المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌ملحق خاص .. في بحث للأستاذ إبراهيم السكران بعنوان (الأسهم المختلطة) - الأسهم - حكمها وآثارها

[صالح السلطان]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌التمهيد

- ‌المسألة الأولى: تعريف الأسهم

- ‌المسألة الثانية: خصائص الأسهم

- ‌المسألة الثالثة: قيمة السهم

- ‌المسألة الرابعة: أنواع الأسهم

- ‌المسألة الخامسة: محل العقد في بيع الأسهم

- ‌المسألة السادسة: حكم بيع الأسهم قبل تداولها

- ‌المبحث الأولحكم المساهمة في هذه الشركات

- ‌المسألة الأولى: في حكم هذه المساهمة

- ‌القول الأول: تحريم الاتِّجار فيها مطلقا:

- ‌القول الثاني: التفريق بين ما كانت نسبة الاستثمار المحرم فيه كثيرة فيحرم

- ‌المسألة الثانية: في فروع متعلقة بهذا الحكم

- ‌الفرع الأول: التطهير هل يرفع التحريم

- ‌الفرع الثاني: مساهمة من يقدر على التغيير فيها

- ‌القسم الأول: الشركات المؤثرة في اقتصاد البلد:

- ‌القسم الثاني: الشركات غير المؤثرة:

- ‌المسألة الثالثة: إذا دخل في شركة، ثم تبيَّن له وجود استثمار محرم فيها

- ‌المبحث الثانيالمعقود عليه في المضاربة

- ‌المبحث الثالثتصرفات المضاربين في سوق الأسهم

- ‌المبحث الرابعحقيقة المضاربة في سوق الأسهم

- ‌المبحث الخامسآثار المضاربة على الأسهم

- ‌ الجانب الاقتصادي

- ‌ آثارها الاجتماعية

- ‌ آثارها الشرعية:

- ‌ملحق خاص

- ‌الخاتمة

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌ ‌ملحق خاص .. في بحث للأستاذ إبراهيم السكران بعنوان (الأسهم المختلطة)

‌ملحق خاص

..

في بحث للأستاذ إبراهيم السكران بعنوان (الأسهم المختلطة) ذكر قسما نَقَدَ فيه نظريةَ الأسهم النقية، وأعتقد أنه وُفِّقَ فيه كثيرا.

ثم انتقل إلى الأسهم المختلطة وبَيَّنَ فيها أقوال المعاصرين فيها.

ثم ذكر أنه لا يمكن الفصل فيها إلا بتحرير أصل شرعي؛ وهو العلاقة بين أصحاب الأموال المختلطة مثل التاجر الكافر

وذكر أنه قد حصل خلط بين ثلاث مراتب متفاوتة الأحكام والآثار، وهي مرتبة (عموم المعاملة) ومرتبة (المشاركة بالحصة) ومرتبة (المشاركة بالتصرف)، وهذا أدى إلى عدم تصور دقيق لأصل الخلاف في المسألة، ثم أفاض في أقوال الفقهاء في هذه المراتب.

وقد أجاد في مرتبة (عموم المعاملة)، وكذلك في مرتبة (المشاركة في الحصة)، وذكر أنه لا يلزم من الجواز فيهما الجواز في المساهمة في الشركات المختلطة؛ لأن مركز مناطات الفريق الذي يرى التحريم مرتبطٌ أساسًا بمرتبة (المشاركة بالتصرف)، وليس المشاركة بالحصة ولا عموم المعاملة.

وقد أجاد في هاتين المرتبتين:

وفي مرتبة (المشاركة بالتصرف) نقل نصوصًا عن الفقهاء تدل على جواز المشاركة في الأصل أو المنع منها وجوازها إذا وقعت، ثم ذكر أن الشركات المختلطة في هذا العصر تنتمي إلى هذه المرتبة وتدخل تحت قول هؤلاء المجيزين.

ص: 107

وهنا بعض الملاحظات على ما ذكره في هذه المرتبة:

1 -

كل النصوص التي ذكرها ليس فيها أن الشريك الذمي ونحوه يرابي بأموال الشركة ويأخذ عليها ربا (فائدة)، أو يقترض على الشركة ويدفع فائدة؛ بل ليس فيها أنه يجوز الدخول معه إن كان يعلم أنه يرابي بأموال الشركة.

ففي الاستشهاد بها تحميل لها بما لا تحتمله ولا يقوله أولئك الفقهاء أصلا، وهم الذين يسدون كل الذرائع الموصلة للربا كما هو المشهور عن المالكية والحنابلة.

- ويقول: ويلاحظ المتابع لبعض الدراسات الفقهية في هذا الموضوع أنها تسوق أدلة القول الذي رأى الإباحة والقواعد الفقهية التي اتكأ عليها ثم تناقشها

وفي تقديري أن المفترض كان يجب أن يكون عكس ذلك تماما

بمعنى أن تكون المناقشة أساسا لأدلة الفريق الذي رأى المنع، فإذا صحت أدلته ثبت التحريم، وإن ضعفت أدلته بقيت الإباحة على ما كانت عليه؛ لعدم وجود الدليل الذي يطيق رفعها عن الأصل.

والمستند الجوهري الذي تنطلق منه هذه الرؤية المنهجية هي أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة؛ وهذا يعني أن من رأى إباحة معاملة من المعاملات فإنه لا يطالب بالدليل؛ لأنه باق على الأصل، وإنما يطالب فقط الإجابة الصحيحة على أدلة التحريم؛ لأنها الناقلة عن الأصل.

وأقول: إن هذا غريب منه من وجهين:

1 -

هل يعتقد أن ما انتبه له خفي على كل أولئك الفقهاء المعاصرين في تلك الهيئات والمجامع؟

2 -

أن ذلك الأصل الذي ذكره لا خلاف فيه؛ ولكنه عند الجميع في المعاملات المباحة.

وأما المعاملات الربوية فالأصل فيها التحريم {وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، والعقود

ص: 108

الربوية التي تجري في تلك الشركات لاشك أن الأصل فيها التحريم وأنها عقود فاسدة كما تقدم في أدلة القول الأول، وهي عقود أثَّرت في مالية تلك الشركات، ونصوص المنع من الربا مطلقا قليله وكثيره صريحة قطعية في الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ فمن قال بالتحريم فقد مشى على هذا الأصل.

