المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

{بَعَثْنَاهُمْ} أي: أيقظناهم من نومهم الطويل، وما داموا قد ناموا - تفسير الشعراوي - جـ ١٤

[الشعراوي]

الفصل: {بَعَثْنَاهُمْ} أي: أيقظناهم من نومهم الطويل، وما داموا قد ناموا

{بَعَثْنَاهُمْ} أي: أيقظناهم من نومهم الطويل، وما داموا قد ناموا فالأمر إذن ليس موتاً إلا أنهم لما طالتْ مدة نومهم شبَّهها بالموت:{لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ. .} [الكهف:‌

‌ 12]

أي: الفريقين منهم؛ لأنهم سأل بعضهم بعضاً عن مُدَّة لُبْثهم فقالوا: يوماً أو بعض يوم.

أو: المراد الفريقان من الناس الذين اختلفوا في تحديد مدة نومهم: {أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً} [الكهف: 12] أي: لنرى أيّ الفريقين سيُقدِّر مُدّتهم تقديراً صائباً. والأمد: هو المدة وعدد السنين.

والمتأمل في الآيات السابقة يجد فيها ملخصاً للقصة وموجزاً لها، وكأنها برقية سريعة بما حدث، فأهل الكهف فتية مؤمنون فروا بدينهم إلى كهف من الكهوف، وضرب الله على آذانهم فناموا مدة طويلة، ثم بعثهم الله ليعلم مَنْ يحصي مدة نومهم، وهذه البرقية بالطبع لم تُعطِنَا تفصيلاً لكل لقطات القصة؛ لذلك تبدأ الآيات في التفصيل فيقول تعالى:{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بالحق. .} .

ص: 8851

{نَحْنُ} أي: الحق سبحانه وتعالى، فهو الذي يقصُّ ما حدث بالحق، فلو أن القاصَّ غير الله لتُوقّع منه الخطأ أو النسيان، أو ترك شيء من الأحداث لِهَوىً في نفسه، إنما إنْ جاءك القصص من الله فهو الحق، كما قال في آية أخرى:{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص. .} [يوسف: 3]

إذن: هناك قصَص ليس بالحسن، وهو القَصَص غير الدقيق.

ص: 8851

فالقصَصُ القرآني يضمن لك منتهى الدقة في عرض الأحداث، ويُصوّر لك كل اللقطات، وكلمة قصة أو قَصَص تدلُّ على دقة التتبع؛ لأنها من قصَّ الأثر أي: تتبَّعه وكان لهذه المهمة رجال معروفون بقصّاصي الأثر، وهم الذين يتتبعون الواقع.

و {نبَأَهُم} النبأ: هو الخبر العظيم.

ثم يقول تبارك وتعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى. .} [الكهف: 13]

هذا هو تفصيل القصة بعد أنْ لخَّصها القرآن في المذكرة والبرقية السابقة، وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله: لقد ذكر ناسٌ هذه القصة من قبل، لكنها قُصَّتْ بغير الحق، وغُيّر فيها، لكن قَصّنا لها هو القَصَص الحق الذي لا كذبَ فيه.

فحقيقة هؤلاء أنهم فتية آمنوا بالله، وهذه قضيتهم التي ضَحَّوْا من أجلها، فلما آمنوا بالله تولاّهم ونوَّر بصائرهم وربط على قلوبهم، وزادهم إيماناً، كما قال في آية أخرى:{والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وءاتاهم تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]

وما أشبه هذه المسألة بالمعلِّم الذي يلمح أمارات النجابة والذكاء على أحد تلاميذه، ويراه مُجيباً حريصاً على العلم فيُولِيه اهتمامه ويمنحه المزيد من المعلومات.

ونلاحظ هنا أن هؤلاء المؤمنين الذين ضَحَّوْا بكلِّ شيء وفرُّوا بدينهم ما زالوا في مرحلة الشباب، وهو مظنّة الانشغال بالدنيا والحِرْص على مُتعها، أما هؤلاء فقد انشغلوا بدينهم منذ صِغَرهم ليكونوا قدْوة ومثَلاً للشباب المؤمن في كل زمان ومكان، فالفتاء في أهل الكهف: فتاء إيمان وفتاء عقيدة.

ص: 8852

والحق سبحانه يقول: {وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا

} .

ص: 8853

والربط يعني أن تربط على الشيء وتشدّ عليه لتحفظ ما فيه، كما تربط القِرْبة حتى لا يسيل الماء، وتربط الدابة حتى لا تنفلت، وقد وردتْ مادة (ربط) في القرآن كثيراً، منها قوله تعالى في قصة أم موسى:{وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لولا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا. .} [القصص: 10]

أي: ربط على ما في قلبها من الإيمان بالله الذي أوحى إليها أن تُلْقِيَ بولدها في الماء، ولولا أنْ ربط الله على قلبها وثبّتها لانطلقتْ خلف ولدها تصرخ وتنتحب وتُلفِت إليه الأنظار:{كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لولا. .} [القصص: 10]

أي: تكشف عن الخُطّة التي أمرها الله بها لنجاة موسى عليه السلام، وهكذا اطمأن قلب أم موسى، وأصبح فؤادها فارغاً أي: من الانفعالات الضارة، ومعلوم أن القلب هو محلُّ الانفعالات، بدليل ما يحدث فيه من اضطراب وزيادة ضربات وتدفُّق للدم عند الغضب مثلاً.

ولا يُسمَّى القلب فؤاداً إلا إذا توقّد بالمشاعر وتحرك بها، وربط

ص: 8853

الله على قلب أم موسى أحدث لها ضَبْطاً للشعور يحكم تصرفاتها فتأتي سليمة مُتمشّية مع الخطة المرادة.

ومن هنا نأمر الغاضب الذي تغلي الدماء في عروقه بالهدوء وضبط النفس؛ لأن الهدوء سيعينه على الحق، ويُلجم جماح غضبه الذي لا تُحمد عُقباه، ألا ترى التوجيه النبوي في حال الغضب؟ إنه ينصح بتغيير الوضع الذي أنت عليه؛ لأن هذه العملية تحدث لديك نزوعية، تصرف عنك الغضب.

وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ. .} [إبراهيم: 43]

أي: فارغة خالية ليس فيها شيء؛ لأن الشيء إذا فرغته من محتواه امتلأ بالهواء. وهنا يقول الحق سبحانه في أهل الكهف: {وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ. .} [الكهف: 14] لتظل بداخلها العقيدة والإيمان بالله لا تتزعزع ولا تُخرِجها الأحداث والشدائد، وهذا من زيادة الهدى الذي أَخبرتْ به الآية السابقة.

وقوله تعالى: {إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض. .} [الكهف: 14]

قاموا: القيام هنا دليل على مواجهتهم للباطل ووقوفهم في وجهه، وأن الباطل أفزعهم فهُّبوا للتصدِّي له بقولهم:{رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض. .} [الكهف: 14] ولا بُدَّ أنهم سمعوا كلاماً يناقض قولهم، وتعرّضوا في دعوتهم للحرب والاضطهاد، فالآية تعطي صورة لفريقين: فريق الكفر الذي ينكر وجود الله أو يشرك به، وفريق الإيمان الذي يُعلنها مُدوّية:{رَبُّنَا رَبُّ السماوات والأرض. .} [الكهف: 14]

ص: 8854