (موت) 1/268، واللسان (موت) 2/94.

4 ينظر: المحكم 6/293.

5 ينظر: التكملة للصاغاني (زور) 3/16.

6 ينظر: القاموس (فأر)583.

7 ينظر: اللسان (رأد) 3/170.

8 ينظر: اللسان (مأس) 6/213.

ص: 407

ج - التّداخل بين النّاقص والمهموز:

وهذا ممّا يكثر فيه التّداخل - أيضاً.

فمنه تداخل (فِنْعَلْو) و (فِنْعَأل) في عدد من الكلمات المتشابهة في البناء، كـ (حِنْطَأْو) وهو عظيم البطن من الرّجال، و (سِنْدَأْوٍ) وهو الجريء المُقدم، و (عِنْدَأْوٍ) وهو الدّاهية أو الجريء المُقدم - أيضاً - و (قِنْدَأوٍ) وهو الصّلب الشديد، و (كِنْثَأْوٍ) وهو عظيم اللّحية.

وقد اختلف الّغويّون في أصول هذه الكلمات:

فذهب ابن دريد إلى أنّها (فِنْعَأل) وذكرها في هذا الباب من (الجمهرة) 1، وأشار إلى أنّ الهمزة زائدة، والواو المتطرفة أصليّة.

وذهب الجمهور2 إلى أنّ وزنها (فِنْعَلو) .

ومن أوائل الذين نصّوا على ذلك سيبويه حين قال: "ويكون على (فِنْعَلو) في الصِّفة، قالوا: حِنْطَأْوٌ، وكِنْدَأْوٌ، وسِنْدَأْوٌ، وقِنْدَأْوٌ

ولا نعلمه جاء اسماً"3.

1 ينظر: الجمهرة 3/1240.

2 ينظر: الكتاب 4/269، والمنصف 1/32، 1/164، والمقتصد في شرح التكملة 2/842، وشرح الملوكيّ 183، والممتع 1/269.

3 الكتاب: 4/269،270.

ص: 408

ولعلّ الّذي حمله على ذلك أنّهم وجدوا؛ في هذه الأمثلة، ثلاثة من أحرف الزّيادة؛ وهي النّون والهمزة والواو، ويتبقّى من كل مثال حرفان أصليّان ليسا من أحرف الزّيادة.

ومن هنا فإنّه يتعيّن أن يكون أحد الثّلاثة أصلياً؛ ليبلغ المثال حدّ الثّلاثيّ؛ فابتدؤوا بأقرب الثّلاثة إلى الزّيادة، وهي الواو، فقضوا عليها بالزّيادة؛ لأمور:

أحدها: أنّ الواو لا تكون أصلا في ذوات الخمسة أو الأربعة على هذا السّبيل1.

ثانيها: أنّهم وجدوا الواو ملازمة لهذا الموضع في تلك الأمثلة؛ فدلّ لزومها ذلك المكان - عندهم - على زيادتها2؛ مثل لزوم الألف الموضع الثّاني من اسم الفاعل في صيغة (فاعل) والواو الرّابعة في اسم المفعول من صيغة (مفعول) وكذلك الواو في (قِنْدَأْوٍ) وأخوتها؛ الملازمة لموضعها؛ وإن لّم تدل على معنىً كما في (فاعل) و (مفعول) فشُبّهت بذلك.

ثالثها: أنّ العرب لا تكاد تجعل الواو في آخر الاسم3.

ولعلّها زيدت في ذلك الموضع؛ لأن الهمزة قبلها تخفى في الوقف

1 ينظر: المنصف 1/164، والمقتصد 2/842.

2 ينظر: شرح الملوكيّ لابن يعيش 183، والممتع 1/269.

3 ينظر: المنتخب 2/695.

ص: 409

"فاختصّت بها ليكون لزوم البيان عوضاً في هذا لما يدخلها من الخفاء"1.

فإذا قُضي على الواو بالزّيادة لهذه الأمور أو ترجّح ذلك - بقيت الهمزة والنّون، كان لابدّ أن يكون أحدهما أصلاً، وكانت النّون أولى بالزّيادة من الهمزة؛ لأنّ الهمزة وقعت حشواً؛ وهو موضع عزيز عليها في الزيادة2. بخلاف النّون؛ وهي ثانية؛ فإنّ زيادتها في هذا الموضع أكثر من زيادة الهمزة حشواً.

وثمّة أمر آخر؛ وهو أنّ النّون لازمت هذا الموضع في تلك الأمثلة؛ كما لزمت النّون باب (جُنْدَب) و (عُنْطب) و (عُنْضَل) فدلّ ذلك على زيادتها. قال الخليل: "وأُحتُجّ بأنّه لم يجئ بناء على لفظ (قِنْدَأوٍ) إلا وثانيه نون، فلمّا لم يجئ على هذا البناء بغير نون علِمْنا أنّ النّون زائدة فيه"3.

فإن قيل: فإن الهمزة - أيضاً - قد لازمت المثال، فالجواب أنّه لا يمكن ـ أيضاً ـ القضاء بزيادتها مع زيادة النّون؛ لئلا يؤدّي إلى بقاء الاسم على أقلّ من ثلاثة أحرف؛ إذ الواو زائدة. فلمّا تعذرت زيادتهما معاً قُضي بزيادة النّون"4.

1 الكتاب 4/322.

2 ينظر: الممتع 1/269.

3 العين 5/195.

4 الممتع 1/269.

