الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأوَّلُ: التَّداخل بين الرّباعي والرّباعيّ
من ذلك تداخل (ب ل أص) و (ب ل هـ ص) في قولهم: (بَلأَص) إذا فرَّ وعَدَا من فزعٍ، وأسرع؛ ومنه قول الشّاعر:
ولَوْ أُرِي فَاكَرِشٍ لَبَلْهَصَا1
فهو يحتمل الأصلين:
ذهب ابن فارس إلى أنَّ أصله (ب ل هـ ص) على الإبدال؛ وكان يقول: "بَلأَصَ: غير أصلٍ؛ لأنَّ الهمزة مبدلة من هاء، والصَّاد مبدلة من سينٍ"2. وتبعه في ذلك الأزهري3.
وذهب ابن منظور4 إلى أنَّ الأصل (ب ل أص) وذكر (بَلْهَصَ) في أصلٍ مستقلٍّ؛ ولم يستبعد الإبدال؛ حين قال: "وقد يجوز أن يكون هاؤه بدلاً من همزة بَلأصَ"5.
1 ينظر: التهذيب6/519، واللسان (بلهص) 7/8. ويروى –أيضاً ولو رأى قال الأزهري: فَاكَرشٍ؛ أي: مكاناً ضيّقًا يُستخفى فيه.
2 المقاييس 1/332.
3 ينظر: التهذيب 6/518.
4 ينظر: اللّسان (بلهص) 7/8.
5 اللّسان (بلهص) 7/8.
ونقل ذلك الزَّبِيدي1. ولا يستبعد الإبدال بين الهمزة والهاء؛ لأنّهما من الحلق ومخرجهما واحد.
ويتداخل (ح ن ت ل) و (ح ت أل) في (الحُنْتَألِ) في قولهم: "مالي عنه (حُنْتَألٌ) أي: ما لي منه بدٌّ؛ وهو يحتمل الأصلين: يجوز أن يكون أصله (ح ن ت ل) فتكون الهمزة زائدة؛ ووزنه - حينئذً (فُعْلأل) وإلى هذا ذهب ابن سيده، وابن منظور2.
وذهب الجواليقي إلى أنَّ الأصل (ح ت أل) بزيادة النّون؛ وأنَّ وزنه (فُنْعَلٌّ)3.
وما ذهب إليه ابن سيده وابن منظور هو الأقرب؛ فقد روى الجوهريّ أنَّهم يقولون: "ما أجد منه حُنْتاَلاً"4 بلا همزٍ؛ وإن كان يجوز حمله على التّسهيل.
ويقوِّيه -أيضاً- سقوط الهمزة في (الحُنْتُلِ) وهو شبه المِخلب المُعَقَّفِ5؛ فالاشتقاق يقوِّيه؛ لأنَّ المخلب هو الّذي ينشب في الشَّيء؛ فلا يكاد ينفكّ منه؛ فقولهم: (ما لي عنه حُنْتَألٌ) يعني: ما لي منه بدٌّ، وهو
1 ينظر: التّاج (بلهص) 4/375.
2 ينظر: اللسان (حنتل) 11/183.
3 ينظر: مختصر شرح أمثلة سيبويه86.
4 ينظر: الصّحاح (حتل)1666.
5 ينظر: التهذيب5/332.
قريب من هذا المعنى.
ويحتمل (دَهْدَيتُ) في قولهم: (دَهْدَيتُ الحجرَ) أي: دَحْرجْته- الأصلين:
حمله بعضهم على ظاهره فجعله من (د هـ د ى) كما فعل ابن منظور1. وهو رأي ضعيف؛ لأنَّ حرف العلّة لا يكون أصلاً في رباعيٍّ خلا المضاعف؛ نحو عَوْعَى عَوْعَاةً: زجر الضَّأن، وقوقَتِ الدَّجاجة.
وجعله الخليل من (د هـ د هـ) 2 فالياء الأخيرة مبدلة من هاء، وأصله (دَهْدَهْتُ) واستدلّ بقول عمرو بن كلثوم:
يُدَهْدِهْنَ الرُّؤُوسَ كَمَا تُدَهْدِي
…
حَزَاوِرَةٌ بِأَيْدِيهَا الكُرِينَا3
وكان يقول: "حوَّل الهاء الأخيرة ياءً؛ لأنَّ الهاء أقرب الحروف شَبَهاً بالياء؛ ألا ترى أنَّ الياء مَدَّةً والهاء نَفَسٌ، ومن هنالك صار مجرى الياء والواوِ والألف والهاء في رويِّ الشّعر واحداً"4.
وسار على هذا المبحث في أصل الكلمة: المازِنيّ وابن جنّي5،
1 ينظر: اللسان (دهدى) 14/276.
2 ينظر: العين3/348.
3 ينظر: ديوانه88، وفيه يدهدون وفي شرح ديوان امرئ القيس بتحقيق السّندوبي ص326 ما يوافق رواية الخليل. والحَزْوَر والحَزَوّر الغلام الّذي قد شبَّ وقوي، والجمع: حَزَاوِرة، ينظر: اللسان (حزر) 4/186.
