المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌40 - باب النجاسة تقع في الطعام - ديوان السنة - قسم الطهارة - جـ ٣

[عدنان العرعور]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب النجاسات وكيفية تطهيرها

- ‌30 - بَابُ تَطْهِيرِ الأَرْضِ مِنَ النجاسة

- ‌31 - باب ما جاء في تطهير موضع الكلب

- ‌32 - بَابُ مَا رُوِيَ فِي غَسْلِ الثَّوْبِ مِنْ خَمْسٍ

- ‌33 - بَابُ مَا رُوِيَ فِي غَسْلِ الْأَنْجَاسِ سَبْعًا

- ‌34 - بَابُ مَا رُوِيَ فِي نَسْخِهِ وَغَسْلِ الثَّوْبِ مِنَ البَوْلِ مَرَّةً

- ‌35 - بَابُ بَوْلِ الصِّبْيَانِ

- ‌36 - بَابُ مَا جَاءَ فَي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ بَوْلِ الغُلَامِ وبَوْلِ الْجَارِيَةِ

- ‌37 - بَابُ مَا رُوِيَ فِي مِقْدَارِ المَاءِ الَّذِي يُصَبُّ عَلَى بَوْلِ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ

- ‌38 - بَابُ بَوْلِ مَا يُؤكَلُ لَحْمُهُ

- ‌39 - بَابُ فَرْثِ مَا يُؤكَلُ لَحْمُهُ يُصِيبُ الثَّوْبَ

- ‌40 - بَابُ النَّجَاسَةِ تَقَعُ فِي الطَّعَامِ

- ‌41 - بَابٌ: فِيمَا رُوِيَ فِي مِقْدَارِ مَا يُلْقَى مِنَ الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ

- ‌42 - بَابُ الذُّبَابِ يَقَعُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ

- ‌43 - بَابُ مَا رُوِيَ فِي كُلِّ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَقَعَتْ فِيهِ دَابَّةٌ لَيْسَ لَهَا دَمٌ

- ‌44 - بَابُ دَمِ الحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ

- ‌45 - بَابُ مَا رُوِيَ فِي أَنَّ بَقَاءَ أَثَرِ دَمِ الْحَيْضِ فِي الثَّوبِ لَا يَضُرُّ

- ‌46 - بَابٌ: فِيمَا يُضَافُ إِلَى الْمَاءِ لِإزَالَةِ أَثَرِ دَمِ الْحَيْضِ

- ‌47 - بَابُ الدَّمِ يُصِيبُ الثَّوْبَ

- ‌48 - بَابُ مَا رُوِيَ فِي وُقُوعِ قَطَرَاتٍ مِنَ الدَّمِ فِي الطَّعَامِ

- ‌49 - بَابُ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ

- ‌50 - بَابُ الْمَذْيِ يُصِيبُ الثَّوْبَ

- ‌51 - بَابُ الْأَرْضِ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا

- ‌52 - بَابُ الْأَذَى يُصِيبُ النَّعْلَ أَوِ الْخُفَّ

الفصل: ‌40 - باب النجاسة تقع في الطعام

‌40 - بَابُ النَّجَاسَةِ تَقَعُ فِي الطَّعَامِ

245 -

حَدِيثُ مَيْمُونَةَ:

◼ عَنْ مَيْمُونَةَ رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ [فَمَاتَتْ]، فَقَالَ:((خُذُوهَا (أَلْقُوهَا)، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ [، وكُلُوا سَمْنَكُمْ])).

[الحكم]:

صحيح (خ).

[الفوائد]:

قال ابن عبد البر: ((أجمعَ العلماءُ على أن أَكْلَ الفأرةِ الميتةِ، وما باشرها من السَّمْنِ الجامد حرامٌ، لا يحلُّ أكلُ شيءٍ من ذلك)) (الاستذكار 27/ 220).

وقال ابن الملقن: ((وفي قوله عليه السلام: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا)) دلالة على أن السمن كان جامدًا؛ لأنه لا يمكن طَرْحُ ما حولها في المائع الذَّائب؛ لأنه عند الحركة يمتزجُ بعضُه ببعضٍ.

