الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم
عرفت أن المناطقة ومن شايعهم ممن أعجبوا بالمنطق اليوناني، والفلسفة اليونانية، قد اعتقدوا أن المنطق كاف في معرفة الحق من الباطل، والشك من اليقين، والصدق من الكذب "وأنه لا جدوى من التعمق في علم النحو، بل يكفي منه معرفة القليل؛ مما لا يتعدى صحة الكلام؛ من الرفع، والنصب: والجر، وهكذا، وأن متى بن يونس المنطقي قد ذكر هذا، أمام أبي سعيد السيرافي، وأن أبا سعيد السيرافي قد أفحمه، وأسكته في المناظرة الشهيرة التي جرت بينهما في مجلس الوزير أبي الفتح، الفضل بن جعفر بن الفرات، وزير المقتدر الخليفة العباسي وقد تركز الحديث في تلك المناظرة حول ما يعرف به صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه هل هو المنطق أو النحو؟
وقد رأى متى بن يونس أن المنطق هو الذي يعرف به هذا وشبهه بالميزان، الذي يعرف به الرجحان من النقصان والشائل من الجانح.
ولكن أبا سعيد السيرافي قد خطأه في هذا، ورأى أن صحيح الكلام من سقيمه إنما يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف، إذا كنا نتكلم باللغة العربية، وأن فاسد المعنى من صالحه، إنما يعرف بالعقل، إذا كنا نبحث بالعقل.
واستمع إلى ما قاله كل منهما في تلك المناظرة حول هذا المعنى:
قال أبو سعيد السيرافي: (حدثني عن المنطق، ما تعني به؟ فإنا إذا فهمنا مرادك فيه، كان كلامنا معك: في قبول صوابه، ورد خطئه على سنن مرضى، وطريقة معروفة.
قال متى: أعني به أنه آلة من آلات الكلام؛ يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه كالميزان، فإني أعرف به الرجحان من النقصان، والشائل من الجانح.
فقال أبو سعيد: أخطأت؛ لأن صحيح الكلام من سقيمه، يعرف بالنظم المألوف، والإعراب المعروف - إذا كنا نتكلم بالعربية - وفاسد المعنى من صالحه بالعقل، إذا كنا نبحث بالعقل).
وقد وردت في هذا الجزء من المناظرة المعاني التالية:
1 -
صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم، والإعراب.
2 -
النظم والإعراب كالميزان، يعرف بهما الرجحان من النقصان، والشائل من الجانح.
3 -
فاسد المعنى من صالحه، يعرف بالعقل.
وقد رد عبد القاهر الجرجاني، على تلك الطائفة، في أول الدلائل - مكملاً رسالة أبي سعيد السيرافي، بأن زهدهم في النحو واحتقارهم له، وإصغارهم أمره، وتهاونهم به، يشبه أن يكون صداً عن كتاب الله تعالى، وعن معرفة معانيه، وهم - مع ذلك - لا يجدون بداً من أن يعترفوا بالحاجة إليه، لأن الألفاظ مغلقة على معانيها، والإعراب مفتاحها والأغراض كامنة فيها، وهو المستخرج لها، فهو المعيار الذي لا يتبين نقضان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه:
يقول عند القاهر - في أول الدلائل - وهو يرد على تلك الطائفة مكملاً رسالة أبي سعيد السيرافي:
"وأما زهدهم في النحو واحتقارهم له، وإصغارهم أمره، وتهاونهم به، فصنيعهم في ذلك أشنع من صنيعهم في الذي تقدم، وأشبه بأن يكون صداً عن كتاب الله تعالى، وعن معرفة معانيه، ذلك لأنهم لا يجدون بداً من أن يعترفوا بالحاجة إليه فيه، إذ كان قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها، حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها وأن الأغراض كامنة فيها، حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه، ولا ينكر ذلك إلا من ينكر حسه، وإلا من غالط - في الحقائق - نفسه، وإذا كان الأمر كذلك، فليت شعري ما عذر من تهاون به وزهد فيه، ولم ير أن يستسقيه من مصبه، ويأخذه من معدنه، ورضي لنفسه بالنقص، والكمال لها معرض، وآثر الغبينة. وهو يجد إلى الربح سبيلاً (1).
