الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تتمة
في بيان قول الإمام أبي حاتم الرازي
في الراوي: يكتب حديثه ولا يحتج به
تقدم في فاتحة هذه الرسالة ص 37، -في الأسئلة الموجهة إلى الحافظ
المنذري رحمه الله تعالى - ذكر عبارة من أقوال الإمام أبي حاتم الرازي في
الجرح والتعديل، وهي قوله رحمه الله تعالى في تضيف الراوي "يكتب حديثه
ولايحتج به ".
ولم يتعرض الحافظ المنذري في جوابه لخصوص هذه الجملة وبيان معناها،
وقد أوردها السائل طالبا بيانه، فاردت ذكر ما يتصل بها، ولطول الكلام جعلته
(تتمة) في اخر الرسالة هنا، وأرجو من الله التوفيق والسداد.
هذه العبارة (يكتب حديثه ولا يحتج به) ، سال الحافظ عبد الرحمن بن
أبي حاتم أباه عن تفسير مرادو منها فاجابه عن ذلك.
جاء في "الجرح والتعديل " 1 /1: 133، و"تهذيب التهديب " ا: 168، في
ترجمة (إبراهيم بن مهاجر البجلي الكوفي) ما يلي: "قال أبوحاتم: ليس بالقوي،
هووحصين وعطاء بن السائب قريب بعضهم من بعض، ومحلهم عندنا محل
الصدق، يكتب حديثهم ولا يحتج به.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: قلت لأبي: ما معنى (لا يحتج به) ؟ قال:
كانوا قوما لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون، فيغلطون، ترى في أحاديثهم
اضطرابا ما شئت ". انتهى.
فبين أبوحاتم في إجابته لابنه: السبب في أنه لا يحتج بحديثهم،
وهو ضعف حفظهم، واضطراب حديثهم.
وفسر الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى، في بعض المواضع من كتبه قول
أبي حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، فقال في "الصارم المسلول على شاتم
الرسول) ص 577: "قال أبوحاتم 2/3: 2 29 في (محمد بن طلحة التيمي) : محله
الصدق، يكتب حديثه ولا يحتج به.
ومعنى هذا الكلام أنه يصلح حديثه للاعتبار والاستشهاد به، فإذا عضده اخر
مثله جاز أن يحتج به، ولا يحتج به على انفراده". انتهى كلام الشيخ ابن تيمية
مصححا.
وعند تحقق وصف الراوي بضعف حفظه واضطراب حديثه: لا يحتج به،
كما قاله أبوحاتم وغيره، وكما شرحه الشيخ ابن تيمية أيضا.
ولكن هل كل من قال فيه أبوحاتم: (يكتب حديثه ولا يحتج به) ، أوقال
فيه: (لا يحتج به) ، هل هوحقيقة لا يحتج به أم ينازع أبوحاتم في هذا الحكم
على الراوي، فلا يعمل بحكمه هذا فيه لعدم تحقق ما يقتضيه في الراوي؟ الذي
يبدو من تتبع النقاد لأقوال أبي حاتم الرازي هو الشق الثاني:
ا - قال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" 13: 260، في ترجمة
(أبي حاتم) : "إذا وثق أبوحاتم رجلا فتمسك بقوله، فإنه لا يوثق إلا رجلا صحيح
الحديث، لاذا ليق رجلا أوقال فيه: لا يحتج به، فتوقف حتى ترى ما قال غيره
فيه، فإن وثقه أحد، فلا تبن على تجريح أبي حاتم، فانه متعنت في الرجال، قد قال
في طائفة من رجال "الصحاح ": ليس بحجة، ليس بقوي، أونحوذلك ". انتهى.
2 -
قال الشيخ ابن تيمية: "وأما قول أبي حاتم - في أبي صالح باذام -
يكتب حديثه ولا يحتج به، فابوحاتم يقول مثل هذا في كثير من رجال
"الصحيحين"، وذلك أن شرطه في التعديل صعب، و (الحجة) في اصطلاحه ليس
هو (الحجة) في اصطلاح جمهور أهل العلم ". انتهى من "مجموع فتاوى ابن تيمية"
24: 350.