ومن ثم فإن تلك المنهجية التي سلكها الفقهاء المعاصرون هي المنهجية الصحيحة

فأعتقد أن الباحث التبس عليه الأمر، وهذا الالتباس ناشئ من الالتباس الذي وقع فيه في فهمه لنصوص الفقهاء المتقدمة، والتي تقدم الجواب على عدم دلالتها على ما ذكره من الجواز، وإلا فما فائدة {وَحَرَّمَ الرِّبَا} إذا قلنا أن الأصل في المعاملات الحل، ولو كان فيها عقود ربوية مقصودة ومتأصلة فيها؟!

ومن هذا المنطلق رأى أن قولَ من يقول بالإباحة في القسم المختلط من الشركات ليس في حاجة إلى استدلال؛ لأن معهم الأصل، وإنما الذي يحتاج إلى الاستدلال من يقول بالتحريم؛ لأنه مخالف للأصل، ثم ذكر عشرة اعتراضات للمحرمين وأجاب عليها:

1 -

الاعتراض الأول: أنه تجوز المعاملة دون المشاركة؛ لأن المشاركة من الإعانة على الإثم؛ أما عموم المعاملة كالمبايعة والمؤاجرة والمهاداة فليس فيها إعانة على الإثم والعدوان.

2 -

الاعتراض الثاني: أن مُدَرَاءَ الشركة المختلطة قد ثبت أنهم ممن لا يتحرز عن المعاملات المحرمة تمويلا أو استثمارا أو نشاطا، وعليه فلا يجوز مشاركتهم طالما كانوا بهذه الصفة؛ لأن مشاركتهم ذريعة غالبة للمال المحرم.

3 -

الاعتراض الثالث: أنه حتى لو قلنا بمشروعية مشاركة غير المسلمين، فإن ذلك عائد إلى أن المعاملات المحظورة التي يمارسونها

ص: 109

هي مما يجوز لهم في شرعهم، ولذلك فلا بأس بمشاركتهم فيها؛ كما أباح لنا الشارع ذبائح أهل الكتاب بالرغم من أنه يغلب عليهم ترك التسمية الشرعية، ولذلك فلا يجوز قياس المسلم المقصر على الكتابي.

4 -

الاعتراض الرابع: أن المساهم شريكٌ، وعليه فإنه يكون موكَّلًا، وتكون إدارة الشركة وكيلًا عنه؛ لأن مبنى المشاركة على الوكالة، وبالتالي فإن الأموال المحظورة اليسيرة التي تسربت إلى الشركة تنسب شرعا وفقها إلى المساهم ويعتبر مقرا لها وراضيا بها؛ لأنها من تصرفات وكيله، حتى ولو تخلص من نسبتها.

5 -

الاعتراض الخامس: أن الشريعة لا تفرِّق في المال الحرام بين الكثير والقليل، ولا بين المستقبل والتابع؛ بل إذا اختلط الحلال بالحرام فإنه يجب اجتنابه كله، كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه» (1).

6 -

الاعتراض السادس: أنَّ النصوصَ المنقولة عن الفقهاء في التفريق بين الكثير والقليل، أو بين المستقل والتابع، إنما يعنون بها ما مضى من الأموال السابقة لا فيما يستقبل منها، أو بمعنى آخر: إنما يفرق الفقهاء بين الكثير والقليل في (المعاملات السالفة) وليس (المعاملات المستأنفة).

7 -

الاعتراض السابع: أن المال الحرام غالبٌ على قيمة السهم؛ لأن قيمة السهم تعتمد بشكل أساسي على إيراداته، وإيراداته تعتمد بشكل أساسي على التمويلات الربوية، وعليه فإن قيمة السهم مرتبطة ارتباطا تامًّا بالمال المحرم، ومنعكسة عنه وصادرة منه.

8 -

الاعتراض الثامن: أن الأرباح المحرمة شائعة في أموال

(1) رواه البخاري (6858)، ومسلم (1237).

ص: 110

الشركة، وعلى ذلك فلا يستطيع الإنسان أن يتخلص من العنصر المحرم في الإيرادات أصلا إذ لا يمكن إخراج نظيرها من كل وجه.

9 -

الاعتراض التاسع: أنه حتى لو تخلص الإنسان من النسبة اليسيرة المحرمة في آخر قائمة مالية، فإنه لا يستطيع أن يتخلص من النسبة المحرمة في القوائم المالية السابقة.

10 -

الاعتراض العاشر: أن المصلحة المفترضة في المشاركة في هذه الشركات المساهمة هي مصلحة ملغاة وغير مرعية؛ لأنه لم يشهد الشارع لجنسها بالاعتبار؛ فلم يُعهد من الشارع أن تسامح في يسير من المال الحرام رعاية لمصلحة أخرى.

وسنحاول فيما يلي تحليل ومناقشة هذه الاعتراضات العشرة فيما يلي:

مناقشة الاعتراض الأول

هذا الاعتراض الذي مضمونه التفريق بين المعاملة والمشاركة؛ بحيث يجوز مثلا معاوضة صاحب المال المختلط بثمن البيع، وأجرة المنفعة، وعمولة الوكالة، أو قبول الهدايا والهبات، دون مشاركته في مال الشركة؛ لأنه من الإعانة على الإثم والمساعدة على المعصية - في تقديري أنه اجتهاد غير دقيق؛ لعدم اطراد مناطه؛ ذلك أن مطلق المعاملة يتضمن معنى المعاونة أيضا

ويجاب: بأنه ليس هذا مناط التفريق؛ بل مناط التفريق أنه في المشاركة مالك الأسهم وكيل عن صاحبه، فكل تصرف في الشركة من عقود جائزة أو محرمة فهي منسوبة إليه؛ كما قال ابن قدامة: وهذا النص عنه قد استدللت به؛ فيلزم الاستدلال بجميع ما فيه.

قال: (فأما ما يشتريه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو

ص: 111

المضاربة، فإنه يقع فاسدا، وعليه الضمان؛ لأن عقدَ الوكيل يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير، فأشبه ما لو اشترى به ميتة أو عامل بالربا).