ثم يقول "
…
فدعوا ذلك. وانظروا في الذي اعترفتم بصحته، وبالحاجة إليه (وهو علم النحو) وهل حصلتموه على وجهه؟ وهل أحطتم بحقائقه؟ وهل وفيتم كل باب منه حقه وأحكمتوه إحكاماً يؤمنكم الخطأ فيه إذا أنتم خضتم في التفسير، وتعاطيتم علم التأويل، ووازنتم بين بعض الأقوال وبعض، وأردتم أن تعرفوا الصحيح من السقيم، وعدتم في ذلك وبدأتم، وزدتم ونقصتم؟ ، وهل رأيتم إذ قد عرفتم صورة المبتدأ والخبر، وأن إعرابهما الرفع، أن تتجاوزوا ذلك إلى أن تنظروا في أقسام خبره؛ فتعلموا أنه يكون مفرداً، وجملة، وأن المفرد ينقسم إلى ما يحتمل ضميراً له، وإلى ما لا يحتمل الضمير.
وهكذا ينبغي أن تعرض عليهم الأبواب واحداً واحداً، ويسألوا
(1) الدلائل 23، 24 (محمد رشيد رضا).
عنها باباً، باباً ثم يقال، ليس إلا أحد الأمرين: إما أن تقتحموا التي لا يرضاها العاقل، فتنكروا أن يكون بكم حاجة في كتاب الله تعالى، وفي خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي معرفة الكلام جملة .. وإما أن تعلموا أنكم قد أخطأتم حين أصغرتم هذا العلم، وظننتم ما ظننتم فيه؛ فترجعوا، إلى الحق، وتسلموا الفضل لأهله" (1).
وقد وردت المعاني التالية - في رد عبد القاهر على تلك الطائفة:
1 -
صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالإعراب.
2 -
الألفاظ مغلقة على معانيها، والإعراب هو الذي يفتحها، والأغراض كامنة فيها، والإعراب هو المستخرج لها.
3 -
الإعراب - في نظر عبد القاهر - هو المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه.
وأنت تلاحظ الصلة الوثيقة بين كل من كلام أبي سعيد السيرافي، وكلام عبد القاهر الجرجاني، فقد عبر أبو سعيد السيرافي عن الإعراب بالميزان، وعبر عنه عبد القاهر، بالمعيار، والمعيار هو الميزان، كما عبر عنه - أيضاً - بالمقياس، وقد اتفقا على أن الإعراب يعرف به صحيح الكلام من سقيمه، كما يعرف به النقصان من الرجحان.
كما أنك تلاحظ: أن الموضع الذي ورد فيه كلام أبي سعيد، هو أول المناظرة، وأن الموضع الذي ورد فيه كلام عبد القاهر هو: أول الدلائل، وكأن عبد القاهر، قد أراد أن يسير في كتابه هذا سير المناظر؛ فوضع نفسه موضع أبي سعيد السيرافي، وبدأ بأول شيء جاء على لسان متى بن
(1) الدلائل 25، 26، 27 (السيد محمد رشيد رضا).
يونس وامتد إلى أتباعه المنطقين من بعده، وهو: أن المنطق يعرف به صحيح الكلام من سقيمه؛ وبين لهم أن صحيح الكلام من سقيمه إنما يعرف بالإعراب، إذ هو المعيار الذي يتبين به النقصان من الرجحان، والمقياس الذي يتبين به الصحيح من السقيم.
ولهذا كان تأليف "الدلائل" غير تأليف "الأسرار" ففي الأسرار يتبع عبد القاهر المنهج الموضوعي الذي يرتب الأفكار في خطة يقدمها بين يدي بحثه، ثم يبحثها بحثاً متأنياً هادئاً، ولكنه في الدلائل يجرى على سنن المنظرة؛ فيكثر من قوله:(فإن قلتم كذا)(قلنا كذا) بأسلوب يتوقد حماساً وغيرة على فكرته التي آمن بها: وهي أن النظم هو تنبع معاني النحو فيما بين الكلم، على حسب الأغراض التي يساق لها الكلام.
وهكذا تجد أنك قد عثرت على أول خيط يربط بين "دلائل الإعجاز" ومناظرة أبي سعيد السيرافي - وإن كان عبد القاهر لم يذكر أبا سعيد السيرافي ضمن من أفاد منهم، حتى لا يعرف فضل أبي سعيد على عبد القاهر، وحتى تسلم له النظرية، ويذكر - وحده - بالفضل!