وقامَ الإجماعُ على أن هذا حكمُ السَّمْنِ الجامدِ تقعُ فيه الميتةُ فتُلقَى وما حولها ويُؤكلُ سَائِرُه؛ لأنه عليه السلام حَكَمَ للسَّمْنِ الملاصق للفأرةِ بحُكم الفأرةِ، لتحريم الله تعالى الميتة، فأَمرَ بإلقاءِ ما مسَّها منه.

وأما السَّمْنُ المائِعُ، والزيتُ، والخَلُّ، والمري، والعسل، وسائِرُ المائعاتِ، تقعُ فيه الميتة، ولا خلاف -أيضًا- بين أئمة الفتوى أنه لا يُؤكلُ

ص: 237

منها شيءٌ)) (التوضيح لشرح الجامع الصحيح 26/ 548).

وقد سبقه إلى نحو هذا ابنُ بطال في (شرح صحيح البخارى 5/ 451)، والعينيُّ في (عمدة القاري 21/ 138). وكذا نقل ابنُ حزمٍ الإجماعَ على أن السَّمْنَ المائعَ إذا ماتتْ فيه فأرةٌ لا يُؤكل. (مراتب الإجماع صـ 151).

وقد تعقَّبه شيخُ الإسلام ابنُ تيمية؛ فقال: ((هذا فيه نِزَاعٌ معروفٌ، فمذهب طائفة أنه يُلقى وما قَرُبَ منها ويُؤكَلُ، سواء كان جامدًا أو مائعًا)) (نقد مراتب الإجماع صـ 299).

وقد انتصر شيخ الإسلام ابن تيمية لقول من يقول: بأن المائع حكمه حكم الجامد، فقال: ((والسمن بالحجاز يكون ذائبًا أكثر مما يكون جامدًا؛ بل قيل: إنه لا يكون بالحجاز جامدًا بحال. فإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم الجواب من غير تفصيل يوجب العموم إذِ السُّؤال كالمعاد في الجواب، فكأنه قال: إذا وقعت الفأرة في السمن فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم، وترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يَتَنَزَّلُ منزلةَ العموم في المقال.

هذا إذا كان السمن بالحجاز يكون جامدًا ويكون ذائبًا، فأما إن كان وجود الجامد نادرًا أو معدومًا كان الحديث نصًّا في أن السمن الذائب إذا وقعت فيه الفأرة فإنها تُلقى وما حولها ويُؤكل. وبذلك أجاب الزُّهري؛ فإن مذهبَهُ أن الماء لا ينجس قليله ولا كثيره إلَّا بِالتَّغَيُّرِ، وقد ذَكَرَ البخاريُّ في أوائل (الصحيح): التسويةَ بيْن الماء والمائعات. وقد بسطنا الكلام في هذه المسألة ودلائلها وكلام العلماء فيها في غير هذا الموضع. كيف وفي تنجيس مثل ذلك وتحريمه من فساد الأطعمة العظيمة وإتلاف الأموالِ

ص: 238

العظيمةِ القدرِ ما لا تأتي بمثله الشريعة الجامعة للمحاسن كلِّها؟ ! . والله سبحانه إنما حرَّم علينا الخبائثَ تنزيهًا لنا عن المضار وأباح لنا الطيباتِ كلَّها، لم يحرِّم علينا شيئًا من الطيباتِ، كما حرَّم على أهلِ الكتاب - بِظُلْمِهِمْ - طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ. ومن اسْتَقْرَأَ الشريعةَ في مواردها ومصادرها واشتمالها على مصالح العباد في المبدأ والمعاد تبيَّن له من ذلك ما يهديه الله إليه {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} (النور-40)، والله سبحانه أعلم)) (مجموع الفتاوى 21/ 527 - 528).