مناقشة الاعتراض الثاني

أما الاعتراض الثاني الذي مضمونه أن مُدَرَاءَ الشركة لا يتحرزون عن المعاملات المحرمة - وعليه فإنه لا يجوز مشاركتهم - فهو اعتراض غير دقيق؛ ذلك أنه من المستقر في نصوص الشريعة أن اليهود من أكثر الناس استحلالا للربا وأكل المال بغير طرقه الشرعية كالقمار والخمور والرشوة والغش والاحتيال وغيرها، وقد عاملهم النبي صلى الله عليه وسلم وشاركهم في خيبر

فهذا دليل على جواز المشاركة، وقد تقدم الجواب عن هذه المشاركة وأنه لا دلالة فيها من ثلاثة وجوه (1).

مناقشة الاعتراض الثالث

أما الاعتراض الثالث الذي مضمونه أنه إنما جازت مشاركة اليهودي لأنه يستحل هذه الأموال المحرمة ويتأول جوازها، فالشريك اليهودي يرى أن أموال الربا والقمار ونحوها أموال مباحة، وهذا بخلاف الشريك المسلم المنتهك لهذه الأموال؛ لأنه يعتبرها حراما، وعليه فلا يجوز قياس الشريك المسلم المرابي المحرم عليه الربا على الشريك اليهودي المرابي الذي يستبيح الربا؛ ففي تقديري أن هذا اعتراض فاسد من وجوه ثلاثة:

الوجه الأول: أن الربا لم يبح لليهود أصلا؛ بل هم منهيون عنه، كما قال تعالى في سورة النساء:{وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} .

(1) انظر ص27.

ص: 112

ويجاب بأنه لم يذكر من قال بهذا الاعتراض، وأظنه اعتراضا افتراضيا؛ فإنه لا يقول به أحد، بل هو مبني على ما فهمه من صحة مشاركة اليهودي المرابي، وهو فهم غير دقيق ـ كما تقدم؛ فإنه ليس في تلك النصوص جواز مشاركة من يرابي بأموال الشركة ـ يهوديا أو غير يهودي - بل فيها الدلالة على فساد تلك العقود؟!

قال ابن القيم (1): "وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم جاز لهم شركتهم في ثمنه، وثمنه حلال؛ لاعتقادهم حله، وما باعوه واشتروه بمال الشركة؛ فالعقد فيه فاسد؛ فإن الشريك وكيل والعقد يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير".

فهل العقود الربوية التي تجريها هذه الشركات المختلطة عقود فاسدة وملغاة أم أنها صحيحة عنده ومعتبرة، مع ملاحظة أن النصوص المنقولة عن الفقهاء فيما إذا كانت الشركة قائمة وطرأت عليها مثل هذه المعاملات المحرمة، وليست في الدخول في شركات يعلم أنها تمارس عقودا محرمة - مجمع على تحريمها؛ فإنه لم يرد عن الفقهاء نص بجواز الدخول فيها؟

ثم قال: الوجه الثاني: أنه إن كان قد جاز التسامح مع الشريك الكتابي لأنه يتأول في دينه جواز فوائد الربا وإيرادات الخمور وصفقات القمار وأثمان الخنازير، فإنه من باب أولى أن يجوز التسامح مع المسلمين المتأولين للأموال المحظورة، مثل بعض مؤسسات المسلمين الربوية؛ لأن كثيرا من روَّادها يتأول جواز الفوائد البنكية أصلا باعتبار التفريق بين الربا الإنتاجي والربا الاستهلاكي، وأن ربا القرآن القطعي هو ربا الديون لا ربا القروض.

ويجاب بأن هذا قول ضعيف مخالف لإجماع المتقدمين

(1) انظر: أحكام أهل الذمة 1/ 560، وانظر كلامه ص53 حيث حرم كل عقد فيه الربا، وكلام الغزالي ص41.

ص: 113

والمعاصرين، ونصوص تحريم الربا القطعية الدلالة والثبوت؛ فكيف يقال بالتسامح مع المتأولين للأموال المحظورة بناء على قول ساقط مخالف لإجماع المجامع الفقهية؟! وهل التأويل يرد النص الصريح المجمع على مدلوله؟ وهل كل من يُجري هذه العقود يتأول جوازها كما ذكرت؟!

ثم يقول:

الوجه الثالث: أن النظر والاعتبار في مآلات هذا القول يكشف ما يرد عليه من اللوازم الفاسدة، وما يترتب عليه من النتائج الوخيمة؛ ذلك أنه لو كان يجوز المشاركة مع الشريك الكتابي حتى ولو تعامل بالأموال المحرمة لأنه يستبيحها ويتأولها، بينما لا يجوز المشاركة مع الشريك المسلم المتعامل بيسير الأموال المحرمة لأنها محرمة عليه - لآل الأمر إلى أنه لا يجوز المساهمة إلا في الشركات الأجنبية التي يملكها غير المسلمين، أما شركات المسلمين فلا يجوز المساهمة فيها!

يجاب عليه بما أجيب به على الوجه الأول من أنه مبني على فهمه الخاطئ بجواز تلك المشاركة

مناقشة الاعتراض الرابع

أما الاعتراض الرابع الذي مضمونه أن المساهم شريك، وبالتالي فإن العلاقة بين (المساهم) و (مجلس الإدارة) هي (علاقة نيابية)؛ لأن مبنى الشركة على الوكالة والنيابة كما نص الفقهاء، وعليه فإن القروض والاستثمارات الربوية التي يتخذها مجلس الإدارة تنسب شرعا للمساهم؛ لأنها تصرفات وكيله ونائبه:

فالحقيقة أن هذا الاعتراض مبنيٌّ على ركيزتين أو مبدأين فقهيين بحيث لا يمكن استخلاص الجواب عنه إلا من خلال تحليلها بشكل منفرد.

وذكر مرتبتين: مرتبة أطلق عليها (النيابة المحضة) وهي التي تسري فيها التصرفات إلى المنوب عنه الموكل.

ص: 114

والثانية: المشوبة أو القاصرة، وهي التي قام بها مانع يمنع من ترتب آثار النيابة الأصلية عليها، ونتيجة لهذا المانع فإن المنوب عنه قد يعفى من سراية تبعة التصرفات .. ومثَّل لذلك بالوصي على اليتيم وناظر الوقف؛ حيث لا تسري كل تصرفاتهم على اليتيم أو الواقف، واستدل ببعض نصوص للفقهاء.

