المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ سورة البقرة - تفسير ابن بدران = جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار

[ابن بدران]

الفصل: ‌ سورة البقرة

تَفسير‌

‌ سُوَرة البقَرَة

روى المفسرون عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن هذه السورة نزلت بالمدينة، وهي أول ما نزل بها، ولا ينافي هذا ما قيل من أن قوله تعالى:{وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} (1) الآية نزلت بمكة، لأننا نقول على تسليم هذا القيل: نعم، إنها نزلت بمكة، ولكن في حجة الوداع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مقيمًا بالمدينة، غاية الأمر أنها نزلت في إحدى أسفاره؛ ومئل ذلك لا تحصل به المنافاة، وحصولها إنما يكون لو قيل: إنها نزلت بمكة قبل الهجرة، ومما يؤكد أنها مدنية اشتمالها على أوصاف المنافقين، وهم لم يظهروا إلا في المدينة، وبيان هؤلاء يظهر مما يأتي:

وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما أتى المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام:

قسم صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه، ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم، وأموالهم.

وقسم حاربوه، ونصبوا له العداوة.

وقسم تاركوه، فلم يصالحوه، ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه، ئم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن، ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه، وانتصاره، ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن، ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المنافقون الذين ذكر الله أوصافهم في أوائل هذه السورة، وهذا من جملة الأدلة على أن هذه السورة مدنية.

{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)} .

ص: 47

ذهب المتكلمون في التفسير في كلامهم على {آلم} وأمثالها من فواتح السور مذهبين:

أَوَّلهما وأَوْلاهما: أن هذا علم مستور، وسر محجوب، استأثر الله تعالى بعلمه، فلا حظَّ للبشر من الوصول إلى حقيقته، إلّا أن يقولوا: الله أعلم بمراده بذلك، وإلى هذا أشار أبو بكر الصديق رضي الله عنه بقوله:

"لله في كل كتاب سر، وسره في القرآن أوائل السور"، ونُقِل قريب من هذا عن علي كرم الله وجهه.

وأنت إذا رأيت ما بقي من التوراة والإنجيل، مما يغلب على الظن أنه غير مبدل وجدت فيهما رموزًا، منها ما أشير به إلى ما سيأتي بعد نزولهما، كالإعلام بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما استغلق معناه على أفهام أهله، فلا التفات لاعتراض بعض ما يدعي أتباعهما على القرآن، لأنهم إن قالوا ذلك قابلناهم بالمثل، أو نجيبهم بما قاله أهل المذهب الثاني، وهذا القول مروي عن أكابر الصحابة والتابعين.

وقد قال ابن عباس رضي الله عنه: "إن الحروف المذكورة في فواتح السور، عجزت العلماء عن إدراكها"، ويمكن أن يكون المروي عنه خلافَ هذا - من قوله:"الألف آلآء الله، واللام لطفه، والميم ملكه" - شيءٌ ابتدعه بعض القصاصين الكذابين ونسبه إليه، لأن ابن عباس لم يفسر القرآن في صحيفة، وإنما نقله عنه جماعة ممن كانوا ملازمين له، منهم الثقات كمجاهد وأضرابه؛ ومنهم غير الثقات كما أوضحناه في المقدمة (1).

فإن قال قائل: إن هذا المذهب يبطله العقل والنقل، لأنه لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لا يكون مفهومًا للخلق، فمن النقل قوله تعالي:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)} [محمد: 24] وقوله: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} [الشعراء: 193 - 195]، والمحتج بذلك هم المتكلمون، قالوا: أمرهم في

(1) كانت العبارة في الأصل مضطربة، وفيها مسح وإضافة

ولم نجد (تكملة الحاشية في المتن).

ص: 48

الآية الأولى أن يتدبروا القرآن، ولو كان غير مفهوم لما أمرهم بتدبره، لأنه حينئذ تكليف بما لا يطاق؛ والآية الثانية تنفي كون القرآن غير مفهوم، لأنه لو كان كذلك لبطل كون الرسول منذرًا به، وإذا كان بلسان عربي مبين وجب أن يكون مفهومًا؛ ومما استدلَّ به المتكلمون من الأدلة العقلية قولهم: لو ورد شيءٌ في القرآن لا سبيل إلى العلم به، لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية؛ ولما لم يجز ذلك فكذا هذا، وأيضًا إنما المقصود من الكلام إفهام المخاطب، فلو لم يكن الكلام مفهومًا لكانت المخاطبة عبثًا وسفهًا، وذلك لا يليق بالحكيم، وأيضًا فإن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون معلومًا لا يجوز وقوع التحدي به.