[التخريج]:

[خ 235 ((والرواية والزيادة الثانية له ولغيره))، 236 ((واللفظ له))، 5538 ((والزيادة الأولى له ولغيره))، 5540/ د 3793/ ت 1904/ ن 4296/ كن 4780/ طا 2785/ حم 26796، 26847/ مي 756، 2110 - 2111، 2113/ عل 7078/ طب (23/ 429، 430/ 1042 - 1044)، (24/ 15/ 25) / طس 3413/ عب 280

(1)

/ ش 24877/ حمد 314/ حق 2007/ علت 552/ جا 884/ منذ 865/ مشكل 5356، 5357، 5359/ طهم 71/ مث 3099، 3101/ حل (3/ 379) / هق 19650 - 19652/ هقع 19358/ هقغ 3968/ حرملة

(1)

ذكره عبد الرزاق -عقب حديث أبي هريرة الآتِي ذِكْرُهُ، وفيه التفريق بين الجامد والمائع- فقال:((وقد كان مَعْمَرٌ أيضًا يذكره، عن الزُّهْرِيِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة. وكذلك أخبرناه ابن عُيَيْنَةَ)) (المصنف 1/ 84). وظاهره أنه بنفس متن رواية معمر ولذا أحالَ عليه، وليس كذلك، إنما مرادُه السند فقط، دون المتن، وانظر مزيد من التعليق عليه عند الكلام على رواية ابن راهويه عن ابنِ عُيَيْنَةَ بالتفريق بين الجامد والمائع الآتية قريبًا.

ص: 239

(هقع 19358) / مشب 681 - 685/ ملك (مشب 2/ 1196) / كر (38/ 171) / معكر 297/ عساكر (مساواة ص 255) / تمهيد (9/ 36، 37) / مهر 4، 148/ تكما (3/ 82) / ذهبي (2/ 267 - 268) / مستخ (الفتح 9/ 669) / خبر (1/ 153 - 154) / خلع 1131].

[السند]:

رواه مالك في ((الموطأ)) -ومن طريقه البخاري (235، 236، 5540) -: عن ابن شهاب الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، عن ميمونة، به.

ورواه البخاري أيضًا (5538): عن الحميدي، عن ابنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهري، به.

وكذا رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من طرق: عن ابنِ عُيَينَةَ، به.

[تنبيهان]:

الأول: اخْتُلِفَ على مالك وغيره في هذا الحديث، فمن الرُّواة من جعله عنِ ابن عباس، عن ميمونة كما هنا، ومنهم: من أسقط منه ميمونة فجعله من مسند ابن عباس، ومنهم: من أسقط منه ابن عباس، ومنهم: من أسقطهما معًا فجعله مرسلًا.

لكن رواية الجماعة عن مالك: (عن ابن عباس، عن ميمونة)، وكذا هو المحفوظ عن ابنِ عُيَينَةَ، وعبد الرحمن بن إسحاق، عن الزُّهري، به.

ولذا اتفق النقاد على أن الصواب فيه: (عن ابن عباس، عن ميمونة)، كالبخاري، والترمذي، وأبي حاتم، والذهلي، والدارقطني، وابن عبد البر، وابن حجر، وغيرهم، وسيأتي توثيق أقوالهم عند الكلام

ص: 240

على حديث ابن عباس.

الثاني: رواه الطبراني في (الأوسط) من طريق سعيد بن داود الزَّنْبَرِي

(1)

، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب به، ثم قال:((لم يَقُلْ عن ميمونةَ غير الزَّنْبَرِي)) (الأوسط).

وفي قوله نظر ظاهر؛ فقد رواه جمع غفير، عن مالك، بذكر ميمونة، منهم: معن بن عيسى، وإسماعيل بن أبي أويس، وعبد العزيز الأويسي (ثلاثتهم عند البخاري)، ويحيى بن يحيى، وابن مهدي (عند أحمد)، وغيرهم كثير، انظر:(التمهيد لابن عبد البر 9/ 33)، فقد ذكر ثلاثة عشر راويًا عن مالك بذكر ميمونة غير سعيد.

رِوَايةُ: ((جَامِدٍ)):

• وَفِي رِوَايَةٍ: ((

وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ جَامِدٍ

)).

[الحكم]:

شاذٌّ بلفظ: ((جَامِدٍ))، وقد حكم عليه بذلك ابن عبد الهادي، والألباني، وأشار إلى ذلك ابن حجر، والزرقاني.