ويلاحظ أن جميع النصوص التي استشهد بها ليس فيها ذكر للشريك ودخوله في هذا القسم لا من قريب ولا من بعيد؛ فكيف يستدل بهذه النصوص العامة ويترك نصوصهم الخاصة في هذا الموضوع التي تدل على أن الشريك وكيل عن شريكه في تصرفاته، كما ذكر ابن قدامة الذي استدل بنصه، وكذلك ابن القيم.

ثم يقول: (ولو انتقلنا إلى الشق الثاني أو المبدأ الثاني الذي يتكون منه هذا الاعتراض وهو أن المساهم شريك تام، فالحقيقة أن تحليل طبيعة علاقة المساهم بمجلس الإدارة في الشركات المساهمة الحديثة يكشف أن هناك تبدلات جوهرية في طبيعة الشريك في هذه الشركات المساهمة وتحولات مضمونية في مفهوم المشاركة - حَوَّلَت المساهم من كونه شريكا مطلقا مكافئا في شركة حرة ومحدودة إلى كونه مجرد مشترك في مؤسسة تجارية عامة، أو مجرد عضو في منظمة ذات شخصية اعتبارية خاصة وذمة مالية منفردة، ونظام مسبق، وإدارة مستقلة خارجة عن هيمنة الإرادة الفردية للمساهم.

وقد أكد فقهاء القانون المدني بشكل عام، وفقهاء القانون التجاري بشكل خاص، على هذه الطبيعة الجديدة للشركة المساهمة، والتي حولت الشركة من (عقد) يتفق عليه جميع الأطراف، ويحقق به العاقدون صفتهم كشركاء إلى (نظام قانوني) يسري على كل من يرغب الانضمام، ولا يمتلك المساهم العادي أية سلطة في تغيير سياساته أو صياغة قراراته الاستثمارية، وإنما ليس له إلا الإفصاح عن الرغبة في الانخراط في هذه المنظومة وتحمل آثارها التبعية أو الخروج منها بلا غنم ولا غرم فقط.

ص: 115

الجواب عليه:

هو هل طبيعة الشركة وتغير شكلها القانوني وتغير العلاقة بين أعضائها، هل يغير في الأحكام الشرعية فيحل الحرام بحيث يجوز له الإقدام على المحرم بدخوله باختياره في منظومة شركة تمارس أعظم الأعمال حرمة بماله وهو الربا، وهو يعلم عدم قدرته على المنع من التصرفات المحرمة.

ثم هناك إيرادات واستفسارات على القول بتغيير الطبيعة القانونية للشركة على النحو التالي: أنه لابد من تحديد علاقة المساهم بالشركة؛ فهو شريك فيها قطعا، وإذا كان شريكا فما هي علاقتها هي هل هي علاقة منقطة؟

هل المديرون يتصرفون بإداراتهم فقط، إذ لا يصح أن يطلق عليه شريك؟

لو تصرفوا تصرفا فيه تعد أو تفريط، أليس من حق المساهمين محاسبتهم؟

إذًا فالمساهمون مفوضون لهم بإدارة الشركة من غير تعد ولا تفريط، وهذه هي حقيقة الوكالة، ولا نزاع بين الفقهاء فيها، فلماذا يحاول تطويع الأحكام بما يتلاءم مع النظريات الاقتصادية الأخرى؟! أليس الأجدر إلزام الشركات بقواعد الشرعية وأصولها؟!

ثم يقول: فإذا كنا لا نستطيع أن نقول للمساهم: التزم بالدخول مع إدارة سالمة من المآخذ الشرعية من جميع الوجوه. تعيَّن القول بجواز المساهمة في الشركات المختلطة إذا كان المخالِطُ مغمورا.

فطالما أن المساهم لا يمتلك سلطة إدارة الشركة، وليست له الحقوق التقليدية المعروفة للشريك في الفقه الإسلامي، فعليه فإنه لا يجوز إسقاط كامل الالتزامات والمسؤوليات التقليدية للشريك عليه؛ لأن

ص: 116

الالتزامات فرع عن الحقوق، والمسؤولية تبع للسلطة؛ وبالتالي فهو غير مسؤول عن أصل الانحرافات الجزئية التي تتخذها إدارة الشركة بغير رضاه؛ لأنه مسلوب الحق في إدارتها، وإنما يكون مسؤولا عن أمرين: لو غلبت الانحرافات على إدارة الشركة وبقي فيها، ولو علم بالانحرافات الجزئية ولم يتخلص من آثارها.

والجواب عليه كالآتي:

1 -

أنه لا يلزم من عدم القدرة على الدخول مع إدارة سالمة من المآخذ الشرعية أن يتعين القول بجواز المساهمة في الشركات المختلطة إذا كان المخالط مغمورا؛ للآتي:

أ- لعدم الدليل على هذا التلازم؛ بل الدليل بخلافه وهو حرمة الإقدام على الربا مطلقا ـ قليلا كان أو كثيرا ـ كما دلت على ذلك النصوص المتقدمة من الكتابين ..

ب- أن الاستثمار للأموال ليس مقصورا في أسهم هذه الشركات فقط؛ بل مجالات الاستثمار أكثر وأوسع من أن تحصر، وهذا أمر مسلم وواقع مشاهد.

ج- أن التحديد بالجواز ـ إذا كان المخالط مغمورا - يتناقض مع ما ذكرته في ص25 من أن "الشركات المساهمة ستبقى على هذه السياسة المالية في الفترة القادمة؛ بل المعلوم بالظن في الغالب عكس ذلك؛ وهو أنه لو ارتفع سعر الفائدة لعادت وأودعت بالفائدة الربوية

وهذا يعني أنها قد تودع الكثير.

2 -

وأما القول بأن المساهم طالما أنه لا يمتلك سلطة إدارة الشركة فإنه لا يجوز إسقاط كامل الالتزامات والمسؤوليات التقليدية عليه ....

فالجواب: بأنه لا تلازم بينهما، ولا يلزم من عدم الإسقاط جواز الدخول؛ لأن الدخول حصل برضاه واختياره، ويترتب عليه إقدام على

ص: 117

الدخول في الربا المحرم، حتى ولو زعم أن ما يحصل بغير اختياره؛ لأن أصل الدخول فيها إنما كان باختياره هو ولم يلزمه أحد، وكان بإمكانه البحث عن استثمار آخر لا يخالطه المحرم.