ص: 410

ولعلّ مما يؤكد زيادة النّون ظهورها زائدة بالاشتقاق في أحد الأمثلة؛ وهو (كِنثَأْوٌ) لأنّهم قالوا: (كَثَأَثْ لحيته) إذا كانت كِنْثَأْواً، ومن ذلك قول الشاعر:

وَأَنتَ امْرُؤٌ قَدْ كَثَأَتْ لَكَ لِحْيَةٌ

كَاَنَّكَ مِنْهَا قَاعِدٌ فِي جُوَالِق1

فينبغي أن يُحمل ما لم يُعلم اشتقاقه من تلك الأمثلة على ما عُلم اشتقاقه؛ وهو (كِنْثَأْوٌ)2.

وعلى الرُّغم من ذلك فقد قيل: إنّ النّون أصليّة، وإنّ الزّائد الهمزة والواو3؛ وهو قول ضعيف.

وليس غريباً - على هذا - أن تختلف المعاجم في تحديد موضع هذا اللّفظ منها؛ ولكنّ الغريب أن يضطرب فيه المعجم الواحد فيقع في ما يُشبه التّناقض؛ ألا ترى كيف وضع ابن منظور بعضه في الثّلاثيّ، وبعضه في الرّباعيّ؛ فـ (عِنْدَأوٌ) و (قِنْدَأْوٌ) وضعهما في الثّلاثيّ4 في حين وضع (حِنْطَأْواً) و (سِنْدَأواً) في الرّباعيّ (حنطأ) و (سندأ)5.

1 ينظر: الإبدال لابن السكيت 85، والأمالي للقالي 2/79، والمنصف 1/165، وشرح الملوكي 184.

2 ينظر: شرح الملوكي 184، والممتع 1/270.

3 ينظر: شرح الكواكب للسيرافي 5/609، والارتشاف 1/29.

4 ينظر: اللسان (عدأ) 1/119، و (قدأ) 1/128.

5 ينظر: اللسان (حنطأ) 1/61، و (سندأ) 1/95.

ص: 411

كما أنّه خالف فيما وضعه في الثّلاثيّ؛ فبعضه في المهموز ومنه (عِنْدَأْو) ذكره في (عدأ) 1، وبعضه في الحرف الذي قبل الهمزة، ومنه (حِنْتَأْوٌ) . ووضع بعضه في موضعين، ومنه (سِنْدَأْوٌ)2.

وقد كان الفيروزآباديّ دقيقاً في ذلك حين وحّد بينهما، واختار لنفسه أصلاً واحداً3.

ومن التّداخل بين النّاقص والمهموز ما وقع من تداخل بين (ن ب و) و (ن ب أ) في النّبيّ والنّبوة؛ وقد اختلفوا في أصله4:

فذهب فريق إلى أنّ أصله (ن ب أ) واشتقاقه من قولهم: أنبأ عن الله؛ أي: أخبر عنه عز وجل والنّبأ: الخبر.

وهذا مذهب أكثر أهل اللّغة5، وعلى رأسهم: الخليل6،

1 ينظر: نفسه (عدأ) 1/119.

2 ينظر: نفسه (حنث) 2/26.

3 ينظر: القاموس (حتأ) 46، و (حطأ) 47، و (سدأ) 54، و (عدأ) 60، و (قدأ) 62، و (كثأ)63.

4 ينظر: الكتاب 3/460، وشرح الكتاب للسيرافي 5/635، ومعاني القرآن للزجاج 1/145.

5 ينظر: اشتقاق أسماء الله 293.

6 ينظر: العين 8/382.

ص: 412

وسيبويه1، وأصل النبي عندهم (النَّبِيْء) وهو (فعيل) بمعنى فاعل2، ثمّ تركت العرب همزه على سبيل الإبدال لا التّخفيف؛ لأنّ ما تُرك همزه تخفيفاً قد يُهمز تارة ويُخفف أخرى، وأمّا ما تُرك همزه على طريق الإبدال، فهمزه غير جائز، إلا في لغة من لا يرى البدل فيه، ويُهمز على كل حال3.

واستدلّ هؤلاء بجمعه على (نُبَآء) وهو القياس؛ لأن ما جاء على فَعِيل صحيح اللام قياسه أن يأتي على (فُعَلاء) مثل كريم وكُرماء وعظيم وعُظماء ونبيّ ونبآء؛ فقد جُمع على الأصل؛ وعلى هذا قول العباس بن مرداس:

يَا خَاتِمَ النُّبآء إنَّكَ مُرْسَلٌ بالحَقِّ كُلُّ هُدى السَّبِيل هُدَاكَا4

وأمّا (النّبوة) فأصلها النّبُوءة، ثمّ خُفّف بقلب الهمزة واواً، ووزنها (فُعُولة) .

1 ينظر: الكتاب 3/360، 555.

2 ينظر: اشتقاق أسماء الله: 294.

3 ينظر: اشتقاق أسماء الله 293.

4 ينظر: الكتاب 3/460، والمقتضب 1/162، واشتقاق أسماء الله 295.

ص: 413

وذهب جماعة من اللّغويين، ومنهم: أبو عمرو بن العلاء1، واليزيديّ2 - إلى أنّ أصلها (ن ب و) مشتقة من النّباوة، وهي: الرّفْعة، فكأنّه: نبا ينبو؛ أي: ارتفع على الخلق، وعلا عليهم في الرّتبة.

