الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني: التداخل في البناء الواحد (الثلاثي، الرباعي، الخماسي)
الفصل الأول: التداخل في الثلاثي
المبحث الأول: التداخل بين المعتل والمعتل
…
المبحث الأوَّل: التّداخل بين المعتلّ والمعتلّ
تمهيد- المعتلّ:
لأَصْواتِ العلّة الثلاثة وضع متميز أوخاص في بناء الكلمة العربيّة؛ وتعدّ من أعتى المصاعب الّتي تواجه صُنّاع المعاجم العربيّة. وهذه الأصوات هي الواو والياء والألف؛ وتُسمّى: الحروف الهوائيّة1، أو حروف المدّ واللّين2، أو المصوّتات3، أو الحروف الضّعيفة4.
على أنّ مصطلح حروف العلّة هو الأكثر شيوعاً عند علماء اللّغة5؛ من القُدامى والمتأخّرين.
ويُقسّم اللّغويّون الكلمة إلى صحيح ومعتّل؛ وهذا التقسيم له أهميّةٌ كبيرةٌ في الدّرس اللّغوي الصّرفيّ؛ إذ على أساسه يُفهم ما يترتّب عليه من مّسائل؛ كالإعْلال والإبْدال.
والمُعتلّ من الأفعال ما في حروفه الأصول أحد حروف العلّة الثّلاثة (الواو والياء والألف) فإن كان فيه حرفان فهو اللّفيف؛ مَفْروقاً أو
1 ينظر: العين 1/58، والتهذيب 1/48.
2 ينظر: سرّ الصّناعة 1/17.
3 ينظر: مفاتيح الغيب 1/29،30، وفي الأصوات اللغوية 16،17.
4 ينظر: اللّسان 14/3.
5 ينظر: الكتاب 4/358،359.
مَقْروناً؛ وهو نوعٌ من المعتلّ1.
ومصطلح الاعْتِلال أكثر التصاقاً بالفعل عند الصّرفيين، والاسم محمول عليه؛ فإن كان الفعل فرعاً عن الاسم في الاشتقاق فإنّه أصلٌ في الإعلال؛ والاسم محمولٌ عليه؛ لأنّ الفعل أولى بالتّخفيف من الاسم؛ لما يعتريه من زوائد وضمائر، ثمّ يتبعه المصدر الذي هو أصلٌ في الاشتقاق؛ كـ (العِدَةِ) و (الإقَامَةِ) و (الاسْتِقَامَةِ) وسائر الأسماء المُتّصلة بالفعل؛ كأسماء الفاعل والمفعول والمَوْضِعِ2.
ومن ثمّ فإنّ وصف الاعتلال عند اللّغويّين - ولا سيّما المعجميّين - يُطلق على الكلمة - فِعْلاً كانت أو اسماً - الّتي يكون أحد أصولها حرفَ علّة؛ سواء أكان واواً أم ياءً أم ألفاً؛ فإن كان موضع حرف العلّة فاء الكلمة؛ نحو (وَعَدَ) فهي من باب (المِثَالِ) وإن كان في موضع العين؛ نحو (قَالَ) فهي من باب (الأَجْوَفِ) وإن كان في موضع الّلام؛ نحو (رَعَى) فهي من باب (النَّاقِصِ) وإن كان فيها حرفان من حروف العلّة فهي من باب اللّفيف؛ فإن تتابعا في الفاء والعين؛ نحو (يَوْمٍ) ، أو في العين والّلام؛ نحو (هَوَى) فهي من اللّفيف المقرون، وإن فُصل بينهما بالعين؛ نحو (وَقَى) فهي من اللّفيف المفروق.
والإعلال هو تغيير حرف العلّة بالقلب أو بالنّقل أو بالحذف؛ فهو
1 ينظر: بغية الآمال 81، وشرح مختصر التّصريف الغزّيّ 105.
2 ينظر: شرج الشّافية للرضى 3/88.
ثلاثة أنواع عند الصرفيين1،وهي:
الإعلال بالقلب؛ وهو قلب حرف العلّة إلى حرف علة آخر للتّخفيف، أو مطلق حرف، نحو (قَالَ) و (بَاعَ) و (مُوقِنٍ) . الإعلال بالتَّسْكين؛ وهو تَسْكين حرف العلّة للتّخفيف؛ بنقل حركته إلى ما قبلها؛ كما في (يَقُول) و (يَسْتعين) أو بحذفها؛ كما في (يَدْعُو) و (يَرْمي) . الإعلال بالحذف؛ وهو حذف حرف العلّة للتّخفيف؛ كما في (يَقِفُ) و (تَعِدُ) و (عِدَة) .
ومعلوم أنّ المعتلّ يمثّل صعوبةً حقيقيّة للمُعْجميّين في بناء المعاجم؛ ولا سيّما معاجم القافية؛ بَدْءاً بالجوهريّ في (الصحاح) وانتهاءً بالزَّبيديّ في (التّاج) فثمّة كلمات من المعتلّ - قد يصعب حصرها -توقّف بعض الّلغويّين أمام أصولها حائرين؛ فقد روى ابن دريد عن أبي حاتم السّجستانيّ أنه قال في (تَضْحَى) من قوله عز وجل {وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} 2: "لا أدري من الواو هو أو من الياء"3. ومثل ذلك كثير. ولمَّا بلغ الجوهريُّ عقبة المعتلِّ في تأليفه (الصِّحاح) تخلَّص منها
1 ينظر: شرح الشافية للرضي 3/66،67، ومنجد الطّالبين 23،24، والقواعد والتطبيقات 12.
2 سورة طه: الآية 119.
3 الجمهرة 2/1050.
بطريقة تدلُّ على ذكاء وفطنة؛ حتَّى صار صنيعه منهجاً يُحتذَى لدى كثير من المعجميِّين؛ وعلى رأسهم الصَّغانيُّ وابن منظور والفيروز آباديُّ؛ فقد دمج بين بابي الواو والياء، وجعلهما باباً واحداً.
ولم يسلم الجوهريُّ من نقدٍ فيما صنع؛ فقد قال ابن منظور: "ولقد سمعتُ بعض من يتنقَّصُ الجوهريَّ رحمه الله يقول: إنَّه لم يجعل ذلك باباً واحداً؛ إلَاّ لجهله بانقلاب الألف عن الواو، أو عن الياء، ولقلة علمه بالتَّصريف؛ ولستُ أرى الأمر كذلك"1.
ومهما يكن من أمرٍ فإنَّ صنيع الجوهريِّ يعدُّ مخالفة معجميَّةً واضحة لنظام الباب في مدرسة القافية، وهي مخالفة لا يكاد يتوقف عندها أحد؛ لأنَّنا درجنا عليها. ومن أهمِّ نتائج هذه المخالفة: استمرار تداخل الأصول في المعتلِّ النَّاقص؛ بل ربَّما أسهم بذلك في تداخل بعض الأصول؛ ولا سيَّما في الأصلين المتشابهين في الفاء والعين، فإنَّه غلَّب أحد المعتلَّينِ الواوَ أو الياءَ؛ وذلك مثل (حَجِيَ) و (حَجَوَ) اللَّذين ذكرهما في أصل واحدٍ؛ وهو (ح ج و)2. وفرَّق بينهما ابن سيدةَ؛ فذكر كلاًّ منهما في أصله 3 على الصَّواب.
1 اللِّسان 14/3.
2 ينظر: الصِّحاح 6/2308.
3 ينظر: المحكم (حجى) 3/317، و (حجو) 3/353.
وهذا من أهمِّ النَّتائج السَّيِّئة - في هذا الباب - لصنيع الجوهريِّ ومن تابعه، وسيأتي بحث هذه المسألة بالتَّفصيل في الباب الرَّابع - إن شاء الله -.
وقد أدرك العلماء مشكلة التَّداخل بين المعتلَاّت بعمومها منذ وقتٍ مبكِّرٍ؛ ولاسيَّما فيما وقع فيه تعاقب (قلبٌ) لعلَّةٍ صرفيَّةٍ، أو لغير علَّةٍ. ومن هؤلاء ابن السِّكِّيت في كتابه (إصلاح المنطق) إذ أفرد بابين للمعتلِّ:
أوَّلهما: "باب ما يقال بالياء والواو من ذوات الثَّلاثة"1.
وثانيهما: "باب ما يُغلط فيه، يتكلَّم فيه بالياء وإنَّما هو بالواو"2.
ومنهم ابن قتيبة في كتابه (أدب الكاتب) في باب واحد، وهو:"باب ما يقال بالياء والواو"3.
ومنهم الزَّجَّاجيُّ في كتابه (الإبدال والمعاقبة والنَّظائر) إذ أفرد باباً لتعاقب الواو والياء4.
وقد أدرك ابن جِنِّي المشكلةَ، وأراد أن يسهم في حلِّها؛ فوعد بتأليف كتاب مستقلٍّ يذكر فيه جميع المعتلَاّت في كلام العرب، ويميِّز فيه ذوات الواو من ذوات الياء، ويعطي كلاًّ منهما حظَّه من القول
1 ينظر: إصلاح المنطق 135.
2 ينظر: إصلاح المنطق 185.
3 ينظر: أدب الكاتب 568.
4 ينظر: الإبدال والمعاقبة والنَّظائر 20.
مستقصًى1. ولا أدري هل أنجز وعده أو حيل بينه وبين إنجازه؟
ويعدُّ ابن سيده من أعظم من فكَّ تداخل الأصول بالتَّفريق بين الواويّ واليائيّ في المعتلَاّت؛ وبذل جَهداً يشكر عليه في سبيل ذلك؛ إذ جعل لكلٍّ منهما باباً مستقلاًّ في معجمه الكبير (المحكم والمحيط الأعظم) .
وحاول بعض المعجميِّين بعد ابن سيده أن يستفيدوا من جهده، وعلى رأس هؤلاء: الفيروزآباديُّ في (القاموس المحيط) وكان يفخر بمحاولته تخليص الواويِّ من اليائيِّ بقوله: "ومن أحسن ما اختصَّ به هذا الكتاب تخليص الواو من الياء؛ وذلك قسم يَسِمُ المصنِّفين بالعيِّ والإعياء"2.
بيد أنَّ عمل الفيروزآباديِّ اقتصر على تمييز الأصلين؛ وهما في مكانهما في بابٍ واحدٍ، واكتفى بوضع حرف (و) أمام الواويِّ، وحرف (ي) أمام اليائيِّ، ووضع الحرفين أمام ما جاء بالواو والياء، ولو جعل كلاًّ منهما في باب مستقل لكان أحسن، وأدقَّ في الصَّنعة المعجميَّة.
ولم يكن صنيع ابن سيده في التَّفريق منقبة في نظر أحد المعجميِّين الكبار؛ وهو ابن منظور؛ الّذي اختار منهج الجوهريِّ، ودافع عنه، وفي المقابل أبدى نقداً لمنهج ابن سيده بقوله: "وأمَّا ابن سيده وغيره فإنَّهم جعلوا المعتلَّ عن الواو باباً، والمعتلَّ عن الياء باباً؛ فاحتاجوا فيما هو معتلٌّ عن الواو والياء إلى أن ذكروه في البابين؛ فأطالوا وكرَّروا، وتقسَّم الشَّرح
1 ينظر: سر الصِّناعة 2/606.
2 القاموس 34.
في الموضعين"1.
والحقُّ أنَّه لا موجب لذكر الكلمة في البابين، أمَّا من فعل ذلك فكرَّر وأطال وقسَّم الشَّرحَ -كما قال ابن منظور- فقد أفسد ما أصلح، وخالف المنهج المعجميَّ، وأقلُّ ما يعترض به عليه أنَّ المعجميِّين فرَّقوا في الأجوف بين الأصلين الواويِّ واليائيِّ على الرَّغم من تشابه النَّاقص والأجوف فيما ذكر، فالمنهج المعجميِّ يقوم على وضع الكلمة في موضع واحد فحسب؛ تبعاً لأصلها، ولا تذكر الكلمة في بابين إلَاّ من قبيل الإحالة؛ فيؤمن بذلك تداخل الأصول، ويمنع التَّكرار.
ولا أزعم أنَّ تطبيق ذلك أمرٌ ميسورٌ؛ فالتَّداخل بين الواويِّ واليائيِّ شديد؛ بحيث خفي كثير ممَّا جاء في الأصلين على علماء كبار؛ كابن سيده والفيروزآبادي، وبحيث إنَّ الزَّبيديَّ الّذي حاول الاستفادة من جهود من سبقه في ذلك لم يستطع تخليص مائتي جَذْرٍ2 فاضطرَّ إلى جعلها مشتركةً بين الواو والياء.
ويكثر التَّداخل في النَّاقص مع النَّاقص، ثمَّ الأجوف مع الأجوف، ويقلُّ في المثال مع المثال؛ لقلّة تأثُّر المثال بعوامل الإعلال والإبدال؛ وذلك راجع لطبيعة فاء الكلمة في التّصريف العربيِّ.
وقد أدرك سيبويه ذلك، وفسّره بقوله عن الواو والياء: "اعلم أنَّهنَّ لاماتٍ أشدُّ اعتلالاً وأضعف؛ لأنّهنَّ حروف إعرابٍ، وعليهنَّ يقع
1 اللِّسان 14/3.
2 ينظر: دراسة إحصائيّة لجذور معجم تاج العروس 69.
التّنوين والإضافة إلى نفسك بالياء والتّثنية
…
وكلَّما بَعُدتا من آخر الحرف كان أقوى لهما؛ فهما عيناتٍ أقوى، وهما فاءات أقوى منهما عيناتٍ ولاماتٍ، وذلك نحو: غَزَوْتُ ورَمَيْتُ"1. وهذا يعني أنَّ الكلمة يتدرَّج ثقلها بتدرُّج حروفها.
وإذا زيد على ذلك قلّة المثال المبدوء بالياء في العربيَّة عُلِمَ أنَّ التّداخل فيه يقلُّ، ويقترب من حدِّ النُّدرة. ويجدر بنا - هنا - أن نعرض لبعض الوسائل الّتي تُميَّز بها المعتلاّت، في الأجوف والناقص.
أولاً: الأجوف:
يعرف الحرف المعتل في الأجوف بأمور؛ منها:
1-
بناء ما يصحُّ فيه المعتلُّ؛ فيظهر؛ نحو (فَعْلَة) أو هو (أفْعَلُ) من كذا. وفي ذلك قال ابن جنِّي: "واعتبار الماضي المعتلّ العينِ إذا أردتَ معرفة عينه؛ هل هي واو أو ياء أن تبني منه (فَعْلَة) أو هو (أفْعَلُ) من كذا؛ فإنَّ هذا موضع يصحُّ فيه الحرفان، ويظهران على أصولهما؛ وذلك نحو: صَاغَ صَوْغَةً وهو أصوغُ منكَ، وخَاطَ خَيْطَةً وهو أخيطُ منك"2.
وهذه قاعدة لا تنخرم إلَاّ فيما شذَّ؛ كقولهم: هو أحيل منه؛ مع قولهم: هما يتحاولان، ونحو ذلك.
2-
الاستدلال على عين الكلمة بالمضارع؛ نحو: بَاعَ يَبِيعُ، وقَادَ يَقُودُ، إلَاّ أنّ ذلك لا يطَّردُ اطِّراد الأوَّل3.
1 الكتاب 4/381.
2 المقتضب في اسم المفعول 24.
3 ينظر: المقتضب في اسم المفعول 25.
3-
يُحمل ما جُهِل اشتقاقه على الواو دون الياء؛ لأنَّ الواو أغلب على العين من الياء في عموم تصريف اللُّغة، إلَاّ أن تقوم دلالة على أنَّها من الياء1.
ثانياً: الناقص:
يعرف الحرف المعتل في الناقص بأمور؛ منها:
1-
المضارع؛ كـ (يَدْعُو) و (يَرْمِي) .
2-
الماضي المردود إلى المتكلِّم، أو المخاطب، أو الغائبين، أو الغائبات؛ كقولك: دَعَوتُ أَدْعُو ودَعَوتَ ودَعَواَ ودَعُوتُمَا ودَعَوْنَ، ورَمَيتُ أَرْمِي، ورَمَيتَ ورَمَيَا ورَمَيتُمَا ورَمَينَ.
3-
المصدر؛ كـ (الدَّعْوَةِ) و (الرَّمْيَةِ) .
4-
اسم المرَّة؛ كـ (الدَّعْوَةِ) الواحدة.
5-
اسم الهيئة؛ كـ (المِشْيَةِ) .
6-
التَّثنية؛ كقولك: عَصَا وعَصَوَانِ ورَحَى ورَحَيَانِ.
7-
جمع المؤنَّث السَّالم؛ كقولك: عَصَا وعَصَوَاتٌ وفَتَى وفَتَيَات2.
8-
إن كانت الفاء واواً فاللَاّم ياءٌ؛ كقولك في الفعل: وَشَيتُ، وفي الاسم: الوَجَى؛ لأنَّه ليس في كلام العرب كلمة فاؤها واوٌ ولامها واوٌ إلَاّ كلمة (واو)3.
1 ينظر: المنصف 1/332، والخصائص 1/253.
2 ينظر: نظم الفرائد 161، والأشباه والنَّظائر 2/328.
3 ينظر: المزهر 2/79.
10-
إذا جُهل الاشتقاق تحمل الألف المنقلبة عن معتلٍّ على الياء؛ لأنَّ الياء تغلب على لام الكلمة1.
بِعَشْرٍ يَبِينُ القَلْبُ في الألفِ الّتِي
…
عن الواوِ تَبْدُو في الأخيرِ أو اليَاءِ
بِمُستَقبَلِ الفعلِ الثُّلاثِي وأمْسِهِ
…
ومَصْدرهِ والفِعْلَتَينِ3 وبالْفَاءِ
وعينٍ له إن كانتِ الواوُ فيهمَا
…
وتثنيةٍ والجمعِ خُصَّا للاسْمَاءِ
وعَاشِرها سَبْرُ الإِمَالةِ في الَّذي
…
يَشِذُّ عن الأذهَانِ عُنْصُرُه النَّائي4
وقد نظم المهَلَّبِيُّ2 بعض ذلك بقوله:
وتجدر الإشارة أن نشير إلى أنَّ أحرف العلَّة ينقلب بعضها إلى بعضٍ؛ وَفقَ ما يطرأ على بنية الكلمة، من تصريفٍ لعُرُوض تغييرٍ في موضع المعتلِّ، أو لمجاورته لحركةٍ لا تلائم طبيعته، ونحو ذلك في قواعد معروفة عند الصَّرفيين، ومواضعَ كثيرةٍ ليس من أهداف البحث الوقوف عليها5
1 ينظر: المقتضب في اسم المفعول 25، والمحكم 4/264.
2 هو: مهذّب الدِّين أبو المحاسن مهلب بن الحسن بن بركات المهلِّبيّ المصريّ النّحويّ اللّغويّ الأديب، عاش بين سنتي (541هـ) و (583هـ) . ومن مصادر ترجمته: إنباه الرواه3/333،334، وإشارة التعيين356، وبغية الوعاة2/204.
3 المراد بـ الفعلتين هنا اسم المرَّة واسم الهيئة؛ لمجيء أحدهما على (فَعْلَة) والآخر (فِعْلَة) .
4 ينظر: نظم الفرائد161.
5 ينظر: شرح الشافية للرضي3/66وما بعدها، ومنجد الطَّالبين82 وما بعدها، والقواعد والتَّطبيقات61وما بعدها.
أ- التَّدَاخُلُ في المثال:
القسمة الجامعة لتداخل المثال هي على الصُّور التّالية:
1-
بين المثال والمثال.
2-
بين المثال والأجوف.
3-
بين المثال والنَّاقص.
4-
بين المثال واللَّفيف.
وفيما يلي تفصيل ذلك:
أوَّلاً: التَّداخلُ بين المثال والمثال:
تقدَّم أنَّ التَّداخل بين المثال والمثال أقلُّ أنواع التَّداخل في المعتلَاّت، ولذلك أسبابه1.
ويؤكِّد بعضَ ما سبق ذكره إحصاءُ ما في (لسان العرب) من المثال، وبيانُ نسبة الياء إلى الواو فيه؛ فقد توصَّل البحثُ إلى أنَّ هذا المعجم يحتوي على ثمانية وعشرين وأربعمائة جَذرٍ؛ بلغ الواويُّ منها خمسةً وخمسين وثلاثمائة جَذْرٍ؛ أمَّا اليائيُّ فلم يزد عن ثلاثة وسبعين جَذراً؛ وهو ما نسبته (06ر17 %) بينما بلغت نسبة الواويِّ (94ر82 %) . ويَتَبيَّن من الإحصاء –أيضاً- خلوُّ بعض الأبواب من اليائيِّ، وهي أبواب: الدَّالِ والذَّالِ والزَّايِ والشَّينِ والغينِ. ولم يأت في بعض الأبواب إلَاّ جَذرٌ يائيٌّ واحدٌ؛ وهي أبواب: الصَّادِ والضَّادِ والطَّاءِ والظَّاءِ والفاءِ والكافِ واللَاّمِ.
1 ينظر: ص (287) من هذا البحث.
ولعلَّ من أهمِّ ما يستنتج من هذه الإحصائية تقلُّصُ الفُرَصِ لتداخل المثال مع المثال.
