المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(جـ) دلائل الإعجازقبل عبد القاهر الجرجاني - دلائل الإعجاز بين أبي سعيد السيرافي والجرجاني

[حسن إسماعيل عبد الرازق]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة]

- ‌دليل الكتاب

- ‌التمهيد

- ‌(أ) أبو سعيد السيرافي ومتى بن يونس

- ‌أما أبو سعيد السيرافي:فهو: أبوسعيد، الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي النحوي

- ‌ومن تلاميذه:

- ‌ومن مؤلفات أبى سعيد السيرافي:

- ‌وأما متى بن يونس:فهو: أبو بشر متى بن يونس، أو يونان القنائى، نسبة إلى ديرقنا

- ‌ومن أساتذته:

- ‌(ب) عبد الجبار: وعبد القاهر

- ‌أما عبد الجبار، فهو أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار ابن أحمد بن الخليل بن عبد الله الهمذانى الأسد أبادى

- ‌وكان سبب توليه القضاء:

- ‌ومن تلاميذه:

- ‌ومن آثاره:

- ‌وأما عبد القاهر:

- ‌وأما لماذا أسقط الثعالبي ذكر أبيه (عبد الرحمن)

- ‌ومن آثار عبد القاهر

- ‌(جـ) دلائل الإعجازقبل عبد القاهر الجرجاني

- ‌وقد بين -في هذا الكتاب- أن الأشاعرة -وغيرهم- ذكروا من وجوه الإعجاز ثلاثة هي:

- ‌ الذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه:

- ‌ثم جعل المعاني على ضربين:

- ‌أما المعتزلة: - وهم الذين كانوا يرجعون دلائل الإعجاز، إلى جزالته للفظ وحسن المعنى

- ‌القسم الأول:منابع الدلائل في مناظرة أبي سعيد

- ‌1 - الفارق الزمني بين "الأسرار" و "البلاغة

- ‌أولاً: الملابسات التي أحاطت بتأليف الكتابين:

- ‌ثانياً: التاريخ الحقيقي لتأليف كل من الكتابين:

- ‌2 - الدافع إلى تصنيف الدلائل

- ‌3 - مناظرة أبي سعيد السيرافيومتى بن يونس حول المنطق والنحو

- ‌4 - الأفكار التي تضمنتها المناظرة

- ‌وهذه الدعوة تقوم على ما يأتي:

- ‌ويقوم رد أبي سعيد السيرفي على ما يلي:

- ‌القسم الثاني: الأسس التي قامت عليها "الدلائل

- ‌1 - الطائفة التي زهدت في "علم النحو

- ‌ويؤخذ مما سبق ما يلي:

- ‌2 - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم

- ‌3 - المدخل إلى دلائل الإعجاز

- ‌4 - خطوات عملية النظم

- ‌ عبد القاهر قد تدرج بعملية النظم كما تدرج أبو سعيد السيرافي، وسار بها على هذ النحو:

- ‌أولاً: لا تفاضيل بين كلمة وأخرى في الدلالة على المعنى قبل دخولهما

- ‌ثانياً: ترتيب الألفاظ في النطق على حسب ترتيب المعاني في النفس:

- ‌ثالثاً: لا نظم في الكلم حتى يعلق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض:

- ‌رابعاً: المزية في النظم للمعنى وليست للفظ

- ‌خامساً: ثمرة النظم هي تصوير المعنى "نظرية البيان

- ‌فالروادف الموضحة

- ‌والأشباه المقربة:

- ‌والاستعارة الممتعة:

- ‌فأما الكناية:

- ‌وأما المجاز:

- ‌وأما الاستعارة:

- ‌وأما التمثيل

- ‌سادساً: نظرية النظم

- ‌5 - تشبيه النظم بالنسج

- ‌القسم الثالث: إثبات النظرية لأبي سعيد السيرافي

- ‌(أ) دلائل الإعجاز شرح لمناظرة السيرافي

- ‌(ب) الرد على من يثبت النظرية "لعبد الجبار

- ‌وقد تضمن هذا الرأي أمرين:

- ‌وأما أن عبد الجبار، كان يعلم أن المزية في معاني النحو وأحكامه، وأن ما قاله كان متضمناً لها، وأن ما قاله لم يكن سقطاً منه، فإننا نوره الرد عليه فيما يلي:

- ‌(جـ) حصيلة هذا البحث

- ‌وأما أن عبد الجبار كان يعلم بأن المزية في (معاني النحو) وأحكامه، فإننا رد عليه بما يلي:

- ‌ يمكننا الآن أن نخرج من هذا البحث، بحقائق على درجة كبيرة من الأهمية في تاريخ البحث البلاغي، وهي:

- ‌أولاً: أن مناظرة أبي سعيد السيرافي، كانت أساساً بني عليه البلاغيون نظريتي المعاني والبيان

- ‌ثانياً: أن عبد القاهر - في الدلائل - قد رد على ابن سنان ما رآه - في سر الفصاحة

- ‌ثالثاً: أن مصلحات (النظم) أو (الفصاحة) و (البلاغة) لا تكاد تجد لها أثراً في "أسرار البلاغة" إذا استثنينا عنوان الكتاب

- ‌وأما سر عدم وجود مصطلحي: (الفصاحة) و (البلاغة) - في الأسرار

- ‌المراجع والمصادر

الفصل: ‌(جـ) دلائل الإعجازقبل عبد القاهر الجرجاني

(جـ) دلائل الإعجاز

قبل عبد القاهر الجرجاني

الدلائل: جمع دلالة؛ وهو ما يستدل به على الشيء؛ والإعجاز: الفوت والسبق؛ وأعجز الشيء فلاناً: فاته؛ ولم يدركه.

"دلائل الإعجاز"؛ هي أدلة إعجاز القرآن الكريم؛ أي إعجازه للخلق جميعاً؛ فقد تحدى العرب قاطبة - وفيهم الخطباء المصاقع، والشعراء المفلقون - أن يأتوا بسورة من مثله؛ فعجزوا عنه؛ وانقطعوا دونه.

وقد جعلها عبد القاهر عنوناً لكتابه الذي رد به على المعتزلة، واستقاها من فهمه لمناظرة أبى سعيد السيرافي وجرت على لسانه، وهو يرد عليهم في هذا الكتاب؛ إذ قال لهم:" ومن ثم لا يجوز لنا، أن نعتد في شأننا هذا بأن يكون المتكلم قد استعمل من اللغتين في الشيء ما يقال إنه أفصحهما، وبإن يكون قد تحفظ مما تخطى فيه العامة، ولا بأن يكون قد استعمل الغريب؛ لأن العلم بجميع ذلك، لا يعدو أن يكون علما باللغة وبأنفس الكلم المفردة، ومما طريقه الحفظ؛ دون ما يستعان عليه بالنظر، ويوصل إليه بإعمال الفكر. ولئن كانت العامة وأشباه العامة، لا يكادون يعرفون الفصاحة غير ذلك؛ فإن من ضعف النحيرة إخطار مثله في الفكر، وإجراءه في الذكر. وأنت تزعم أنك ناظر في" دلائل الإعجاز"؛ أي في أدلة إعجاز القرآن.

فدلائل إعجاز القرآن، ليست في اختيار الكلمات؛ من حيث أفصحها في الاستعمال، ولا في البعد من اللحن، ولا في الاستعمال الغريب؛ وإنما هي في النظم الذي تضمن دقائق وأسراراً، طريق العلم بها الروية والفكر، والطائف مشتقاها النقل؛ وهي السبب في أن عرضت المزية في الكلام،

ص: 27

ووجب أن يفضل بعضه بعضاً، وأن يبعد الشأو في ذلك، وتمتد الغاية، ويعلو المرتقى، ويعز المطلب حتى ينتهي الأمر إلى الإعجاز، وإلى أن يخرج عن طرق البشر.

فعبد القاهر - إذن - يقصد بدلائل الإعجاز: خصائص النظم، وفروقه، ودقائقه ولطائفه.