ويجوز أن يكون بمعنى: الطّريق؛ أي: الطّريق إلى الله. 3

وعلى هذا فإنّ النّبي في الأصل (نَبِيْو) على وزن (فَعيل) فاجتمع الياء، والواو، وسُكِّنت؛ الأُولى، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغمت الياء في الياء.4

ويَستدلّ هذا الفريق بجمعه على (أنبياء) وأنّ ذلك يدل على أنّه معتلّ لا مهموز؛ لأن تكسير ما كان على (فعيل) مُعتلّ اللام أن يأتي على (أَفْعِلاء) 5 كـ (صَفِيٍّ) و (أَصْفياء) و (تَقِيٍّ) و (أَتْقِياء) .

وردّ الفريق الأولُ على هذا بأنّهم لمّا ألزموه التّخفيف عاملوه معاملة المعتلّ؛ فأخذ حكمه في جمع التّكسير، إلا أنّ في ردّهم ضعفاً؛ لأنّ الحكم للأصل لا الفرع.

1 ينظر: اشتقاق أسماء الله 294.

2 ينظر: غريب الحديث للخطابي 3/193.

3 ينظر: غريب الحديث للخطابي 3/193.

4 ينظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال 255.

5 ينظر: الكتاب 3/460، وشرح الشافية للرضي 3/35.

ص: 414

وانعكس ذلك على وضعه في المعاجم؛ فقد ذكره بعضهم في الموضعين1، ورجّح الفيروزآباديّ2 أصلاً واحداً؛ وهو (ن ب أ) فذكره فيه.

ومن ذلك التّداخل: ما وقع بين الأصلين (ث ف ي) و (أث ف) في (الأُثْفِيّةِ) واحدة: أثافي القِدْر؛ وهي ثلاثة أحجار؛ يوضع عليها القِدر؛ وهي تحتمل الوجهين3:

أوّلها أنّه يجوز أن يكون أصلها (أث ف) ووزنها (فُعْلِيّة) ويدل على ذلك قولهم: (أَثْفَيْتُ القِدْر) وعلى ذلك قول الشّاعر:

وَصَالِياتٍ كَكَمَا يُؤَثْفَيْنْ4

فالهمزة فاء الكلمة، ووزنها (يُفَعْليْنَ) ولا تُحمل على (يُؤَكْرَمُ) في قوله:

1 ينظر: الصحاح (نبأ) 1/74، و (نبو) 6/2500، واللسان (نبأ) 1/162، و (نبو) 15/302.

2 ينظر: القاموس (نبأ)67.

3 ينطر: الكتاب 4/395، وشرح أبنية سيبويه للجرمي454، والمنصف 2/184، 3/8، وسر الصناعة 1/173، وشرح الكافية الشافية 4/2051، وسفر السعادة1/28.

4 ينظر: الكتاب 1/22، وشرح أبيات سيبويه لابن السيرافي 1/138، والمنصف 2/184.

ص: 415

وإنّه أَهْلٌ لأن يُؤَكْرَمَا1

وإن كان لا يمتنع حملها عليه فيكون وزنها على (يُؤَفْعَلْنَ) 2 إلا أنّ (يُفَعْلَيْن) أرجح؛ لأنه لا ضرورة فيه3، ونظيره (يُسَلْقَيْنَ) .

ويدل - أيضاً - على أنّ الهمزة فاء قول النّابغة:

لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْنٍ لا كَفَاء لَه

وإنْ تَأَثَّفَكَ الأعْدَاء بِالرَّفَدِ4

أي: صار الأعداءحولك كالأثافي تضافراً وتمالُؤاً؛ ولو كانت الهمزة زائدة - لقال: (تَثَفَّاكَ) .

ويرى الزّمخشريّ أنّ (الأُثْفِيَّة) في الأصل: (أثْفُوَّةٌ) ثمّ قُلبت الواو تخفيفاً؛ فقالوا: (أُثْفِيّةٌ) 5 فيكون وزنها بعد القلب (فُعْلِيَّةً) وقبل القلب (فُعْلُوَّة) .

1 هو أبو حيان الفقعسيّ كما في التّصريح، وينظر: المقتضب 2/98، والمنصف 1/37، 2/184، والمخصص 16/108، والإنصاف 1/11، والتصريح 2/396.

2 ينظر: احتمال الصّورة اللفظية لغير الوزن 117.

3 ينظر: المنصف 2/184.

4 ينظر: ديوانه 26، والمنصف 2/185.

5 ينظر: أساس البلاغة (أثف)2.

ص: 416

وثاني الوجهين أنه يجوز أن يكون أصلها (ث ف و) على وزن (أُفْعُولَة) في قول من قال: ثَفَّيْتُ1؛ لأنّه جعل الهمزة زائدة، والمعتلّ لام الكلمة، وشاهد ذلك قول الكميت:

ومَا استُنْزِلَتْ في غَيْرِنا قِدْرُ جَارِنَا

ولا ثُفِّيَتْ إلا بِنَا حين تُنْصَبُ2

وأصل (الأُثْفيّة) على هذا (أُثْفُوَّةٌ) على وزن (أُفْعُولَة) ثمّ قلبت الواو إلى الياء تخفيفاً؛ كما قالوا: (أُدْحِيّ) لبيْض النّعام، وقياسه (أُدْحُوٌّ) لأنّه من (دَحَوْتُ) .