[التخريج]:

[ن 4297 ((واللفظ له)) / حم 26803/ هقع 19359/ تحقيق 1470].

(1)

تصحف في مطبوع (الأوسط)، وكذا في (الكبير) إلى (الزبيري)، والصواب:(الزَّنْبَرِي) كما في كتب التراجم، وانظر:(الإمام لابن دقيق العيد 3/ 466).

ص: 241

[التحقيق]:

ورد تقييد السمن بالجامد في حديث ميمونة من ثلاثة طرق، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة:

الطريق الأول:

رواه النسائي في (المجتبى) قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري، عن عبد الرحمن (بن مهدي)، عن مالك، عن الزُّهري، به.

وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ حفاظ من رجال الشيخين، عدا محمد بن يحيى -وهو الذهلي الحافظ- فمن رجال البخاري فقط (التقريب 6387).

ولكن تقييد السمن بـ (الجامد) في رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك غير محفوظ؛ لأمور:

الأول: أننا لم نقف على لفظة: ((جَامِدٍ)) في طريق عبد الرحمن بن مهدي إِلَّا عند النسائي في (المجتبى) فقط، وقد رواه النسائي نفسه في (السنن الكبرى) بنفس إسناد (المجتبى)، بدون لفظة ((جَامِدٍ))

(1)

؛ ومعلوم أن (السنن الكبرى) رواها جماعة عن النسائي بخلاف ((الصغرى))، أو (المجتبى) فقد

(1)

كذا بدون لفظة: ((جامد)) في طبعتي (التأصيل 4781، والرسالة 4571)، ولم يذكر محققوهما خلافًا بين النسخ في هذا الموضع، فدل على أنها كذلك في جميع النسخ الخطية مع كثرتها، لاسيما التي اعتمدها محققو طبعة التأصيل، وهي كذلك في الأصول التي اعتمد عليها محققا طبعة دار الكتب العلمية، غير أن المحققين -غفر الله لهما- أضافا لفظة:((جامد)) من (المجتبى)! ، كما ذكرا في الحاشية (3/ 88/ 4585).

ص: 242

تفرَّد بروايتها عن النسائي ابنُ السُّنِّيِّ

(1)

،

وعليه: فرواية (المجتبى) خطأ، إما من ابن السني -راوي (المجتبى) عن النسائي-، أو من أحد الرواة عنه، أو من أحد النساخ، والله أعلم.

الثاني: أن المحفوظ عن ابن مهدي بدونها؛ كذا رواه الإمام أحمد في (المسند 26847) عن ابن مهدي عن مالك به، بدون لفظة:((جَامِدٍ)). وأحمد جبل من جبال الحفظ والإتقان.

(1)

بل اختلف أهل العلم في كتاب (المجتبى)؛ هل اختصره النسائي من (السنن الكبرى)؟ أم اختصره ابنُ السُّنِّيِّ؟

وقد ذهب إلى القول الثاني الذهبي، وتاج الدين السبكي، وابن ناصر الدين الدمشقي، والسيوطي.

قال الذهبي -بعد ذكره لقصة طلب أمير الرملة من النسائي أن يختصر له (السنن الكبرى) ويجتبي منها الصحيح-: ((هذا لم يصح، بل (المجتبى) اختيار ابن السني)) (السير 14/ 131، 16/ 256)، وقال في ترجمة ابن السني في (تذكرة الحفاظ 3/ 101):((كان دَيِّنًا خَيِّرًا صَدُوقًا، اختصر (السنن) وسمَّاهُ (المجتبى)))، وكذلك قال السبكي في (طبقات الشافعية 3/ 39)، وابن ناصر الدين كما في (شذرات الذهب 4/ 339)، والسيوطي في (طبقات الحفاظ صـ 380). وهذا القول هو الذي رجَّحه د. بشار عواد في تحقيقه (لتهذيب الكمال 1/ 328/ حاشية 4).

