الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم دراسة لنطاقها وتشكلّها
تصدير بقلم: الاستاذ الدكتور صالح احمد العلي
للرسول صلى الله عليه وآله وسلم مكانة متفردة في تاريخ البشرية، فلم يظهر فيها من يدانيه في الإنجازات التي حققها في تثبيت دعائم الدولة وترسيخ أسسها القائمة على استقرار الحياة البشرية وطمأنينتها وتقدمها، ومرجع ذلك مبادئ سليمة توجه الفرد في قرارة نفسه وعمق ذاته الى ما يؤمن طمأنينته واستقراره ويدفعه الى عمل ما ينفعه وينفع مجتمعه والانسانية.
لم تنحصر آثار اعماله في المجتمع الذي عاش فيه ورضي باسسها وعمل على تطبيقها في الحياة، وإنما امتدت وبسرعة هائلة الى بلاد واسعة وظلت مثلا يؤمن بها من يعتنق الإسلام ويجلها ويتخذها كثير منهم موجها في سلوكهم وتصرفاتهم ممن هم من مختلف الأصول العرقية والمشارب من الأشقر والأبيض والأسمر والأصفر والأسود، ممن يقيم في بقاع من الأرض شاسعة ومتباعدة في المكان منذ أن بدأت الدعوة الاسلامية والى ما شاء الله، وقد امتدت آثارها في الأفراد والمجتمعات الصغيرة والواسعة وكانت الفاعل الأقوى في توجيههم ما أدى الى استقرار جذورها في صميم النفس الإنسانية، وبدت واضحة جلية في ثبات هذا
المجتمع امام التحديات الداخلية والخارجية التي واجهته والتي لم تصمد امامها كيانات ومجتمعات أكثر منه عددا واغنى ثروة فأز التهم تلك التحديات من الوجود والقت بهم في حضن التاريخ الذي يعنى بدراسة أمثالهم.
وقد ظهرت آثار الاسلام في تماسك معتنقيه وصمودهم حديثا فأقصوا وقلصوا ما قام به الغرب المستند الى القوة المادية والعسكرية والدعائية، وصدوا كل محاولة لضعضعته، وما عرف عن هذه القوة المادية المهيمنة انها افلحت في اجتثاث المسلمين ومبادىء الاسلام.
اختار الله تعالى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل عليه الوحي وأمره أن يبلغه للناس وأمرهم أن يطيعوا، ونزلت آيات كثيرة تأمرهم بذلك (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول)(من أطاع الرسول فقد أطاع الله) وأمرهم أن يتخذوه قدوة في الحياة (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وقد اتخذ المسلمون منذ القرن الأول أحكام الرسول مصدرا أساسا يتلو القرآن في مكانته وبخاصة فيما يتعلق بتنظيم أحوال الأسرة مما نسميه الأحوال الشخصية، وتنظيم المعاملات التجارية وقد أفاض في أخبارها المعنيون بالفقه والسنن، وأدخلوا فيها كثيرا من آراء نسبوها الى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد ألف فيها المعنيون بالفقه مؤلفات قيمة، وكتبت فيها أبحاث قيمة لبعض المستشرقين وأبرزهم كولدزيهر وسانتلانا وجونبول وشاخت وهوارزهر.
وعني عدد بمتابعة أخبار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ودون بعضهم معلومات وصلنا قليل منها، وكان أوسع من عني بذلك من الأولين أبان بن عثمان ومحمد بن
شهاب الزهري وموسى بن عقبة، ولم يصلنا كتاب ألفوه، وإنما وصلتنا مقتطفات متفرقة غنية وغير كاملة. وفي مطلع الخلافة العباسية ألف محمد بن إسحاق كتاب سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أورد فيه ما نقله عن عدد ممن سبقه من العلماء وعني بذكر مساند أكثرها. وشمل كتابه مقدمة سميت" المبتدأ" ثم حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الأولى والمبعث وامتداد الإسلام في مراحله الأولى، ثم أفاض في الكلام على حوادث جرت في المدينة بعد الهجرة، ولم يصلنا كتاب محمد بن إسحاق كاملا كما وضعه وإنما وصلتنا مقتطفات من رواة أفاض مطاع طرابيشي في متابعتهم في دراسة قيمة نشرها في مجلة مجمع اللغة العربية في دمشق ثم وسعها في كتاب مستقل.