ويدل على أنّها من الواو؛ وليست من الياء قولهم: جاء يَثْفُوهُ؛ أي: يَذْنُبُه ويَدْبُرُه؛ إذا جاء بعده.

قال ابن جنّي: "وهذا المعنى موجود في: الأُثْفِيَّة؛ لأنّها تتخلف بعد أهلها في الدّار؛ ولهذا

يصفها الشّعراء كثيراً بالإقامة والثُّواء والتَّخلّف بعد أهل الدّيار"3.

وليس أحد الأصلين بأولى من صاحبه؛ فلكلٍّ منهما وجْه، وقد أجازهما سيبويه4. ومن هنا وُضعت في أكثر معاجم القافية في

1 ينظر: الكتاب 4/359.

2 ينظر: شعر الكميت 1/94، وإيضاح شواهد الإيضاح 2/884.

3 المنصف 2/185.

4 ينظر: الكتاب 4/395.

ص: 417

الأصلين1.

ونظير (أُثْفِيّة) في احتمالها الأصلين والوزنين: (أُرْبِيَّةٌ) وهي أصل الفخذ: فمن أخذها من: ربا يربو ـ لارتفاع ذلك الموضع - فهي عنده (أُفْعُولَة) .

ومن أخذها من (الإرْب) وهو التَّوفُّر - فهي (فُعْلِيَّة)2.

وقد ذكرها ابن منظور3 في الأصلين.

ويتداخل (ر ط ى) و (أر ط) في (الأرْطى) وهو شجر ينبت في الرّمل يُدبغ به، وهو يحتمل الأصلين4:

فيجوز أن يكون أصله (أر ط) والألف في آخره زائدة لقولهم: أديم مأْروطٌ؛ إذا دُبغ بالأَرْطى؛ فوزنه على هذا الأصل (فَعْلى) .

1 ينظر: الصحاح (أثف) 4/1330، (ثقي) 6/2293، والعباب (أثف) 15، وأشار فيه فبلا أنه سيعيدها في المعتلّ، واللسان (أثف) 9/3، (ثفي) 14/113، والقاموس (أثف) 1022، (ثفو) 1636، والتاج (أثف) 6/37، (ثفو) 10/58.

2 ينظر: المنصف2/186.

3 ينظر: اللسان (أرب) 1/211، (ربا) 14/307.

4 ينظر: الكتاب 4/308، والمقتضب 3/385، وشرح أبنية الكتاب للجرمي 457، والأصول 3/232، والمنصف 1/36، وشرح الكافية الشافية 4/2048، وسفر السعادة 1/49.

ص: 418

قال سيبويه: "فلو كانت الألف زائدة لقلتَ: مَرْطِيٌ"1. وذكر ابن جنّي2 أنّ الألف الأخيرة في (أَرْطَى) للإلحاق بـ (جَعْفَر) وأنّها ليست للتّأنيث بدليل صرفها.

ويجوز أن يكون الأصل (ر ط ي) لقولهم: أديم مَرْطِيٌّ، وقد نقل ذلك عنهم أبو عمر الجرميّ3 والأخفش4، فيكون وزنها (أفعل) . وإنّما حُملت على الياء دون الواو؛ لأنّ الياء لاماً أكثر من الواو5.

وكان ابن مالك يرى أنّ الأصل الأوّل أظهر؛ لأنّ تصاريفه أكثر؛ فإنّهم قالوا: أرْطيْت الأديم؛ إذا دَبَغْته بالأرْطى، وأرْطَتِ الإبل؛ إذا أكلتِ الأرْطى، أو تأذّت بأكله، وأرْطَتِ الأرض إذا أنبتت الأرْطى6.

1 الكتاب 4/308.

2 ينظر: المنصف 1/36.

3 ينظر: شرح أبنية الكتاب 457.

4 ينظر: الاقتضاب 2/339.

5 ينظر: المبهج 85.

6 ينظر: شرح الكافية الشافية 4/2049، وذكر أبو الهيثم أن: أَرْطَت لحن، والصواب: آرطَتْ.

ينظر: اللسان (أرط) 7/255.

ص: 419

وذكر بعض المعجميّين (الأَرْطَى) في الأصلين؛ ومنهم: الجوهريّ1 ـ وابن منظور2 والزّبيديّ3.

وذكرها الصّاغانيّ4 في أصل واحد؛ وهو (أر ط) وتابعه في ذلك الفيروزآباديّ5.

وقريب من ذلك (إِشْفًى) وهو المثقب؛ إذ يحتمل الأصلين (ش ف ي) و (أش ف) .

فقد ذهب أكثرهم إلى أنّ أصله (ش ف ي) وأنّ وزنه (إفْعَل) وهو منوّن غير مصروف؛ ولعلّ أوّل من قال بذلك سيبويه6.

وإنّما قُضي على الهمزة الأولى بالزّيادة مع عدم الاشتقاق؛ لأن أكثر ما ورد من ذلك؛ ممّا له اشتقاق؛ الهمزة فيه زائدة، وما عداها أصل، كما أنّ زيادة الهمزة أوّلاً أكثر من زيادة الأف آخراً7.

1 ينظر: الصحاح (أرط) 3/114، و (رطى) 6/2358.

2 ينظر: اللسان (أرط) 7/254، و (رطى) 14/325.

3 ينظر: التاج (أرط) 5/101، و (رطى) 10/153.

4 ينظر: التكملة (أرط) 4/104.

5 ينظر: القاموس (أرط)849.

6 ينظر: الكتاب 4/245.

