المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ثم يقول تعالى: {وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} - تفسير الشعراوي - جـ ١٤

[الشعراوي]

الفصل: ثم يقول تعالى: {وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}

ثم يقول تعالى: {وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25] وهذه أدوات القوة والردع.

فالخيِّر من الناس يرتدع بقول الله وبقول الرسول ويستجيب، أما الشرير فلا تُجدي معه الحجة، بل لا بُدّ من رَدْعه بالقوة، فالأول إنْ تعرّض للحلف بالله حلف صادقاً، أما الآخر فإنْ تعرّض للحلف حلف كاذباً، ووجدها فُرْصة للنجاة، ولسان حاله يقول: أتاك الفرج.

وفي الأثر: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» .

ثم يقول الحق سبحانه: {وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل

} .

ص: 8707

هكذا أطلقها الحق سبحانه شعاراً مُدوّياً {جَاءَ الحَقُّ. .} وما دام قال للرسول: {قُلْ} فلا بُدَّ أن الحق قادم لا شَكَّ فيه؛ لذلك أمره بهذه الأمر الصريح ولم يُوسْوسُه له، وبعد ذلك يقولها رسول الله في عام الفتح، وعندما دخل مكة فاتحاً وحوْلَ البيت ثلاثمائة وستون صنماً فيُكبكِبُهم جميعاً، وينادي:«جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وزهق الباطل، وما يبدئ الباطل وما يعيد» .

أي: جاء الحق واندحر الباطل، ولم يَعُدْ لديْه القوة التي يُبدِئ بها ويُعيد، فقد خَمدتْ قواه ولم يَبْقَ له صَوْلَة ولا كلمة.

وقوله تعالى: {جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل. .} [الإسراء:‌

‌ 81]

ص: 8707

يشعرنا بأن الحق أتي بنفسه؛ لأنه نسب المجيء إلى الحق كأنه أمر ذاتيّ فيه، فلم يأْتِ به أحد، وكذلك في:{وَزَهَقَ الباطل. .} [الإسراء: 81] فالباطل بطبيعته زاهق مُندحر ضعيف لا بقاءَ له. «ومن العجيب أن الحق الذي جاء على يد رسول الله في فتح مكة انتفع به حتى مَنْ لم يؤمن، ففي يوم الفتح تتجلى صورة من صور العظمة في دين الإسلام، حين يجمع رسول الله أهل مكة الذين عاندوا وتكبَّروا وأخرجوا رسول الله من أحب البلاد إليه، وها هو اليوم يدخلها منتصراً ويُوقِفهم أمامه ويقول:» ما تظنون أني فاعل بكم؟ «قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال:» اذهبوا فأنتم الطلقاء «» .

إذن: جاء الحق ليس لاستعباد الناس، ولكن لراحتهم ورَفْع رؤوسهم. ومن الحق الذي أظل مكة بالفتح ما يُرْوَى أن واحداً دخل على النبي صلى الله عليه وسلم َ الكعبة وأراد إيذاءه، وحينما وضع يده على رسول الله صلى الله عليه وسلم َ تبدَّل حاله وقال: فوالله لقد أقبلت عليه، وما في الأرض أبغض إليَّ منه، فحين وضعت يدي عنده فوالله ما في الأرض أحب إليَّ منه، وهكذا جاء الحق وزهق الباطل.

ص: 8708

وقوله تعالى: {إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء: 81]

زَهُوق صيغة مبالغة، فالباطل نفسه سريعاً ما يذهب ويندثر، ومن العَجَب أن ترى الباطل نفسه من جنود الله؛ لأن الباطل لو لم يُؤلم الناس ويُزعجهم ما تشوَّقوا للحق وما مالوا إليه، فإذا ما لدغهم الباطل واكتَووْا بناره عرفوا الحق.