ونأتي - فيما يلي - على طائفة من أمثلة التَّداخل بين المثال والمثال:
فمنها تداخل الأصلين (ي ت ن) و (وت ن) في (اليَتْنِ) وهو الوِلادُ المنكوس؛ وذلك أن تَخْرجَ رِجْلا المولود قبل يديه ورأسه؛ وهو يحتمل الأصلين:
فذهب الجوهريُّ1 والفيروزآبادي2 إلى انَّه من (ي ت ن) .
وجعله ابن منظور3 من الأصلين، وتابعه الزَّبيدي4 فذكره في الموضعين.
وجعل ابن خالوَيه (يَتَن) و (وَتَنَ) لغتين5 ولعلَّه رجّح ذلك لقولهم: أوتَنَتِ المرأةُ، وأيتَنَتْ.
ويجوز أن يكون ذلك إبدالاً؛ لأنَّ الواو والياء من حروف الإبدال، والتعاقب بينهما كثيرٌ؛ فيكون أحدهما أصلاً والآخر فرعاً ولعلَّ اليائيَّ هو الأصل، فقد قال ابن السِّكِّيت - فيما يقال بالياء والهمزة: (ولدَتْهُ أمُّه
1 ينظر: الصحاح (يتن) 6/2219.
2 ينظر: القاموس (يتن)1601.
3 ينظر: اللّسان (وتن) 13/442، و (يتن) 13/455.
4 ينظر: التَّاج (وتن) 9/358، و (يتن) 9/369.
5 ينظر: التَّاج (يتن) 9/370.
يَتْناً وأتْناً) 1.
وزاد القاليُّ: (وَتْناً) 2: فلعلَّ الواويَّ مبدلٌ من المهموز، والتَّبادل بين الهمزة والواو شائع في أوَّل الكلمة، وإن قلَّ في المفتوح. ويقرِّب الأصلَ اليائيَّ إجماعهم على الأصل اليائيِّ في كلِّ ما ذكروه، واختلافهم على الأصل الواويّ أو المهموز.
ومن ذلك (الوَفْعُ) وهو المرتفع من الأرض؛ فهو يحتمل الأصلين (وف ع) و (ي ف ع) فقد ذكره ابن منظور في الأصلين؛ فقال في الواويّ3: "الوَفْعُ المرتفع من الأرض، وجمعه أَوْفَاع".
وقال في اليائيِّ: "اليَفَاعُ: المشرف من الأرض والجبل، وقيل: هو قطعة منهما فيها غِلَظ
…
وقيل: هو التَّلّ المشرف، وقيل: هو ما ارتفع من الأرض"4.
والرّاجح أنّ الأصل في هذا (ي ف ع) لسببين:
أحدهما: أنّ تصرّفات الكلمة بمعناها مذكورة في (اللسان) في (ي ف ع) دون (وف ع) وهو اعتراف من ابن منظور بأنّ اليائيّ هو الأصل.
وثانيهما: أنّ الأئمة وضعوها في (ي ف ع) فحسب،
1 الإبدال 137.
2 ينظر: الأمالي 3/160.
3 اللسان (وفع) 8/402.
4 ينظر: اللسان (يفع) 8/414.
كالجوهري1 والصّغانيّ2 والفيرزأبادي3. ومن أمثلة التّداخل (الأيْدَح) وهو اللهو والباطل، تقول العرب: أخذتُه بأيدح، وأوْدَحَ الرّجلُ أقرّ بالباطل؛ وهو يحتمل الأصلين (ي د ح) و (ود ح) وقد ذكره ابن منظور4 فيهما معاً.
ولم أقف على (ي د ح) في المعاجم التي رجعتُ إليها خلا (اللسان) . ومن ذلك (اليَسَعُ) وهو اسم نبيّ، ذكره ابن منظور في الأصلين؛ فقال في (ي س ع) :"وأمّا اسم النّبيّ فاليَسَع"5.
وقال في (وس ع) : "واليَسَعُ اسم نبيّ؛ هذا إن كان عربيًّا
…
وقد أُدخل عليه الألف واللاّم
…
وقُرِئ {وَالْيَسَعَ} 6 و {واللّيْسَع} 7
1 ينظر: الصحاح (يفع) 3/1310.
2 ينظر: التكلمة (يفع) 4/395.
3 ينظر: القاموس (يفع)1004.
4 ينظر: اللسان (ودح) 2/631، 632.
5 اللسان (يسع) 8/414.
6 سورة الأنعام: الآية86، وهي قراءة الجمهور.
7 وهي: قراءة حمزة والكسائي، وحجّتهما في ذلك أنّ اللّيسع أشبه بالأسماء الأعجميّة، ودخول الألف واللاّم في (اليَسَع) قبيح؛ لأنّك لا تقول (اليزيد) ولا (اليحيى) وتشديد اللاّم أشبه بالأسماء الأعجميّة. ينظر: السبعة262، والقراءات وعلل النحويين فيها1/189، وحجة القراءات259.
أيضاً- بلامين1.
وسبب التّداخل في ذلك أنّ (اليَسَع) على قراءة الجمهور يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون (يَفْعَل) . وثانيهما: أن يكون (فَعَلا) .
فقد رُويَ عن أبي عمرو أنَّ (اليَسَع) مثل (اليَسَرِ) فهما يَسَع ويَسَر؛ فأدخلت الألف واللاّم؛ فقيل: اليَسَع مثل (اليَرْمَعِ) وهو الحجارة، و (اليَحْمَدُ) قبيلة من العرب؛ وهو فعلٌ مضارع سُمِّيَ به؛ ولا ضمير فيه؛ فعُرِّف بالألف واللاّم 2، وهي للمدح عند الفرّاء3؛ فإن كان عربيًّا فهو (يَفْعَل) لأنّه في الأصل (يَوْسِع) بكسر السّين، كما أنّ أصل (يَعِدُ)(يَوْعِدُ) ثمّ حذفت الواو؛ لوقوعها بين الياء والكسرة، ثمّ فتحت السّين من أجل حرف الحلق، ولم تردّ الواو؛ لعروض الفتحة، وقريب منه يطأ ويَقَعُ ويَدَعُ4، فيكون من (وس ع) . وإن كان أعجميًّا فلا اشتقاق له؛ ووزنه (فَعَل) على أصالة الياء5.
أمّا (اللَّيْسَعُ) بلامين فوزنه (الفَيْعَل) من (ل س ع) كـ
1 اللسان (يسع) 8/393.
2 ينظر: التبيان في إعراب القرآن 1/516.
3 ينظر: معاني القرآن 1/342.
4 ينظر: التبيان 1/516.
5 ينظر: حجة القراءات 259.
(الصَّيْرَف)1.
وقد جزم أبو جعفر النّحّاس بأنّ (اليَسَع) اسم أعجميٌّ حين قال: "والحقّ في هذا أنّه اسم عجميّ، والعجميّة لا تؤخذ بالقياس؛ إنّما تؤدّى سماعاً"2.
فعلى قول النّحّاس هو من (ي س ع) وقد أصاب ابن منظور في وضعه في هذا الأصل؛ وإن كان عربيًّا فهو من (وس ع) ولا وجه لوضعه في اليائيّ. وممن وضعه في (وس ع) الجوهري3، والفيروزابادي4، والزَّبيديّ5.
ومن ذلك (الوَرَع) بمعنى: الجبان؛ سمّي بذلك لإحجامه ونكوصه، أو الصّغير الضّعيف الذي لا غناء عنده، والضّعيف في رأيه وعقله وبدنه؛ وهذا مذكور في (ور ع) من (الصحاح) 6و (اللسان) 7و (القاموس)8.
وثَمَّة أصل آخر يَرِدُ على هذه الكلمة بمعناها؛ وهو (ي ر ع) فقد
1 ينظر: حجة القراءات 259، والكشف عن وجوه القراءات 1/438.
2 إعراب القرآن 2/81.
3 ينظر: الصحاح (وسع) 3/1298.
4 ينظر: القاموس (وسع)996.
5 ينظر: التاج (وسع) 5/542.
6 ينظر: 3/1296.
7 ينظر: 8/388.
8 ينظر: 995.
قال الزَّبيديّ: "اليَرَاع: الجبان الذي لا فؤاد له؛ قال ربيعة بن مقروم الضَّبّي:
شَهِدتُ طِرَادَهَا فَصَبَرتُ فيها
…
إذَا مَا هَلَّلَ النَّكْسُ اليَرَاعُ1
…
واليَرَاعُ: الرّجل الضّعيف، ومن لا رأي له ولا عقل"2.
وقريب منه ما جاء في (الصحاح) 3و (اللسان) 4و (القاموس)5.
وأراه من (ور ع) لكثرة تصرّفه في هذا الأصل، وكثرة معانيه؛ وهي قريبة من معناه المذكور آنفاً، ومنها: التَّحَرُّج، والكفُّ عن القبيح أو الحرام، والمنع، والاحتشام، وضعف العقل وقلّة المال، وحبس الدَّابّة باللّجام، أو ردّها عن الحوض؛ فالجبان الضّعيف الذي لا فؤاد له ولا عقل هو من تلك المعاني.
1 ينظر: المفضليات 187، والاختيارين574، وشرح اختيارات المفضّل2/854.
2 التاج (يرع) 5/564،565.
3 ينظر: (يرع) 3/1310.
4 ينظر: (يرع) 8/413.
5 ينظر: (يرع)1004.
ثانياً- التَّداخُلُ بين المثَالِ والأجْوَفِ:
ومن صور تداخل المعتلاّت ما يقع منه بين المثال والأجوف؛ غير أنَّه قليل الحدوث - أيضاً- لطبيعة المثال؛ كما تقدَّم. ومن أمثلة هذا النّوع (السِّيمَا) في قوله عز وجل: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} 1 و {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} 2 و {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ} 3.
ويتداخل - في هذه الكلمة - أصلان؛ هما (وس م) و (س وم) فوزن (السِّيمَا) على الأصل الأوَّل (عِفْلا) 4 على القلب، وعلى الثَّاني (فِعْلا) . وتفصيل ذلك أنَّ الظَّاهر أن تكون (السِّيمَا) مشتقَّةً من الوَسْمِ؛ وهو العلامة؛ فيكون أصلها (وِسْمَى) قُدِّمت العين على الفاء؛ فصار (سِوْمَى) 5، فقلبت الواوُ ياءً؛ لوقوعها ساكنة غير مشدَّدة بعد كسرة؛ كقولهم في مِوْزَانٍ ومِوْعَادٍ ومِوْقَاتٍ: مِيزَانٌ ومِيْعَادٌ ومِيْقَاتٌ "وإنَّما
1 سورة البقرة: الآية 273.
2 سورة الفتح: الآية 29.
3 سورة الرحمن: الآية 41.
4 ينظر: الدُّر المصون 2/622.
5 ينظر: المجموع المغيث 3/414، ومعجم مفردات الإبدال والإعلال150.
قلبوا الواوَ ياءً؛ إذا سُكِّنت وانكسرَ ما قبلها، تشبيهاً بالألف من حيث إنَّ الواو والياء متى سُكِّنتا وكان قبلهما حركة من جنسيهما كانتا مدَّتين كالألف؛ فكما أنَّ الألف منقلبة إذا انكسر ما قبلها أو انضمَّ؛ نحو: ضُوَيْرِبٍ ومَفَاتِيحَ؛ فكذلك انقلبت الواو والياء إذا أشبهتاها"1.
وجاء في (اللّسان) : "قولهم: عليه سِيمَا حسنةٌ؛ معناه: علامةٌ؛ وهي مأخوذة من: وَسَمْتُ أَسِمُ
…
والأصل في: سِيمَا، وِسْمَى؛ فحُوِّلت الواوُ من موضع الفاء؛ فوُضعت في موضع العين؛ كما قالوا: ما أَطْيَبَه وأَيْطَبَه؛ فصار سِوْمَى"2.
ويقال فيها: السِّيمَا والسِّيماءُ، بالقصر والمدِّ، ويجوز في رسم المقصورة: سِيمَا وسِيمَى3.
وقيل: إنَّ السِّيمَا من (السَّومِ) فيكون وزنها (فِعْلا) والأصل (سِوْمَا) حدث فيها ما ذُكر آنفاً؛ لسكون الواو وكسر ما قبلها.
واختار الدّكتور أحمد الخرَّاط هذا القول ورجّحه "لأنَّ السُّومةَ: العلامةُ؛ ولا يقال بالقلب إذا تبيَّن النُّطق بالأصل "4 وهو يرى أنّ الوَسْمَ بمعناه مقلوب من السَّوْمِ؛ ولم يقل بذلك أحد -فيما أعلم- وهو خلاف
1 شرح الملُّوكي، لابن يعيش 242،243.
2 اللّسان (سوم) 12/312.
3 ينظر: الممدود والمقصور، لابن السِّكّيت68، واللّسان (سوم) 12/312.
4 معجم مفردات الإبدال والإعلال 150.
مذهب الجمهور1 فالوسم بمعناه أصلٌ مستقلٌّ متصرِّفٌ؛ ألا تراهم قالوا في (وسم) : الوَسْمُ أَثَرُ الكيِّ، ووَسَمَه وَسْماً وسِمَةً؛ إذا أثَّرَ فيه بِسِمَةٍ وكَيٍّ، واتَّسَمَ الرَّجلُ؛ إذا جعل لنفسه سمةً يُعرفُ بها، وأصله (اوْتَسَمَ) على (افْتَعَل) والسِّمَةُ والوِسَامُ: ما وُسِمَ به البعيرُ من ضُروبِ الصُّور، والوَسْمِيُّ: مطرُ أوَّل الرَّبيع؛ سمِّيَ بذلك لأنَّه يَسِمُ الأرضَ بالنَّبات، ويقال: تَوَسَّمْتُ في فلانٍ خيراً؛ أي: رأيتُ فيه أثراً منه، والوَسَامةُ: أثرُ الحُسْنِ، ونحو ذلك؛ ممَّا يدلُّ على أصالة (وس م) فالسِّيمَا إذن (عِفْلا) وليست (فِعْلا) والله أعلم. ومن تداخل المثال والأجوف ما وقع بين الأصلين في (الطَّادِي) وهو الثَّابت؛ قال القَطَامِيُّ:
ما اعْتَادَ حُبُّ سُلَيْمَى حينَ مُعْتَاد ولَا تَقَضَّىَ بواقِي دَينِهَا الطَّادِي2
فهذا مذكور في (اللّسان) في موضعين (ط ود) 3 و (وط د)4. وواضحٌ أنَّ سبب التَّداخل في هذه الكلمة: القلب الواقع فيها؛ فوزنُ (الطَّادِي) (العَالِفُ) كـ (الحَادِي) وهو من: وَطَدَ يَطِدُ، ووَطَّدَ اللهُ مُلكَه،
1 ينظر: المجموع المغيث3/414، واللسان (سوم) 12/312، والنّهر المادّ2/329، والدّرّ المصون2/622، والتّاج (سوم) 8/350.
2 ديوانه87. وينظر: الخصائص2/78، واللسان (طود) 3/720، و (وطد) 3/461.
3 ينظر: اللسان (طود) 3/270.
4 ينظر: اللسان (وطد) 3 /461.
إذا ثبَّته.
قال أبوعبيدٍ معقِّباً على بيت القَطَاميِّ: "يراد به الواطد؛ فأخَّر الواو؛ وقلبها ألفاً "1.
ومعنى الثَّباتِ في (وطد) موجود –أيضاً- في (ط ود) يقال: طادَ إذا ثبتَ، والطَّودُ: الجبل العظيم، وجمعه: أَطْوَادٌ2.
ومن هنا كان تعيين الأصل منهما أمراً صعباً؛ فليس أحدهما بأولى من الآخر، ويجوز أن يكون كلٌّ منهما أصلاً مستقلاًّ برأسه؛ فيُدْرَجَا في باب التَّرادف.
ومن ذلك تداخل (ي ت أ) و (ت ي ت) في قولهم: رجلٌ (تَيْتَاءُ) وهو الّذي يقضي شهوته قبل أن يفْضِي إلى امْرأته، أو يُحْدِثُ؛ ويسمَّى العِذْيَوْطَ؛ وقد اختلفوا في أصله: فذهب فريق إلى أنَّه من (ت ي ت) ووزنه (فَعْلاء) . وممن رأى هذا الرأي: ابن منظور3، وابن الطَّيِّب الفاسيُّ، الّذي قال -بعد أن ذكر معناه:(فظهر بهذا أنَّ مادَّته (ت ي ت) فيكون وزنه (فَعْلاء)4.
1 اللسان (وطد) 3/461.
2 ينظر: التهذيب14/4.
3 ينظر: اللسان (تيت) 2/18.
4 التَّاج (تيت) 1/533.
وذهب فريق إلى أنَّه من (ي ت أ) وفيه المعَرِّيُّ1وأبو حَيَّان2؛ إذ جعله من الأمثلة الَّتي زِيدت في أوَّلها التَّاء. ويكون وزنه - حينئذٍ (تَفْعَالاً) كما نقل الزَّبِيديُّ3.
ويجوز في الكلمة أصلٌ ثالثٌ غير ما تقدَّم؛ فقد ذهب رَضِيُّ الدِّين الشَّاطِبِيُّ4 - فيما حكاه الزَّبِيديُّ 5 - أنَّها (تِفْعَال) من (التَّأَتِّي) أي: يتأتَّى له الماء قبل الجماع. فيكون أصلها على هذا الاشتقاق (أت ي) ويقَرِّبُ ذلك قولهم: (تِئْتَاء) بالهمز؛ فلعلَّ قولَهم: (تِيْتَاء) مخفَّفٌ منه.
ونُقِل عن ابن القطَّاع أنَّه كان يرى أنَّ (تِيْتَاء) على بناء (فِعَّال) قال: "وأمَّا (فِعَّال) فيكون اسماً موضوعاً نحو قِثَّاء وحِنَّاء، ويكون نعتاً؛ نحو رجلٌ تِيتَاء للعِذْيَوطِ "6.
1 ينظر: ثلاث رسائل في اللّغة (ما جاء على وزن تفعال)8.
2 ينظر: الارتشاف1/104، وفيه أنَّه (تيتأ) وفي المخطوط (34)(تِيتَاء) على الصواب.
3 ينظر: التّاج (تيت) 1/533.
4 هو محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشّاطبي البلنسيُّ، مقرئ لغوي، أخذ عنه أبو حيَّان الأندلسيُّ وجمال الدِّين المزِّي؛ كانت وفاته بالقاهرة (سنة684هـ) . من مصادر ترجمته: الوافي بالوفيات4/190، وشذرات الذهب5/389، وكشف الظنون2/1072.
5 ينظر: التَّاج (تيت) 1/533.
6 ينظر: التَّاج (تيت) 1/533.
ولا وجه لما ذهب إليه؛ إلَاّ أن يكون أراد أنَّ الياء جيء بها لفكِّ الإدغام، كأن يكون الأصل (تِتَّاء) فخُفِّفَ بقلب التَّاء الأولى ياءً، كما قالوا في دِنَّارٍ: دِينَارٌ.
وإن لم يكن الأمر كذلك فإنَّ صواب الوزن على تقدير أصالة التَّاء الأولى والهمزةِ (فِيعَال) من (ت ت أ) أو (فِعْتَال) من (ت ي أ) . والأوَّل أقرب؛ لأنَّ زيادة الياء في هذا الموضع أكثر من زيادة التّاء حَشْواً في غير (الافْتِعَال) .
ومن أمثلة التّداخل: تداخل (ول هـ) و (ل ي هـ) أو (ل وهـ) في لفظ الجلالة (الله) وقد اختلفوا في أصله واشتقاقه اختلافاً بيِّناً1:
فمنهم من جعل الأصل (ول هـ) 2 من الوَلَهِ، وهو الحَيْرَةُ؛ فالخلق يَوْلَهُونَ إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما يصيبهم، ويفزعون إليه في كلِّ ما ينوبهم؛ كما يَوله كُلُّ طفلٍ إلى أمِّه؛ قال عز وجل:{ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} 3 وكان القياس أن يقال: (مَوْلُوهٌ) كما قالوا: مَعْبُود؛ إلَاّ أنَّهم خالفوا به ذلك البناء؛ ليكون اسماً عَلماً؛ فقالوا:
1 ينظر: العين1/90، والكتاب2/195، 3/498، وتفسير أسماء الله الحسنى25، والزِّينة2/13، والمخصّص17/134، وأمالي ابن الشّجري2/14، والبيان في غريب إعراب القرآن1/32، والجامع لأحكام القرآن 1/102، وبصائر ذوي التَّمييز2/12، وعناية القاضي7/333، وموطئة الفصيح5ب،6أ.
2 ينظر: مقاييس اللّغة6/140، ونتائج الأفكار52، واللّسان (أله) 13/468.
3 سورة النّحل: الآية53.
إِلَه كما قالوا للمكتوب كِتَابٌ، وللمحسوب حِسَابٌ1.
وأصل (إِلَهٍ)(وِلَاهٌ) فقلبت الواو همزةً لانكسارها؛ فقيل (إِلَهٌ) كما قيل في وِعَاءٍ: إِعَاءٌ، وفي وِشَاحٍ: إِشَاحٌ، ثمَّ أُدخلت عليه الألف واللَاّم؛ فقالوا (الإِلَهُ) - بمدّ اللام - فنقلوا حركة الهمزة إلى اللَاّم، ثمَّ حذفت الهمزة وسُكِّنت اللَاّمُ للإدغام، فقالوا: اللَّه.