7 ينظر: الممتع 1/233.

ص: 420

وذهب الجوهريّ1 إلى أنّ أصله (أش ف) ووزنه (فِعْلَى) وتابعه في ذلك الصّغانيّ2.

ودفع صنيعُ الجوهريّ ابن برّيّ إلى تعقّبه فيه، والردِّ عليه بأنّ الصّواب أنّه (إفْعَل) بزيادة الهمزة وأصالة المعتلّ3. ومن ذلك تداخل (س وط) و (أس ط) في (الأُسْطُوانة) وهي تحتمل الأصلين:

الأوّل: أنّه يجوز أن يكون أصلها (س ط و) ووزنها (أُفْعُلانَة) وهذا مَذْهب ابن السّرّاج4؛ واستدلّ بقول بعض العرب (مُتَسَطّ) .

ومثلها عنده (أرْجُوانَة) و (أقْحُوَانَة) الهمزة فيهنّ جميعاً زائدة، وكأنّ الألف والنّون زيدتا على (أَفْعُل) ولا يجئ في الكلام (فُعْلُوّ) .

واستدلّ - أيضاً - بأنّ أُسْطوانة وما شابهها لو جُعل وزنها (فُعْلُوَانَة) لتَوالَتْ ثلاثة زوائد؛ وهي الواو والألف والنّون؛ وهذا لا يكاد يكون.

ولا يُرَدُّ على ابن السّراج بـ (عُنْفُوان) و (عُنْطُوان) لأنّه لم يُنكر ذلك البتة، وهذان من النّوادر، كما يُفهم من كلامه، ولا يُحمل عليهما بغير دليل قويّ.

1 ينظر: الصحاح (أشف) 4/1331.

2 ينظر: العباب (أشف)24.

3 ينظر: اللسان (أشف) 9/6.

4 ينظر: الأصول 3/351.

ص: 421

والثّاني: أنّه يجوز أن يكون الأصل (أس ط) ووزنها (فُعْلُوَانة) وهو مذهب الأخفش1، ونظيره في الوزن (عُنْفُوان) من: اعْتَنَفْتُ الشّيءَ، إذا اسْتَأْنَفْتُهُ.

واستدلّ بجمعها على (أَسَاطين) ووزْنه (فَعَالين) وهو بناء موجود في كلام العرب. ولو كانت الهمزة زائدة لكان وزنه (أفاعين) وليس هذا من أوزان الجموع؛ لأنّ لام الثّلاثيّ لا تحذف في الجمع، ولا يجوز أن يُقال: إنّ الواو حُذفت وقُلبت الألف ياءً حتى يكون وزن (أساطين)(أفَاعين) ولا يجوز ـ أيضاً ـ أن يُقال: إنّ الألف حُذفت وقُلبت الواو الّتي هي لامٌ ياءً؛ ليكون وزنه (أَفَاعِلْن) فهو وزن مفقود؛ فلم يبقَ إلا أنْ يُقال: إنّه (فَعَالين) من (أس ط)2.

وبذلك يتساوى الدّليلان؛ وإن كان ثّمة مُرجّحٌ يُرجّحُ الأصل الأوّل (س وط) وهو أنّ (أس ط) أصل مهمل.

وهناك أصل ثالث يَرِدُ على هذه الكلمة؛ وهو (س ط ن) فيكون وزنها - حينئذ (أفْعُوَالة) وكان الجوهريّ3 على هذا الرّأي، وشبّهه - في أصالة النّون - بـ (أُقْحُوَانة) .

1 ينظر: الأصول 3/350.

2 ينظر: شرح الشافية 2/397.

3 ينظر: الصحاح (سطن) 5/2135.

ص: 422

على أنّ ما ذهب إليه الجوهريّ ضعيف، ولا دليل على أصالة النّون في (أُقْحُوانة) والرّاجح أنّ وزنها (أُفْعُلانة) كـ (أُسْطُوانة) عند ابن السّرّاج؛ لقولهم في جمعها:(أَقَاحي) و (أقاحِ) وقولهم في التّصغير: (أُقَيْحِيِةٌ)1.

وليس في قولهم في التّصغير: (سُطَيْنَة) دليل على مذهب الجوهريّ؛ فقد حُمل على قاعدة توهّم أصالة الحرف2؛ فالنّون زائدة، ولكنّهم توهّموا فيها الأصالة؛ كما توهّموا أصالة الميم في: مِسْكِين ومَسِيل؛ فقالوا: تَمَسْكَن، وقالوا: مِسْلان. ويُرجّح ذلك - أيضاً - أنّ (أُفْعُوَالَة) لم يثبت في كلامهم3.

ومن التّداخل في هذا الباب ما وقع بين (أق ي) و (م أق) في (مَأْقِي العين) وهي لغة في: مُؤْقِ العين؛ وهو طرفها مما يلي الأنف. وقد اختلفوا في أصله؛ ولهم فيه رأيان4:

فذهب الفرّاء5 وابن السّكّيت6 إلى أنّ أصله (أق ي) وأنّ وزنه (مَفْعِل) .

1 ينظر: اللسان (سطن) 13/208.

2 ينظر: الأصول 3/351.

3 ينظر: شرح الشافية للرّضي 2/397.

4 ينظر: الخصائص 3/206، والارتشاف 1/72، والمزهر 2/11،12.

5 ينظر: أدب الكاتب 554، والاقتضاب 2/313.