ومن أشهر الطوائف التي اهتمت بدراسة إعجاز القرآن: طائفتان هما: طائفة الأشاعرة، وطائفة المعتزلة.

أما الطائفة الأولى: وهي طائفة الأشاعرة، فقد كانت ترى أن إعجاز القرآن الكريم في نظمه، وقد مثل هذه الطائفة: أبو الحسن الأشعري، والخطابي، والباقلاني، وانضم إليهم الجاحظ الذي انشق على شيخه النظام القائل بالصرفة، أي أن العرب كان في مقدورهم الإتيان بمثل القرآن، ولكن الله تعالى صرفهم عن ذلك.

وأما الطائفة الأخرى، وهي طائفة المعتزلة، فقد كانت ترى أن إعجاز القرآن الكريم في فصاحته، وأن المزية في الفصاحة للفظ، لا للمعنى وقد مثل هذه الطائفة: أبو على الجبائي، وابنه أبو هاشم، والرماني، وعبد الجبار، وابن سنان الخفاجي القائل بالصرفة.

وقد كان السبب في أن جعل الأشاعرة النظم أساساً لمعرفة إعجاز القرآن، هو

أنهم رأوا أن القرآن الكريم عندما تحدى العرب، وعجزوا عن معارضته قالو، - تارة - أنه شعر، وتارة أخرى أنه سحر.

أما قولهم: إنه شعر فلأنهم رأوه منظوماً، ولكنه نظم مخصوص، فلا هو بالشعر، ولا هو بالنثر.

وأما قولهم: أنه سحر، فلأنهم قد وجدو له وقعاً في قلوبهم، لم يستطيعوا مغالبته، وتأثيراً في نفوسهم، لم يقدروا على الإفلات منه!

ص: 28

فقد جاء في حديث أبى ذر - رضى الله عنه - في سب إسلامه - أنه قال: قال لي أخي أنيس: إن لي حاجة ألي مكة، قال: فانطلق فراث، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلا يقول: أن الله تعالى أرسله.

فقلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، ساحر، كاهن، قال أبو ذر: وكان أنيس أحد الشعراء، فقال: تالله لقد وضعت قوله على أقراء الشعراء، فلم يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت الكهنة فما هو بقولهم، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون!

فالقرآن الكريم ليس شعراً - وإن كان له نظم عجيب، ونغم غريب، وليس سحراً - وإن كان يأسر القلوب، ويجذب النفوس، ويعمل فيها عمل السحر! ، فقد قال تعالى فيه:" إنه لقول رسول كريم وماهوا بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (1) ".

ولعل السر - أيضاً - في أن جعل المعتزلة الفصاحة أساساً لمعرفة إعجاز القرآن وأن مزيتها في اللفظ لا في المعنى هو أنهم وجدوا العرب يقولون في القرآن - عندما تحداهم وعجزوا - إنه سحر، وذلك لصلة الصور البيانية التي تنتسب المزية فيها عادة إلى اللفظ، وإن كان المراد بها ما تحدثه الألفاظ، من تلك الصور، كالتشبيه والتمثيل" والاستعارة" والكتابة، بالتأثير في النفوس، وما تحدثه تلك الصور من الأخذ بمجامع القلوب.

وقد ألف أبو عثمان عمرو بن الجاحظ كتاباً في (نظم القرآن) ولكنه ضاع من يد الزمن، فلم يصل إلينا، بيد أن الجاحظ قد وصفه في مقدمة كتابه (الحيوان) بأنه في الاحتياج لنظم القرآن وغريب تأليفه، وبديع تركيبه".

ص: 29

ويبدو - أيضاً - أنه كما يقول عنه في موضع آخر: "لم يدع فيه لرافضي، ولا لحديثي، ولا لحشوي، ولا لكافر مياد ولا لمنافق مقموع ولا لأصحاب النظام، ولمن نجم بعد النظام، عن يزعم أن القرآن حق، وليس تأليفه بحجة، وأنه تنزيل، وليس ببرهان، ولا دلالة"(1).