3 -

وأما القول بأنه يكون مسؤولا لو غلبت الانحرافات على إدارة الشركة وبقي فيها ....

فالجواب: بأن هذا يتناقض مع المبدأ الذي قررته (ص64 - 66) وهو ما ذكره علماء القانون من طبيعة هذه الشركة وأنها أقرب إلى (نظام قانوني) يسري على كل من يرغب الانضمام، ولا يمتلك المساهم العادي أي سلطة في تغيير سياساته أو صياغة قراراته الاستثمارية ....

فإن هذا المبدأ الذي قررته ورضيته لا فرق فيه ولا يفرق بين الانحرافات الكثيرة أو القليلة؛ فإذا كنت قيَّدته بالقليل والمغمور بناء على قاعدة اليسير والتابع، وهي القاعدة التي سبق الجواب عليها ـ فلماذا تلزم غيرك من المانعين من هذه المساهمات بمضمونه وطبيعته القانونية التي تلغي دور الشريك وتسلبه حقوقه؟!

أليست هذه انتقائية لما تريده ـ دون غيرك ـ من هذه الطبيعة القانونية، فإما أن تعمل بمنظومة هذه الطبيعة القانونية مطلقا من غير تقييد ولا تفريق بين قليل وكثير، أو تترك لغيرك نقد هذه الطبيعة وعدم الأخذ بها مع أنك أجزت تقييدها؟!

وقد تقول: إن الكثير محرم. فيقول لك: إن الإقدام على الدخول مع العلم بوجود الربا محرم أيضا.

ثم قال: وخلاصة الجواب على هذا الاعتراض ـ والله أعلم ـ أن تقول:

أن الأصل في النيابة أن تسري تبعة التصرفات إلى المنوب عنه، إلا إذا شاب النيابة مانع ترتب عليه تخلف آثار النيابة التقليدية،

ص: 118

والمتحصل في طبيعة المساهم قيام المانع؛ وهو أن الأنظمة السارية التي سَنَّها ولي الأمر مَنَحَتْ مجلسَ الإدارة صلاحيات التصرفات وسلبت المساهم بصورته الفردية منها.

والجواب:

هل ولي الأمر يملك أن يسن حراما؟! وإذا سن حراما تجوز موافقته؟! إن ولي الأمر لم يسن نظاما يجيز ممارسة الحرام من القرض والإقراض الربوي، وقد قال صلى الله عليه وسلم:«المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أَحَلَّ حراما أو حَرَّمَ حلالا» (1).

وهل هذه التشريعات تجيز الولوغ في الربا المجمع على تحريم تعاطيه بأي وجه؟!

وهل يقال: إن القول بالجواز مراعاة لمقاصد الشريعة، مع أن الشارع شَدَّدَ في الربا تشديدا عظيما كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (2)؟!

مناقشة الاعتراض الخامس

أما الاعتراض الخامس الذي مضمونه أن الشريعة لا تفرق بين الكثير والقليل أو بين المستقل والتابع في الأموال المحرمة، ففي تقديري أن هذا التصور غير دقيق؛ بل الصواب ـ والله أعلم ـ أن قاعدة الشريعة المستقرة في الأموال والأعيان المختلطة هي إلحاق الحكم بالغالب المقصود بالأصالة، فإذا كان الحلال هو الغالب المقصود بالأصالة والمحظور مجرد تابع يسير جازت المعاملة، وإذا كان الحرام هو الغالب

(1) أخرجه أبو داود في كتاب الأقضية باب في الصلح رقم 3594، 3/ 304، والترمذي في كتاب الأحكام باب ما ذكر في الصلح بين الناس، وقال حسن صحيح رقم 1352، 3/ 634 وقال الألباني: صحيح.

(2)

انظر ص34 - 36.

ص: 119

المقصود بالأصالة والحلال مجرد تابع يسير حرمت المعاملة، وهذا هو الذي قرره جمهور الفقهاء وعامة المحققين.

وقد سبق الجواب عليه عند مناقشة قاعدة (اختلاط جزء محرم بالكثير المباح)(1)، وقاعدة (يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا)(2).

وقد استدل بالحديث المشهور الذي رواه أهل السنن من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال صلى الله عليه وسلم:«إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» (3)، فلم يقل صلى الله عليه وسلم: اجتنبوه كله لاختلاطه بالمحرم. بل أباحه إذا كانت الغلبة للطاهر.

والجواب عنه بأنه لا أثر للمحرم هنا؛ لكن لو وجد أثر النجاسة فإنه يحرم بالإجماع؛ بخلاف المعاملات الربوية المحرمة في هذه الشركات؛ فإن أثرها واضحٌ وهي مقصودة للشركة وليست تابعة

مناقشة الاعتراض السادس

أما الاعتراض السادس الذي مضمونه أن تفريق الفقهاء بين الكثير والقليل إنما يراد به المعاملات السالفة لا المعاملات المستأنفة، باعتبار أنه من غير المظنون ولا من اللائق أن يقر الفقهاء بوقوع العقود الفاسدة في المستقبل كالربا والقمار، ففي تقديري أن هذا الاعتراض الذي ارتكز عليه بعض الباحثين المعاصرين ناشئ عن فرضية فكرية أكثر من كونه تحليلا فقهيا.

(1) انظر ص36 وما بعدها.

(2)

انظر ص28 وما بعدها.

(3)

رواه أحمد (5218)، وأبو داود (61)، والترمذي (67)، والنسائي (52)، وابن ماجه (517)، بلفظ:«إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء» ، وابن خزيمة (92)، وابن حبان (117)، والحاكم (132)، والدارقطني 1/ 31. انظر: تهذيب السنن 1/ 56، والتلخيص الحبير 1/ 25، صححه الألباني في الإرواء 1/ 60.

ص: 120

فهذا الاعتراضُ محضُ استبعاد ذهنيٍّ وَلَّدَه قصورٌ في مطالعة واستقصاء وتحليل معالجات الفقهاء لإشكالية المشاركة مع أصحاب الأموال والتصرفات المختلطة، وهم الذين لا يتحرزون عن العقود الفاسدة شرعا؛ ذلك أن نصوص الفقهاء التي أشرنا إليها في الفقرات السابقة أظهرت أن الفقهاء يفرقون أساسا بين شركة أصل نشاطها محرم، وبين شركات أصل نشاطهم مباح؛ إلا أن إدارة الشريك المقصِّر يشوبها باليقين أو الظن الغالب بعض المخالفات الشرعية اليسيرة الخارجة عن إرادة الشريك المحافظ

وقد استدل بكلام ابن قدامة وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم فثمنه حلال لاعتقادهم حله .....