3-
وجاء في "هدي الساري " 2: 59ا، في ترجمة (محمد بن جعفر
المعروف بغندر) : "روى له الجماعة، أحد الأثبات المتقنين من أصحاب شعبة،
اعتمده الأئمة كلهم حتى قال علي بن المديني: هوأحب الى من عبد الرحمن بن
مهدي في شعبة، وقال ابن المبارك: إذا اختلف الناس في شعبة فكتاب غندر حكم
بينهم
لكن قال أبو حاتم: يكتب حديثه عن غير شعبة ولا يحتج به! قلت - القائل
ابن حجر-: أخرج له البخاري عن شعبة كثيرا، وأخرج له حديثا عن معمر،
واخر عن عبد الله بن سعيد بن أبي هندة، توبع فيهما، وروى له الباقون ". انتهى
كلام ابن حجر، وفي هذا رد صريح لقول أبي حاتم: (يكتب حديثه عن غير شعبة
ولايحتج به) .
4 -
وجاء أيضأ في "هدي الساري " 2: 162، في ترجمة (محمد بن
أبي عدى البصري) : اروى له الجماعة، من شيوخ أحمد، قال عمرو بن علي
-الفلاس-: أحسن عبد الرحمن بن مهدي الثناء عليه، وقال أبوحاتم والنسائي
وابن سعد: ثقة. وفي االميزان " أن أبا حاتم قال: "لا يحتج به ". فينظر في ذلك.
وأبوحاتم عنده عنت، وقد احتج به الجماعة". انتهى.
5 -
ونقل الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى، في "نصب الراية" 2: 439 عن
ابن أبي حاتم - في "الجرح والتعديل " 4 / 1: 383 - عن أبي حاتم قوله في
(معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي ثم الأندلسي) : "لا يحتج به "، ثم تعقبه
بقول الحافظ ابن عبد الهادي في "التنقيح ":
"قول أبي حاتم: لا يحتج به، غير قادح، فإنه لم يذكر السبب، وقد
تكررت هذه اللفظة منه في رجال كثيرين من أصحاب الصحيح، الثقات الأثبات
من غيربيان السبب، كخالد الحذاء وغيره.
ومعاوية بن صالح ثقة صدوق، وثقه أحمد وابن مهدي وأبوزرعة، وقال ابن
أبي حاتم: سالت أبي عنه، فقال: حسن الحديث، صالح الحديث. واحتج به
مسلم في "صحيحه"، ولم يرو شيئا خالف فيه الثقات. وكون يحيى بن سعيد كان
لا يرضاه، غير قادح فيه، فإن يحيى شرطه شديد في الرجال، ولذلك قال:
لولم أرو الاعمن أرضى ما رويت الا عن خمسة".
6 -
وجاء في "الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم 2/1: 353، في ترجمة
(خالد الحذاء: خالد بن مهران البصري) : (سمعت أبي يقول: خالد الحذاء يكتب
حديثه ولايحتج به ". انتهى.
وأورد ابن أبي حاتم قبل هذا في الترجمة نفسها "قال الأثرم: سمعت
أبا عبد الله -أحمد بن حنبل - يقول: خالد الحذاء ثبت. قال عبد الرحمن - ابن
أبي حاتم -: ذكره أبي، عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين أنه قال:
خالذ الحذاء ثقة". انتهى.
وجاء في "تهذيب التهذيب، 3: 121، في ترجمة (خالد الحذاء) زيادة على
ما تقدم من التوثيق: "وقال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة مهيبا كثير
الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات ". وقال العجلي: بصري ثقة. وقرأت بخط
الذهبي: ما خالد في الثبت بدون هشام بن عروة وأمثاله.