4 العين3/348.
5 ينظر: المنصف2/175.
واستدلاّ بقولهم: (دَهْدُوهَةُ الجُعْلِ) بمعنى: دَحْرُوجَتِه، وبقولهم:(دَهْدَهْتُ) فدلّ ذلك على أنَّ الهاء أصل؛ ولكنّهم أبدلوا منها الياء.
وثَمَّةَ أصل ثالثٌ يحتمله اللّفظ؛ ليس ممَّا نحن فيه؛ وهو أن يكون ثلاثياً؛ فيكون وزن (دَهْدَى)(فَعْلَى) من باب سَلِسٍ وقَلِقٍ، ثمّ زيدت فيه الألف للإلحاق بالرّباعي1.
ويتداخل في الرّباعي (ط م أن) و (ط أم ن) في قولهم: (اطْمَأنَّ) فهو (مُطْمَئِنٌّ) بمعنى: سَكَنَ؛ وهو يحتمل الأصلين؛ وقد اختلفوا فيه2:
ذهب سيبويه إلى أنَّ أصله (ط أم ن) وإنّما حدث فيه قلبٌ3 بتقديم الهمزة؛ فيكون وزن (اطْمأنّ) و (مُطْمَئِنٌّ) على مذهب سيبويه (افْلَعَلّ) و (مُفْلَعِلاّ) على القلب.
وذهب أبو عمر الجَرمِيّ إلى أنَّ الأصل (ط م أن) 4 وهو عكس مذهب سيبويه؛ فيكون وزن (اطْمَأَنّ) و (مُطْمَئِنٌّ)(افْعَلَلّ) و (مُفْعَلِلاًّ) مثل (اقْشَعَرَّ) و (ومُقْشَعِرٍّ) .
وقد وازن العلماء بين المذهبين وحجّة كلّ منهما، فاختار بعضهم مذهب سيبويه، واختار بعضهم مذهب الجَرميّ.
1 ينظر: احتمال الصّورة اللّفظية لغير وزن118.
2 ينظر: المنصف2/104، والخصائص2/74،75، والصحاح (طمن) 6/2159، وبغية الآمال131، وشرح الشافية للرّضي2/74، والممتع2/617.
3 ينظر: الكتاب3/467.
4 ينظر: المنصف2/104، والممتع2/617.
وممّن اختاروا مذهب سيبويه: ابن جنّي1 الّذي يعدُّ خير من علّل مذهب سيبويه وأبرز حجّته؛ فذكر أنَّ سيبويه كان يرى أنَّه لمّا كان (طَأْمَنَ) مجرّداً من الزّوائد، و (اطْمَأَنَّ) مزيداً فيه، ولم يُمسع (طَمْأَنَ) من غير زيادة2؛ فينبغي أن يكون المجرّد هو الأصل، وهو (طَأْمَنَ) والمزيد فيه هو المقلوب؛ وهو (اطْمَأَنَّ) لأنَّ الزّيادة إذا لحقت الكلمة لحقها ضربٌ من الوَهَن "لأنَّ مخالطتها شيء3 ليس من أصلها مزاحمة لها
…
وإذا كان في الزّيادة طرف من الإعلال للأصل كان أن يكون القلب مع الزِّيادة أولى؛ وذلك أنَّ الكلمة إذا لحقها ضربٌ من الضّعف أسرع إليها ضعفٌ آخر؛ كحذفهم ياَء حَنِيفَةَ في الإضافة إليها لحذف تائها في قولهم: حَنَفِيٌّ، ولمّا لم يكن في: حَنِيفٍ تاءٌ تُحذف فيحذف ياؤها جاء في الإضافة إليه على أصله، فقالوا: حَنِيفِيٌّ"4.
وانبرى ابن جنّي إلى رأي الجَرميّ محاولاً إبطال حجّته الّتي تقوّي مذهبه؛ فقال: "فإن قال أبو عُمَر: جَرْيُ المصدر على: اطْمَأَنَّ، يدلّ على أنّه هو الأصل، وذلك قولهم: الاطْمِئْنَان- قيل: قولهم: الطَّاْمَنَةُ، بإزاء قولهم: الاطْمِئْنَان فمصدر بمصدر.
1 ينظر: الخصائص2/74،75.
2 ينظر: المنصف2/104.
3 كذا في الخصائص2،74، وهو فاعل مخالطة ويجوز النصب على أنه مفعول، كما قال محقق الخصائص الشيخ محمد علي النجار.
4 الخصائص74، 75.
وبقي على أبي عمر أنَّ الزّيادة جرت في المصدر جريها في الفعل والعلّة في الموضعين واحدة، وكذلك الطُّمَأنِينَةُ ذات زيادة؛ فهي إلى الإعلال أقرب"1.