فأما ما يشتريه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو المضاربة فإنه يقع فاسدا، وعليه الضمان؛ لأن عقد الوكيل يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير، فأشبه ما لو اشترى به ميتة أو عامل بالربا ....

ويجاب عنه من وجوه:

الأول: أنا لا نرى سلامة هذا الاعتراض وصحته؛ فإنه لا فرق بين المعاملات السالفة والمعاملات المستأنفة؛ فالمحرم يجب الخروج منه ويحرم الدخول فيه؛ بدلالة: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} ، وبدلالة:{لَا تَاكُلُوا الرِّبَا} ، و «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله» .

الثاني: أنه لا يقال إن تلك الشركات باطلة في جملتها، وإنما يقال: يجب أن يخرج من تلك الشركات، وأما ما ذكرته سابقا فإنه من أبعد ما يكون عن كلام ابن قدامة الذي يجعل الشريك وكيلا، ويجعل تلك العقود فاسدة.

ثم يقال: هل العقود المحرَّمة التي تجريها الشركات المساهمة باطلة عندهم أو يستطيع إبطالها أو تخليصها من الحرام؟ فكيف يبقى فيها؟

ص: 121

وهل في كلام ابن قدامة وغيره أنه يبقى فيها مع علمه وعجزه عن التغيير وهو لا يثبت ملكه عليه كما قال ابن قدامة؟! وهل الأصل في المسلم إجراء العقود الفاسدة والمضي فيها؟ وهل تأخذ بكل كلام ابن قدامة أو ابن القيم الذي فيه أن الشريك وكيل والعقد يقع للموكل؟!

الثالث: كل النصوص التي نقلت إنما هي في الخمر والخنزير الذي يعتقد صحته، وليس فيما يعتقد تحريمه، وانظر كلام الكاساني وابن عابدين (1) من فقهاء الحنفية فيمن يجري عقودا باطلة؛ ففي هذه النقول إثبات لخطئك في فهم مذاهب العلماء أدى ذلك إلى تلبيس وتحميل لأقوالهم ما لا تحتملها، وهذا خلط عجيب.

مناقشة الاعتراض السابع

أما الاعتراض السابع الذي مضمونه أن المال الحرام غالب على قيمة السهم لأن قيمة السهم انعكاس لإيراداته، وإيراداته تعتمد بشكل أساسي على التمويلات الربوية؛ ففي تقديري أن هذا الاعتراض نابع من عدم تصور طبيعة العوائد التي تخلقها الأسهم؛ سواء من حيث مصدرها أو من حيث العوامل المؤثرة على ارتفاع قيمتها

ويجاب: ما ذكره الباحث صحيح؛ فإن العوائد على الأسهم نتيجة عوامل كثيرة وليس فقط العامل الربوي، ولكن نقول: متى وجد الحرام لم تصح المعاملة؛ سواء غلب أو لم يغلب للعمومات كما تقدم.

مناقشة الاعتراض الثامن

أما الاعتراض الثامن الذي مضمونه أن الأرباح المحرمة شائعة في أموال الشركة، وعلى ذلك فلا يستطيع الإنسان أن يتخلص من العنصر

(1) انظر ص58.

ص: 122

المحرم في الإيرادات أصلا إذ لا يمكن إخراج نظيرها من كل وجه - فالصواب ـ والله أعلم ـ أن هذا الاعتراض اعتراض ضعيف مخالف لقاعدة الشريعة المستقرة في الأموال والأعيان المختلطة؛ فإن الشارع إذا اجتمع الحلال والحرام لم يحكم بتحريم الجميع؛ بل يأمر بإخراج قدر المال المحرم بما يغلب الظن إخراجه به.

ولذلك فإن كثيرا من المحققين ذهبوا إلى أنه إذا اختلط معقود عليه مشروع بمعقود عليه فاسد في عقد واحد لم يمنع الجميع باعتبار أن العقد شائع فيهما؛ بل ذهبوا إلى القول بتفريق الصفقة، كما روى الشيخان (1) أن البراء بن عازب اشترى هو وشريكه شيئا يدا بيد ونسيئة، قال: وسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «ما كان يدا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه» .

فأرشدهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى تفريق الصفقة بإمضاء المال الصحيح وترك المال الفاسد، ولم يحكم بشيوع الصفقة في المعقود عليه جميعه، ويقول الفقيه ابن القيم تعليقا على هذا الحديث:(وهو صريح في تفريق الصفقة ....).

ويجاب: بأن هذا الاعتراض غير صحيح كما ذكر الأخ الباحث، والاعتراض إنما هو في بيان معنى الشيوع وتأثيره؛ فمعنى الشيوع:

أن الاستثمار المحرم مؤثر فيهما معا لاختلاطهما على وجه لا يمكن التمييز فيه؛ فأثر الحرام في مال الشريك ظاهر يؤكده أن الفوائد على القروض التي على الشركة تدفع من مجموع هذه الأموال، ولو خسرت الشركة خسارة فادحة لسددت الفوائد الربوية والقروض الربوية من أموال المساهمين، وهذا بيِّنٌ وظاهر، وهذا معنى تأثر شيوع المالين.

(1) أخرجه البخاري في كتاب البيوع باب التجارة في البر رقم 1955، 2/ 276، ومسلم في صحيحه في كتاب المساقاة باب النهي عن بيع الورق بالذهب دينا رقم 1589، 3/ 1212.

ص: 123

ولا نعني أن الشيوع يمنع من إخراج الفوائد المحرمة؛ لأنه لا يمكن إخراج نظيرها من كل وجه كما ذكرت عن البعض

فإن نصوص العلماء في التمييز بين قَدْرِ المحرمِ وقدر الحلال ظاهرة، وإنما الكلام في التأثير كما تقدم.