فقد عرض فيه - إذن - لإعجاز القرآن، والمذاهب المختلفة فيه، وناقشها، وفصل القول في أن إعجاز القرآن إنما يرجع إلى نظمه، وغريب تأليفه، وبديع تركيبه.

ولعله - أيضاً - كان يذهب- في إطلاق كلمة النظم - إلى ما وراء نظم الكلمات، وترتيبها، واختلاف أوضاعها في التعبير عن معانيها، على الأصل الذي بني عليه عبد القاهر كلامه، فكان يطلقها على نظم الحروف، وتلاؤم مزجها، وانسجام أجراسها، وكان يذهب إلى أن الكلام -في ذلك- على طبقات، فمنه المتناهي في الثقل المفرط، كقول الشاعر:

وقبر حربٍ بمكان قفر

وليس قرب قبر حرب قبر

وقول محمد بن يسير:

لا أذيل الآمال بعدك إني

بعدها بالآمال جد بخيل

كم لها موقف بباب صديق

رجعت من نداه بالتعطيل

لم يضرها - والحمد لله - شيء

وانثنت نحو عزف نفس ذهول

(1) رسائل الجاحظ 138.

ص: 30

قال الجاحظ: فتفقد النصف الأخير من هذا البيت، فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض.

ومنه ما هو أخف منه، كقول أبي تمام.

كريم متى أمدحه أمدحه والورى

معي وإذا مالمته، لمنه وحدي

ومنه ما يكون فيه بعض الكلفة على اللسان، إلا أنه لا يبلغ أن يعاب به صاحبه، ويشهر أمره في ذلك ويحفظ عليه، وأن الكلام إذا سلم من ذلك، وصفا من شويه، وكان الفصيح المشاد به، والمشار إليه، وأن الصفاء - أيضاً - يكون على مراتب، يعلو بعضها بعضا، وأن له غاية، إذا انتهى إليها كان

الإعجاز" (1).

غير أن الباقلائي قد ذكر في مقدمة كتابه (إعجاز القرآن) أن الجاحظ لم يزد في كتابه هذا على ما قاله المتكلمون قبله، مما يبعد القول بأن الجاحظ قد أراد من النظم ما أراد عبد القاهر الجرجاني من بعده، وأنه إنما أراد به تلاؤم الألفاظ، وبعدها عما يثقل على اللسان، كالذي ذكره الرماني، وجعله وجها من وجوه البلاغة.

وهذا الرأي هو الذي أشار إليه الرماني، وجعله وجها من وجوه البلاغة، وأسماه التلاؤم، " غير أن عبد القاهر، لا يرى أن الإعجاز، في مثل هذا النوع من الفصاحة، لأنه يؤدى إلى أن لا يكون للمعاني ذكروها في حدود البلاغة، من وضوح الدلالة، وصواب الإشارة، وتصحيح الأقسام، وحسن الترتيب والنظام، والإبداع في طريق التشبيه

(1) الجاحظ حياته وآثاره 324 والدلائل 45 والموسوعات 1321 والبيان والتبيين 1/ 48، 49 (دار الفكر للجميع).

ص: 31

والتمثيل، والإجمال والتفصيل، ووضع الفصل والوصل موضعهما وتوفية الحذف والتأكيد والتقديم والتأخير شروطهما -مدخل فيما له كان القرآن معجزاً، حتى يدعى أنه لم يكن معجزاً من حيث هو بليغ، ولا من حيث هو قول فصل، وكلام شريف النظم بديع التأليف، وذلك لأنه لا تعلق لشيء من هذه المعاني بتلاؤم الحروف".

ولكن الذي كان يشبه عبد القاهر -في محاولته إبراز المعنى الحقيقي المنظم، وبيان المزايا التي فاق بها نظم القرآن كل نظم - عير أنه لم يتوصل إلى ما توصل إليه عبد القاهر من أمر النظم - هو: أبو سليمان: حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي، المتوفى سنة 385 هـ، فقد ألف رسالة في (بيان إعجاز القرآن).

وفي هذه الرسالة: يذكر أن الناس قديماً وحديثاً، قد ذهبوا - في هذا الموضوع - كل مذهب، ولكنهم لم يصدروا عن رأى، لتعذر وجه الإعجاز، ولعدم وقوفهم على الوسيلة التي تدلهم عليه.