6 ينظر: إصلاح المنطق 222.

ص: 423

قال ابن السّكّيت: "وليس في ذوات الأربعة (مَفْعِل) بكسر العين إلا حرفان: مَأْقِي العَيْن، ومَأْوي الإبل؛ قال الفرّاء: سمعتها بالكسر، والكلام كلّه: (مَفْعَل) نحو: رَمَيْتُه مَرْمَى، ودَعَوْتُه مَدْعًى، وغَزَوتُهُ مَغْزً"1.

وتابعهما فيه ابن قتيبة2 فجعله (مَفْعِلاً) .

وجَمْعُهُم إيّاه على (مَآقٍ) يُؤيّد - في ظاهره - زيادة الميم؛ لأنّه (مَفَاعِل) وهو: جمع (مَفْعِل) بكسر العين وفتحها. وذهب جماعة إلى أنّ الأصل (م أق) من المَأَقَة؛ وهي شبه الفَوَاق؛ يَأْخذ الإنسان عند البكاء والنّشيج، ومنه يُقال: مَئِق الصّبيّ يمأق مَأْقاً، وامتأق، ومنه قول رُؤْبة:

كَأَنَّما عَوْلَتُهَا بَعْدَ التَّأَقْ

عَوْلَةُ ثَكْلَى وَلْوَلَت بَعْدَ المَأَقْ3

قال الجوهريّ: "وهو (فَعْلى) وليس بـ (مَفْعِل) لأنّ الميم من نفس الكلمة؛ وإنما زيدت في آخره الياء للإلحاق؛ فلم يجدوا له نظيراً

1 ينظر: إصلاح المنطق 222.

2 ينظر: أدب الكاتب 554.

3 ينظر: ديوانه 107، والصّحاح (مأق) 4/1552، والتّأق: الامتلاء عند الغضب حزناً.

ص: 424

يُلحقونه به؛ لأن (فَعْلِي) بكسر اللاّم نادر، لا أخت لها؛ فأُلحق بـ (مَفْعِل) فلهذا جمعوه على مآقٍ، على التَّوهّم"1.

وقد غلّط الجوهريّ مذهب ابن السّكّيت إن لم يُحمل على هذا؛ أي: توهّم زيادة الحرف الأصليّ، وهو الميم في (مَأْقي) العين؛ فيكون (مَفْعَلاً) توهّماً و (فَعْلَى) حقيقة.

وعلى هذا الرّأي ابن برّيّ2؛ وهو يخالف الجوهريّ في كون الياء في (مَأْقَى العين) للإلحاق؛ بل يرى أنّها زائدة كزيادة الواو في (عَرْقٌوَة) وهي الأكمة المُسْتطيلة في الأرض، وكما أنّ الياء في (عَرْقٍ) وهو اسم جنس جمعي لعَرْقُوَة3 - ليست للإلحاق، كانت الياء في (مَأْقِى العين) كذلك.

1 الصّحاح (مأق) 4/1553) .

2 ينظر: اللسان (مأق) 10/337.

3 جمع (عَرْقُوة) عَرْق، وأصله (عَرْقو) وليس في الكلام اسم آخره واو قبلها حرف مضموم؛ لأن هذا مختص بالأفعال نحو (سَرُوَ) و (بَهُوَ) . فإذا أدّى قياس إلى مثل هذا في الأسماء عُدل به إلى إبدال الواو ياء والضمة كسرة؛ فكأنهم حولوا (عَرْقواً)) إلى (عَرْقي) ثم كرهوا الكسرة على الياء فأسكنوها فالتقى ساكنان الياء والنون؛ فحذفوا الياء، وبقيت الكسرة دالة عليها، وثبتت النّون إشعاراً بالصّرف، فإذا لم يلتق ساكنان ردّوا الياء فقالوا: رأيت: عرقيها، كقول الشّاعر:

حتّى تُقَضِّي عَرِقِيَ الدُّلِيِّ

ينظر: اللسان (عرق) 10/248.

ص: 425

ونظير (مَأْقِى العين) في الكسر: (مَعْدِي كَرِب) على رأي من جعله من (معد) أي: أبْعَدَ؛ فهو (فَعْلِي) .

وأرى أنّ (مَأْقِى العين) ليس (فَعْلِي) كما ذهب الجوهريّ ومن تابعه؛ بل هو (فَالِع) على القلب بمنزلة (شَاك) و (لَاثٍ) في (شَائِك) و (لائث) وأصله (مَائِق) على (فَاعِل) فَقُلب، فقالوا:(مَاقِئ) فخُفِّفَتِ الهمزة، فقالوا:(مَاقِي) ثمّ هُمِزت الألف؛ فقالوا: (مَأقِي) .

وقد أشار إلى هذا أبو عليّ الفارسيّ1 وابن جني2.

ولعلّ ممّا يُقوّي هذا الرّأي أنّ قوماً يُحقّقون الهمزة - فيما حُكي عن أبي زيد الأنصاريّ3 - فيقولون: (مَاقِئ) ويقولون في الجمع (مَوَاقِئ) مثل (طَارِئ) و (طَوَارِئ) .

ويدلّ على أصالة الميم في الاشتقاق؛ لقولهم في معناه: مَئِق الصّبيّ، وامْتَأَق، والمأَقَةُ، ونحو ذلك.

وقد وَضعت معاجم القافية - فيما اطّلعت عليه منها - هذه المادة في (م أق)4.

1 ينظر: البغداديات 121.