مناقشة الاعتراض التاسع

وأما الاعتراض التاسع الذي مضمونه أنه حتى لو تخلص الإنسان من النسبة اليسيرة المحرمة في آخر قائمة مالية فإنه لا يستطيع أن يتخلص من النسبة المحرمة في القوائم المالية السابقة، فالواقع أن هذا الاعتراض يتضمن إجمالا سنحاول تفصيله في العنصرين التاليين:

1 -

الإيرادات المختلطة قبل المساهمة: بمعنى الإيرادات التي تخلقها الحصة قبل شراء المساهم لها، ويكون فيها نسبة يسيرة من أموال غير مشروعة؛ فهذه الإيرادات في الحقيقة لم يستلمها المساهم الجديد أصلا، وعليه فليس عليه التخلص من شيء لم يستلمه.

2 -

الحصة المختلطة قبل المساهمة: بمعنى النسبة اليسيرة التي كوَّنَتْها الشركة في موجوداتها بتعاملات غير شرعية؛ فهذه النسبة هي في الحقيقة تعود إلى قاعدة (المحرم لكسبه)؛ فإذا اشترى المساهم الجديد هذه الحصة المختلطة الشائعة في مكونات الشركة بعقد شرعي صحيح فإنها تصبح بالنسبة له أموالا مباحة، وقد سبق إيراد الأدلة الشرعية على تصرفات الشارع حيال المحرم لكسبه؛ فهذا الاعتراض أدخل بباب المعاملة منه بباب المشاركة؛ لأنه يتحدث عن شراء حصة مختلطة سابقة، وليس المشاركة في أرباح مستقبلية مختلطة.

وبالجملة فإن المساهم لا يسأل إلا عن الموجودات والإيرادات التي تكونت بعد دخوله في المساهمة؛ أما ما كان قبل مساهمته فإما أن

ص: 124

يكون إيرادا لم يتسلمه فلا حكم له، أو حصة شائعة في مكونات الشركة انتقلت إليه بعقد شرعي صحيح.

ويجاب: هذا كله صحيح، وليس هذا الاعتراض ـ فيما يظهر؛ إنما الاعتراض أنه يدخل؛ سواء قلنا أنه مشترك أو مشارك؛ وهي مدينة بقروض ربوية تسدد من مجموع الأموال، أو دائنة بقروض ربوية تأخذ عليها فوائد وهو يعلم ثم يدخل.

مناقشة الاعتراض العاشر

أما الاعتراض العاشر الذي مضمونه أن مصلحة مشاركة المسلمين في الشركات المساهمة مع وجود أموال محرمة تبعية هي مصلحة ملغاة وغير مرعية لأنه لم يشهد الشارع لجنسها بالاعتبار - فلم يعهد من الشارع أن تسامح في يسير المال الحرام رعاية لمصلحة أخرى؛ فالصواب ـ والله أعلم ـ أن هذا الاعتراض اعتراض ضعيف؛ فاستيعاب تصرفات الشارع يؤكد دون شكٍّ أن الشارع ليس معنيًّا فقط بتقرير المصلحة والمفسدة؛ ولكنه معنيٌّ بشكل أساسيٍّ بالموازنة بين أعظم المصلحتين وأدنى المفسدتين.

ويجاب: أن ما ذكرته لا يصح أن يكون مناقشة لهذا الاعتراض؛ لأن المعترض يقول: أثبت أن مصلحة المشاركة آكد من المفاسد العظيمة المتيقنة في المعاملات الربوية، فهل الأعظم مراعاة التسامح بارتكاب المحرم "الربا" المجمع على تحريمه من أجل كسب في شركة يمكنه الاستثمار في غيرها، وقد لا يربح في هذه الشركة التي دخل فيها؟!

وماذا لو تواطأ المسلمون أو أكثرهم على مقاطعتها ـ استثمارا أو مضاربة ـ حتى تترك المعاملات المحرمة؟! أليس هذا أجدى من محاولة الاجتهاد في تحليل محرم قطعي آذن الله بالحرب على فاعله المصر على فعله .... ؟!

ص: 125

ثم مثل لتسامح الشارع بيسير الربا بالآتي:

1 -

في العرايا ـ مع أن العرايا من باب التفكه وليست حاجة أو ضرورة، وإنما هو مقصد كمالي. واستدل ببعض نصوص الفقهاء على أنه مقصد كمالي

ثم قال: "وهذا بمجموعه كله يدل على عمق مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم لمصالح المسلمين العامة إذا عارضتها موانع شرعية يسيرة غير راجحة ....

ويجاب عنه من وجهين:

1 -

عدم التسليم بأن هذا من باب التفكه فقط؛ بل الحاجة فيه ظاهرة؛ أن يأكل مثل ما يأكل الناس ويقتاتون؛ فإن مخالفة ما عليه أكثر الناس فيه حرج على النفس ومشقة؛ وهذا هو ضابط الحاجة.

2 -

أن النبي صلى الله عليه وسلم راعى قواعد الربا، فاشترط المساواة بالخرص.

قال شيخ الإسلام: (ولم يجوِّز المفاضلة المتيقنة؛ بل سَوَّغَ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه الحاجة)(1)، فشيخ الإسلام يؤكد الحاجة.

وهذا يدل على أن دعوى التفكه محل نظر، ويؤكد مراعاة قواعد الربا، بقوله:"سوغ المساواة بالخرص"، يؤكد ذلك قول راوي الحديث زيد بن ثابت:«ولم يرخص في غير ذلك» (2)؛ مما يدل على أنه حكم خاص لا يصلح الإلحاق به أو القياس عليه، ومن ثم فليس لشيخ الإسلام أي قول في تصحيح معاملة ربوية أو تبرير التعامل بها أو الاجتهاد في تصحيحها؛ بل يشدد في كل ما يتصل بالربا أعظم تشديد في ذلك كما تقدم (3) تبعا لتشديد القرآن والسنة.

ويفرق بينه وبين الغرر فيراعي فيه المصلحة والمفسدة (4).

ثم استدل بحديث ابن عمر: «من ابتاع عبدا وله مال فماله للذي

(1) مجموع الفتاوى 29/ 26.

(2)

سبق تخريجه ص34.

(3)

انظر ص34 - 36.

(4)

انظر: الفتاوى 29/ 25 - 27.