فقد ذهب قوم إلى أن القرآن معجز بالصرفة، أي إن العرب كان في استطاعتهم الإتيان بمثل القرآن، ولكن الله تعالى صرفهم، وسلب منهم القدرة على أن يأتوا بمثله، ولكن الخطابي يرفض هذا الرأي، لأن الله تعالى لو أراد ذلك لبطلت المعجزة، إذ كيف يطلب منهم شيئاً، ووسيلته غير موجودة؟ !

وذهبت طائفة أخرى إلى أن القرآن الكريم معجز لتضمنه الإخبار عما سيحدث في المستقبل، وقد تحقق ما أخبر به، وارتضى الخطابي هذا الوجه، على أن يكون نوعاً من أنواع الإعجاز، لا على أن يكون الإعجاز كله.

وقال قوم: إن القرآن معجز ببلاغته، ولكنهم لم يستطيعوا تحديدها، ولا تصورها.

ص: 32

ويمضى الخطابي في بيان رأى هؤلاء القوم فيقول: "قالوا: وقد يخفى سببه عند البحث، ويظهر أثره في النفس حتى يلتبس عن ذوى العلم والمعرفة، قالوا: وقد توجد لبعض الكلام عذوبة في السمع، وهشاشة في النفس، لا توجد مثلها لغيره منه، والكلامان فصيحان، ثم لا يوقف لشيء من ذلك على علة"(1).

وهذا الرأي النقدي هو رأي القاضي على بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى سنة 392 الذي حاول أن يثبت أن مزية الكلام راجعة إلى نظمه، لا إلى جزالته وقوته، ولا إلى ما فيه من تنسيق وتزويق، ولكنه لا يستطيع أن يبين لنا أسباب تلك المزية - كما بينها عبد القاهر من بعده - إذ هو لا يستطيع أن يفصح لنا عن تلك الأسباب بأكثر من أن هذا أمر تستخبر به النفوس المهذبة، وتستشهد عليه الأذهان المثقفة، بل إنه يجهر بأنك لا تستطيع أن تذكر لهذه المزية سبباً، بل ويقيم الدليل على هذا من الأمور الحسية المشاهدة، فيقول: وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفى أوصاف الكمال وتذهب في الأنفس كل مذهب، وتقف من التمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن والتئام الخلقة، تناصف الأجزاء، وتقابل الأقسام، وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى إلى القبول، وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب ثم لا تعلم - وإن قاسيت واعتبرت ونظرت وفكرت - لهذه المزية سبباً، ولما خصت به مقتضياً ..

ولو قيل لك: كيف صارت هذه الصورة -وهي مقصورة عن الأولى في الإحكام والصفة وفي الترتيب والصنعة، وفيما يجمع أوصاف الجمال

(1) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن 24.

ص: 33

وينتظم أسباب الاختيار أحلى وأرشق، وأحظى وأوقع؟ لأقمت السائل مقام المتعنت المتجانف، ورددته رد المستبهم الجاهل، ولكان أقصى ما في وسعك، وغاية ما عندك أن تقول: موقعه في القلب ألطف، وهو بالطبع أليق (1).

فهؤلاء القوم يشعرون بتفوق القرآن الكريم على سائر أنواع الكلام ببلاغته، ولكنهم لا يستطيعون معرفة السبب لهذا التفوق، إذ قد يخفى السبب، ولكن يظهر أثره في النفس، وقد نجد النفس عذوبة لكلام لا نجدها عند غيره، وكلاهما فصيح! والطبع السليم هو الحكم في الفصل بين الفاضل والمفضول.

ولكن الخطابي يرفض هذا الرأي - أيضاً - ويبحث عن هذا السبب، فيجدان أجناس الكلام مختلفة ومراتبها - في التبيان ميفاوتة، ودرجاتها - في البلاغة - غير متساوية.

