الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الليلة التي كلم الله فيها موسى، أوحى الله تعالى إلى الجبال: إني مكلم نبيًّا من أنبيائي على جبل منكم، فسمت الحبال وتشامخت إلا جبل بيت المقدس، فإنه هبط وتصاغر، قال: فأوحى الله إليه؛ لِمَ فعلت ذلك؟ فقال: إجلالًا لك يا رب، قال: فأمر الله الجبال أن يعطوه؛ كل جبل منها مما عليه من النبت، وجاد له المقطم بكل ما عليه من النبت، حتى بقي كما ترى، فأوحى الله إليه: إني معوضك على فعلك بشجر الجنة أو غراسها، فكتب بذلك عمرو بن العاص إلى
عمر رضي الله عنهما، فكتب إليه: إني لا أعلم شجر الجنة "أو غراسها"(1) لغير المسلمين، فاجعله لهم مقبرة. ففعل ذلك عمرو، فغضب المقوقس، وقال لعمرو: ما على هذا صالحتني! فقطع له عمرو قطيعًا من نحو الحبش يدفن فيه النصارى.
قال الكندي: وروى ابن لهيعة عن عياش بن عباس، أن كعب الأحبار سأل رجلًا يريد السفر إلى مصر، فقال له: أهد لي تربة من سفح مقطعها؛ فأتاه منه بجراب. فلما حضرت كعبًا الوفاة أمر به ففرش في لحده تحت جنبه.
فصل عن ابن الجميزي وغيره عن الفتوى بهدم كل بناء بسفح المقطم
مدخل
قد أفتى ابن الجميزي وغيره بهدم كل بناء بسفح المقطم، وقالوا: إنه وقف من عمر على موتى المسلمين.
وذكر ابن الرفعة عن شيخه الظهير التزمنتي، عن ابن الجميزي، قال: جهدت مع الملك الصالح في هدم ما أحدث بالقرافة من البناء، فقال: أمر فعله والدي، لا أزيله. قال: وهذا أمر قد عمت به البلوى وطمت، ولقد تضاعف البناء حتى انتقل إلى
(1) م ح، ط.
المباهاة (1) والنزهة، وسلطت المراحيض على أموت المسلمين من الأشراف والأولياء وغيرهم.
وذكر أرباب التاريخ، أن العمارة من قبة الإمام الشافعي رضي الله عنه إلى باب القرافة؛ إنما حدثت أيام الناصر بن قلاون، وكانت فضاء، فأحدث الأمير يلبغا التركماني تربة، فتبعه الناس.
قال الفاكهي في شرح الرسالة: ولا يجوز التضييق فيها ببناء يحرز (2) به قبرًا ولا غيره، بل لا يجوز في المقبرة المحبسة غير الدفن فيها خاصة؛ وقد أفتى من تقدم من أجلة العلماء رحمهم الله -على ما بلغني ممن أثق به- بهدم ما بُني بقرافة مصر، وإلزام البنائين فيها حمل النقض، وإخراجه عنها إلى موضع غيرها.
وأخبرني الشيخ الفقيه الجليل نجم الدين بن الرفعة، عن شيخه الفقيه العلامة ظهير الدين التزمنتي، أنه دخل إلى صورة مسجد بُني بقرافة مصر الصغرى، فجلس فيه من غير أن يصلي تحية، فقال له الباني: ألا تصلى تحية المسجد! قال: لا؛ لأنه غير مسجد، فإن المسجد هو الأرض والأرض، مسبلة لدفن المسلمين -أو كما قال.
وأخبرني أيضًا المذكور، عن شيخه المذكور، أن الشيخ بهاء الدين بن الجميزي، قال: جهدت مع الملك الصالح في هدم ما أُحدث بقرافة مصر من البناء، فقال: أمر فعله والدي لا أزيله.
وإذا كان هذا قول ذلك الإمام وغيره في ذلك الزمان قبل أن يبالغوا في البناء، والتفنن فيه ونبش القبور لذلك، وتصويب (3) المراحيض على أموات المسلمين من الأشراف والعلماء والصالحين وغيرهم؛ فكيف في هذا الزمان، وقد تضاعف ذلك جدًّا حتى كأنهم لم
(1) ط: "للمباهاة".
(2)
ط: "يجوز".
(3)
ح، ط:"ونصب"، وما أثبته من الأصل.
يجدوا من البناء فيها بدًّا، وجاءوا في ذلك شيئًا إدا، فيجب على ولي الأمر أرشده الله تعالى الأمر (1) بهدمها وتخريبها حتى يعود طولها عرضًا وسماؤها أرضًا.
وقال ابن الحاج في المدخل: القرافة جعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لدفن موتى المسلمين فيها، واستقر الأمر على ذلك، فيمنع البناء فيها.
قال: وقد قال لي من أثق به وأسكن إلى قوله: إن الملك الظاهر -يعني بيبرس- كان قد عزم على هدم ما في القرافة من البناء كيف كان، فوافقه الوزير في ذلك، وفنده واحتال عليه بأن قال له: إن فيها مواضع للأمراء، وأخاف أن تقع فتنة بسبب ذلك، وأشار عليه أن يعمل فتاوى في ذلك فيستفتي فيها الفقهاء: هل يجوز هدمها أم لا؟ فإن قالوا بالجواز فعل الأمير ذلك مستندًا إلى فتاويهم، فلا يقع تشويش على أحد. فاستحسن الملك ذلك، وأمره أن يفعل ما أشار به. قال:
فأخذ الفتاوى، وأعطاها لي، وأمرني أن أمشي على من في الوقت من العلماء، فمشيت بها عليهم مثل الظهير التزمنتي، وابن الجميزي ونظائرهما في الوقت، فالكل كتبوا خطوطهم، واتفقوا على لسان واحد أنه يجب على ولي الأمر أن يهدم ذلك كله، ويجب عليه أن يكلف أصحابه رمي ترابها إلى الكيمان، ولم يختلف في ذلك أحد منهم. قال: فأعطيت الفتوى للوزير، فما أعرف ما صنع فيها، وسكت على ذلك، وسافر الملك الظاهر إلى الشام في وقته، فلم يرجع، ومات بها.
فهذا إجماع هؤلاء العلماء المتأخرين، فكيف يجوز البناء فيها! فعلى هذا فكل من فعل ذلك فقد خالفهم.
(1) في الأصل: "إلى الأمر".