أو أنَّهم حذفوا الهمزة تخفيفاً فعُوِّضَ منها (أل) التَّعريف؛ فاجتمع لامان؛ فأدغمت الأولى في الثَّانية.
وقريبٌ من ذلك صنيعهم في (النَّاس) على مذهبٍ2، فأصله (أُنَاس) فأدخلوا الألف واللَاّم؛ فقالوا:(الأُنَاس) ثمَّ حذفوا الهمزة تخفيفاً؛ فقالوا (النَّاسُ) .
والألف واللَاّمُ في (اللَّهِ) عوضٌ- عند بعضهم3 - من الهمزة المحذوفة، ودليل ذلك استجازتهم لقطع الهمزة الموصولة الدَّاخلة على لام التَّعريف في القَسَمِ والنِّداء؛ كقولهم (أَفَأَ للَّه لَتَفعَلَنَّ) و (يا أَللَّه اغْفِرْلِي) . ويكون وزن لفظ الجلالة على ما تقدَّم (العَال) .
ومن ذهب إلى أنَّه مِن (أل هـ) 4 كان عنده مشتقّاً من (أَلَهَ)
1 ينظر: سفر السَّعادة 1/10،11.
2 ينظر: سفر السَّعادة 1/5.
3سفر السَّعادة 1/6.
4 ينظر: الكتاب 2/195، وعناية القاضي 1/55.
الرَّجلُ يَألَهُ إليه بمعنى: عَبَدَ، أو أَلِهَ بمعنى: تَحَيَّرَ، أو فَزِعَ، أو بمعنى: أَلِهْتُ إلى فلانٍ؛ أي: سكنْتُ إليه؛ فليس ببعيد أن تكون الهمزة -أيضاً- بدلاً من الواو؛ فيعود إلى (ول هـ) . والوزن: (العَال) أيضاً.
وذهب بعضهم1 إلى أنَّ أصله (ل ي هـ) من (لَاهَ) على زنة فَعَلَ –يليه لَيْهاً؛ إذا احتجب وتستَّرَ. أو من (ل وهـ) من (لَاهَ) يَلُوهُ؛ إذا ارتفعَ؛ وقد كانت العرب تقول لكلّ شيء مرتفعٍ: لَاهٌ؛ يقولون إذا طلعت الشَّمس: لَاهَتْ، ثمَّ دَخَلَتِ الألفُ واللَاّم تعظيماً؛ وفُخِّمَت اللَاّم الأولى. قال الأعشى:
كَحَلْفَةٍ مِنْ أبي رِيَاحٍ
…
يَسْمَعُهَا لَاهُهُ الكُبَارُ2
وأبو رياحٍ هو النَّبيُّ صالح عليه السلام.
وقال ذو الإصبع العَدْوَانِيُّ:
لَاهِ ابْنُ عَمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ
…
عَنِّي، ولا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي3
يريد: للَّه ابن عمِّك؛ فحَذَفَ لامَ التَّعريف؛ على قول جماعةٍ من
1 ينظر: الكتاب 3/3/498، واشتقاق أسماء الله27، والبارع108، والصِّحاح (ليه) 6/2248، والجامع لأحكام القرآن1/103.
2 ينظر: ديوانه 333.
3 ينظر: المفضليات160، وإصلاح المنطق373، ومجالس العلماء57، والزَّينة2/14، واشتقاق أسماء الله27، والبارع108، والأزهية290.
العلماء1.
فيكون وزن لفظ الجلالة على هذا الاشتقاق (الفَعَل) أو (الفَعِل) على تقدير تحرُّك العين، أو (الفَعْل) على تقدير سكونها.
وثَمَّةَ من قال: إنَّه غير مشتقٍّ؛ وذهب إلى هذا المازِنيُّ2، والزَّجَّاج3، والسُّهيليُّ4 الّذي أشار إلى أنَّ الألف واللَاّم هي من الكلمة نفسها، ثمَّ وصلت الهمزة لكثرة الاستعمال، وكان يستدلُّ على أصالتها بقطعها في قولهم:(يا أَللَّه) .
ويدلُّ على أنَّه غير مشتقٍّ - عنده - أنَّه سبق الأشياء الّتي زعموا أنَّه مشتقٌّ منها؛ قال: "لا نقول: إنَّ اللَّفظ قديم، ولكنَّه متقدِّمٌ على كلِّ لفظٍ وعبارةٍ، ويشهد بصحة ذلك قوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً} 5 فهذا نصٌّ في عدم المسمَّى، وتنبيه على عدم المادَّة المأخوذ منها الاسم"6.
ثالثاً- التَّدَاخُلُ بين المِثَالِ والنَّاقِصِ:
ومن صُور التَّداخل في المعتلَاّت تداخل المثال مع النَّاقص؛ وهو
1 ينظر: الكتاب3/498، واشتقاق أسماء الله 27،28.
2 ينظر: مجالس العلماء56، واشتقاق أسماء الله 28.
3 ينظر: تفسير أسماء الله الحسنى 25.
4 ينظر: نتائج الفكر 51، 52.
5 سورة مريم: الآية 65.
6 نتائج الفكر 51، 52.
- أيضاً - قليل الحدوث؛ لما تقدَّم من حال المثال في اللُّغة العربيَّة.
ومن هذا النَّوع تداخل (وس م) مع (س م و) في (أَسْمَاءَ) اسمِ امرأةٍ؛ فهي تحتمل أن يكون وزنها (أَفعالاً) أو (فعلاء) وقد اختلفوا في ذلك:
فمن ذهب إلى أنَّها (أفعال) جعلها جمعَ (اسمٍ) من السُمُوِّ؛ فتكون سمِّيتْ بالجمع؛ و"قد اختصَّ به النِّساء؛ حتَّى كأن لم يكن جمعاً قطُّ"1. وإنَّما امتنع من الصَّرف للتأنيث والتَّعريف 2.
وإذا سمِّي به الرِّجال جاز الوجهان؛ والأجود عند المبرِّد3 الصَّرف؛ لأنَّه - عنده - من الأعلام المذكَّرة الَّتي غلبت تسمية المؤنَّث بها؛ فلحق بباب (سُعَادَ) و (زَينَبَ)4.
وممَّن قال بهذا؛ أعني (أَفْعَال) الأعلم الشَّنتَمَرِيُّ في ردِّه على سيبويه5 لجعله أسْمَاءَ (فَعْلاء) بقوله: "ولا نعرف في الكلام اسماً بهذا التأليف؛ فتكون أسْمَاءُ (فَعْلَاء) منه، والظَّاهر أنَّ أسمَاءَ (أَفْعَال) على أنَّه
1 المقتضب 3/365.
2 ينظر: شرح المفصل، لابن يعيش10/14.
3 ينظر: المقتضب3/365.
4 ينظر: المبهج185.
5 ينظر: الكتاب2/256،257.
جمع اسمٍ؛ فسمِّيَ به"1. ومنهم الجوهريُّ2إذ ذكرها في (سمو) .
والصَّغانيُّ3 إذ نصَّ على أنَّها (أَفْعَال) وأنَّهم شبَّهوها بـ (فَعْلاء) لكثرة التَّسمية.
وذهب فريق من العلماء4وعلى رأسهم سيبويه إلى أنَّ (أسْمَاءَ)(فَعْلَاء) من (الوَسَامَةِ) وهو الحُسن؛ كقولهم: فلان وسيم الوجه؛ أي: ذو وَسامةٍ؛ فالأصل (وَسْمَاءُ) فأُبدلت الواو همزةً استثقالاً؛ كما قالوا: امرأةٌ أنَاةٌ من: الوَنَى، وقالوا: أحدٌ، والأصل (وَحَدٌ) . وعلى هذا لا ينصرف (أسْمَاءُ) في المعرفة ولا في النَّكرة.
وممَّن جعلها (فَعْلاء) غير سيبويه: ابن السّراج5 وابن جنّي6 والرَّضيّ7 وابْن مَنْظُور8 إذ ذكرها في (وس م) وكذلك
1 تحصيل ماء عين الذّهب79ب.
2 ينظر: الصحاح (سمو) 6/2383.
3 ينظر: التكملة (سمو) 6/440.
4 ينظر: شرح المفصل’ لابن يعيش10/14، والمبهج184، وشرح الشافية للرّضي3/79، وشرح الشافية للرّكن الاستراباذيّ 126ب.
5 ينظر: الأصول2/86.
6 ينظر: المبهج186،وسرّ الصناعة1/92.
7 ينظر: شرح الشافية3/79.
8 ينظر: اللسان (وسم) 12/637،638.
الفيروزاباديّ1 والزَّبِيدي2.
وأرى الحقَّ في جانب سيبويه، ومن نحى نحوه في أنّها من: الوَسَامَةِ، لسببين:
أحدهما: أنَّ التَّسمية بالصِّفة أكثر من التَّسمية بالجمع3.
والآخر: أنَّ جعلها من الوَسَامَةِ –وهو: الحُسن-أقرب في تسمية النّساء من معنى جمع (اسمٍ)4.
وعلى هذا يكون الأصل (وس م) لا (س م و) .
ومن صور التّداخل بين المثال والنَّاقص أنَّ (ظُبَةً) وهي: حدُّ السَّيف والسِّنان والنَّصْلِ تحتمل الأصلين (وظ ب) و (ظ ب و) .
وكان ابن جنّي5 يرى أنَّه من (ظ ب و) وأنَّه لا يجوز أن يكون المحذوف منه فاءً؛ لأنَّ الفاء لم يطّرد حذفها إلَاّ في مصادر المثال الواويِّ؛ نحو (عِدَةٍ) و (زِنَةٍ) و (جِدَةٍ) .
وليست (ظُبَةٌ) من ذلك؛ فأوّلها مضموم، وأوائل تلك المصادر مكسورة، ولم يطّرد حذف الواو فاءً من (فُعْلَة) إلَاّ في (الصُّلَةِ) بالضَّمِّ
1 ينظر: القاموس (وسم)1506.
2 ينظر: التَّاج (وسم) 9/93.
3 ينظر: شرح الشّافية للرّضيّ3/79.
4 ينظر: المبهج186.
5 ينظر: سرّ الصناعة 2/630،604.
- وهي من (الصَّلَةِ) ولا نظير له.
وذكر أنَّه لا يجوز أن يكون المحذوف من (ظُبَةٍ) العينَ؛ لأنَّ ذلك لم يأت إلَاّ في (سَهٍ) و (مُذ) وهما كلمتان نادرتان لا يقاس عليهما. وممَّا يدلُّ على أنَّها من (ظ ب و) قولهم في جمعها: (ظُباً) فاللَاّم –كما ترى- هي المعتلّة؛ كـ (لُغَةٍ) و (لُغًى) .
وكان ابن سيده1يقول بقول ابن جنّي؛ لمَّا رأى قوّة مذهبه فيه. وإن صحَّ ما ذهب إليه ابن جنّي وابن سيده فإنَّه لا تداخل في كلمة (ظبة) .
ومن أمثلة هذا الباب: تداخل (وري) و (ت ري) في (التَّريَّةِ) وهي اسم ما تراه الحائض عند الاغتسال، وهو الشّيء الخفيّ اليسير، وفيها رأيان:
الأوَّل: مذهب أبي عليّ الفارسيّ2؛وهو أنَّ وزنها (فَعِيلَة) إمَّا من (وَرَى) كأنَّ الحيض وأرَى بها عن منظرِهِ العينَ، أو من (وَرَى) 3 الزَّندُ إذا أخرج النَّار؛ كأنَّ الطُّهر أخرجها وأظهرها بعد ما كان أخفاها الحيض.
1 ينظر: اللسان (ظبا) 15/22.
2 ينظر: اللسان (وري) 15/390.
3 يقال: وَرَى الزند إذا أخرج النّار، ووَرِيَ إذا صار وارياً، وقيل: وَرَى ووَرِيَ بمعنى واحد؛ أي: اتَّقد. ينظر: اللسان (وري) 15/388،390.
الثَّاني: ما ذهب إليه الأزهريّ1 وهو أنَّ الأصل (ت ر ي) ووزنها (فَعِيلة) أيضاً.
وتحتمل (التَّرِيَّة) أصلاً ثالثاً؛ فقد ذهب ابن سيده2 إلى أنَّها من الرُّؤية، والتَّاء الأولى زائدة؛ فالأصل - حينئذٍ (رأي) وهو مذهب قويٌّ، فكأنَّها (تَرْئِيَةٌ) على زِنَةِ (تَفْعِلَة) من رأى، ثمَّ قلبت الهمزة ياءً، فقالوا:(تَرْيِيَة) فسكِّنت الياء الأولى للإدغام وحرِّكت الرَّاء لالتقاء السَّاكنين، أو نقلت حركة الياء - وهي الكسرة - إلى الرَّاء، وسكِّنت الياء الأولى، ثمَّ أدغمت في الياء الثَّانية.
1 ينظر: التَّهذيب (ترى) 14/309.
2 ينظر: اللسان (ترى) 14/101.
رابعاً- التَّدَاخُلُ بين المثالِ واللَّفِيفِ:
ثَمَّةَ تداخل بين المثال واللَّفيف، غير أنَّه قليل؛ لما تقدَّم من طبيعة المثال.
ومنه تداخل (وأل) و (وول) في (الأوَّل) نقيض الآخِرِ؛ وقد اختلفوا فيه:
فذهب البصريّون1 - وعلى رأسهم سيبويه -2إلى أنَّ أصله (وول) وهو (أَفْعَل) وأصله (أَوْوَل) واستدلّوا باتّصال (مِنْ) به؛ على حدِّ اتّصالها بأَفْعَل التَّفضيل؛ لقولهم: ما لقيتكَ مذ أوَّلَ من أمسِ؛ فجرى هذا مجرى قولهم: هو أعلم من عمرٍو، وزيد أطول من بكرٍ.
ودلَّ على ذلك - أيضاً - قولهم في التَّأنيث: الأولى؛ فهو بمنزلة (الأَفْضَلِ) و (الفُضْلَى) فالأُولى (فُعْلَى) وهي في الأصل (وُوْلَى) فأُبدلت الواو همزةً.
ويدلّ على ذلك - أيضاً - ترك الصَّرف3وأفعلُ ممّا لا ينصرف.
وبحثوا عن فعله؛ فلم يجدوه؛ فقالوا: لا يتصرَّف منه فعل "لأنَّ فاءه وعينه واوان، فلو قالوا فيه:(فَعَلَ يَفْعَلُ) لحدث هناك شيئان يتدافعان؛
1 ينظر: الكتاب 3/195، والأصول 3/339، والشّيرازيات 2أ، والمنصف2/201، وسر الصناعة 2/600، والتبيان 1/57،58، وشرح الشافية للرضي 2/340.
2 ينظر: الكتاب 3/195.
3 ينظر: المنصف 2/201.
وذلك أنَّ (فَعَل) إذا كانت فاؤه واواً، فالمضارع منه إنَّما يجيء على (يَفْعِل) نحو: وَعَدَ يَعِدُ، وعين الفعل إذا كانت واواً؛ فالمضارع من: فَعَلَ، أبداً مضموم العين؛ نحو: قَالَ يَقُولُ؛ فكان يجب أن تكون العين من (يَفْعَل) مضمومةً مكسورةً في حال؛ وهذا متنافٍ؛ مع ما ينضاف إليه من ثقل الواوين"1.
ولا يُردُّ على أصحاب هذا الرَّأي بأنَّ فيه اجتماع المثلين في أوَّل الكلمة؛ لأنَّه قد جاء عن العرب (ددن) ونحوه؛ كما مرَّ2.
ولا يردُّ عليهم - أيضاً - بقولهم في جمعه (أوائل) بالهمز- كأنَّ العين همزة؛ لأنَّه في الأصل (أواوِل) فلمَّا اكتنف الألفَ واوان، ووليت الآخرةُ منهما الطَّرفَ، ضعفتْ، وانضاف ذلك إلى ثقل الجمع قلبت الأخيرة منهما همزة3.
وذهب الكوفيّون، وعلى رأسهم الفرّاء4 إلى أنَّ أصله (وأل) من (وَأَلَ يَئِلُ) إذا نجا؛ لأنَّ النّجاة في السَّبق، فقلبت الهمزة في موضع الفاء، أو هو من (وول) فـ (أَوَّل) عندهم (فَوْعَل) وأصلها (أَوْألْ) ثمَّ خفِّفت
1 المنصف2/201،202.
2 ينظر: ص (101) من هذا البحث، والأصول 3/340، والشيرازيات2/ب.
3 ينظر: الأصول 3/340، وسر الصناعة 2/600.
4 ينظر: المنصف 2/202، والتبيان 1/58، وشرح الشافية للرضي 2/340، وشرح الكافية له 2/218.
الهمزة بأن أبدلت واواً؛ فصارت (أوْوَل) فأدغمت الأولى في الثَّانية؛ فقالوا: (أوَّل) .
ويَرِدُ عليهم أمران:
أحدهما: أنَّهم خالفوا القياس في تخفيف الهمزة؛ لأنَّ القياس في تخفيف مثل هذه الهمزة أن تُلقى حركتُها على السَّاكن قبلها، وتحذف1.
وثانيهما: أنَّ استعمال (أوَّل) متلوّاً بـ (مِنْ) يردُّ قولهم؛ لأنَّ (فَوْعلاً) لا يستعمل بـ (مِنْ) فلا يقال: (فَوْعل) منه، ولكن يقال:(أفْعَل) منه.
ويبدو- لأوَّل وهلة - أنَّ في قراءة قالون2: {وأنَّه أهْلَكَ عَادٍ لُّؤْلَى} 3 بهمز الواو؛ وهي عين الكلمة –دليلاً على أنَّ الأصل الهمز؛ كما ذهبوا إليه، كما أنَّ في قولهم:(النَّبأ) و (بَرَأَ اللَّه الخلقَ) دليلاً على أنَّ (النَّبيَّ) و (البَرِيَّةَ) أصلهما الهمز. غير أنَّ الأمر بخلاف ذلك، لأنَّ الهمز في قراءة قالون بمنزلة قول جرير:
لَحَبَّ المُؤْقِدَانِ إِلَيَّ مُؤْسَىَ
…
وجَعْدَةُ لو أضَاء هُمُا الوَقُودُ 4
1 ينظر: التبيان 1/58.
2 ينظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع 2/296، والإقناع 2/775.
3 سورة النجم: الآية 50.
4 ينظر: ديوانه1/288، وهو فيه غير مهموز، وروي بالهمز في كثير من المصادر المعتمدة؛ كالمنصف 2/203، والخصائص 2/175، والكشّاف 1/43.
ألا ترى أنَّ "من العرب من يبدِّل الواو السّاكنة المضموم ما قبلها همزةً؛ فيقول: مُؤْقِنٌ ومُؤْقِدٌ؛ وليس هكذا: أَنْبَأتُ، وبَرَأ اللَّه الخلقَ؛ لأنَّ الهمزة فيهما من الكثرة بحيث لا خفاء به"1 فلذلك لا يقاس {عَادٍ لُّؤلَى} على هذا؛ لشذوذه؛ كما في هذه اللُّغة.
وليس في قولهم: (أوَّلَةٌ) و (أوَّلَتَان) دليل على أنه (فَوْعَلةٌ) لأنَّ ذلك من كلام العوامِّ؛ وليس بفصيح2.
وثَمَّةَ رأي ثالث؛ فقد قيل: إنَّ أصل (أوَّل)(أول) من: آلَ يؤُول3.
فأصل الكلمة على هذا الرأي (أَأْوَل) ثمَّ أخِّرت الهمزة الثَّانية؛ فجعلت بعد الواو، ثمَّ عمل فيها ما عمل في الوجه السابق عند الكوفيّين؛ فوزن (أوَّل) على هذا الرأي (أعْفَل) .
ولولا القلب لقيل: (أَأْوَل) وإن خُفِّف قيل: (آوَل) وهو ضعيف؛ لعدم سماعه.
1 المنصف 2/203،204.
2 ينظر: تقويم اللسان 67، وشرح الكافية للرضي 2/218.
3 ينظر: التبيان 1/58.
ب- التَّدَاخلُ في الأجْوَفِ:
القسمة الجامعة لتداخل الأجوف في المعتلاّت على النّحو التَّالي:
1-
التَّداخل بين الأجوف والأجوف.
2-
التداخل بين الأجوف والنَّاقص.
3-
التداخل بين الأجوف واللّفيف.
أمَّا التَّداخل بين الأجوف والمثال فقد تقدَّم ذكره في المبحث السَّابق1.
أوَّلاً- التَّداخُلُ بين الأجوفِ والأجوفِ:
هذا النوع من التَّداخل - في المعتلَاّت - كثير، ومعاجم القافية مليئة به؛ وهو ممَّا يصعب التَّمييز فيه بين الأصلين؛ وبخاصَّةٍ ما قلب فيه حرف العلّة ألفاً؛ وهو كثير.
ولعلَّ الأجوف؛ نحو: قَالَ وبَاعَ وخَافَ مرَّ بثلاث مراحل:
الأولى: ظهور الأصل المعتلّ؛ وهو (قَوَلَ) و (بَيَعَ) و (خَوِفَ) . وقد بقيت هذه المعتلات على حالها في اللُّغة الحبشيَّة2، وفي كلمات حافظت –في العربية- على صورتها القديمة؛ فلم تتطوَّر إلى المرحلة التَّالية؛ نحو:(عَوِرَ) و (هَيِفَ) و (حَوِلَ) .