وقد ضرب لنا الحق سبحانه وتعالى مثلاً للحق وللباطل، فقال:{أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فاحتمل السيل زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال} [الرعد: 17]

الحق سبحانه يُمثِّل للحق وللباطل بشيء حِسّيٍّ نراه حينما ينهمر المطر على قمم الجبال، فيسيل الماء على الأودية بين الجبال حاملاً معه صغار الحصى والرمال والقشِّ، وهذا هو الزَّبَد الذي يطفو على صفحة الماء ولا ينتفع الناس به، وهذا الماء مثالٌ للحق الذي ينفع الناس، والزَّبَد مثال للباطل الذي لا خَيْر فيه.

أو: يعطينا المثال في صورة أخرى: صورة الحداد أو الصائغ الذي يُوقِد النار على الذهب ليخرج منه ما علق به من شوائب.

ثم يقول الحق سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ

} .

ص: 8709

الآية تُعطينا نموذجين لتلقِّي القرآن: إنْ تلقَّاه المؤمن كان له شفاء ورحمة، وإنْ تلقّاه الظالم كان عليه خَسَار، والقرآن حَدَّدَ الظالمين لِيُبَيِّن أن ظلمهم هو سبب عدم انتفاعهم بالقرآن؛ لأن القرآن خير في ذاته وليس خساراً.

وقد سبق أن أوضحنا أن الفعل قد يكون واحداً، لكن يختلف القابل للفعل، ويختلف الأثر من شخص لآخر، كما أن الماء الزلال يشربه الصحيح، فيجد له لذة وحلاوة ويشربه العليل فيجده مُرَّاً مائعاً، فالماء واحد لكن المنفعل للماء مختلف. كذلك أكل الدَّسم، فإنْ أكله الصحيح نفعه، وزاد في قوته ونشاطه، وإنْ أكله السقيم زاده سُقْماً وجَرَّ عليه علة فوق عِلّته.

وقد سبق أن أوضحنا في قصة إسلام الفاروق عمر رضي الله عنه أنه لما تلقى القرآن بروح الكفر والعناد كَرهه ونَفَر منه، ولما تلقاه بروح العطف والرِّقّة واللين على أخته التي شجَّ وجهها أعجبه فآمن.

إذن: سلامة الطبع أو فساده لها أثر في تلقِّي القرآن والانفعال به. وما أشبه هذه المسألة بمسألة التفاؤل والتشاؤم، فلو عندك كوب ماءٍ قد مُلِئ نصفه، فالمتفائل يُلفِت نظره النصف المملوء، في حين أن المتشائم يُلفِت نظره النصف الفارع، فالأول يقول: نصف الكوب ممتلئ. والآخر يقول: نصف الكوب فارع، وكلاهما صادق لكن طبعهما مختلف.

وقد عالج القرآن مسألة التلقِّي هذه في قوله تعالى: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا

ص: 8710

الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 124 - 125]

فالآية واحدة، لكن الطبع المستقل مختلف، فالمؤمن يستقبلها بمَلكاتٍ سليمة، فيزداد بها إيماناً، والكافر يستقبلها بملكَات فاسدة فيزدادَ بها كفراً، إذن: المشكلة في تلقّي الحقائق واستقبالها أن تكون ملكاتُ التلقي فاسدة.

ومن هنا نقول: إذا نظرتَ إلى الحق، فإياك أنْ تنظره وفي جوفك باطل تحرص عليه، لا بُدَّ أن تُخرِج ما عندك من الباطل أولاً، ثم قارن وفاضل بين الأمور.

وكذلك جاءت هذه المسألة في قول الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} [محمد: 16 - 17]

وقولهم: {مَاذَا قَالَ آنِفاً. .} [محمد: 16] دليل على عدم اهتمامهم بالقرآن، وأنه شيء لا يُؤْبَهُ له.