ص: 126

باعه إلا أن يشترطه المبتاع». ومع أن ذلك يؤول إلى أن يكون النقدان متفاضلين فتسامح في هذه القاعدة الربوية؛ لأنه المال ليس مقصودا للمشتري وإنما هو تبعي

وقد تقدم الكلام عليه عند مناقشة قاعدة (يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا)(1)، وبيَّنا أن بينهما فرقًا ظاهرًا؛ لأنه ما تجريه الشركات من عقود ربوية ليس تبعا؛ بل هو مقصود لها وتنظر إلى نتائجه في ميزانيتها؛ فكيف يقاس المقصود المراعى في العقد على ما ليس بمقصود؟

ثم ذكر أن الشارع أجاز للمشتري إذا اشترى نخلا وفيها تمر ولم يبد صلاحه أن يشترط المشتري ثمرتها حتى ولو لم يبد صلاحها بعد؛ لأن الثمرة ليست مقصودة؛ بل هي تابعة للنخل، فأجاز ذلك مع ما فيه من غرر وجود الثمرة وعدم وجودها

واستشهد على ذلك بكلام شيخ الإسلام الذي ذكر فيه: "أن الشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع غرر".

وهذا النقل عجيب؛ لأن شيخ الإسلام فَرَّقَ بين الربا والغرر، فذكر تشديد الشارع في الربا وسَدِّ كل الطرق الموصلة إليه ثم ذكر الغرر .... فلماذا يبتر كلام شيخ الإسلام الصريح في التحريم ويذكر الغرر الذي يتسامح بيسيره ثم يقاس عليه يسير الربا؟! فهذا شيء غريب؛ فالأولى نقل النص بتمامه حتى يعرف موقف شيخ الإسلام من الربا والمعاملات الربوية، وكيف بَيَّنَ رحمه الله مراعاة الشارع لقواعد الربا في العرايا حين شرع المساواة بالخرص، لا أن ينقل كلاما موهما؟!

ثم قال: ورد في كتاب الله الإشارة إلى أنه تغلب في عقود المشاركات أسباب العناصر المحرمة، كما ورد في سورة ص:{وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [ص: 24]، والخلطاء هم الشركاء، ومع

(1) ص29 وما بعدها.

ص: 127

ذلك فإن الشارع لم يمنع عقد المشاركة من أصله؛ بل أباحه لما في تشريع عقود المشاركات من مصالح شرعية، واغتفر هذه المفسدة التبعية رعاية للمصلحة الراجحة.

الجواب عنه:

هذا استدلال غريب؛ فإن الآية سيقت لبيان الحال على سبيل الذم مع إمكان التصحيح برفع الظلم فقط.

وكذلك تلك الشركات يمكن تصحيحها برفع ما فيها من ظلم بتصحيح ما فيها من عقود ربوية وإبدالها بمرابحات وعقود أخرى شرعية.

ثم قال: إن الشارع أشار إلى أن الأسواق التجارية عموما هي من مظانِّ تسرب الأموال المحظورة، وأنها لا تسلم غالبا من عناصر وممارسات محرمة، كما في الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن عن قيس بن أبي غرزة قال: قال صلى الله عليه وسلم: «إن هذه السوق يخالطها اللغو والكذب فشوبوها بالصدقة» ، وفي رواية:«يا معشر التجار إنه يشهد بيعكم الحلف والكذب فشوبوه بالصدقة» ، ومع ذلك فإن الشارع لم يأمر بإقفال هذه الأسواق؛ بل شرع المشاركة فيها واغتفر ما فيها من العقود الفاسدة اليسيرة التبعية رعاية للمصلحة الراجحة، وأمر التاجر بكفارة ما لا يمكن التحرز منه عبر التخلص والتصدق بجزء من الأرباح.

والجواب عنه:

هذا غريب أيضا؛ فهل قال الرسول صلى الله عليه وسلم أن أسواقكم يخالطها الربا

بل قال: اللغو والكذب ونحوه مما لا يمكن ولا يصح أن يقاس عليه؛ هذه الكبيرة العظيمة التي آذن الله عليها بالحرب، وبيَّن أن آكله لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، وبيَّن رسوله أنه من السبع الموبقات، وأن أكل ربا موضوع قليلا أو كثيرا، وأن عقده مفسوخ مردود.

ثم قال: وبعض الناس يجد في نفسه من هذه الأصول الشرعية شيئا، ولا تطاوعه نفسه على الالتزام بموجبها في تفريع الأحكام، وهذه

ص: 128

الغضاضة ليست من الدين في شيء؛ بل هذا التلكؤ على التحقيق قصور خفي في التسليم لكامل تصرفات الشارع؛ فإن الذي نهانا عن أصول العقود الفاسدة هو الذي شرع لنا التسامح في يسيرها مراعاة للمصلحة الراجحة؛ كمصالح المسلمين العامة التي تمس شريان اقتصادهم، ولا يجوز للفقيه أن يتحكم في نصوص الوحي ما يؤخذ منها وما يهجر، كما لا يجوز له أن يفتي بوجوب التورع عن معاملات فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن ذلك يتضمن معنى الاستعلاء على هديه صلى الله عليه وسلم وازدراء سيرته الشريفة؛ بل الواجب على الفقيه المؤمن أن يسلم بكامل أحكام وتصرفات الشارع حظرا وإباحة؛ فإن تبعيض الأحكام الشرعية من شيم أحبار اليهود التي نهى الله فقهاء المسلمين عن سلوكها، كما قال تعالى عنهم في سورة البقرة: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ

} الآية [85].

والجواب عنه:

بأن ما ذكرته من أصول شرعية ليس فيها جميعا ما يدل على التسامح بالربا مطلقا، بل وتحميل لها بما لا تحتمله، وإسقاط للتهم على المتمسك بالأصول الجارية على مقتضى القواعد الموافق لهديه صلى الله عليه وسلم وليس المستعلي عليه.

وقد يكون لا أقول الاستعلاء؛ بل ربما محاولة تطويع النصوص لما لا تحتمله مجاراة للواقع.

ومن ثم فعدم مطاوعة النفس ووجد الغضاضة التي ذكرتها هي أبعد ما يكون عمن سبر النصوص كلها ومشى على وفقها وحمل كلام الأئمة بعضه على بعض، ونقله كله واستدل به وَبَيَّنَ عدم تناقضه؛ خلافا لمن ينقل ما يرى أنه يوافقه، ويترك البعض الآخر، كما في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد يكون ذلك لعدم اطلاعه عليه؛ فإن هذا هو الظن بالمسلم.

* * * * *

ص: 129