أمَّا الثَّانية فهي مرحلة التَّسكين للتَّخفيف؛ نحو: (قَوْلَ) و (بَيْعَ)
1 ينظر: ص (298) من هذا البحث.
2 ينظر: بحوث ومقالات في اللغة 59.
و (خَوْفَ) وهي مرحلة ضروريَّة -كما يرى ابن جنّي1- للانتقال للمرحلة التَّالية؛ وهي قلب الواو أو الياء ألفاً؛ وتلك هي المرحلة الثَّالثة. ولعلَّ هذا ممَّا أكثر التَّداخل في الجوف بين الواو والياء؛ لأنَّ معرفة الأصل –وهو ما كانت عليه الكلمة الجوفاء في المرحلة الأولى- غير ميسورة في كلِّ حال؛ ولا سيَّما فيما هجر أصله، ولم يظهر في شيء من تصاريف الكلمة؛ فليس من سبيل إلى معرفته سوى التَّرجيح أو الظَّنِّ.
وكذلك يخفى المعتلّ في الأجوف إذا لم تسمع كلُّ تصاريفه أو بعضها، فيخلو ممَّا يكون دليلاً على أحد الأصلين، كـ (السِّيْدِ) وهو الذئب، كما سيأتي تفصيله؛ إن شاء الله.
على أنَّ ما جاء من المعتلّ بعامة، والأجوف بخاصة بالواو والياء جميعاً؛ على سبيل التَّعاقب أواللّغات، يعدّ من أشدّ المعتلَاّت خفاءً في الأصول.
ومن أهمِّ ما يترتبّ على التَّداخل بين الجوف والأجوف حركة عين المضارع؛ في المعتلّ والصّحيح؛ على حدٍّ سواء؛ فإن قياس المضارع أن يكون على (يَفْعُل) 2 إن كانت العين واواً؛ نحو: صَالَ يَصُولُ، وعَالَ يَعُولُ، وبَاحَ يَبُوح، ونَاحَ يَنُوحُ، وعَادَ يَعُودُ، ونَاءَ يَنُوءُ.
1 ينظر: الخصائص 2/471، 472.
2 ينظر: تصريف الأفعال 151.
وقياسه أن يكون على (يَفْعِل) 1 إن كانت العين ياءً؛ نحو: بَاعَ يَبِيعُ، وبَادَ يَبِيدُ، وهَامَ يَهِيمُ، ولَانَ يَلِينُ، وغير ذلك. ومن أمثلة التَّداخل بين الأجوف والأجوف أنَّ (جَاسُوا) في قراءة أبي السَّمَّال2 في قوله عز وجل {فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ} 3 قرأها (فَحَاسُوا) 4 قال أبو زيد الأنصاري: فقلت له: إنَّما هو (جَاسُوا) فقال: جَاسُوا وحَاسُوا واحد5.
ويتداخل أصلان في هذه الكلمة؛ وهما (ح وس) و (ح ي س) :
فذهب ابن جنّي إلى أنَّه من (ح ي س) في قوله: "وأنا أرى أنَّ حَاسُوا من: الحَيسِ؛ وهو الخلط؛ كأنَّه إذا وطئ المكان وذلَّله؛ فقد خلط بعضه ببعض"6.
وقريب من ذلك قولهم: الحَوَاسَةُ؛ وهي الجماعة من النَّاس
1 ينظر: المغني في تصريف الأفعال 148.
2 هو قَعْنَب بن أبي قَعْنَب العدوي (أبو السَّمَّال) وله اختيار في القراءة شاذّ عن العامّة، وروى عنه أبو زيد الأنصاري اللّغويّ. ينظر: غاية النّهاية 2/27.
3 سورة الإسراء: الاية 5.
4 ينظر: المحتسب 2/15.
5 ينظر: المبهج 52.
6 المبهج 52.
المختلطة1.
وجعل ابن فارس (ح ي س) أصلاً واحداً؛ وهو الخليط 2؛ فيجوز أن يكون (حَاسُوا) منه.
ويجوز أن يكون أصله (ح وس) وهو "من قولهم: حَوِسَ الرَجلُ يَحْوَسُ حَوَساً؛ إذا كان شُجاعاً؛ وهو: الأحْوَسُ؛ وذلك أنَّه إذا كان شُجاعاَ أقدم على الأمور، وتَعَجْرَفَ فيها، وتورَّدَهَا "3.
وقال الجوهريُّ: "يقال: تركتُ فلاناً يَحُوسُ بني فلانٍ؛ أي يتخلُّلهم ويطلب فيهم. وإنَّه لحوَّاس عَوَّاسٌّ؛ أي طَلَاّبٌ باللّيل
…
وحَاسُوا خِلال الدِّيار: مثل: جَاسُوا"4.
ولهذا أرى أنَّ الاشتقاق يبيح حمل الكلمة على أحد الأصلين.
ومن ذلك تداخل (أون) و (أي ن) في كلمة (الآنَ) وهو اسم يدلُّ على: الوقت الحاضر، والألف واللَاّم فيه زائدتان؛ لأنَّ الاسم معرفة بغيرهما 5، وقد بُني عليهما؛ ولم يخلعا منه.
وهو يحتمل الأصلين:
1 ينظر: الصّحاح (حيس) 3/921.
2 ينظر: المقاييس 2/124.
3 المبهج 52.
4 الصِّحاح (حوس) 3/920.
5 ينظر: اللسان (اين) 13/41.
يجوز أن يكون من (أي ن) لقولهم: (آنَ أيْنُكَ) أي: حان حِينُكَ، وآنَ لكَ أن تفعل كذا يَئِينُ أيْناً، أي: حَانَ1.
وأصلُ آنَ (أَيَنَ) قلبت الياء ألفاً؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فأصبح تقديره (أانَ) ورسمه (آنَ) وكذلك (الآن) .
ونقلَ السّيوطي: "أنَّ منهم من يرى أنَّ أصله واويّ: أَوَان، ثمّ حذفت الألف بعد الواو، وقلبت الواو ألفاً، ومنهم من يرى أنَّ الواو حذفت وبقيت الألف بعدها؛ فوقعت بعد الهمزة"2.
ومن أحد هذين الأصلين (الأَوَايِنُ) اسم موضع- في قول الشّاعر:
فَهَيهَاتَ نَاسٌ من أُنَاسٍ دِيَارُهُمْ دُفَاقٌ، ودَارُ الآخَرِينَ الأوَايِنُ3
قال ابن منظور: (وقد يجوز أن يكون واواً) 4 أي: أن يكون من (أون) .
ومن هذا النّوع تداخل (س ي أ) و (س وأ) في (سَيَّاءٍ) من حديث (لا تُسَلِّمْ ابنَكَ سَيَّاءً) 5 وهو الّذي يبيع الأكفان، ويتمنَّى موت
1 ينظر: الصحاح (أين) 5/2076.
2 ينظر: الأشباه والنّظائر 1/98، ومعجم مفردات الإبدال والإعلال 41.
3 هو مالك بن خالد الخُناعي الهُذلي. ينظر: شرح أشعار الهُذليين1/444، واللّسان (أين) 13/45، وفيه ((هيهات)) بدون الفاء.
4 اللّسان (أين) 13/45.
5 ينظر: المجموع المغيث 2/159، والنّهاية في غريب الحديث 2/430.
النّاس.
وهذا ذكره أصحاب الغريب في (س ي أ) 1 وكذا في (اللّسان)2.
ويجوز أن يكون من (س وأ) على أن يكون اشتقاقه من (السُّوءِ) و (المَسَاءَ ةِ)3. وهذا أقرب؛ فليس في معاني مادّة (س ي أ) ما يجعله منها؛ وإنَّما ذُكر ثَمَّ أخذاً بظاهر اللّفظ.
ومن أمثلة هذا الباب تداخل (ص وأ) و (ص ي أ) في (الصَّاءَ ةِ) وهو ما يخرج من رحم الشاة بعد الولادة من القذى؛ وهو يحتمل الأصلين:
فقد ذكره الجوهريُّ4 في (ص وأ) وتابعه الصَّغانيُّ في (العُبَابِ) 5 وذكره في (التَّكملة) 6 في (ص ي أ) وهو خلاف ما ذهب إليه في (العُبَابِ) وذكره ابن منظور7في اليائيِّ.
1 ينظر: المجموع المغيث 2/159، والنّهاية 2/430.
2 ينظر: (سيأ) 1/99.
3 ينظر: المجموع المغيث 2/159، والنّهاية 2/430، واللّسان (سيأ) 1/99.
4 ينظر: الصّحاح (صوأ) 1/59.
5 ينظر: (صوأ)79.
6 ينظر: (صيأ) 1/31.
7 ينظر: اللّسان (صيأ) 1/110.
وذكره الفيروزآباديُّ في الأصلين1، وتابعه الزَّبِيديُّ2.
وحمله على الأصل الواويِّ أولى؛ لأنَّ الواو أغلب على العين من الياء؛ كما تقدَّم3.
ومن هذا النّوع تداخل (ف وج) و (ف ي ج) في (أفَاجَ) في قول الرَّاجز:
أُهدِي خَلِيلِي نَعْجَةً هِمْلَاجَا
…
مَا يَجِدُ الرَّاعِي بِهَا لَمَاجَا
لا تَسْبِقُ الشَّيْخَ إذا أَفَاجَا4
والإفاجة: الإسراع والعَدو؛ وهو يحتمل الأصلين:
فقد ذكرها أكثر المعجمييّن في (ف وج)5.
وخالفهم ابن فارس بقوله6: "وأمَّا أفاجَ الرَّجل؛ إذا أسرع؛ فهو من ذوات الياء؛ والفَيْجُ منه".
1 ينظر: القاموس (صوأ) و (صيأ)57.
2 ينظر: التَّاج (صوأ) و (صيأ) 1/88، وفي هامشه أنَّ الأوَّل (صيأ) وهو سهو صوابه (صوأ) بدليل الجذر الثَّاني بعده وهو (صيا) ، وبدليل ما في القاموس.
3 ينظر: ص (258) من هذا البحث.
4 ينظر: التّنبيه والإيضاح1/216، واللّسان (فوج) 2/350.
5 ينظر: التَّهذيب11/12، والصحاح (فوج) 1/336، والتنبيه والإيضاح1/216، والقاموس (فوج) 259، والتّاج (فوج) 2/89.
6 ينظر: المقاييس 4/458.
ولعلَّ هذا ما دفع ابنَ منظور إلى ذكرها في الموضعين 1.
وأراه من (ف ي ج) كما قال ابن فارس؛ وقد ذكر ابن دُريد2 أنَّ (الفَّيْج) معرَّبٌ؛ وهو: رسول السّلطان يسعى على رجليه. قال الجَواليقيُّ: "وليس بعربيٍّ صحيح؛ وهو فارسيٌّ"3 وهو عند الفَيُّوميِّ4 -أيضاً- معرٍّبٌ، وكذا في القاموس5.
وقد رجّح ذلك الدّكتور ف. عبد الرحيم بقوله: "هو فارسيٌّ؛ وأصله: بيك؛ كما قال صاحب القاموس؛ وهو بالباء الفارسيّة والكاف، أو الكاف الفارسيّة، وأصل معناه الرَّاجل، ويطلق –أيضاً- على الرّسول؛ لأنّه يسعى على رجليه، ومنه (صورة12) بالسُّريانيّة، ومعناه: جُنديٌّ راجلٌ "6.
فلعلّ الإفاجة من هذا؛ فيكون أصلها يائيّاً، ولا يمتنع أن تكون الإفاجة من (ف وج) وهو أصل عربيٌّ؛ وافقَ الأصلَ الأعجميَّ في معناه وقاربه في لفظه؛ فتداخلا.
1 ينظر: اللسان (فوج) و (فيج) 2/350.
2 ينظر: الجمهرة 1/490.
3 المعرب 472.
4 ينظر: المصباح 485.
5 ينظر: (فوج)450.
6 ينظر: المعرّب 473.
ومن ذلك تداخل (س ود) و (س ي د) في (السِّيْدِ) وهو الذّئب؛ يقال: سِيْدُ رَمْلٍ، والجمع: السِّيدان، والأنثى: سِيدَة، وربّما سمّي به الأسد.
وممّن رأى أنَّه من (س ود) الجوهريُّ1، والفيروزآباديّ2، والزَّبِيديّ3 الّذي ذكر أنَّه قول أكثر أئمة التَّصريف.
وحمله على (س ي د) جماعة من العلماء؛ على رأسهم سيبويه4، إذ ذكر في باب تحقير ما ثانيه ياء ألفاظاً من الأسماء، منها:(بَيْت) و (شَيْخ) و (سِيْد)5.
ومنهم ابن فارس6 وابن جنّي7 الّذي ذكره في باب ما يحمل على الظَّاهر؛ وإن أمكن أن يكون المراد غيره، واستدلّ فيه برأي سيبويه؛ لأنَّ عين الفعل لا تمتنع أن تكون ياءً.
1 ينظر: الصحاح (سود) 2/492.
2 ينظر: القاموس (سود)317.
3 ينظر: التّاج (سود) 2/385.
4 ينظر: الكتاب 3/481.
5 في طبعة الأستاذ عبد السلام هارون أنَّه ((سَيِّد)) بفتح السّين وتضعيف الياء؛ وهو سهو أو تصحيف، وكذا في طبعة بولاق (2/136) وصواب ذلك أنّه ((سِيْد)) . ينظر: الخصائص1/251، واللسان (سيد) 3/232.
6 ينظر: المقاييس3/120، والمجمل 2/480.
7 ينظر: الخصائص1/251-225.
وقد أطال ابن جنّي الحديثَ في هذه المسألة وقلّب الرّأي في شتّى جوانبها، ولم يكد يترك لمعترضٍ حجَّةً يمكن أن يحتجّ بها على بطلان الياء إلَاّ ردَّ عليها.
فمن ذلك انَّه توهّم اعتراضاً بأنَّه لا يُعرف في كلام العرب تركيب (س ي د) فهلَاّ حُملت الكلمة على (س ود) وهو موجود؟ فردَّ بأنَّ ذلك لا يمنع حملها على (س ي د) وإن انفردت في بابها، واستدلَّ بأنَّ سيبويه أثبت بعض النَّوادر؛ كإثباته في الكلام: فَعُلْتَ تَفْعَلُ؛ وهو: كُدْتَ تَكَادُ1؛ ولم يذكر له نظيراً، وإثباته بـ (إِنْقَحْلٍ) بابَ (إنفَعْلٍ) وإن لم يُحكَ غيره2، وإثباته بـ (سُخَاخِين) - وهو الحار (فُعَاعيلاً) ولا يعلم غيره3.
وتوهّم أنَّ معترضاً قال: إنَّ كثرة وقوع عين الفعل واواً تقود إلى الحكم بأنَّه من (س ود) فردَّ بأنَّه إنَّما يحكم بذلك مع عدم الظَّاهر، فأمَّا هذا والظَّاهر معنا فلا يليق بنا العدول عنه، أمّا إذا جانبنا الظَّاهر احتجنا إلى العدول والحكم بالأليق والحملِ على الأكثر؛ وذاك إن كانت العين ألفاً مجهولةً، فحينئذٍ تحمل على أوسع البابين.
1 ينظر: الكتاب 4/40، ومعنى كاد-هنا- المقاربة، وليس الكَيْد والمكر؛ فهذا يائيٌّ.
2 ينظر: الكتاب 4/247.
3 ينظر: الكتاب 4/254.
وبكلام ابن جنّي احتجَّ ابنُ سِيده1 لوضعها في اليائيِّ.
وأرى أنَّ ما احتجّا به من اليسير إضعافه، فأمَّا الظّاهر الّذي احتجّا به وأدارا القول عليه، فإنَّه لا يسلَّم به؛ فأيُّ ظاهر والسِّين مكسورة؟ فالياء في (السِّيْدِ) بمنزلة الياء في (القِيْلِ) من: القول، و (العِيْدِ) من: العَوْدَةِ. نعم يسلَّم بالظَّاهر لو كانت السِّين مفتوحة؛ وهو ما لم يرد فيها - فيما أعلم.
أمَّا سيبويه فإنَّه أثبت ما أثبت من الآحاد والمفاريد؛ خلافاً لنهجه العامِّ، والنَّهجِ المأخوذ به في تقعيد الأبنية عند علماء العربيّة. ولو أُخذ بهذا المنهج لما قيل:(ليس في كلام العرب) من الأبنية إلاّ كذا، ولبطل الاستدلال بعدم النّظير. ومهما يكن من أمرٍ؛ فإنَّ اختلافهم في أصل (السِّيْدِ) دليل واضح على خفاء أصله، ممَّا مكّن التَّداخل فيه. ومن هذا النّوع تداخل (ش وش) و (ش ي ش) في (التَّشْوِيشِ) وهو: التَّخليط من قولهم: تَشَوَّشَ عليه الأمرُ؛ إذا اختلط؛ فإن كان عربياً فصيحاً 2 فإنَّه يحتمل الأصلين:
1 ينظر: اللسان (سيد) 3/232.
2 ذكر بعضهم أنّها لغة مولّدة، وقيل: إنَّها لحن، صوابه التهويش، وقد تهوّش بالهاء. ينظر: درَّة الغوّاص47، وتقويم اللسان186، وتصحيح التصحيف343، وقد أثبتها أكثر أصحاب المعاجم على أنَّها عربيّة صحيحة.
فقد ذهب الجوهريُّ1 إلى أنَّ أصله (ش ي ش) .
وهو - عند الجمهور- من الأصل الواويِّ، ومنهم الصَّغانيُّ2 الّذي ردَّ على الجوهريِّ فيه، ونصَّ على أنَّ التّشويش من (ش وش) وكذلك ابن منظور3. ومنهم الفيروزآباديُّ4، والفَيُّوميُّ5، والزَّبِيديُّ6.
وأرى أنَّ الكلمة واويّة؛ كما ذهب الجمهور؛ وليس للجوهريِّ دليل لوضعها في (ش ي ش) ولو كانت من ذلك لقالوا: تَشَيَّشَ؛ مثل تَخَيَّرَ. ومن هذا النّوع تداخل (ت وهـ) و (ت ي هـ) في (التُّوْهِ) من قولهم: وَقَعَ في التُّوْهِ؛ أي: الهلاكِ؛ وهو يحتمل الأصلين:
فكان الخليل وسيبويه يحملانه على (ت وهـ) .
قال ابن جنّي: "التُّوه لا يجوز عند الخليل وسيبويه، إلَاّ من الواو دون الياء؛ لأنَّهم لو بَنَيَا مثل: بُرُدٍ من:بِعْتُ -لقالا: بِيْعٌ، وهما يُجيزان في
1 ينظر: الصحاح (شيش) 3/1009.
2 ينظر: التّكملة (شوش) 3/485.
3 ينظر: اللسان (شوش) 6/311.
4 ينظر: القاموس (شوش)769.
5 ينظر: المصباح 327.
6 ينظر: التاج (شوش) 4/318.
: دِيكٍ، وفَيْلٍ أن يكونا (فِعْلاً) و (فُعْلاً) ويجريان الواحد في هذا المعنى مُجرى الجميع؛ نحو: بِيْضٍ في جمع: أَبْيَضَ؛ وإنَّما هي فُعْل"1.
ويمكن أن يكون (التُّوه) عند الأخفش من الأصلين الواوي واليائي؛ لأنَّه كان يقول: إنَّه لو بَنَى مثل (بُرُدٍ) من بِعْتُ لقال: بُوعٌ؛ وهو خلاف مذهب الخليل وسيبويه، وكان يبدل من الضَّمَّة كسرة في الجمع؛ نحو: بِيضٍ، أمَّا في المفرد فلا2.
وقد ذكره ابن منظور في الأصلين؛ لقولهم: (التُّوهُ) و (التِّيهُ) وذكر ابن سِيده تَاهَ يَتُوهُ ويَتِيهُ تَوْهاً في (ت وهـ) وقال: "إنَّما ذكرت -هنا- يَتِيهُ، وإن كانت يائيّة اللَّفظ؛ لأنَّ يائها واو؛ بدليل قولهم: ما أَتْوَهَهُ، في ما أتْيَهَهُ"3.
ويتداخل (ص وخ) و (ص ي خ) في قولهم: أَصَاخَ له؛ أي: استمع وأنصتَ لصوتٍ، ومنه حديث ساعة الجمعة:"ما من دابَّة إلَاّ وهي مُصِيخَةٌ"4 أي: مستمعة مُنصِتةٌ؛ وهو محتمل الأصلين:
ذهب الجوهريُّ 5 إلى أنَّه من (ص وخ) وتابعه أبو بكر
1 المنصف 1/265.
2 ينظر: المنصف /265.
3 المحكم 4/299.
4 ينظر: المجموع المغيث 2/304، والنهاية 3/64.
5 ينظر: الصحاح (صوخ) 1/426.
الرَّازي1.
وذهب الجمهور إلى انَّه من (ص ي خ) ومنهم ابن فارس 2، وأبو موسى3، وابن سِيده4، والزَّمخشري5، وابن الأثير6، وابن منظور7. ويحتمل كلام الفيروزآبادي 8 والزَّبِيديِّ 9 الأصلين بلا تحديد.