قلنا في الجواب: لا ينكر أحد أن الأفعال التي كلفنا الله بها قسمان:

أحدهما: ما عرفنا وجه الحكمة فيها على الجملة، كالصلاة التي هي تواضع محض، وتضرع للخالق؛ والزكاة التي هي سعي في دفع حاجة الفقير؛ والصوم الذي هو سعي في كسر الشهوة، وتذكر الجوع والعطش، ليتعلم الغني ما يقاسيه الفقير منهما.

وثانيهما: ما لا نعرف وجه الحكمة فيه، كأفعال الحج، فإن عقولنا لا تعرف وجه الحكمة في رمي الجمرات؛ والسعي بين الصفا والمروة؛ والطواف حول الكعبة؛ والوقوف على عرفات؛ وتقبيل الحجر الأسود.

فإذا كان هذا في الأفعال، وكان المقصود من أولاهما: أن فاعلهما لا يدل على انقياده بفعله، لاحتمال أنّه السنة، أتى بما أتى به لمعرفته وجه المصلحة فيه، ومثل هذا لا يكون دليلًا على الإخلاص بالعبودية، وكان المقصود من ثانيهما: دلالة الفاعل على كمال انقياده، ونهاية تسليمه، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة ألبتة، لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم، فلِمَ لا يجوز أن يأتي مثل ذلك في الأقوال، وهو أن يأمرنا الله تارة أن نتكلم بما نقف على معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر؟

وفيه فائدة أخرى، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به، سقط وقعه عن القلب، واذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم

ص: 49

الحاكمين، بقي قلبه ملتفتًا إليه أبدًا، ومتفكرًا فيه أبدًا، وباب التكليف هو إشغال السر بذكر الله، والتفكر في كلامه، فلا يبعد أن يعلم الله، أن في بقاء العبد ملتفت الذهن، مشتغل الخاطر بذلك أبدًا، مصلحة عظيمة له، فيتعبده بذلك تحصيلًا لهذه المصلحة.

وثاني المذهبين: أن المراد بهذه الفواتح معلوم، ثم إنك تجد في تعيينهم لذلك المعلوم اختلافًا كثيرًا، وأقرب ما قالوه إلى القبول قولان:

أحدهما: أنها أسماء للسور، وهو قول النحاة، وقد أفرد لها سيبويه في كتابه بابًا في حد ما لا ينصرف، ولكن هؤلاء لم يقصدوا إلا البحث عن الإعراب، ولم يلتفتوا إلى جانب المعنى، ويرجع هذا القول القهقرى عند اعتراضك عليه، إذا وجدنا السور الكثيرة اتفقت في آلم وحم، فالاشتباه حاصل فيها، والمقصود من اسم العلم إزالة الاشتباه، وأيضًا لو كانت هذه الألفاظ أسماءً للسور، لوجب أن يعلم ذلك بالتواتر، لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب، والأمور العجيبة تتوفر الدواعي على نقلها، لا سيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو رهبة، ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلومًا بالتواتر، وارتفع الخلاف فيه، فلما لم يكن الأمر كذلك، علمنا أنها ليست من أسماء السور، وأيضًا لو كانت أسماء لهذه السور، لوجب اشتهار هذه السور بها، لا بسائر الأسماء، لكنها إنما اشتهرت بسائر الأسماء، كقولهم سورة البقرة، وسورة آل عمران.

وثانيهما: ما ذكره المبرد، وجمع عظيم من المحققين: أن الله تعالى إنما ذكرها احتجاجًا على الكفار، وذلك أن الرسول لما تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة، فعجزوا عنه، أنزلت هذه الحروف تنبيهًا على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف، وأنتم قادرون عليها وعارفون بقوانين الفصاحة، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند الله لا من البشر.

وقوله: {ذلك الكتاب} ينحى في اسم الإشارة هنا طريقان:

أولها: ما تقدمت الإشارة إليه في سورة الفاتحة، وبيانه أنهم لما قالوا في الفاتحة:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إلى آخرها، صاروا كأنهم في حيرة وشوق

ص: 50