وحكى العقيلي في "تاريخه " -أي كتاب الضعفاء 2: 4 - من طريق
يحيى بن ادم، عن أبي شهاب، قال: قال لي شعبة: عليك بحجاج بن أرطاة
ومحمد بن إسحاق، فانهما حافظان، واكتم على عند البصريين في خالد الحذاء
وهشام. قال يحيى: وقلت لحماد بن زيد: فخالد الحذاء؟ قال: قدم علينا قدمة
من الشام، فكانه أنكرنا حفظه.
وقال عباد بن عباد: أراد شعبة أن يقع في خالد فاتيته أنا وحماد بن زيد، فقلنا
له: مالك؟ أجننت؟! وتهددناه فسكت. وحكى العقيلي من طريق أحمد بن حنبل:
قيل لابن علية في حديث كان خالد يرويه، فلم يلتفت إليه ابن علية، وضعف أمر
خالد.
قلت - القائل ابن حجر-: والظاهر أن كلام هؤلاء فيه، من أجل ما أشار إليه
حماد بن زيد، من تغير حفظه باخره، أو من أجل دخوله في عمل السلطان، والله
أعلم ". انتهى كلام ابن حجر في "تهذيب التهذيب ".
فلم يلتفت الحافظ الذهبي ولا ابن حجر هنا وفي "تقريب التهذيب "، إلى
قول أبي حاتم فيه، كيف وقد وثقه المعروفون بالتشدد، كابن معين والنساني، كما
وثقه أحمد والعجلى.
وقال الحافظ الذهبي في "تذكرة الحفاظ " ا: 149، في ترجمة (خالد
الحذاء) : "هو الحافظ الثبت، محدث البصرة، حدث عنه محمد بن سيرين شيخه،
وشعبة، وبشر بن المفضل، وأبو إسحاق الفزاري، وسماعيل بن علية، وسفيان بن
عيينة، وخلق.
وثقه أحمد بن حنبل وابن معين، واحتج به أصحاب الصحاح. وقال
أبوحاتم: لا يحتج به. مات سنه41 ا". انتهى. فاورد الذهبي هنا كلام
أبي حاتم مورد الإنكار والنقد والاستدراك على أبي حاتم رحمهما الله تعالى.
وقال الذهبي أيضا، في "الكاشف "ا: 274، في ترجمة (خالد الحذاء) :
"الحافظ، ثقة إمام ". وقال أيضا في ترجمته في "المغني في الضعفاء"ا: 206 "ثقة
جبل، والعجبن من أبي حاتم يقول: لا أحتج بحديثه ". -وفي نسخة من
"الكاشف ": "لا يحتج به ". انتهى. واذاكان (ثقة جبلا) ، فيكون الذهب ما ذكره
في "الضعفاء"إلا ليرد على أبي حاتم قوله فيه: "لا يحتج به ".
7 -
وجهاء في "سير أعلام النبلاء" للذهبي 13: 81، في ترجمة الإمام
أبي زرعة الرازي (عبيد الله بن عبد الكريم)، قول الذهبي: "يعجبني كثيرا كلام
أبي زرعة في الجرح والتعديل، يبين عليه الورع والمخبرة، بخلاف رفيقه
أبي حاتم، فانه جراح ".
8 -
وجلاء في "نصب الراية" للحافظ الزيلعي 3: 310، عقب حديث رواه
(بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري)، وأخرجه الترمذي في "جامعه " وقال:
"حديث حسن "، ورواه الحاكم في "المستدرك " وقال: "صحيح الإستاذ
ولم يخرجاه " ما يلي:
"قال ابن القطان في كتاب " الوهم والإيهام ": اختلف الناس في (بهز بن
حكيم) ، فحكى ابن أبي حاتم - في "الجرح والتعديل" 1 / 1: 430 - عن أبيه:
أنه شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به، وعن أبي زرعة أنه قال فيه: صالح ولكن
ليس بالمشهور، وجعله الحاكم في أقسام الصحيح المختلف فيه.