وكذلك في قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لَا يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى. .} [فصلت: 44]

ومثالٌ لسلامة التلقّي من حياتنا المعاصرة إرسال التلفاز مثلاً، فقد تستقبله أنت في بيتك فتجده واضحاً في حَلْقة من الحلقات أو برنامج من البرامج، فتتمتع بما شاهدت، ثم تقابل صديقاً فيشكو

ص: 8711

لك سوء الإرسال وعدم وضوح الصورة فيؤكد لك سلامة الإرسال، إلا أن العيب في جهاز الاستقبال عندك، فعليك أولاً أن تضبط جهاز الاستقبال عندك لتستقبل آيات الله الاستقبال الصحيح.

إذن: قول الحق تبارك وتعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ. .} [الإسراء: 82] متوقف على سلامة الطبع، وسلامة الاستقبال، والفهم عن الله تعالى.

والشفاء: أن تعالج داءً موجوداً لتبرأ منه. والرحمة: أن تتخذ من أسباب الوقاية ما يضمن لك عدم معاودة المرض مرة أخرى، فالرحمة وقاية، والشفاء علاج.

لكن، هل شفاءٌ القرآن شفاءٌ معنويٌّ لأمراض القلوب وعِلَل النفوس، فيُخلِّص المسلم من القلق والحَيْرة والغَيْرة، ويجتثّ ما في نفسه من الغِلِّ والحقد، والحسد، إلى غير هذا من أمراض معنوية، أم هو شفاء للماديات، ولأمراض البدن أيضاً؟

والرأي الراجح بل المؤكد الذي لا شَكَّ فيه أن القرآن شفاء بالمعنى العام الشامل لهذه الكلمة، فهو شفاء للماديات كما هو شفاء للمعنويات، بدليل ما رُوِي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأنه خرج على رأس سرية وقد مَرُّوا بقوم، وطلبوا منهم الطعام، فأبَوْا إطعامهم، وحدث أنْ لُدِغ كبير القوم، واحتاجوا إلى مَنْ يداويه فطلبوا مَنْ يرقيه، فقالوا: لا نرقيه إلا بجُعْلٍ، وذلك لما رأوه من

ص: 8712

بُخْلهم وعدم إكرامهم لهم، على حَدِّ قوله تعالى:{لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً. .} [الكهف: 77]

ولما اتفقوا معهم على جُعل من الطعام والشياه قام أحدهم برقية اللديغ بسورة الفاتحة فبرئ، فأكلوا من الطعام وتركوا الشياه إلى أنْ عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم َ، وسألوه عن حِلِّ هذا الجُعْل فقال صلى الله عليه وسلم َ:«ومَنْ أدراك أنها رقية» أي: أنها رُقْية يرقى بها المريض فيبرأ بإذن الله، ثم قال صلى الله عليه وسلم َ:«كلوا منها، واجعلوا لي سهماً معكم» .

فشفاء أمراض البدن شيء موجود في السُّنة، وليس عجيبة من العجائب؛ لأنك حين تقرأ كلام الله فاعلم أن المتكلم بهذا الكلام هو الحق سبحانه، وهو رَبّ كل شيء ومليكه، يتصرّف في كونه بما يشاء، وبكلمة (كُنْ) يفعل ما يريد، وليس ببعيد أنْ يُؤثّر كلام الله في المريض فيشفى.

ولما تناقش بعض المعترضين على هذه المسألة مع أحد العلماء، قالوا له: كيف يُشْفَى المريض بكلمة؟ هذا غير معقول، فقال العالم لصاحبه: اسكت أنت حمار!! فغضب الرجل، وهَمَّ بترك المكان وقد ثارت ثورته، فنظر إليه العالم وقال: انظر ماذا فعلتْ بك كلمة، فما بالُكَ بكلمة، المتكلّم بها الحق سبحانه وتعالى؟ ثم يقول تعالى:{وَلَا يَزِيدُ الظالمين إَلَاّ خَسَاراً} [الإسراء: 82] لأنهم بظُلْمهم واستقبالهم فُيوضات السماء بملَكَات سقيمة، وأجهزة متضاربة متعارضة، فلم ينتفعوا بالقرآن، ولم يستفيدوا برحمات الله.

ص: 8713