2 ينظر: الخصائص 3/206.

3 ينظر: البغداديات 121.

4 ينظر: الصّحاح 5/1553، والتكملة للصاغاني 5/150، ومختار الصّحاح 362، واللّسان 10/337، والقاموس 1191، والتاج 7/65، ولم تذكر في (أق ي) .

ص: 426

د - التّداخل بين اللّفيف والمهموز:

وهذا هو النّوع الرّابع من أنواع التّداخل بين المعتلّ والمهموز، غير أنّ التّداخل فيه قليل؛ بخلاف الأنواع الأخرى. وفيما يلي بيان بعض ما وقع فيه من تداخل.

فمنه تداخل (ي د ي) و (أي د) في (أيد) في قوله عز وجل: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} 1 وهو يحتمل الأصلين:

فذهب الجوهريّ2 إلى أنّه (ي د ي) على أنّه جمع يد؛ ولذلك ذكره في هذا الأصل.

وقد تعقّبه فيه أبو بكر الرّازي بالرّدّ - بقوله: "قلتُ: قوله تعالى: {بِأَيْدٍ} أي: بقوة؛ وهو مصدر: آدَ يئيد؛ إذا قوي؛ وليس جمعاً ليد؛ ليُذكر هنا؛ بل موضعه باب الدّال.

وقد نصّ الأزهري3 على هذه الآية في (الأَيْد) بمعنى المصدر، ولا أعرف أحداً من أئمة اللّغة أو التّفسير ذهب إلى ما ذهب إليه الجوهريّ من أنّها جمع يد"4.

1 سورة الذاريات: الآية 47.

2 ينظر: الصحاح (يدي) 6/2540.

3 ينظر: التهذيب 14/228.

4 مختار الصحاح (يدي)607.

ص: 427

وثمّة وجه لما ذهب إليه الجوهريّ؛ وهو أنّ العرب تقول: ما لي يد؛ أي: ما لي به قوة، ومالي به يدان، وما لهم بذلك أيد؛ أي: قوة، ولهم أيد وأبصار، وهم أوْلو الأيدي والأبصار؛ أي: أولو القوّة والعقول1.

والذي عليه الجمهور من أهل اللّغة والتّفسير أنّها من (أي د) من: آد يَئيد؛ إذا قوي، ويُقال: قد تأيّد، وأُدْت أيْداً؛ أي: قويت، وتأيّد الشّيء: تقوّى، ورجل أيد؛ أي: قوي.

قال الشّاعر:

إذَا القَوْسُ وتّرَهَا أَيِّدٌ

رَمَى فَأَصَابَ الكُلَى والذُّرَا2

وعلى هذا الأصل - في هذه الآية الكريمة - الأزهريّ3 والرّاغب4 وابن منظور5، والسّمين الحلبيّ6.

ومن ذلك تداخل (ط وي) و (ط وأ) في (طيّئ) اسم قبيلة، ولهم في أصله مذهبان:

1 ينظر: التهذيب (يدي) 14/239.

2 ينظر: اللسان (أيد) 3/76، والتاج 2/293.

3 ينظر: التهذيب 14/228.

4 ينظر: المفردات 97.

5 ينظر: اللسان (أيد) 3/76.

6 ينظر: عمدة الحفاظ 33.

ص: 428

فذهب جماعة من العلماء - ومنهم النسّابون - إلى أنّ أصله (ط وي) واشتقاقه من: طوى البئر يطويها طيّاً؛ فقد نقل ابن دريد عن الخليل أنّ (أصل بناء طيّئ من طاء وواو؛ فقلبوا الواو ياء؛ فصارت ياء ثقيلة؛ كان الأصل فيه: طَوى)1. ونقل العوتبيّ2 نحو ذلك.

وما عزاه ابن دريد والعوتبيّ للخليل مخالف لما في (العين)3.

ونقل ابن دريد - أيضاً - عن ابن الكلبيّ أنّه كان يقول: "سُمِّيَ طَيِّئاً؛ لأنه أوّل من طوى المناهل، ويُقال: طويت الشّيء أطويه طيّاً، وكذلك: طويت البئر أطويها بالحجارة، وبه سُمّيت الطّويّ"4.

وأضاف الأزهريّ معلّلاً: "لأنّه أوّل من طوى المناهل؛ أي: جاز منهلاً إلى منهل آخر، ولم ينزل) 5.

ولم يكن ابن قتيبة6 يرتضي بهذا كلّه؛ فقد نصّ على شكّه فيه.

1 الاشتقاق 380.

2 ينظر: الاشتقاق للعوتبيّ نقلاً عن اشتقاق طيئ151، والعوتبي هو: سلمة بن مُسلم العوتبي الصُّحاريّ؛ من علماء الأنساب؛ ولا يعرف عصره إلى وجه اليقين. ينظر: اشتقاق طيّئ151.

3 ينظر: 7/467.

4 الاشتقاق 380.

5 التهذيب 14/49.

6 ينظر: أدب الكاتب 82.

ص: 429

وشكّك فيه - أيضاً - حمزة الأصفهانيّ، وبرئ منه. على أنّ ابن جنّيّ تجاوز الشّك في هذا الاشتقاق، ونصّ على أنّه خطأ بقوله:"ومن ذهب إلى أنّ طيّئاً سُمّي بذلك؛ لأنّه أوّل من طوى المنازل ـ فقد أخطأ خطأً فاحشاً"1.