وفي الحقّ أنّ ما ذكره ابن جنّي في الاحتجاج لسيبويه، وإضعاف رأي الجرمي، من الممكن نقضه ألا ترى أنّه أقام دليله وحجّته على أساس أنّ العرب لم تقل (طَمْأَنَ) البتّة2 بل قالت:(اطْمَأَنَّ) في حين أنَّ الأمر بخلاف ذلك؛ فقد روى أئمّة اللّغة (طَمْأَنَ) بإزاء (طَأْمَنَ) .
قال الفارابِيُّ: "طَأْمَنَ ظهره، وطَمْأَنَ، بمعنى"3.
وقال الجوهريُّ: "طَمْأَنَ ظهره وطَامَنَه بمعنى، على القلب، وطَأْمَنت منه: سَكَّنْتُ"4.
ونقل نحو ذلك جماعة؛ منهم السَّرقُسْطِيُّ5، وابن منظور6،
1 الخصائص 2/75.
2 ينظر: المنصف2/104.
3 ديوان الأدب4/245.
4 الصحاح (طمن) 6/2159.
5 ينظر: الأفعال3/284، والسّرقسطيّ هو: أبو عثمان سعيد بن محمّد المعافريّ السّرقسطيّ؛ المعروف بابن الحدّاد، وهو من أئمة اللّغة والنّحو في زمانه، توفي بعد (400هـ) ومن مصادر ترجمته: الصِّلة1/213، وبغية الوعاة1/589، وكشف الظّنون1/133.
6 ينظر: اللِّسان (طمن) 13/268.
والفيروزآبادي1، والزَّبِيديّ2، دون أن ينكره أحد منهم. ومن سمع أو روى حجّة على من لم يسمع أو لم يروِ.
وبذلك يتساوى الأصلان (طَمْأَنَ) و (طَأْمَنَ) في ورودهما متجرّدين من الزَّوائد؛ فيبقى ترجيح أحدهما على الآخر؛ بالنّظر إلى تصرّف كلّ منهما؛ وهي قاعدتهم في معرفة الأصل في القلب.
فإن تساويا فليس أحدهما بأولى من الآخر؛ وإن رَجَحَ أحدهما فهو - في الغالب - الأصل. وتقَصِّي ذلك في (طَأْمَنَ) و (طَمْأَنَ) يبيّن ما يلي:
قالوا في الأوّل: طَأْمَنَ يُطَأْمِنُ طَأْمَنَةً فهو مُطَأْمِنٌ3.
وقالوا في الثّاني: طَمْأَنَ يُطَمْئِنُ طَمْأَنَةً، واطْمَأَنَّ يَطْمَئِنُّ اطْمِئْنَاناً وطُمَأْنِينَةً، وهو مُطْمَئِنٌّ.
وبذلك يتَّضح أنَّ (طَأْمَنَ) قصَّر عن (طَمْأَنَ) في التّصريف؛ فلم يأت منه (اطْأَمَنَّ يَطْأَمِنُّ اطْئِمْنَاناً فهو مُطأَمِنٌ، فيما يقابل: اطْمَأَنَّ يَطْمَئِنُّ اطْمِئْنَاناً فهو مُطْمَئِنٌّ. ولم يأتِ (طُؤَمْنِينَةٌ) فيما يقابل طُمَأْنِينَةً.
ولعلّ ذلك ما جعل الرَّضيّ4 وابن عصفور يأخذان برأي الجَرميّ وقد كان ابن عصفور أكثر وضوحاً في ذلك حينما عرض للرّأيين، وعلّق
1 ينظر: القاموس (طمن)1565.
2 ينظر: التَّاج (طمن) 9/270.
3 ينظر: اللّسان (طمن) 13/268، والقاموس (طمن) 1565، والتَّاج (طمن) 9/270.
4 ينظر: شرح الشّافية1/22.
على رأي الجَرميّ بقوله: "وهو الصّحيح عندي؛ لأنَّ أكثر تصريف الكلمة أتى عليه"1 أي على (طَمْأَنَ) .
ولعلَّ ممّا يرجّح هذا الأصل - أعني (ط م أن) أنّ القرآن الكريم جاء عليه في ثلاث عشرة آية2، ولم يأت فيه من الأصل الآخر شيء.
1 الممتع2/617،618.
2 وهي: {اطْمَأَنّ} في سورة الحج الآية11، و {اطْمَأْنَنْتُمْ} في سورة النّساء، الآية103، و {اطْمَأَنُّوا} في سورة يونس، الاية7، و {تَطْمَئِنّ} في سورة آل عمران، الاية126، والمائدة، الآية113، والأنفال، الآية10، والرّعد، الآية 28مرّتين، و {لِيَطْمَئِنَّ} في سورة البقرة، الاية260، و {مُطْمَئِنّ} في سورة النّحل، الآية106، و {مُطْمَئِنِّينَ} في سورة الإسراء، الآية95، و {مُطْمَئِنَّةً} في سورتي: النّحل، الآية112، والفجر، الآية27.