وقول أبي حاتم: لا يحتج به. لا ينبغي أن يقبل إلا بحجة، وبهز ثقة عند
من علمه، وقد وثقه ابن الجارود والنساثي، وصحح الترمذي روايته عن أبيه، عن
جده (1) . وقال ابن عدي: روى حديثه ثقات الناس كالزهري، ولم أر له حديثا
منكرا، وأرجو أنه إذا حدث عنه ثقة فلا باس بحديثه، وقال أبوجعفر السبتي: إسنا
بهز عن أبيه، عن جده صحيح ". انتهى كلام الحافظ الزيلعي.
قال عبد الفتاح: وقد وثقه أيضا يحيى بن معين وابن المديني، وحسبك
بهما، كما نقله عنهما ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ا: ا: 430، في ترجمة
(بهز)
وجاء في "تهذيب التهذيب " ا: 498، في ترجمة (بهز) أيضا، زيادة على
ما تقدم من التوثيق: "وقال النسائي: ثقة، وقال أبوداود: هو عندي حجة، وقال
ابن حبان: كان يخطىء كثيرا، فاما أحمد واسحاق هما يحتجان به. . .، وقال
الترمذي: هوثقة عند أهل الحديث، وقال ابن قتيبة - في "المعارف " ص 482 -:
وكان من خيار الناس ". انتهى.
(1) وانظر ما كتبه شيخنا العلامه احمد شاكر رحمه الله تعالى فى شرحه على " الفيه السيوطى"
في علم الحديث " ص 248، في تصحيح رواية (بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده) معاوية بن
حيدة القشيري، وهو صحابي معروف، فقد رجحها بعضهم على رواية (عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جده) .
قلت: وقد يقتصر أبو حاتم على قوله في بعض الرواة: (يكتب حديثه) ،
فيكون عنده أقوى ممن قال فيه: (يكتب حديثه ولا يحتج به) . جاء في "الجرح
والتعديل " 2/4: 14، في ترجمة (الوليد بن كثير المزني) قوله فيه: "شيخ يكتب
حديثه ". انتهى. ونقله الذهبي في ترجمته في "الميزان " 4: هـ 34، وعلق عليه
فقال: "الوليد بن كثير المزني، روى له النسائي، وثق، وقال أبوحاتم: يكتب
حديثة، مع أن قول أبي حاتم هذا ليس بصيغة توثيق، ولا هوبصيغة إهدار".
انتهى كلام الذهبي.
قلت: (ليس بصيغة توثيق) لأن من قيل فيه ذلك ضعيف نازل عن رتبة
الاحتجاج بحديثه، و (لا هو بصيغة إهدار) لأنه ليس ضعيفا جدا، بحيث لا يصلح
حديثة للمتابعات والشواهد، بل يكتب حديثه لصلاحيته لذلك، فهو بمثابة قولهم في
المرتبة السادسة اخر مراتب التعديل المشعر بالقرب من التجريح: (يعتبر به) ،
ويقابله قولهم في المرتبة الرابعة من مراتب الجرح: (لا يكتب حديثه)
قال عبد الفتاح: ولعل في هذا الذي قدمته من كلام الأئمة النقاد، حول عبارة
الإمام أبي حاتم الرازي رحمه الله تعالى، ما يفيد الجواب عن سؤال السائل عنها
في فاتحة هذه الرسالة، والله الهادي إلى الصواب.
وفي الحقيقة أن ألفاظ الجرح والتعديل في كتاب "الجرح والتعديل "، للإمام
أبي حاتم وابنه رحمهما الله تعالى، تحتاج إلى استقراء تام وجمع وتصنيف، ثم
استخلاص ما يشير إليه كل لفظ من تلك الألفاظ، حتى تضبط اصطلاحاتهما فيه،
وأرجو من الله تعالى أن يوفق لذلك فطنا ذكيا، وحاذقا ألمعيا، فيفرزها ويصنفها على
أحسن وجه وأدقه وأوفاه، فيقدم لخدمه السنة المطهرة محبيها لبنه تزيد فى اكتمال
صرحها وايفاء شرحها، والله ولى التوفيق.