وفي الحقِّ فإنَّه يحتمل الأصلين؛ وإن ذهب الجمهور إلى أنَّه من (ص ي خ) وليس في قولهم: أَصَاخَ يُصِيخُ دليل؛ لأنَّ البناء -هنا - يطلب الياءَ؛ سواء كان المعتلّ واوياً أو يائيّاً؛ لأنَّ الواو تقلب في (يُفْعِل) من (أَفْعَلَ) الأجوف ياءً لمكان الكسرة؛ فيجوز أن يكون في الأصل (يُصْوِخُ)
1 ينظر: مختار الصحاح (صوخ)93.
2 ينظر: المقاييس (صيخ) 3/325.
3 ينظر: المجموع المغيث 2/305، وأبو موسى هو: الحافظ محمد بن عمر بن أحمد المديني الأصبهانيّ؛ صاحب التّصانيف في الحديث واللّغة وغيرهما. (توفّي سنة 581هـ) ومن مصادر ترجمته: سير أعلام النّبلاء21/152، وتذكرة الحفَّاظ4/246، وطبقات الشّافعية الكبرى6/160.
4 ينظر: المحكم5/150.
5 ينظر: أساس البلاغة263.
6 ينظر: النهاية3/64.
7 ينظر: اللّسان (صيخ) 3/35.
8 ينظر: القاموس 326.
9 ينظر: التّاج 2/267.
ثمَّ نقلت الكسرة وسُكِّنت الواو فيكون تقديره (يُصْوِخُ) فقلبت الواو ياءً، لسكونها وانكسار ما قبلها؛ فقالوا:(يُصِيخُ) ومثله (مُصِيخٌ) كما تقول: أَعَادَ يُعِيدُ؛ وهو من العَوْدَةِ.
ولم يذكروا - فيما تحت يدي من مصادر - أنَّ العرب قالت: الصَّيخُ؛ ليكون دليلاً على الياء؛ لأنَّ الفعل استعمل مزيداً بالهمزة.
ثانِياً- التَّداخل بين الأجوف والنَّاقِصِ:
وهو نوع من أنواع التَّداخل في الأجوف؛ غير أنَّه أقلُّ وقوعاً من سابقه.
فمنه تداخل الأصلين (م ي د) و (م د ي) في (المِيدَاءِ) في قولهم: مِيدَاءُ الطَّريق، وقولهم: ما أدري ما مِيدَاء هذا الأمر؛ يعني: قدره وغايته. وقد اختلفوا في أصله:
فجعله بعضهم من (م ي د) على زنة (فِعْلاء) كابن سِيده1 والصَّغانيّ؛ إذا ذكره في (ميد) بقوله: "وإن كان بناء مستقلاًّ؛ فهو (فِعْلَال) [هكذا] وهذا موضعه"2 يعني (م ي د) وقد سها رحمه الله في وزنه، وكذا نقله الزَّبِيديُّ 3؛ دون أن ينبِّه عليه أو يصلحه، وصواب ما ذكر الصّغانيّ أن يكون (فِعْلاء) لأنَّه من (ميد) ولا يكون على
1 ينظر: اللسان (ميد) 3/412.
2 التَّكملة (ميد) 2/346.
3 ينظر: التّاج (ميد) 2/507.
(فِعْلَال) إلَاّ أن يكون الأصل (م ي د أ) ولم يُرد الصّغانيّ ذلك، ومقاييس اللّغة تأباه؛ لأنَّ الياء لا تكون أصلاً في بنات الأربعة في غير المضاعف.
وذكره - أيضا ً - في (م ي د) ابنُ منظور1، والفيروزآباديّ2، والزَّبِيديّ3، وكأنَّهم متردِّدون في أصله؛ لأنَّهم أعادوه في (م د ي) . وذهب بعضهم إلى أنَّه من (م د ي) على وزن (فِيعَال) ومن أوائل من رأى ذلك الأزهريّ؛ فقد قال:"وهو (فِيعَال) من المَدَى؛ كأنّه مصدر: مَادَى مِيْدَاءً؛ على لغة من يقول: فَاعَلْتُ فِيْعَالاً "4.
وهو عند ابن الأعرابي (مِفْعَالاً) من: المَدَى؛ وهو الغاية5؛ ولعلّه يكون سهواً منه رحمه الله لأنَّ (مِفْعَالاً) لا يستقيم إن أراد اشتقاق (المِيدَاءِ) من (المَدَى) لأنَّ الميم زائدة في الوزن؛ وهي أصلية في المدى. وقد تعقّبه الأزهري بقوله: (قوله: المِيدَاء (مِفْعَال) في المَدَى غلطٌ؛ لأنَّ الميم أصليّة؛ وهو (فِيعَال) من المَدَى"6.
وذهب ابن السِّكِّيت7 مذهب ابن الأعرابيّ في وزنه، ولو كان
1 ينظر: اللسان (ميد) 3/412.
2 ينظر: القاموس (ميد)409.
3 ينظر: التاج (ميد) 2/507.
4 التهذيب 14/221.
5 ينظر: التهذيب 14/221.
6 التّهذيب 14/221.
7 ينظر: التّاج (مدى) 10/338.
كما ذكر لكان موضعه (يدا) كما نبّه عليه شيخ الزَّبِيديّ ابن الطّيب الفاسيّ1.
وأجاز الصّغانيّ أن يكون (المِيدَاء)(مِفْعَالاً) ولكن على سبيل الاعتقاب من: (أدَّاهُ كذا إلى كذا) فيكون أصله (أد ى) قال: "إن كان مِيْدَاءُ الطّريق سُمِعَ على طريق الاعتقاب لِمِئْتَائِهِ فهو مهموز (مِفْعَال) من: أدَّاه كذا إلى كذا، وموضعه أبواب المعتلّ؛ كموضع المِئْتَاءِ"2.
ومن التَّداخل بين الأجوف والنّاقص ما يظهر بين كلمتي (التَّسْوِيفِ) و (السَّوَافِي) في قول الشَّاعر:
هِيَ الدُّنْيَا وقَدْ نَعِمُوا بِأُخْرَى وَتَسْوِيفُ العِدَاتِ مِنَ السَّوَافِي3.
التَّسويف: المطل، والسَّوافي جمع: سَافِي؛ وهي: الرِّيح الّتي تصفي التُّراب وتَذْروه.
قال ابن جنّيّ: "فظاهر هذا يكاد لا يشكّ أكثر النّاس أنَّه مُجَنَّسٌ؛ وليس هو كذلك؛ وذلك أنّ تركيب تسويفٍ من (س وف) وتركيب السّوافي من (س ف ي) لكن لمّا وجد في كلّ واحدٍ من الكلمتين سينٌ وفاءٌ وواوٌ جرى في بادي السّمع مجرى الجنس الواحد "4 فتداخلا.
ومن ذلك تداخل (ث وب) و (ث ب و) في (الثُّبَة) وهو: وسط
1 ينظر: التاج (مدى) 10/338.
2 التّكملة (ميد) 2/346.
3 هو: عبد السلام بن رغبان، المعروف بـ ((ديك الجن)) . ينظر: ديوانه. 121.
4 الخصائص 2/47.
الحوض؛ وقد ذهبوا في أصله مذهبين:
فمنهم من رأى أنَّه من (ث وب) وأقدم من وقفت له على نصٍّ في ذلك أبو إسحاق الزّجّاج؛ إذ قال: "وَثُبَةُ الحَوْضِ - وسطه حيث يثوب الماء إليه - تُصَغَّر: ثُوَيْبَةٌ؛ لأنّه محذوفةٌ منه عين الفعل"1.
وفرّق بين (ثُبَةٍ) بمعنى: وسط الحوض، و (ثُبَةٍ) بمعنى: الجماعة؛ فالأخيرة عنده ناقصةٌ؛ أي: أنّ المحذوف منها اللَاّم، وتصغيرها عنده: ثُبَيَّةٌ، واشتقاقها من: ثَبَيْتُ على الرَّجل؛ إذا أثنيتَ عليه في حياته؛ أي: أنَّك جمعت محاسنه.
ووافقه الجوهريّ بقوله: "الثُّبَةُ – أيضاً – وسط الحوض؛ الّذي يثوب إليه الماء، والهاء – هاهنا – عِوضٌ من الواو الذَّاهبة من وسطه؛ لأنَّ أصله ثُوبٌ؛ كما قالوا: أقام إقامةً، وأصله إقواماً؛ فعوَّضوا الهاء من الواو الذَّاهبة من عين الفعل"2.
ووافقه في التَّفريق بين الكلمتين في أصلَيْهما -أيضاً - حين قال: "والثُّبَةُ: الجماعة؛ وأصلها ثُبَيٌ"3.
وجمهور العلماء لا يفرِّقون بينهما في الاشتقاق؛ فهما من أصلٍ واحدٍ، والجامع بينهما التّجمّع الموجود في الجماعة، وفي وسط الحوض؛
1 معاني القرآن 2/47.
2 الصّحاح (ثبا) 6/2291.
3 الصحاح (ثبا) 6/2291.
لاجتماع الماء فيه1.
واشتقّها بعضهم2 من (ثَابَ) بمعنى: عَادَ ورجع؛ وكأّن أصلها: ثَوبةٌ، ثُمَّ حُذِفَت الواو لمّا ضُمّتِ الثّاء. وذهب أكثر العلماء إلى أنّ (الثُّبَة) بمعنى: الجماعة، أو وسط الحوض من (ث ب و) وأنّ المحذوف منها لام الكلمة. ولعلّ أوّل من أشار إلى ذلك هو سيبويه؛إذ قسّم بنات الحرفين من مثيلاتها عند جمعه بالألف والتّاء قسمين:
أحدهما: ردّوا إليه لامه المحذوفة؛ مثل: سَمَوات وعِضَوَات.
وثانيهما: مالم تردّ له اللاّم المحذوفة، ومنه (ثُبَاتٌ) جمع: ثُبَةٍ3.
ومن هؤلاء أبو عليّ الفارسيّ، وقد قاسه على الأكثر؛ وهو حذف اللاّم، وأشار إلى أنّ الحذف يقلّ في العين، ويندر في الفاء4. ولا يَرِدُ على أبي عليّ -فيما قال- نحو:(عِدَة) و (صِلَةٍ) وهما ممّا حذفت فاؤه؛ لأنّهما من مصادر بنات الواو؛ وأوّلهما مكسورٌ؛ وليس (ثُبَة) من ذلك.
ويُعدّ ابن جنّيّ5 من أشدّ الراغبين في إثبات أنّ المحذوف منها اللاّم، وليس العين، وممّا استدلّ به قول الرّاجز:
1 ينظر: البغداديّات 531، وسرّ الصّناعة 2/602.
2 ينظر: اللّسان (ثوب) 1/244.
3 ينظر: الكتاب 3/598.
4 ينظر: البغداديّات 531.
5 ينظر: سرّ الصّناعة 2/601-602.
هَلْ يَصْلُحُ السَّيْفُ بِغَيْرِ غِمْدِ
…
فَثَبِّ مَا سَلَّفْتَهُ مِنْ شُكْدِ1
فمضارع قوله: (فَثَبِّ) يُثَبِّي، ومعناه: يجمّع، وهو يدلّ على أنّ اللاّم معتلّةٌ، وأنّ الثّاء والباء فاءٌ وعينٌ. وأراد أن يثبت أنّ لامها المعتلّة واوٌ، وليست ياءً؛ فحملها على الأكثر في الحذف؛ للدّخول في أوسع البابين- بقوله: "الّذي ينبغي أن يقضى به في ذلك أن تكون من الواو، وأن يكون أصلها: ثُبْوَةٌ؛ وذلك أنّ أكثر ما حذفت لامه إنّما هو من الواو؛ نحو: أبٍ، وأخٍ، وغدٍ، وهنٍ، وحمٍ، وسَنَةٍ -فيمن قال: سنوات - وعِضَةٍ - فيمن قال: عِضَوَات
…
فهذا أكثر ممّا حذفت لامه ياءً؛ فعليه ينبغي أن يكون العمل
…
فقد ثبت أنّ أصل ثُبَةٍ: ثُبْوَةٌ "2.
ومنهم ابن يعيش3 وقد استدلّ بما استدلّ به أبو عليّ وابن جنّي، وتابعهم ابن عصفورٍ4.
ومن نتائج التّداخل في هذه الكلمة أنّها وضعت في بعض المعاجم كـ (الصّحاح) 5 و (اللّسان) 6 في الموضعين (ث وب) و (ث ب و) .
1 ينظر: سرّ الصّناعة 2/602، واللّسان (ثبو) 14/108، والتّاج (ثبو) 10/55، والشّكد: العطاء.
2 سرّ الصناعة 2/603.
3 ينظر: شرح الملوكيّ 2/622.
4 ينظر: الممتع 2/623.
5 ينظر: (ثوب) 1/95، و (ثبو) 6/2291.
6 ينظر: (ثوب) 1/244، و (ثبو) 14/108.
ثالثاً- التَّداخل بين الأجوف واللَّفيف:
وهذا النّوع الثّالث من التّداخل في الأجوف، وهو تداخلٌ بين الأجوف واللّفيف؛ وهو أكثر وقوعاً من النّوع السّابق. فمنه تداخل (م وس) و (وس ي) في (موسى) آلة الحلاقة؛ وقد اختلفوا فيه اختلافاً بيّناً:
فمنهم من ذهب إلى أنّ أصلها (م وس) ووزنها (فُعْلَى) ومن هؤلاء: صاحب (العين) إذا قال: "المَوسُ: تأسيسُ اسم المُوسى، وبعضهم ينوّن مُوسًى؛ لما يلحق به"1.
وإلى هذا ذهب الكسائيّ2 والفرّاء3، الّذي ذكر أنّها تؤنّث، ولا تنصرف في كلّ حالٍ؛ لكونها كالبُشرى.
وتابعهم الفيّوميّ؛ وروى قولهم: "مَاسَ رأسَه مَوْساً – من باب قال: حَلَقَه، والمُوسى: آلة الحديد "4.
ويؤيّد ذلك ما ذكره ابن فارسٍ بقوله: "والمَوس: حَلْقُ الرّأس"5، وهذا يؤيّد أصالة الميم في (الموسى) وأنّ أصلها (م وس) على وزن
1 العين 7/323.
2 ينظر: إصلاح المنطق 359.
3 ينظر: شرح الشّافية للرّضيّ 2/348.
4 المصباح 585.
5 ينظر: المقاييس 5/285.
(فُعْلَى) .
وذكر الرّضيّ أنّ الفرّاء اشتقّها من (المَيْس) وهو التَّبَخْتُر؛ لأنّ المُزيَّن يتبختر؛ قال: وهو اشتقاقٌ بعيدٌ1. وقد قلبت الياء واواً؛لانضمام ما قبلها.
ويرد على أصحاب هذا الرّاي أنّ (مُوسًى) مصروفةٌ في التّنكير.
قال الجرجانيّ: "وأمّا ما ذهب إليه بعض أهل اللّغة من أنّه (فُعْلى) من مَأَسْتُ رأسه؛ فيجب له أن يدّعي منع صرفه؛ لأنّ مثال (فُعْلى) لا يكون ألفه لغير التّأنيث، وأصحابنا قد أثبتوا فيه الصّرف"2.
على أنّ ما ذهب إليه الجرجانيّ من الممكن دفعه؛ فقد ذكروا أنّها تجرى ولا تجرى3: أي: تصرف ولا تصرف، وأنّها تذكّر وتؤنّث.
فمن أجراها قال في التّصغير: هذه مُوَيْسِية صغيرةٌ، وقال في جمعها: المواسي؛ لأنّها (مُفْعَل) عنده.
ومن لم يجرها قال في التّصغير: هذه مُوَيْسَى صغيرةٌ، وقال في جمعها: المُوْسَيَات، على حدّ قولهم:(الحُبْلَيَات) ؛ لأنّ (مُوْسَى) عنده (فُعْلَى) كحُبْلَى4.
1 ينظر: شرح الشّافية 2/348.
2 المقتصد في شرح التّكملة 2/799.
3 ينظر: المذكّر والمؤنّث للفرّاء 86، والمذكّر والمؤنث لابن التّستريّ 105.
4 ينظر: المذكّر والمؤنّث للأنباريّ 328.
ويرى الأُمَويّ أنّ (المُوسَى) مذكّرٌ لا غير1، وحكى أبو عبيدٍ أنّ الأمويّ انفرد بذلك2.
وشاهد التّذكير قول الرّاجز:
مُوْسَى الصَّنَّاعِ مُرْهَفٌ شَبَاتُهُ3
…
وشاهد التّأنيث قول الشّاعر:
وَإِنْ كَانَتِ المُوْسَى جَرَتْ فَوْقَ فَعْلِهَا
…
فَمَا خُتِنَتْ إِلَاّ وَمَصَّانُ قَاعِدُ4
وذهب أكثر العلماء إلى أنّ (موسى الحلاّقة) من (وس ى) ووزنها (مُفْعَل) واشتقاقها - عندهم -من: أَوْسَيْتُ رأسه؛ إذا حَلَقْتَه.
وعلى رأس هؤلاء: سيبويه5، وأبو زيدٍ الأنصاريّ؛ فيما حكى عنه الجرميّ بقوله: "سمعت أبا زيدٍ يروي عن العرب: هذه موسًى خَذِمَةٌ؛ وهي (مُفْعَل) ولو كانت الميم أصليّةً لم ينصرف؛ لأنّ (فُعْلَى) في جميع
1 ينظر: المذكّر والمؤنّث للأنباريّ 329، والصّحاح (وسى) 6/2524، والأمويّ هو: عبد الله بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص، اللّغوي، وأخذ عن فصحاء الأعراب، وكان ثقة في نقله ومن مصادر ترجمته؛ طبقات النّحويّين واللّغويّين 193، وإنباه الرّواة 2/120، وبغية الوعاة 2/43.
2 ينظر: الغريب المصنّف 213 ب.
3 ينظر: المذكّر والمؤنّث للأنباريّ 328، والمخصّص 17/17.
4 ينظر: المذكّر والمؤنّث للأنباريّ 328، واللّسان (وسى) 15/391، وفيه:((فوق بَظْرِها)) .
5 ينظر: الكتاب 3/213.
الكلام غير مصروفةٍ في معرفةٍ ولا نكرةٍ، ونحو: حُبْلَى وأُنْثَى؛ قال: فصرف العرب يدلّ على أنّ الميم زائدة ٌ"1. وبنحو ذلك استدلّ ابن السّرّاج2.
وممّن ذهب - أيضاً - إلى أنّها (مُفْعَل) ابن جنّي3، وابن القطّاع4، والرّضيّ5، وابن عقيلٍ6.
والمذهبان متساويان؛ فالاشتقاق يسعفهما جميعاً؛ فكما جاء في اللّغة أنّ المَوْس: حلق الرّأس، ومنه قالوا: مَاسَ رأسه؛ أي: حلقه فإنّ في اللّغة - أيضاً - أنّ الوَسْيَ: الحلق، ومنه: أَوْسَيْت الشّيء: حلقه بالموسى. وحججهم الصّرفيّة تكاد تكون متوازنةً؛ فقد ذكروا أنّها ممّا يذكّر ويؤنّث، وينصرف ولا ينصرف.
وعلى الرّغم من ذلك فثمّة ما يرجّح به أحد الأصلين؛ وهو (مُفْعَل) وذلك بالدّخول في أوسع البابين؛ وهو ما فطن إليه ابن جنّي؛ فترك أدلّتهم جانباً؛ لأنّ لكلّ دليلٍ ما يقابله؛ فقال: "اعلمْ أنّك إذا حَصَّلتَ حرفين
1 شرح أبنية الكتاب 529.
2 ينظر: الأصول 3/351.
3 ينظر: سرّ الصّناعة 1/428.
4 ينظر: الأفعال 3/335.
5 ينظر: شرح الشّافية 2/348، 347.
6 ينظر: المساعد 4/69.
أصلين في أوّلهما ميمٌ أو همزةٌ، وفي آخرهما ألفٌ – فاقض بزيادة الميم والهمزة؛ وذلك أنّا اعتبرنا اللّغة؛ فوجدنا أكثرها على ذلك؛ إلَاّ أن تجد ثبتاً تترك هذه القضيّة إليه؛ وذلك نحو موسى، وأروَى وأفعى، ومثالهما (مُفْعَل) و (أَفْعَل) وذلك أنّ (مُفْعَلاً) في الكلام أكثر من (فُعْلَى) و (أَفْعَل) أكثر من (فَعْلَى) ألا ترى أنّ زيادة الميم - أوَّلاً - أكثر من زيادة الألف رابعةً"1.
وقد انفرد ابن خالويه بأصل آخر غير (م وس) و (وس ى) وهو (أس و) إذ اشتقّه من؛ الأسوة بقوله: "ويكون (مُفْعَلاً) من الأسوة؛ وهذا حرفٌ غريبٌ؛ ما استخرجه أحدٌ _ علمته _ غيري، فاعرفه؛ فإنّه حسنٌ"2.
والأسوة الّتي اشتقّ منها ابن خالويه هي: القدوة، والقوم أسوةٌ في هذا الأمر؛ أي: حالهم فيه واحدةٌ، وكأنّه لَمَحَ في (المُوسَى) أنّها تساوي بين الشّعر؛ فأخذه من هذا؛ وهو أضعف ممّا تقدّم.