وما ذهب إليه ابن جنّيّ صحيح "لأنّ طيّئاً مهموز الّلام، وطوى يطوي لامه ياء؛ فلا يجوز أن يكون أحدهما مشتقاً من الآخر، إلا أن يزعم أنّه ممّا هُمِز على غير قياس؛ كقولهم: حلأتُ السّويق، ولا ينبغي أن يُحمل الشّيء على الشّذوذ إذا وُجد له وجه صحيح من القياس"2.

وذهب أكثر أهل العربيّة إلى أنّ أصله (ط وأ) من (طَاءَ) في الأرض يَطُوء؛ إذا أبعد، أو ذهب وجاء.

ومن أوّل من كان يرى ذلك الخليل3؛ وهو خلاف ما نُسِب إليه في الأصل الأوّل.

ووزن طيّئ (فَيْعِل) من طاء يَطُوء، وأصلُهُ (طَيْوِئ) فقُلبت الواو ياء كـ (ميّت) و (سيّد) عند البصريّين؛ فإذا نُسب إليه قيل:(طائيّ) وأصله (طيّئيّ) كـ (طيّعيّ) فحُذفت العين تخفيفاً؛ فبقي

1 ينظر: اشتقاق طيّئ 154.

2 المقتضب في اسم المفعول 28.

3 ينظر: العين 7/467.

ص: 430

على (طَيْئيّ) كـ (طَيْعيّ) ثمّ أُبدلت الياء ألفاً استحساناً لا وجوباً1؛ فيكون قولهم في النّسب إليه (طائيّ) مخالفاً للقياس؛ وهو المسموع.

وأجاز الرّضيّ وجهاً آخر للشّذوذ؛ خلاف ما ذكره؛ وهو "أن يكون الشّذوذ فيه من جهة حذف الياء السّاكنة؛ فتنقلب الياء الّتي هي عينٌ ألفاً؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها على ما هو القياس"2.

وعلى هذا الأصل يتوافق الاشتقاق وتأْريخ القبيلة؛ فالمستفيض أنّ طيّئاً ـ جدّ قبيلة ـ كان يسكن بوادي الضّريب باليمن، وأنّه رحل من أقصى الجنوب إلى أقصى الشّمال؛ فصدق عليه أنّه طاء؛ بمعنى ذهب بعيداً.

ومن ذلك تداخل (ر وى) و (أر و) في (أرْوَى) اسم امرأة و (الأُرويّة) وهي انثى الوعول؛ وبها سُمّيت المرأة؛ وهي تحتمل الأصلين:

أوّلهما أنّه يجوز أن يكون الأصل (أر و) فيكون وزنه (فَعْلى) وهو مذهب الأخفش3 وتكون الألف فيه للتّأنيث عند منعه من الصّرف.

وعلى هذا الأصل قالوا في تصغير (أُرْويّة) وهي (فُعْليّة) كـ (قُمْريّة) : (أُرَيّة) ولم يجُز فيها: (أُرَيْوِيّة) لأنّ الّلام واو؛ كما لا يجوز في (غَزْوة)(غُزَيْوَة)

1 ينظر: المبهج 57.

2 شرح الشّافية 2/32،33، وينظر: شواذّ النّسب 95.

3 ينظر: المقتضب 1/284.

ص: 431

وكان الأصل فيمن جعل (أُرْويّة)(فُعْليّة) أن يقول: (أُرَيْوِيّة) إلا أنّه لمّا كانت الّلام واواً لزم أن تُقلب ياء، ولم يجز فيه قول من يقول:(أُسَيودٌ) لأنّ أكثر العرب يقلبون الّلام ياء؛ فيجب على هذا (أُرَيِّيِّة) ثمّ تُحذف ياء (فُعْلِيّة) فيكون (أُرَيّة)1.

وثانيهما أنّه يجوز أن يكون أصلها (ر وي) وهو مذهب سيبويه2؛ لأنّه جعل (أُرْويّة)(أُفْعولة) ووزن (أرْوَى) على هذا (أفعل) . ويجوز في تصغير (أروَى) على هذا (أَفْعل) .

ويجوز في تصغير (أرْوى) على هذا الأصل وجهان:

أحدهما: (أُرَيّة) مثل (أُسَيّد) .

وثانيهما: (أُرَيْوِيَة) على مذهب من قال: (أُسَيْوِد)3.

وهذا الأصل - أعني (ر وى) هو الرّاجح في (أَرْوَى) و (الأُرْوِيّة) عند أكثر العلماء؛ لأنّك إذا حصّلت حرفين أصلين في أوّلهما ميم أو همزة، وفي آخِرِهما ألف - قضيت بزيادة الميم والهمزة؛ لأنهم نظروا إلى اللّغة؛ فوجدوا الكثير على ذلك؛ ألا ترى أنّ (أَفْعَل) أكثرُ من (فَعْلَى) ؟ فلا تحمله على الأقلّ إلاّ بثبت؛ وهو ما تَفْتقِده في (أَرْوَى)4. وأكثر معاجم القافية على هذا الأصل5.

1 ينظر: البغداديات 128،129، والمقتضب 2/284.

2 ينظر: الكتاب 3/469.

3 ينظر: المقتضب 2/284.

4 ينظر: سر الصناعة 1/428.

5 ينظر: الصحاح (روي) 6/2363، واللسان (روي) 14/351، واللسان (روي) 1665، والتاج (روي) 10/159.

ص: 432