إن أوسع من روى سيرة ابن اسحاق هو عبد الملك بن هشام وهو ممن عاش في البصرة ونهل من علمائها في اللغة وصارت روايته معتمد الباحثين فركنوا اليها ونقلوها أو بعضها وظلت المعتمد الأول والأكبر لمن كتب السيرة في هيكلها العام أو معلوماتها.
أشار ابن هشام إلى حذفه أو اقتضابه بعض ما ذكره ابن اسحاق والى أخطاء وقع فيها في رواية الشعر واضاف إليها معلومات اقتبسها من علماء البصرة لا سيما أبو عبيدة علما أن الشعر يبلغ قرابة ربع ما رواه عن ابن إسحاق ولم ينقد ما رواه ابن اسحاق أو يضيف إليه غير رواياته عن أبي عبيدة وهي في اللغة وليست في سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الأحداث التي مرت به.
عالج عدد من العلماء جوانب من حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يفها ابن اسحاق وشملت مصنفاتهم شمائله وخلقه وبعض جوانب حياته الخاصة وما يتصل بها ولكن أحدا منهم لم يفصل في اساليب نشره للإسلام وتعميقه في نفوس معتنقيه وهو كان أساس بناء المجتمع الجديد.
وفي الأزمنة الحديثة تزايد الاهتمام بكتابة السيرة وكان ذلك من المستشرقين الغربيين والمسلمين المشارقة. فأما المستشرقون فأغلبيتهم نصارى ومنهم قليل من اليهود تخصصوا في السيرة وأكثرهم متأثر بالمناخ الفكري المتطور في أوربا الذي ظهر في القرن التاسع عشر بسبب بروز العوامل المادية السطحية على حساب القوى الروحية.
فأما المستشرقون فكان من أوائل المعنيين منهم بدراسة حياة الرسول وسيرته، المستشرق الإنكليزي (ويليم سيل) الذي ألف في القرن الثامن عشر كتابا متزنا عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكما خص (كارليل) الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بفصل من كتابه (الأبطال) أشاد فيه بمنجزات الرسول.
وأشار عدد من الكتاب الأوربيين الى جوانب من حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمثال فولتير وجماعته، برز في كثير منها سطحية وتحامل، وفي بعضها دفاع قائم عن المنجزات وليس عن تفاصيل الأعمال التي قام بها الرسول.
وتزايدت مؤلفات المستشرقين منذ أواخر القرن التاسع عشر فكتب عدد منهم كتبا مستقلة في السيرة منهم وستنفلد، وجروهان فيك، ووليم ميور، ثم ديبومين، والفريد جيوم الذيترجم سيرة ابن اسحاق مع مقدمة مهمة، ومن
أواخرهم مونتكمري وات وماكسيم رودنسون وتابعوا فيها سيرة ابن اسحاق مع تعليقات مثيرة بعضها ناشزة، ومن اقوم ما كتب حديثا هو الفصول الواسعة التي كتبها (ليو كايتاني) وتابع تنظيمها على اساس الحوليات وأورد فيها كل ما تيسر له من معلومات عن تلك الحوادث مع تعليقات قيمة وتحليلات مثيرة للتفكير.
وللمستشرق دلتور اندريه مكانة خاصة فقد ألف كتابين (سيرة محمد) و (محمد الرجل والنبي) وهما كتابان قصيران أولى فيهما تقديرا لرسالة الرسول الروحية وتعاطفا مع دعوته المنسجمة مع نظريات رجال الدين، علما أنه أحدهم، إذ كان أسقف إبسالا في السويد.
لم تكن دراسة سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ضمن المواضيع التي تعنى بتدريسها المدارس في العالم الإسلامي وإنما اقتصرت على أحكامه في الأحوال الشخصية والمالية لكونها جزءا من دراسة الفقه.