أمّا (موسى) علَمٌ؛ وهو: موسى بن عمران عليه السلام فينبغي أن تكون ميمه أصليّةً؛ لأنّه معرّبٌ، واشتقاق اسمه من الماء والشّجر؛ فـ (مو) : الماء، و (سا) : الشّجر سمِّي به لحال التّابوت
1 سرّ الصّناعة 1/428.
2 إعراب ثلاثين سورة 64.
والماء1. ويجوز أن يكون من القبطيّة، كما قال الدّكتور ف. عبد الرّحيم؛ وهو مركّبٌ من (mo) بمعنى الماء، و (USE) بمعنى أنقذ، أو (mes) أو (mesu) بمعنى الطّفل والابن2.
ومن التّداخل بين الأجوف واللّفيف (المِينَاء) وهو الموضع الّذي ترفأ فيه السّفن؛ أي تجمع وتربط؛ وهو من (ون ي) فهو (مِفْعَال) من الوَني وهو: الفتور؛ لأنّ الرِّيح يقلّ فيه هبوبها.
غير أنّ ابن الأثير3 ذكره في (م ي ن) فكأنّه عنده (فِعْلاء) وأشار إلى أنّه قد يُقصر؛ فتكون الميم زائدةً، وتابعه في ذلك ابن منظورٍ4.
وغير بعيدٍ أنّه (مِفْعَال) من (ون ي) لدلالة الاشتقاق، وقَصْرُه يُقرّبه - أيضاً - لأنّ (مِفْعَل) اسم مكان، و (الميناء) كذلك؛ فهو اسمٌ لمكانٍ تُرفأ فيه السُّفُن.
ومن الأمثلة: تداخل (ل وهـ) أو (ل وت) و (ل وي) في (اللَاّت) في قوله – عز وجل: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَاّتَ وَالْعُزَّى} 5 وهي صنمٌ لثقيفٍ، كانوا يعبدونه في الجاهليّة، والألف واللاّم فيها زائدةٌ؛ وهي
1 ينظر: العين 7/323، والمعرّب 567، والقاموس (موس)743.
2 ينظر: المعرّب 568 تعليق رقم 609.
3 ينظر: النّهاية (مين) 4/383.
4 ينظر: اللّسان (مين) 13/426، وذكرها -أيضاً- في (ونى) 15/416.
5 سورة النجم: الآية 19.
معرفةٌ بغيرها؛ لأنّها عَلَمٌ، ودليل زيادتها لزومها إيّاها؛ كلزوم لام (الّذي) و (الآن) وبابهما1.
وقيل: إنّها صفةٌ غالبةٌ؛ مثل الحارث والعبّاس؛ فلا تكون اللاّم - حينئذٍ - زائدةً زيادة لازمة2.
وللعلماء في أصلها ثلاثة مذاهب:
أوّلها: أن تكون من (ل وي) يقال: لويتُ على الشّيء؛ إذا أقمت عليه؛ ويدلّ على ذلك قوله عز وجل: {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} 3، وقوله عز وجل:{أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} 4؛ فكأنّها سمّيت بذلك لإقامتهم على عبادتها، وصبرِهِم عليها5.
ومنه قول الشّاعر:
عَمَّرْتُكِ اللهَ الجَلِيلَ فإِنَّنِي
…
أَلْوِي عَلَيْكِ لَوَ انَّ لُبَّكِ يَهْتَدِي6
وذاك أنّ الأصنام يُعكف عليها، ويُصبر للعبادة.
ويجوز أن يكون اشتقاقها في هذا الأصل من (ل وى) بمعنى:
1 ينظر: اللّسان (لوى) 15/268.
2 ينظر: التّبيان 2/1187، والتصريح 1/150.
3 سورة الأعراف: الآية 138.
4 سورة ص: الآية 6.
5 ينظر: المنصف 3/132.
6 هو: عمرو بن أحمر الباهليّ؛ والشّاهد في ديوانه 60، وينظر: الكتاب 1/323، والمقتضب 2/329، وشرح أبيات سيبويه 1/156.
طاف؛ فتكون بمعنى: يَلْتَوُون عليها؛ أي: يطوفون1.
والأصل في (اللاّت) على هذا الأصل (لَوَيَةٌ) ثمّ حذفت اللاّم؛ وهي الياء؛ فتحرّكت الواو، وانفتح ما قبلها؛ فصار إلى (لاتٍ) كما صار (شَوْهَةٌ) بعد حذف اللاّم إلى (شَاةٍ)2.
وعينها - عند ابن جنّي - ساكنةٌ ووزنها قبل الحذف (فَعْلَةٌ) بسكون العين، وكان الأصل (لَوْيَة) فحذفت الياء؛ فبقيت (لَوْةٌ) فانفتحت الواو لمجاورتها التّاء؛ فانقلبت ألفاً؛ فصارت إلى (لات) كما تقدّم، والتّاء للتّانيث، ووزنها بعد الحذف (فَعَة)3.
وثانيها أنّ منهم من يرى أنّ أصلها (ل وهـ) مشتقّ من (لَاهَة) وهي الحيَّة؛ كأنّ الصّنم سمِّي بها، ثمّ حذف منه الهاء؛ كما قالوا: شاةٌ، وأصلها: شَاهَةٌ 4.
وقد كان الكسائيّ5 يقف عليها بالهاء "لأنّها هاءٌ؛ فصارت تاءً في الوصل "6.
1 ينظر: البحر المحيط 8/160.
2 ينظر: المقتصد في شرح التّكملة 3/1006.
3 ينظر: المنصف 3/123.
4 ينظر: المحكم 4/307.
5ينظر: معاني القرآن للفرّاء 3/97.
6 اللّسان (لوه) 13/539.
ومن هنا وضعها الجوهريّ في (ل وهـ) 1 وتابعه في ذلك ابن منظورٍ2.
وثالثها أنّه قيل: إنّ أصل (اللاّت)(ل ي ت) واشتقاقها من (اللّيت) من: لَاتَه يَلِيتُهُ؛ إذا نَقَصَه حقَّه، أو صرفه عن الشّيء؛ فالتّاء على هذا أصلٌ3.
ويشيع التّداخل بين الأجوف واللّفيف في بنائين؛ هما (فَعْلَان) و (فَعَّال) ممّا آخره نونٌ مسبوقةٌ بألفٍ قبلها حرفان؛ ثانيهما معتلٌّ مضعّفٌ؛ نحو (غَيَّان) و (حَيَّان) و (طَيَّان) و (جَيَّان) و (صَوَّان) ونحو ذلك، ومَرَدُّه أنّ التّركيب من هذه الأحرف يحتمل البنائين جميعاً.
فـ (غَيَّان) اسم قبيلةٍ – يحتمل الأصلين (غ وي) و (غ ي ن) :
الأقربُ أن يكون (فَعْلان) من (غ وي) ويؤيّده ما جاء في الحديث الشّريف: " أن قوماً من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: "من أنتم" فقالوا: نحن بنو (غَيَّان) فقال لهم: بل أنتم بنو رَشْدان"4.
1 ينظر: الصّحاح (لوه) 6/2249.
2 ينظر: اللّسان (لوه) 13/539.
3ينظر: التّبيان 2/1188.
4 طرف من الحديث في سنن أبي داود باب في تغيير الاسم القبيح؛ من كتاب الآداب: ح4956-ج4/289، وينظر: المحتسب 1/88، والممتع 1/262، و (رَشدان) بفتح الراء وتكسر.
قال ابن جنّي: "أفلا تراه – عليه السلام كيف تَكَرَّهَ لهم هذا الاسم؛ لأنّه جعله من الغيّ"1 فحكم بذلك بزيادة النّون؛ فهو بمنزلة ما لا تضعيف فيه؛ نحو: مَرْجَان وسَعْدان.
ويمكن أن يكون على (فَعَّال) مشتقاًّ من (غ ي ن) يقال: غانت السّماء غَيْناً، وغَيَّنَتْ: إذا طَبَّقَها الغَيْمُ، والغين: السّحاب المطبِق2، من قول الشّاعر:
كَأَنِّي بَيْنَ خَافِيَتَيْ عُقَابٍ
…
تُرِيدُ حَمَامَةً فِي يَوْمِ غَيْنِ3
وهذا مقبولٌ على مذهب السّيرافيّ4 في أنّ النّون إذا وقعت آخراً بعد ألفٍ زائدةٍ؛ لا يخلو جعلها أصليّةً أن يؤدّي إلى بناءٍ موجودٍ، أو إلى بناء غير موجودٍ؛ فإن أدّى إلى بناءٍ غير موجودٍ قُضِيَ عليها بالزّيادة؛ نحو (كَرَوَان) لعدم (فَعَلَال) وإن أدّى ذلك إلى بناءٍ موجودٍ جاز أن يحكم عليها بالأصالة؛ نحو (دِهْقَان) لوجود (فِعْلَال) .
وكذلك في (غَيَّان) فإنّ القول بأصالة النّون يؤدّي إلى بناءٍ موجودٍ؛ وهو (فَعَّال) فتُحمل عليه.
والمذهب الأوّل في جعل (غَيَّان)(فَعْلَان) من (الغَيّ) أقوى لقرب الاشتقاق؛ ولأنّ (فَعْلان) أكثر في كلام العرب من (فَعَّال) فحملها على
1 المنصف 1/134، وينظر: المحتسب 1/88، والممتع 1/262.
2 ينظر: اللّسان (غين) 13/316.
3 ينظر: معجم الشّعراء 438، والكامل 2/986، والإبدال لأبي الطّيّب 2/424.
4ينظر: الممتع 1/261.
الأكثر أولى للدّخول في أوسع البابين.
ومن ذلك تداخل (ح ي ن) و (ح وي) أو (ح ي ي) في (حَيَّان) اسم رجلٍ؛ وهو يحتملها:
فيجوز أن يكون على (فَعْلَان) من: الحياة، أو من: حَوَيْتُ، وأصله على هذا (حَوْيَان) اجتمعت فيه الواو والياء، وكانت أولاهما ساكنةً، وهي الواو فقلبت ياءً، وأدغمت الياءان؛ كقولهم في طَوْيَان: طَيَّان1. ويجوز أن يكون أصله (ح ي ن) على زنة (فَعَّال) 2بأصالة النّون، واشتقاقه - حينئذٍ -من (الحَيْن) وهو الدّهر أو الهلاك. ويجوز أن يكون (فَوْعَالاً) أو (فَيْعَالاً) 3 من (الحَيْن) أيضاً.
والأصل الأوّل – أعْنِي (ح وي) أقرب؛ لترك صرفه، فلو كانت النّون أصليّةً لصُرِفَ.
ومن هذا النّوع (جَيَّان) عَلَمٌ لرجلٍ، فإنّ أصله يجوز أن يكون (ج ي ن) أو (ج وي) .
فمن اشتقّه من (ج ي ن) فهو عنده (فَعَّال) وقد ذكره الصَّغَاني4 في (ج ي ن) وكذا فعل الفيروزاباديّ5.
1 ينظر: المبهج 72.
2 ينظر: المبهج 72.
3 المبهج 72.
4 ينظر: التّكملة (جين) 6/213.
5 ينظر: القاموس (جين)1533.
يجوز أن يكون أعجميّاً؛ فـ (جَيَّان) أيضاً قريةٌ من قرى أصفهان، وبلدٌ بالأندلس1؛ فإن صحّ هذا فالنّون أصليّةٌ. ويجوز أن يكون (فَعْلَان) من (ج وي) وقد أجاز هذا الصّغَانيّ2.
ومنه (طَيَّان) عَلَمٌ لرجلٍ؛ فإنّه يحتمل أن يكون من (ط ي ن) أو من (ط وي) :
فإن كان من (ط ي ن) فاشتقاقه من (الطِّين) 3، فهو - حينئذٍ (فَعَّال) بمعنى: صانع الطِّين، وحرفته: الطِّيانة؛ كأنّه على معنى النَّسب.
ويجوز أن يكون أصله (ط وي) واشتقاقه من الطّوى؛ وهو الجوع4، فهو - حينئذٍ (فَعْلَان) وأصله (طَوْيَان) قلبت الواو ياءً وأدغمت في الياء الّتي بعدها.
ومن ذلك (الصَّوَّان) وهو ضربٌ من الحجارة يُقدح بها؛ فإنّ أصله يحتمل أن يكون (ص ون) أو (ص وو) :
فيجوز أن يكون من (ص ون) ووزنه (فَعَّال) وأكثر العلماء على هذا، ومنهم: الأزهريّ5، وابن فارسٍ6، والجوهريّ7، وابن
1ينظر: التّكملة (جين) 6/213.
2ينظر: التكلمة (جين) 6/213.
3 ينظر: اللّسان (طين) 13/270.
4ينظر: اللسان (طوى) 15/20.
5ينظر: التّهذيب 12/242.
6ينظر: المقاييس 3/324.
7ينظر: الصّحاح (صون) 6/2153.
منظورٍ1، والفيروزاباديّ2، والزّبيديّ3.
بيد أنّ حمله على هذا الأصل غير قويّ؛ لأنّه ليس في تركيب (ص ون) ما يمكن أن يشتقّ منه (الصَّوّان) وقد أومأ إلى ذلك ابن فارسٍ4، وخرّجه على أنّه شاذّ عن باب (ص ون) .
ويجوز أن يكون من (ص وو) واشتقاقه من (الصُّوَّة) وهي حَجَرٌ يكون علامةً في الطّريق، والجمع: صُوًى، وصَوَّان؛ فيكون - حينئذٍ -على (فَعْلَان) .
وهذا مقبولٌ لولا اختلاف حركة الصّاد؛ فهي في (الصُّوَّة) مضمومةٌ، وفي (الصَّوَّةِ) مفتوحةٌ. ولعلّ هذا ما دعا الجماعة إلى وضعه في (ص ون) وإن كان اختلاف الحركتين – هنا – غير مانعٍ لاتّفاق البناءين في الأصل. وممّا يقوّي أن يكون من هذا الأصل أنّ (فَعْلَاناً) أكثر من (فَعَّال) .
وقد أجاز الفيّوميّ الوجهين؛ بدون ترجيحٍ؛ بقوله: (وهو (فَعَّال) من وجهٍ، و (فَعْلَان) من وجهٍ) 5.
1 ينظر: اللّسان (صون) 13/251.
2 ينظر: القاموس (صون)1563.
3 ينظر: التّاج (صون) 9/262.
4ينظر: المقاييس 3/324.
5 المصباح 353.
ج- التَّداخل في النّاقص:
هذا هو النّوع الثّالث من المعتلَاّت؛ وهو النّاقص؛ والقسمة الجامعة فيه على النّحو التّالي:
1-
التّداخل بين النّاقص والنّاقص.
2-
التّاداخل بين النّاقص واللّفيف.
أمّا التّداخل بين النّاقص والمثال، والنّاقص والأجوف، فقد تقدّما1.
أوّلاً- التّداخل بين النّاقص والنّاقص:
ويكثر هذا النّوع من التّداخل لأسبابٍ؛ من أهمّها2:
1-
طبيعة الصّوتين: الواو والياء، وقدتقدّمت الإشارة إلى ذلك3.
2-
المعاقبة بين الحرفين.
3-
اللّغات.
4-
اختلاف الرّواية.
وتجدر الإشارة - هنا - إلى أنّ القطع بالأصل في تداخل النّاقص والنّاقص أمرٌ في غاية الصّعوبة، والأغلب فيه الاعتماد على التّرجيح؛ ولاسيّما فيما ورد بالمعاقبة، أو ما جاء فيه لغتان.
1 ينظر: ص (306، 330) من هذا البحث.
2 ينظر: دراسة إحصائية لجذور معجم تاج العروس 70.
3 ينظر: ص (284) من هذا البحث.
ولعلّ ذلك ما حمل بعض المعجّمين على أن يقولوا في بعض الكلمات النّاقصة: إنّها بالواو والياء؛ دون ترجيحٍ؛ على الرّغم من أنّ الكلمة الواحدة ليس لها إلاّ أصلٌ واحدٌ؛ ألا ترى إلى قول ابن سيده: "كَرَا الأرض كرْواً: حَفَرَها؛ وقد تَقَدَّم ذلك في الياء؛ لأنّ هذه الكلمة يائيّةٌ وواويّةٌ "1، وقال مثل ذلك في غير موضعٍ2.
ومثل ذلك كثير في (اللّسان)3.
وثَمَّة مقياسٌ بين الأصول يصلح لهذا النّوع من التّداخل؛ وهو حمل ما جُهل أصله؛ ولم يظهر في الاشتقاق ممّا انقلب عن حرف علّةٍ - كالألف والهمزة المتطرّقة - على الأكثر؛ وهو الياء؛ كما تقدّم4.
وفيما يلي بيان التّداخل في هذا النّوع؛ من خلال بعض الأمثلة:
فمن ذلك تداخل الأصلين (ط غ و) و (ط غ ي) في قوله عز وجل: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا} 5، وهو مصدر الثّلاثيّ (طَغَى) ومعناه: جاوز القَدْرَ وارتفع وغلا في الكفر، وللعلماء في أصله قولان:
الأوّل على أنّه من (ط غ ي) قال الزّجّاج: "أي بطغيانها، وأصل
1المحكم 7/99.
2 المحكم 4/19.
3 ينظر: على سبيل التّمثيل: (دغا) 14/14/263، و (دها) 14/275، و (عنا) 15/103، و (غطى) 15/130، و (هجا) 15/353، و (هنا) 15/369.
4 ينظر: ص (258) من هذا البحث.
5 سورة الشّمس: الآية 11.
طغواها: طغياها، و (فَعْلَى) إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الاسم واواً؛ ليفصل بين الاسم والصّفة. تقول: هي التّقوى، وإنّما هي من: اتّقَيْتُ1، وهي: البقوى، وإنّما هي من: بَقِيتُ (هكذا) وقالوا: امرأةٌ خَزْيا؛ لأنّها صفةٌ "2.
وقد عَدَلَ بطَغْوَى من الطُّغيان لمشاكلة رؤوس الآيات، وهي الفواصل، وممّن كان يرى ذلك: الفرّاء3 وابن خالويه4. وأمّا قلب الياء واواً فقد جاء للفصل بين الاسم والصّفة في (فَعْلَى) كما قالوا: التّقوى والبقوى والشّروى5.
والقول الثّاني على أنّه من (ط غ و) وقد نقل ذلك أبو عليّ بقوله: "وحكى أبو الحسن: طَغَا يطغو؛ فهي على هذا تكون كالدّعوى من دَعَوْتُ "6.
وحكاها العكبريّ حين قال: "ومن قال: طَغَوتُ كانت الواو أصلاً
1 في هذا النّصّ تصحيف، فقدجاء فيه ما صورته (معاني القرآن وإعرابه 5/333) : ((تقول هي التّقوى، وإنّما هي من أيقنت،وهي التّقوى وإنما هي من: يقنت
…
)) .
2 معاني القرآن وإعرابه 5/333.
3 ينظر: معاني القرآن 3/267.
4 ينظر: إعراب ثلاثين سورة 103.
5 ينظر: معاني القرآن وإعرابه5/333، والبحر المحيط 8/481.
6 التّكملة 269.
عنده"1.
وأوردوا على هذا الأصل: طَغَوتُ أطغو، ومنه (الطُّغْوَان) والطّغْوَى2، بغير قلبٍ؛ على الأصل.
وقد ذكره ابن سِيده في الموضعين3، وذكره الرّاغب4 في اليائيّ، وذكره السّمين5 في الواويّ.
ومن أمثلة هذا الباب تداخل (ر ع ي) و (ر ع و) في (الرّعْوَى) من قولهم: (ارْعَوَى) ارْعِوَاءً؛ أي: كفَّ عن الجهل أو القبيح؛ وهو حسن الرّعوة والرّعوى.
و (ارْعَوَى) من الأبينة الّتي تحتمل أكثر من وزنٍ، لتداخل الأصول فيها:
قال الخيّاط6: (أقمت سنين أسأل عن وزن: ارْعَوَى؛ فلم أجد
1 التّبيان 2/1290.
2 ينظر: اللّسان (طغى) 15/7.
3 ينظر: المحكم (طغى) 6/8، (طغو) 6/29.
4 ينظر: المفردات (طغى)304.
5 ينظر: عمدة الحفّاظ 321.
6 هو محمّد بن أحمد بن منصور؛ أحد النّحاة المتقدّمين؛ ممّن خلط المذهبين (توفّي سنة 320) ومن مصادر ترجمته: نزهة الألبا 185، وإنباه الرّواة 3/54، وإشارة التّعيين 293.
من يعرفه) 1 وذكر أنّ وزنه له فرعٌ وأصلٌ؛ فأصله (افعلّ) مثل: احمرّ؛ كأنّه (ارْعَوَّى) فعدلوا عن ذلك؛ لأنّ الواو المشدّدة لم تقع آخر الماضي، ولا المضارع، وتقديره قبل القلب (ارْعَوَوَ) فانقلبت الواو الأخيرة؛ لأنّها خامسةٌ، ثمّ انقلبت ألفا؛ ً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها.
أمّا فرعه، أعني (ارْعَوَى) فيحتمل وزنين:
(افْعَلَلَ) ، وهو الأقيس.
و (افْعَلَى) .
وقد اختلفوا في أصله؛ لاختلافهم في اللاّم:
فمنهم من جعله من (ر ع و) ومن هؤلاء: أبو عليّ الفارسيّ، إذ ذهب إلى أنّ الواو فيها أصلٌ غير منقلبةٍ؛ لقولهم: ارْعَوَيْتُ2.