فالكلام هنا: البليغ الرصين الجزل، والفصيح القريب السهل، والجاثر الطلق الرسل، وتلك هي أقسام الكلام الفاضل المحمود، أما الكلام الهجين المذموم، فلا يوجد في القرآن الكريم منه شيء.

فالقسم الأول: هو أعلى طبقات الكلام، وأرفعه.

والقسم الثاني هو: أوسطه وأقصده.

والقسم الثالث هو: أدناه وأقربه.

وقد نالت بلاغة القرآن الكريم من كل قسم من هذه الأقسام قدراً، وأخذت من كل نوع شعبة فانتظم بامتزاجها نمط من الكلام يجمع بين

(1) الوساطة 412

ص: 34

صفتي الفخامة والعذوبة، وهما صفتان، كأن بينها تضاد، لأن الجزالة والمتانة تعالجان نوعا من الوعورة" ولكن العذوبة ناتجة عن السهولة، فاجتماع الصفتين - مع تباينهما - في نظم القرآن، فضيلة خص بها القرآن الكريم، يسرها الله بلطيف قدرته، ليكون آية بينه لنبيه صلى الله عليه وسلم ودلالة على صحة دعوته.

ويمضي الخطابي مبينا أسرار عجز البشر عن الإتيان بمثل القرآن الكريم، والتي تتلخص فيما يلي:

1 -

أن علم البشر لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية، وبألفاظها، التي هي ظروف للمعاني، وحوامل لها.

2 -

أن إفهامهم لا تدرك جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ.

3 -

أن معرفتهم لا تكمل لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلاف الألفاظ والمعاني، وارتباط بعضها ببعض، لأن الكلام يقوم على ثلاثة أمور هي:

(أ) لفظ حامل للمعاني.

(ب) معنى قائم باللفظ.

(ج) رباط لهما ناظم.

والقرآن الكريم - إذا تأملته - وجدت هذه الأمور الثلاثة - وهي اللفظ، والمعنى، وائتلافهما بالنظم - في غاية الشرف والفضيلة، فلا تجد أفصح، ولا أجزل، ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى أحسن تأليفاً، وأشد نلاؤحاً، وتشاكلا من نظمه (1).

(1) ثلاث رسائل 27

ص: 35

وفي القسم التطبيقي من رسالته يذكر الخطابي أن عماد البلاغة إنما هو في وضع الألفاظ في مواضعها الخاصة بها، فلكل لفظ موضعه الأشكل به، فإذا ما أزيل عن مكانه وحل محله غيره، فإما أن يتبدل المعنى فيفسد الكلام، وإما أن يذهب الرونق الذي تسقط معه البلاغة.

ويرجع السر - في هذا - إلى أن في الكلام ألفاظاً متقاربة في معانيها، فيظن أنها متساوية في أداء المعنى وتحقيق الغرض، وبيان المراد من الخطاب، والواقع أن لكل لفظة خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها، وإن كانا يشتركان في بعضها (1).

وإذا كانت هذه هي حال الألفاظ، فإن المعاني التي تحملها تحتاج إلى أكثر منها معاناة وأشد، لأنها نتاج العقول، وولائد الإفهام، وبنات الأفكار.

وأما رسوم النظم فإن الحاجة فيها إلى الثقافة والحذق أكثر، لأنها لجام الألفاظ، وزمام المعاني وبه تنتظم أجزاء الكلام، ويلتئم بعضه ببعض، فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان (2).

وأنت تلاحظ أن الخطابي يرى أن النظم يحدث صورة في النفس يتشكل بها البيان، فالنظم أساس لصور البيان، وهذا ما تأثر به - من بعده - أبو هلال العسكري، وابن سنان، وعبد القاهر الجرجاني.

كما أنك تلاحظ أن الخطابي لم يرتض القول بأن الإعجاز قد يخفى سببه عند البحث، ويظهر أثره في النفس وبحث عن هذا السبب فوجده في النظم، وبمعنى أدق في الرابط بين اللفظ والمعنى، ولكنه قد وقف عند

(1) بيان إعجاز القرآن 32، 33 (ط 1953).

(2)

ثلاث رسائل 36.

ص: 36