بدأ الاهتمام بدراسة السيرة النبوية في أوائل الثلاثينيات عندما نشر محمد حسين هيكل ترجمة كتاب أميل در منغهم في سيرة الرسول بمقالات في ملحق جريدة السياسة فأثارت الاهتمام، وتصرف في الترجمة ثم طبعها بكتاب مستقل باسمه بعنوان (حياة محمد) ثم أردفه بكتاب عنوانه (في منزل الوحي) ، ولقي كتاب (حياة محمد) رواجا كبيرا، وأثار الاهتمام فإن لكل من طه حسين وتوفيق الحكيم وعباس العقاد كتبا تابعة لكتاب هيكل وتزايد عدد الكتب والمقالات عن السيرة، وزاد من نشاطها التيار العام الذي نشط في نقد المستشرقين علما
أن كثيرا من هذا النقد دافعه تحدي الغرب وادعائه والحد من ظاهرة محاولات المستشرقين الدس في تاريخ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتشويهه من دون أن يقدموا حججا مقنعة من سوء القصد.
ونشطت في الحقبة الحديثة كتابات عن النظم الإسلامية وتناول بعضها جوانب من أعمال الرسول فيها تعليقات على أعماله السياسية، ويبدو أن هذه الكتابات كانت مرحلية ركدت بعدها تلك الدراسات.
طغت كتابات المشارقة على كتابات المستشرقين التي تناقصت لتقلص عدد المستشرقين ونتاجاتهم. وكان نتاج المشارقة ثرا واسعا فيه تكرار ودفاع بعضه عاطفي وهو من حيث العموم يعتمد في أساسه على (سيرة ابن اسحاق) فيكرر معلوماتها ويذكر بعض التعليقات المبتسرة ولم يحاول أحد فيما أعلم التطرق الى لب الموضوع وجوهره وهو: ما هي أسس ومقاصد الإسلام التي دعا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الناس الى الأخذ بها وكان العامل الأكبر في دعوته وخلوده؟ وما هي السبل والمسالك التي اتبعها؟ وكيف توفق في نشرها وتعميمها في نفوس الناس؟
ولابد من الإشارة الى دراسات ظهرت حديثا في انتشار الاسلام بدأت بكتاب نشره (توماس أرنولد) اسمه (الدعوة الى الاسلام) وتبعته دراسات قام بها بعض المستشرقين الفرنسيين عن انتشار الاسلام في شمال افريقيا ثم دراسات عن انتشار الاسلام بين أهل الهند والبرتغال وبين أهل أندنوسيا وأهل الصين وكثير منها تدرس خطوات هذا الانتشار وقلما تذكر خصائص الاسلام التي دفعت
تلك الأقوام الى اعتناقه علما ان كثيرا منها لم تكن في ظل الدولة التي أقامها الاسلام وامتد سلطانها في بلاد الشرق الأوسط من أوسط اسيا شرقا الى المحيط الأطلسي غربا، ولم يتراجع المسلمون في الأندلس اثر تدابير شرسة وعنيفة شنها عليهم أعداؤهم.
عرض السيد عمار عبودي نصار في دراسته الموسومة (تطور السيرة النبوية عند المؤرخين المسلمين) المصنفات (المصادر) والأبحاث التي تناولت سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم منذ صدر الإسلام بما في ذلك المصنفات المستقلة التي عرضت سيرة الرسول من مولده إلى وفاته ثم الأبحاث عن مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأزواجه وشمائله وأخلاقه وأعلام النبوة ودلائلها وخصائصه وهي جوانب لم يعن بها الباحثون المحدثون. وأورد في ثنايا بحثه أسماء عدد من المؤلفات والمؤلفين في هذه المواضيع وأشار الى بعض ارائهم. فقدم بذلك كنزا من المعلومات التي لا يستغني عنها باحث في هذا الميدان. وأبدى تعليقات قيمة ضمن كلام يحتاج بعضه الى تركيز ولكنه لا يحجب حقيقة غنى الرسالة بالمعلومات الواسعة والملاحظات السديدة التي قلما تطرق اليها الباحثون القدامى. ولا ريب في ان الرسالة تسد فراغا واسعا وترفعها الى مستوى المراجع التي لا يستغني عنها الباحثون في هذا الميدان.
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون
…
صالح احمد العلي بغداد- نيسان- 2002