وجعله الفيروزاباديّ3 من هذا الأصل.
ومنهم في جعله من (ر ع ي) كالأزهريّ4، وابن منظورٍ5.
ووضعه بعضهم في الموضعين؛ كابن فارسٍ؛ إذ جعله من اليائيّ في
1 سفر السّعادة 1/53، وينظر: المنصف 2/207، وثلاث رسائل في اللّغة 10، وطراز المجالس 76.
2 ينظر: مناهج الصرفيين ومذاهبهم 455.
3 ينظر: القاموس (رعو)1662.
4 ينظر: التّهذيب 3/163.
5 ينظر: اللّسان (رعى) 14/328.
(المقاييس) 1، ومن الواويّ في (المُجْمَل) 2، وهو دليلٌ على خفاء الأصلين. وحمله على اليائيّ أولى لما تقدّم من أنّها غالبةٌ على اللاّم.
ومن التّداخل بين النّاقص والنّاقص أنّ (سُدًى) في قوله عز وجل: {أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً} 3، أي: مهملاً غير مأمورٍ، وهي صفةٌ مشبّهةٌ؛ على وزن (فُعَل) في موضع نصبٍ على الحاليّة – تحتمل الأصلين (س د و) و (س د ي) وقد اختلفوا فيه:
فمنهم من ذهب إلى أنّه (س د و) قال ابن فارسٍ: "السّين والدّال والواو أصلٌ واحدٌ؛ يدلّ على إهمالٍ وذهابٍ على وجهٍ "4.
وممّن عدّها من هذا الأصل: الأزهريّ5، والجوهريّ6، وابن منظورٍ7، والعكبريّ الّذي كان يقول: إنّ الألف في سُدًى مبدَلَةٌ من واوٍ8.
1 ينظر: 2/408، 409.
2 ينظر: 2/384.
3 سورة القيامة:الآية 36.
4 المقاييس ي3/150.
5 ينظر: التّهذيب 13/40.
6 ينظر: الصّحاح (سدو) 6/2374.
7 ينظر: اللّسان (سدو) 14/376.
8 ينظر: التّبيان 2/1256.
وفريقٌ كان يرى أنّ الأصل (س د ي) ومنهم: السّمين1؛ إذ جعلها في اليائيّ.
وليس في قولهم: أَسْدَيْتها؛ أي: أهملتها ما يقطع بالياء، لاحتمال أن تكون منقلبةً عن الواو؛ كقولهم: أَرْبَيْت الشّيْء؛ وهو من: رَبَا يربو؛ إذا زاد ونما؛ لأنّ الواو تُقْلَب ياءً؛ إذا تطرّفت رابعةً فصاعداً.
ويتداخل (أض و) و (أض ي) في (الأَضَاة) وهي: الغَدِير.
وللعلماء في أصلها رأيان:
الأوّل أنّه (أض و) وذكر ابن سِيدَه أنّ هذا رأي الجمهور؛ بدليل قولهم في الجمع: (أَضَوَاتٌ)2.
الثّاني على أنّه من (أض ي) وقد حكى ابن سِيدَه - كما نقل ابن منظورٍ - أنّ سيبويه حمله على الياء، وأنكره ابن سِيده بقوله:"ولا وجه له عندي البتّة 3؛ لقولهم: أَضَوَات، وعدم ما يستدلّ به على أنّه من الياء"4.
وأجاز ابن سِيدَه في توجيهه أن يكون (أَضَاةٌ)(فَلْعَة) من قولهم:
1 ينظر: عمدة الحفّاظ 236.
2 ينظر: اللّسان (أضو) 14/38.
(2)
الهمزة في البتة مختلف فيها، هل هي همزة وصل أو همزة قطع، وأرى صحة الوجهين، لأسباب ذكرتها في كلمة نشرت في ملحق التراث بجريدة المدينة بعنوان (همزة البتة بين الوصل والقطع) وأنا أميل إلى أنها همزة وصل.
4 ينظر: اللسان (أضو) 14/38.
آضَ يئيضُ، على القلب؛ قال:"لأنّ بعض الغدير يرجع إلى بعضٍ؛ ولا سيّما إذا صفّقته الرّيح "1.
ومن ذلك تداخل الأصلين (أل و) و (أل ي) في قوله عز وجل: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى} 2.
وقد اختلفوا في معناه: فمنهم من يرى أنّه بمعنى: ولا يَحْلِف، ومنهم من يرى أنّه بمعنى: ولا يُقَصِّر في الجَهد، قال الفرّاء: هو من الحَلْف3، وكذلك عند أبي عُبيدة4، والزَّجَّاج5، والعُكبريّ6. ووزنه عندهم قبل الحذف (يَفْتَعِل) من أَلَيتُ، أي: حَلَفْتُ، فأصله حينئذٍ (أل ي) وهو بعد الحذف (يَفْتَع) ، قال الرَّاغب: "وردّ هذا بعضهم بأنّ (افْتَعَلَ) قلّما يبنى من (أَفْعَلَ) إنّما يبنى من (فَعَلَ) وذلك مثل: كَسَبْتُ واكْتَسَبْتُ، وصَنَعْتُ واصْطَنَعْتُ، ورأيت وارْتَأَيْتُ "7.
وما ذكره محمول على أنّه مأخوذٌ من (آلَيْتُ)(أفْعَلْتُ) ولا مانع
1اللسان (أضو) 14/38.
2 سورة النّور: الآية 22.
3 ينظر: معاني القرآن 2/248.
4 ينظر: مجاز القرآن 2/65.
5 ينظر: معاني القرآن وإعرابه 4/36.
6 ينظر: التّبيان 2/968.
7 المفردات 84.
من أخذه من (أَلَيتُ)(فَعَلْتُ) وقد نصّ بعضهم على أنّه من هذا1.
وهو - وإن كان بمعنى الحلف - يحتمل الأصلين: (أل ي) لقولهم: أَلَيْتُ وآليْتُ؛ كما تقدّم، و (أل و) لقولهم:(الأَلْوَةُ، والإِلْوَةُ، والأُلْوَة: اليمين)2.
وذهب بعضهم إلى أنّ (لا يأتلِ) بمعنى: لا يُقَصِّر في الجَهد؛ من قولهم: ما أَلَوْتُ جَهْداً، إذا لم تدّخر منه شيئاً3، وقد أشار إلى هذا أبو عبيدة بقوله:"وله موضعٌ آخر من أَلَوتُ بالواو"4، ورجّح السّمين هذا من وجهٍ بقوله:"وقد يترجّح ما قال أبو عبيدة من حيث الصّناعة؛ وذلك بأنّ يَأْتَلي (يَفْتَعِل) و (افْتَعَلَ) قليلٌ من (أَفْعَلَ) وإنّما يكثر من (فَعَلَ) نحو: كتب واكْتَتَبَ، وصَنَعَ واصْطَنَعَ؛ فأخذه من: أَلَوْتُ، موافقٌ للقياس "5.
وإن صحّ أنّه من (أَلَوْتُ جَهْداً) فهو من (أل و) فيكون الأصل في (يَأْتَلي) : (يَأْتَلِوُ) تطرّفت الواو لاماً بعد كسرٍ؛ فقلبت ياءً، فصار (يَاْتَلِيُ) فاستثقلت الضّمّة على الياء فحذفت، ثمّ حذفت الياءُ للجزم6.
1 ينظر: التّبيان 2/968.
2 المثلّث 1/303، وينظر إكمال الأعلام 1/9، والدّرر المبثّثة 72.
3 ينظر: المحتسب 2/106، والكشّاف 3/222.
4 مجاز القرآن 2/65.
5 عمدة الحفّاظ 22.
6 ينظر: معجم مفردات الإبدال والإعلال 322.
ويُرجّح المعنى الأوّل قراءة من قرأ {ولا يَتَأَلّ} 1 لأنّ معناه: "لا يحلفوا على أن لا يُحسنوا إلى المستحقّين للإحسان "2 ووزنها (يَتَفَعَّل) كما قال ابن جني3، وينبغي أن يُنَبَّه على أن وزنها (يَتَفَعَّلُ) قبل الحذف، أمّابعد الحذف فوزنها (يَتَفَعَّ) .
ويجوز أن يحمل (لا يَتَأَلَّ) على (يَتَفَعَّل) من (أل ل) على أن يكون قبل الجزم (يَتَأَلَّلُ) ؛ فيكون من باب قَصَّيتُ أظفاري وتَقَضَّى، من قولهم: قصّصت وتقضَّض، والمعنى يجيز هذا الأصل؛ لأنّه قيل: إنّ (الإلّ) العهد4 فيكون موافقاً للمعنى الأوّل للآية.
وبالجملة؛ فإنّ التَّداخل في قوله عز وجل: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ} شديدٌ؛ فإن كان بمعنى (لا يَحْلِفُوا) فإنّه يحتمل الأصلين، وإن كان بمعنى (لا يقصّروا) فإنّه من (أل و) والآية الكريمة تحتمل المعنيين؛ كما ورد في كتب التّفسير5.
ويتداخل (د م و) و (د م ي) في الدّم؛ وقد حذفت لامه؛ وهو
1 وهي قراءة ابن عيّاش بن ربيعة وزيد بن أسلم والحسن البصري، وغيرهم. ينظر: إتحاف فضلاء البشر 2/295، والمحتسب 2/106.
2 الكشّاف 3/222.
3 ينظر: المحتسب2/106.
4 ينظر: اللّسان (ألل) 11/26.
5 ينظر: تفسير مجاهد 2/438، والجامع لأحكام القرآن 12/207-209، والكشّاف 3/222.
حرف علّةٍ؛ لثقل الحركة على حرف العلّة فيه؛ فحذفت طلباً للخفّة، وقد اختلفوا في لامه على فريقين1:
فريقٌ يرى أنّ لامه المحذوفة واوٌ؛ فأصله (د م و) وهم الأكثرون عند الأنباريّ2.
والدّم عند هؤلاء أصله: (دَمْوٌ) بالتّحريك؛ وإنّما قالوا: دَمِيَ يَدْمَى؛ لحال الكسرة التي قبل الياء؛ كما قالوا: رَضِيَ يَرْضَى؛ وهو من الرّضوان3.
ويرى الفريق الآخر أنّ أصله (د م ي) فالمحذوف ياءٌ لا واوٌ، وأصله (دَمَيٌ) وذكر الزّجّاج4 أنّ هذا هو قول أكثر النّحويّين؛ وهو نقيض ما حكم به الأنباريّ؛ وهو الأعرف عند ابن الشّجريّ5.
ودليل هذا الفريق قولهم: دَمِيَتْ يده6، وقول الشّاعر:
فَلَوْ أَنَّا عَلَى حَجَرٍ ذُبِحْنَا جَرَى الدَّمَيَانِ بِالخَبَرِ اليَقِينِ7
1 ينظر: الكتاب 3/451، 597، والمقتضب1/231، والأصول 1/323، والمنصف 2/148، والإنصاف 1/35، وشرح الكافية للرّضيّ 2/163، والخزانة 7/482.
2 ينظر: الإنصاف 1/359.
3 ينظر: الصّحاح (دمو) 6/2340.
4 ينظر: معاني القرآن وإعرابه 1/165.
5 ينظر: الأمالي 2/34.
6 ينظر: الخزانة 7/490.
7 ينظر: المقتضب 1/231، ومجالس العلماء 328، والوحشيّات 84، والبيان والتّبيين 3/60، والأصول 3/324، والمنصف 2/148، وأمالي ابن الشّجريّ 2/34، وشرح المفصّل لابن يعيش 4/151، والخزانة 7/482.
وحكى الجوهريّ1 أنّ سيبويه كان يرى أنّه (دَمْيٌ) بسكون العين، ويستدلّ بجمعه على: دماءٍ ودُمْيٍ، مثل ظَبْيٍ وظِبَاءٍ وظُبْيٍ، ودَلْوٍ ودِلَاءٍ ودُلْيٍ، ولو كان مثل: عَصًا وقَفًا، لما جمع على ذلك.
غير أنّ ما في (الكتاب) يختلف قليلاً عمّا ذكره الجوهريّ؛ ولم أجد فيه دليلا ً على أنّ المحذوف (ياءٌ) فليس فيه أنّ (دَمًا) بالياء؛ كما نقل الأزهريّ؛ وكلام سيبويه ثَمَّ يدور على تكسير ما جاء على حرفين؛ ممّا أصله ساكن العين على (فَعْلٍ) ، ومن أمثلته (ظَبْيٌ) و (دَلْوٌ) والأوّل يائيٌّ والثّاني واويٌّ.
ولعلّه في موضعٍ من (الكتاب) لم أهتد إليه؛ والّذي تبيّنته فيه أنّ سيبويه كأنّه متردّدٌ بين الواو والياء في أصل (دَمٍ) إذ قال: في كلامه في التّصغير: "هذا باب ما ذهبت لامه، فمن ذلك دمٌ، تقول: دُمَيٌّ؛ يدلّك: دماءٌ؛ على أنّه من الياء أو من الواو "2.
وليس في قولهم في تثنيته: (دَمَيَانِ) دليلٌ عند بعض العلماء؛ ومنهم ابن يعيش3 الّذي كان يرى أنّ بعض العرب يقول في اليد والدّم: يدًى ودمًى بالقصر في كلّ الأحوال كـ (رَحًى) و (فَتًى) وعلى ذلك جرى
1 ينظر: الصّحاح (دمو) 6/2340.
2 الكتاب 3/451.
3 ينظر: شرح المفصّل 4/152، 153.
قول الرّاجز:
يارُبَّ سَارٍ بَاتَ مَا تَوَسَّدَا
…
إلَاّ ذِرَاعَ العَنْسِ أو كَفَّ اليَدَا1
وقول الشّاعر:
فَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا لَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا يَقْطُرُ الدَّمَا2
وتثنيتهما على هذه اللّغة: يَدَيَانِ ودَمَيَانِ؛ مثل: رَحَيَانِ3 وفَتَيَانِ.
وبالجملة؛ فإنّ (الدّم) يحتمل الأصلين: (د م ي) لقولهم في التّثنية (دَمَيَانِ) وفيه ما ذكره الجوهريّ4.
والرّاجح أن يكون الأصل (د م ي) لغلبة الياء على الواو لاماً5، وقال المبرِّد: (اعْلَم أَنَّهُ مَا كَانَ عَلَى حَرْفَيْن، وَلَا يُدْرَى مَا أَصْلُهُ الّذِي حُذِفَ مِنْهُ، فَإِنَّ حُكْمَهُ فِي التَّصْغِيرِ وَالجَمْعِ أَنْ تُثْبَتَ فِيْهِ اليَاءُ؛ لأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُحْذَفُ مِنْ هَذَا اليَاءُ وَالوَاوُ؛ وَاليَاءُ أَغْلَبُ عَلَى الوَاوِ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّمَا
1 البيت بلا نسبة في الحجّة لابن خالويه 204، ورسالة الملائكة 167، وشرح المفصّل لابن يعيش 4/152، والهمع 1/39، والخزانة 7/498، والدّرر اللّوامع 1/13.
2البيت للحصين بن الحمام المرّي، كما في ديوانه 115، وينظر: المنصف 2/148، وديوان المعاني 1/115، وشرح ما يقع فيه التّصحيف 325، وأمالي ابن الشجري 2/34، والخزانة 7/490.
3الأكثر في الرّحى أنّها يائيّة كما نقل ابن منظور (اللّسان (رحا) 14/312) وذكرها الفيروزاباديّ في الواويّ واليائيّ، وقال في الأوّل: رحوان، وفي الثّاني: رحيان. ينظر: القاموس 1660.
4 ينظر: الصّحاح (دمو) 6/3340.
5ينظر: المقتضب في اسم المفعول 25.
القِيَاسُ عَلَى الأَكْثَرِ) 1.
ويتداخل الأصلان (ق هـ و) و (ق هـ ي) في (القَهَة) وهي من أسماء النَرْجِس، وتحتمل الأصلين: ذكرها ابن سِيدَه2 في (ق هـ ي) وذكر أنّها تحتمل أن تكون من الواو؛ ولذلك أعادها هناك3.
وذكرها ابن منظورٍ4 في (ق هـ ي) ونقل عنهم أنّها تحتمل الأصلين.
وليس ثَمَّ ما يرجَّح به، إلا الحمل على الأكثر، وهو الياء لاماً، ولا سيّما أنّ الأصلين الواويّ واليائيّ مستعملان؛ كما في (المُحكَم) و (القاموس) .
1 المقتضب 1/233.
2 ينظر: المحكم 4/263.
3 ينظر: المحكم 4/283.
4 ينظر: اللّسان (قهو) 15/206.
ثانياً- التّداخل بين النّاقص واللّفيف:
هذا النّوع هو الثّاني من أنواع التّداخل في النّاقص، والتّداخل فيه أقلّ حدوثاً من النّوع السّابق.
فمنه تداخل (ق ت و) و (ق وو) في (اقْتَوَتْهُ) من حديث عطاء بن السّائب وسؤاله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن "امرأة كان زوجها مملوكاً فاشترته؛ فقال: إن اقْتَوَتْه فُرِّق بينهما، وإن أعتقته فهما على نكاحهم "1. وقد فُسِّر (اقْتَوَتْه) باسْتَخْدَمَتْه، وهو يحتمل الأصلين:
أن يكون من (ق ت و) والقَتْوُ: الخدمة؛ يقال: قَتَوتُ أَقْتُو قَتْواً ومَقْتًى، وقيل: القَتْوُ حسن خدمة الملوك، ومنه قول الشّاعر:
إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ بَنِي خُزَيْمَةَ لَا
…
أُحْسِنُ قَتْوَ المُلُوكِ والخَبَبَا2
ذكر الزّمخشريّ أنّه (افْعَلّ) من القتو؛ وهو:الخدمة؛ كارْعَوَى من الرّعْوَى3؛ ومراده أنّه (اقْتَوَى) قبل اتّصال الضّمير؛ كأحد الوجهين في (ارْعَوَى) ، فلمّا اتّصل الضّمير حذف الألف لالتقاء السّاكنين، فصار وزنه - حينئذٍ - (افْعَلَتْ) وفيه نظرٌ؛ لأنّ (افْعَلَّ) لم يجئ متعدّياً، والّذي سُمِعَ (اقْتَوَى) بمعنى: صار خادماً، وعليه قول عمرو بن كلثوم:
1 أخرجه عبد الرّزاق في مصنفه 7/259.
2 ينظر: العين 5/198، والتّهذيب 9/253، والصّحاح (قتو) 6/2459.
3 ينظر: الفائق 3/236.
تَهَدَّدْنَا وَأَوْعِدْنَا رُوَيْداً
…
مَتَى كُنَّا لأُمِّكَ مَقْتَوِينَا1
وجعله جماعةٌ من العلماء من هذا الأصل؛ أعني (ق ت و) ومنهم:
ابن الأثير2، وابن سِيدَه3، وابن منظورٍ4.
ويجوز أن يكون أصله (ق وو) ووزنه حينئذٍ (افْتَعَلَ) من: الاقتواء؛ بمعنى الاستخلاص؛ فكنَّى به عن الاستخدام؛ لأنّ من اقتوى عبداً ردفه أن يستخدمه5.
ويقال: التّقاوي: تزايد الشّركاء "وَلَا يَكُوْنُ الإِقْوَاءُ إِلَاّ مِنَ البَائِع، وَلَا التَّقَاوِي إِلَاّ مِنَ الشُّرَكَاء، وَلَا الاقْتِوَاء إِلَاّ مِمَّنْ يَشْتَرِي مِنَ الشُّرَكَاءِ، والّذِي يُبَاعُ مِنَ العَبْدِ أَوِ الجَارِيَةِ أَوِ الدَّابَّةِ مِنَ اللَّذِينَ تَقَاوَيَا
…
أَصْلُهُ مِنَ القُوَّةِ؛ لأَنَّهُ بُلُوغٌ بالسِّلْعَةِ أَقْوَى ثَمنها "6، ويقال: اقْتَوَى الشّيء: اختصَّه لنفسه؛ فهو من ذلك. ومن أسباب التّداخل في هذه الكلمة أنّ المعنى من الممكن أن يحمل على الأصلين؛ فيصحّ، ويضاف إلى ذلك وجود التّاء الثّالثة الّتي تحتمل أن
1 ينظر: ديوانه 79، وهوفيه بفتح الميم، وقد روي بضمها في التّهذيب 9/370، وخزانة الأدب 7/432، والكلمة تحتمل الفتح والضمّ كما سيأتي إن شاء الله.
2 ينظر: النّهاية 4/15، 16.
3 ينظر: المحكم 6/333.
4 ينظر: اللّسان (قتو) 15/170.
5 ينظر: الفائق 3/236.
6 اللّسان (قوا) 15/212.
تكون تاء الافتعال؛ فتكون زائدةً، وتحتمل أن تكون التّاء عين الفعل؛ فتكون أصليَّةً.
وممّن وضع الكلمة في (ق وو) الزّمخشريّ1، وأبو موسى الأصفهانيّ2،وممّن وضعها في الموضعين: ابن الأثير3، وابن منظورٍ4.
ومن هذا النّوع تداخل (ت ح ي) و (ح ي ي) في (تِحْيَاة) وهي مفرد (التّحَايِي) وهي ثلاثة كواكب حِذاءَ الهَنْعَة5
ويجوز فيها الوجهان6:
أن تكون من (ح ي ي) فهي – حينئذٍ (تِفْعَلَة) كـ (تِحْلَبَة) 7 من الأبنية؛ ويرجّح هذا الأصل أنّ نوءها كبير الحيا، من أنواء الجوزاء، قال النّابغة:
أَسْرَت عَلَيْهِ مِنَ الجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ
…
تُزْجِي الشَّمَالُ عَلَيْهِ سَالِفَ البَرَدِ8
1 ينظر: الفائق 3/236.
2 ينظر: المجموع المغيث 2/769.
3 ينظر: النّهاية 4/15، 128.
4 ينظر: اللّسان (قتو) 15/170، و (قوو) 15/212.
5 الهنعة:منكب الجوزاء الأيسر؛ وهو من منازل القمر، وقيل: هما كوكبان أبيضان؛ بينهما قيد سوط على أثر الهقعة في المجرّة. ينظر: اللّسان (هنع) 8/377.
6 ينظر: اللّسان (حيا) 14/222.
7 وهي: الشّاة الّتي يخرج من ضرعها اللّبن قبل أن ينزي عليها، ينظر: القاموس (حلب)98.
8 ينظر: ديوانه 18.
أن يكون من (ت ح ي) فهي على هذا (فِعْلَاة) كـ (عِزْهَاة) وهو اللّئيم. بيد أنّ الأصل الأوّل أولى؛ لقرب الاشتقاق. ويتداخل الأصلان (م وهـ) و (م وو) في (الماوِيَّةِ) وهي: المِرَآةُ، أو حجر البِلَّوْرِ، وهي تحتمل الأصلين:
فالرّاجح أنّها من (م وهـ) فتكون منسوبةً إلى الماء؛ لصفائها، وأنّ الصّور تُرى فيها كما تُرى في الماء الصّافي1.
وأصل الماء (م وهـ) فهمزته منقلبة عن هاءٍ؛ بدلالة ضروب تصاريفه، ومنها التّصغير والجمع؛ إذ يقال فيهما:(مُوَيْهٌ) و (أمْوَاهٌ) و (مِيَاهٌ) فأصله قبل الإعلال (مَوَهٌ)2.
وذكر ابن منظورٍ3 (االمَاويَّةَ) في (م وو) وليس له وجهٌ ظاهرٌ، والأوّل أقرب؛ لدلالة الاشتقاق والتّصريف.
1 ينظر: التّهذيب 15/648.
2 ينظر: الصّحاح (موه) 6/2250.
3 ينظر: اللّسان (موا) 15/299.
د- التّداخل في اللّفيف:
والقسمة في هذا النّوع تقتضي أربعةً - أيضاً -؛ تقدَّمت ثلاثةٌ منها في المثال والأجوف والنّاقص، ولم يبق إلاّ التّداخل بين اللّفيف واللّفيف؛ وهو نوعٌ يشيع فيه التّداخل؛ لغلبة حروف العلّة فيه، وفيما يلي بيان ذلك من خلال بعض الأمثلة:
فمنه تداخل (ح ي ي) و (ح ي و) في (الحَيَوَان) وهو مصدرٌ على وزن (فَعَلَان) بمعنى: الحياة؛ وهو - أيضا - اسم جنسٍ يقع على كلّ شيءٍ حيٍّ. وقد اختلفوا في أصله1.
فذهب الجمهور إلى أنّ أصله (ح ي ي) وأنّ الواو فيه منقلبةٌ عن الياء؛ فأصله قبل القلب (الحَيَيَان) فقلبت الياء الثّانية واواً؛ لئلَاّ يجتمع ياءان على التّوالي؛ استثقالاً للحرفين من جنسٍ واحدٍ؛ لأنّه اسمٌ، فخروجه عن الفعل كخروج آيةٍ، وبابها2.
وأوّل من أثر عنه ذلك الخليل3، وكان سيبويه يراه، ويوجّهه بقوله: "وأمَّا قَوْلُهُم: حَيَوان فَإِنَّهُم كَرِهُوا أَنْ تَكُونَ اليَاءُ الأُولَى سَاكِنَةً، وَلمَْ يَكُونُوا لِيُلْزِمُوهَا الحَرَكَةَ هَهُنَا، وَالأُخَرَى غَيْرُ مُعْتَلَّةٍ مَنْ مَوْضَعِهَا؛ فَأُبْدِلَتِ الوَاوُ، لِيَخْتَلِفَ الحَرْفَان، كَمَا أَبْدَلُوهَا فِي رَحَوِيٍّ، حَيْثُ كَرِهُوا اليَاءَات،
1 ينظر: المنصف 2/285، وشرح الملوكيّ 264، وشرح الشّافية للرّضيّ 1/73، والممتع 2/569.
2 ينظر: المقتضب 1/186.
3 ينظر: المقتضب 1/186، والأصول 3/385، واشتقاق أسماء الله 104.
فَصَارَتِ الأُولَى عَلَى الأَصْلِ، كَمَا صَارَتِ اللَاّمُ الأُولَى فِي مُمِلٍّ، وَنَحْوِهِ، عَلَى الأَصْلِ حِيْنَ أُبْدِلَتِ اليَاءُ مِنْ آخِرِهِ) 1. وما ذهبوا إليه في أصله مذهبٌ قويٌّ؛ لأمور:
أحدها: أنّه ليس في كلامهم ممّا عينه ياءٌ ولامه واوٌ شيءٌ؛ فيقاس (الحَيَوَان) عليه2.
وثانيها: أنّهم يقولون في تثنية حيّ: حَيَيَانِ بالياء لا غير، والتّثنية ممّا يردّ الأشياء إلى أصولها؛ فتثبت بذلك أنّ الواو في (حَيَوَان) بدلٌ من الياء3.
وثالثها: أنّ الحيوان من: الحياة، ومعنى الحياة يرد في قولهم (الحَيَا) للمطر؛ ألا ترى أنّه يحيي الأرض والنّبات؛ كما قال تعالى:{فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} 4 والحَيَا لامه ياءٌ، وكذلك الحياة5.
وربّ قائلٍ يقول: لماذا اختاروا قلب اللاّم دون العين؛ فيجاب عن ذلك بأنّهم لو أبدلوا العين واواً لدخل في باب (طَوَيتُ) فيحمل عليه؛ لكثرته فيظنّ "أنّها أصلٌ في موضعها؛ لكثرة هذا الباب، فلمّا قلبت الثّانية
1 الكتاب 4/409.
2 ينظر: المنصف 2/285، والخصائص 1/255.
3 ينظر: الممتع 2/569.
4 سورة فاطر: الآية 9.
5 ينظر: المنصف 2/286.
واواً صارت مستنكرةً في موضعها؛ فيتنبّه بذلك على كونها غير أصلٍ"1.
على أنّه ليس في (الحَيَوَان) إعلالٌ؛ إذ لم يجز ذلك في الواو؛ وهي لام الكلمة؛ لما كان يلزم من حذفها؛ إذ يقال فيها (حَيَان) لأنّها قبل الحذف (حَيَاان) فلم تعلَّ، وأمّا عين الكلمة فصحّت - هنا - كما صحّت في (الجَوَلَان) و (الهَيَمَان) مثلاً2.
والأصل في حركة عين (الحَيَوَان) السّكون؛ قال المبرّد: "حَيَوَان أصله (فَعَلان) لأنّ (فَعَلاناً) إنّما يجيء فيما يكون اضطراباً؛نحو الغَلَيان والنّزَوَان؛ فلو قلبوا اللاّم واواً لزمها القلب إلى الياء؛ لأنّ الياء قبلها ساكنةٌ، وكان يلزمهالإدغام؛ فيصير: حَيَّان، مثل: أَيَّام؛ فحرّكوا العين وأبدلوا اللاّم واواً كأنّهم قالوا: حَيَيَان؛ واستثقلوا جمع الياءين، فأبدلوا الثّانية واواً؛ وإنّما استثقلوا حَيَيَان كما استثقلوا رَحَيِيّاً "3.
وذهب المازنيّ4 إلى أنّ الأصل (ح ي و) وأنّ الواو أصلٌ، وقد جاء على ما لا يستعمل؛ وهو أن تكون العين ياءً، واللاّم واواً؛ فلذلك لم يشتقّوا منه فعلاً؛ لأنّه ليس في الكلام فعلٌ مستعملٌ موضع عينه ياءٌ ولامه واوٌ "ونظيره في هذا الباب على هذا القول: جَبَيْتُ الخراج جِبايةً، وجِباوَةً، وليس من جِباوَةٍ فعلٌ، ومثل ذلك: فاظَ الميّت فيظاً، وفَوظاً،
1 شرح الشّافية للرّضيّ 3/72.
2 ينظر: البغداديّات 232.
3 التّبصرة والتّذكرة 2/924، ولم أقف على رأي المبرد في كتبه.
4 ينظر: المقتضب 1/186، والأصول 3/385، والمنصف 2/284، 285.
وليس من فَوْظٍ فعل "1.
ولعلّ المازنيّ ذهب بذلك إلى أنّ الواو في (الحَيَوَان) أصلٌ؛ وليست منقلبةً من ياءٍ، وأنّ الياء - أيضاً - أصلٌ من باب اللّغتين، ثمّ يجوز أن يكون استُعمِلَ الفعل من لغة الياء؛ ولم يُستعمل من لغة الواو؛ لثقل ذلك عليهم؛ فقالوا: حَيِيْتُ.
ويجوز - أيضاً - أن يكون استُعْمِلَ فعل اللّغة الّتي تكون اللاّم فيه واواً؛ فقلبت ياءً للكسرة التي قبلها؛ إذ جاؤوا به على: فَعِلَ يَفْعَلُ؛ مثل: عَلِمَ يَعْلَمُ؛ فقالوا: حَيِيتُ.
ويبدو أنّ السّمين الحلبيّ2 كان يرجّح مذهب المازنيّ؛ إذ جعل (الحَيَوَان) في (ح ي و) وفَصَلَه عمَّا بعده؛ وهو (ح ي ي)3. والأقرب في هذا هو مذهب الجمهور لما تقدّم؛ ويؤيّده السّماع والقياس؛ أي: أنّ أصل حَيَوَان (ح ي ي) لا (ح ي و) .
ومن أمثلة التّداخل في هذا النّوع: تداخل (ل وي) و (ول ي) في قراءة ابن عامرٍ وحمزةَ {وإِنْ تَلُوا} 4 بضمّ اللاّم وبواوٍ واحدةٍ؛ منقوله عزّ
1 المقتضب 1/186.
2 ينظر: عمدة الحفّاظ 146.
3 وجعل الأستاذ عبد السّلام هارون (الحيوان) من (حيو) ينظر: فهارس الكتاب 5/109.
4 ينظر: السبعة 239، والتّذكرة في القراءات 2/379، والقراءات وعلل النّحويّين فيها 1/155، والحجّة في القراءات السّبعة 3/185، والمبسوط 182، والتّيسير 97، وإبراز المعاني 423.
وهو يحتمل الأصلين:2
يجوز أن يكون الأصل (ول ي) من: وَلِيَ يَلِي؛ وأصله (تَوْلِيُوا) ثمّ حذفت الواو؛ وهي فاء الفعل؛ لاعتلالها، ووقوعها بين ياءٍ وكسرةٍ؛ نحو: يَعِدُ ويَزِنُ: فصار (تَلِيُوا) فحذفت الضّمّة استثقالاً من على الياء؛ فالتقى ساكنان؛ فحذفت الياء، ثمّ ضمّ ما قبل الواو.
ومعناه من: الوِلاية؛ أي: ولاية الأمر؛ وهو ضدّ الإعراض عنه؛ من قولك: وَلِيْتُ الحكمَ والقضاءَ بين الرّجلين. والمعنى يؤيّد هذا الأصل؛ فدليل حمله على: وَلِيَ – أنّ بعده (أو تُعْرِضُوا) فهو نقيض: تَلُوا؛ لأنَ ولاية الشّيء: الإقبال عليه، ونقيضه: الإعراض عنه، فإنّما قيل لهم:"وإن تَلُوا الأمر فتعدلوا فيه أو تعرضوا عنه فلا تَلُوه، ولا تعدلوا فيه إن وليتموه، فإنّ الله كان بما تعملون خبيراً"3، فيجازى المحسن المقبل بإحسانه، ويحاسب المعرض على إعراضه.
1 سورة النساء: الآية 135.
2 ينظر: معاني القرآن للفرّاء 1/291، ومعاني القرآن وإعرابه 2/118، 119، والقراءات وعلل النّحويّين فيها 1/155، والكشف 1/399، والحجّة في القراءات السّبع 127، والحجّة للقراء السّبعة 3/185، والتّبيان 1/398، وإبراز المعاني 423.
3 الكشف 1/399.
وانفرد الأخفش بتقدير محذوفٍ؛ وهو (عليهم) بعد (تَلُوا) قال: "وليس للولاية معنًى – هاهنا – إلاّ في قوله: وإن تلوا عليهم، فطرح: عليهم، فهو جائزٌ "1.
ويجوز أن يكون أصله (ل وي) من: لَوَى يَلْوي؛ إذا أعرض؛ فيكون أصل {تَلُوا} (تَلْوِيُوا) ثمّ ألقيت حركة الياء على الواو الأولى، وحذفت الياء؛ لسكونها وسكون الواو الأخيرة بعدها، أو لسكونها وسكون الواو قبلها2 في الأصل، أي: قبل النّقل؛ فأبدل من الواو المضمومة همزةٌ؛ فصارت: (تَلُؤوا) 3بإسكان اللاّم، ثمّ طرحت الهمزة، وطرحت حركتها على اللاّم؛ فصارت:(تَلُوا) كما قيل: في أَدْوُر: أَدْؤُر، ثمّ طرحت الهمزة؛ فصارت (أَدُر)4.
وعلى هذا الأصل تكون القراءتان بمعنى واحدٍ من: اللَّيّ5، ولذلك
1 معاني القرآن للأخفش 1/248.
2 ينظر: الكشف 1/400.
3 ينظر: حجّة القرّاء 216.
4 ينظر: القراءات وعلل النّحويّين فيها 1/155، وفيه:(فصارت أدور) ، وهو تحريف؛ والصّواب ما أثبته. كما في طبعة الدّكتور عوض القوزي 319، واللّسان (ولي) 15/413.
5 ينظر: زاد المسير 2/222، وتفسير ابن كثير 1/570، وتفسير النّسفي 1/259، وإبراز المعاني 423.
اختاره الزّجّاج1؛ وهو الرّاجح. وعلى ما تقدّم يكون معنى {إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا} على التّرادف، ويكون معناهما على اختيار الأصل الآخر - أعني (ول ي) على التّضادّ، وكلاهما صحيحٌ في السّياق العامّ للآية، ومقبولٌ عند المفسّرين وأهل اللّغة؛ خلا الأخفش2؛ فإنّه جعل هذه القراءة لحناً؛ إن قدِّر هذا الأصل؛ أعني (ل وى) والأمر خلاف ما ذهب إليه؛ فالقراءة صحيحة؛ لأنّها سبعيّةٌ، وقد اتّفق عليها اثنان منهم؛ وهما: عبد الله بن عامرٍ، وحمزة بن حبيب الزّيَّات.
ومن التّداخل في اللّفيف بين (ح ي ي) و (ي ح ي) في (يَحْيَى) عَلَم لرجلٍ؛ وهو اسم النّبيّ يحيى - عليه وعلى نبيّنا الصّلاة والسّلام - فهو يحتمل الوجهين:
أن يكون من (ح ي ي) فيكون على وزن (يَفْعَلُ) موازناً للفعل3، ومشتقّاً من الحياة.
وهو يحتمل أن يكون عربيّاً أو أعجميّاً4، كما أنّه ممنوعٌ من الصّرف، وليس في ذلك دليلٌ لأحدهما على الآخر؛ فإن كان عربياًّ فمنعه من الصّرف للعَلَمِيَّة ووزن الفعل، وإن كان أعجمياً فذلك للعلمية
1 ينظر: معاني القرآن وإعرابه 1/118.
2 ينظر: معاني القرآن 1/247، 248.
3 ينظر: الكشف 1/359، والتّبيان 1/257، والمساعد 4/69.
4 ينظر: معاني القرآن وإعرابه 1/406، والكشف 1/259.
والعُجمة؛ غير أنّ في العجمة – إن صحّت – دليلاً على أصالة الياء الأولى.
ومعناه يقرِّب اشتقاقه من: الحياة؛ ويؤيّد ما تقدّم في (الزّوائد) وهو أنّ الياء يقضى عليها بالزّيادة أوّلاً إن صحبها ثلاثة أصولٍ؛ كما في (يَزِيد) و (يَعْمُر) ويقوِّيه – أيضاً- أنّ (ي ح ي) أصلٌ مهملٌ في العربيّة. ولكن يجوز أن يكون أصله (ي ح ي) فقد نُقِلَ عن الكسائيّ1 أنّ يحيى (فَعْلَى) وهو وجهٌ مقبولٌ إن كان الاسم أعجميّاً، وقد رجّحه الزّمخشريّ2.
ومن أمثلة هذا النّوع: تداخل (ح ي ي) و (ح وي) في (حَيَّة) وهي: واحدة الحَيَّات أو الهوَامِّ، وقد اختلفوا في أصلها:
يرى سيبويه3 أنّ أصلها (ح ي ي) مستدلاًّ على ذلك بقول العرب في النّسب إلى (حَيَّة بنِ بَهْدَلَة) : (حَيَوِيٌّ) وهي عنده (فَعْلَة) حرِّكت الياء في النّسب؛ لأنّه لا تكون الواو ثابتةً وقبلها ياءٌ ساكنةٌ. وعلى هذا المذهب لو كانت العين واواً - لقالوا: (حَوَوِيٌّ) 4 كما قيل في النّسب إلى (لَيَّةٍ) 5: لَوَوِيٌّ.
1 ينظر: المساعد 4/69.
2 ينظر: الكشّاف 1/359.
3 ينظر: الكتاب 3/345.
4 ينظر: سرّ الصّناعة 2/730.
5 وهي: المَرَّة: من: اللّي بمعنى: الجَدْل والفَتْل. ينظر: اللّسان (لوي) 15/262.
وكان أبو عليّ الفارسيّ1 يرى هذا - أيضاً - ويستدلّ له بغير ما استدلّ به سيبويه؛ وهو قولهم: أرضٌ مُحْيَاة، ومُعْفَاة؛ أي: كثيرة الحَيَّات والأفاعي.
على أنّه ليس في قولهم: رجلٌ حَوَّاءٌ - وهو: الّذي يجمع الحيّات - دليلٌ على الواو عند أبي عليّ2؛ لأنّه غير مأخوذ من (الحَيَّة) ولكنّه من (حَوَيْتُ) فهما أصلان تقاربا في ألأصل والمعنى؛ كـ (سَبِطٍ وسِبْطَرٍ) و (دَمِثٍ ودِمَثْرٍ) فكما أنّ لفظ (لأّالٍ) بالهمزة المشددة الممدودة، وهو: بائع اللّؤلؤ – ليس من لفظ (لؤلؤ) كذلك (حَيَّةٌ) و (حَوَّاءٌ) فكلٌّ منهما أصلٌ مستقلٌّ.3
على أنّ ما ذهب إليه أبو عليٍّ في (حَوَاءٍ) ليس قولاً قاطعاً؛ فهو يحتمل الأصل الآخر؛ بخلاف (لؤلؤٍ) و (لأّالٍ) فهما أصلان لا محالة؛ لأنّ أحدهما رباعيٌّ، والآخر ثلاثيٌّ، وأمّا (حيّةٌ) و (حوَّاءٌ) فهما من الثّلاثيّ، وانقلاب حروف العلّة بعضها عن بعضٍ كثيرٌ.
وذهب أبو حاتمٍ السِّجِستانيُّ إلى أنّ أصلها (ح وي) مستدلاًّ بالمعنى؛ وهو تحوِّي الحَيَّة في لِوائها، وبقولهم: رَجُلٌ: حَوَّاءٌ وحَاوٍ4.
1 ينظر: البغداديّات 230، 231.
2 ينظر: البغداديات 232.
3 ينظر: سرّ الصّناعة 2/730.
4 ينظر: المحكم 4/26.
وقد تردّد فيه ابن سِيدَه؛ فذكره في الأصلين1، وتابعه ابن منظورٍ2.
ومن ذلك تداخل (ث وو) و (ث ي و) في (ثَايَةٍ) وهو مَأوى الغنم والبقر3.
و (ر وي) و (ر ي و) في (الرّايَة)4.
و (أي و) و (أي ي) في (أَيَا) الشّمس، وهو نورها5.
و (هـ وي) و (هـ وو) في (الهَوَى)6.
و (وغ ي) و (وغ و) في (الأَوَاغي) وهي مَفَاجِر الماء في الدِّبار والمزارع، واحدتها آغِيةٌ7.
1 ينظر: المحكم (حيي) 3/305، و (حوى) 4/26.
2 ينظر: اللّسان (حوى) 14/208، و (حيي) 14/230.
3 ينظر: اللسان (ثوا) 14/127.
4 ينظر: المنصف 2/141.
5 ينظر: اللّسان (أيو) 14/63.
6 ينظر: رسالة الملائكة 96.
7 ينظر: اللّسان (وغي) 15/398.