وجُلُّ من ذهب إلى القول الأول -أن (المجتبى) من اختصار النسائي نفسه- كابن الأثير وغيره؛ احتجَّ بقصة أمير الرملة، وهي لا تصحُّ كما تقدم من قول الذهبي.

وقد عدَّها بعضُ أهل العلم رواية من روايات (السنن الكبرى)؛ كرواية ابن الأحمر، ورواية ابن حيويه، وغيرهم من رواة (السنن الكبرى) عن النسائي، واستدلوا على ذلك بزيادات تفرَّد بها ابن السني في (المجتبى)، ونبَّه عليها المزي في (التحفة) مقارنًا لها ببقية روايات (السنن الكبرى)، هذا والله أعلم.

ص: 243

الثالث: أن المحفوظ عن مالك أيضًا بدونها، فقد رواه جمع غفير من الثقات -أكثر من أربعة وعشرين راويا

(1)

- عن مالك بدونها، منهم: يحيى بن يحيى، ومعن بن عيسى، وعبد العزيز الأويسي، وابن أبي مريم، وابن وهب، وغيرهم كثير، ولم يذكروا فيه لفظة:((جَامِدٍ)).

فلو ثبتت هذه الزيادة عن ابن مهدي لكانت شاذَّة أيضًا، لمخالفته كل أصحاب مالك، كيف وفي ثبوتها عنه نظر؟ ! بل على الراجح لدينا أنها خطأ عنه؛ لما قدمناه.

ولذا قال ابن عبد الهادي: ((وقد روى هذه اللفظة -وهي قوله: (جَامِدٍ) -: النسائي من رواية ابن مهدي، عن مالك، عن الزُّهري

والظاهر أنها خطأ، فإن أكثرَ أصحاب مالك لم يذكروا هذه اللفظة)) (تنقيح التحقيق 4/ 81).

وقال ابن حجر -بعد أن ذكر اختلاف الرواة على مالك في إسناده-: ((ولم يذكرْ أحدٌ منهم لفظةَ: (جَامِدٍ) إِلَّا عبد الرحمن بن مهدي)) (فتح الباري 1/ 344).

قلنا: قد بيَّنَّا أنها لا تصحُّ أيضًا عن ابن مهدي، وأن المحفوظ عنه كرواية الجماعة عن مالك سواء.

ولذا قال الألباني: ((وقع عند النسائي من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك؛ وصف السمن بأنه ((جَامِدٍ))، وهي روايةٌ شاذَّةٌ أيضًا لمخالفتها لرواية الجماعة عن مالك، ولرواية الجمهور عن الزُّهري، بل هي مخالفة لرواية أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي نفسه! )) (الضعيفة 4/ 42).

(1)

انظر: (التمهيد 9/ 33 - 34).

ص: 244

[تنبيه]:

قال ابن حجر: ((ذكر الدارقطني في (العلل): أن يحيى القطان رواه عن مالك، وكذلك النسائي رواه من طريق عبد الرحمن، عن مالك مُقَيَّدًا بالجامد، وأنه أَمَرَ أن تُقَوَّرَ وما حَوْلَها فيُرْمَى به)) (التلخيص الحبير 3/ 9).

قلنا: قول ابن حجر هذا، فيه إيهام بأن رواية يحيى بن سعيد القطان عن مالك والتي أخرجها الدارقطني، فيها تَقْيِيد السمن بالجامد، وهذا غير صحيح لأمور:

الأول: أن الدارقطني رواه في (العلل 9/ 259) من طريق يحيى بن سعيد، عن مالك بسنده:((أَنَّ مَيْمُونَةَ اسْتَفْتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فِي فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَأَمَرَ أَنْ يُقَوِّرُوا مَا حَوْلَهَا فَيُرْمَى بِهِ))، فليس في متنه تَقْيِيد السمن بالجامد كما ترى، ثم إِنَّ في ثبوته عن يحيى القطان نظر، فشيخُ الدارقطني متكلَّمٌ فيه، ومع انفراده بلفظ:((يُقَوِّرُوا))، خِلافًا لكلِّ من رواه، قد تفرَّد أيضًا بكون ميمونة هي السائلة، وهذا يدلُّ على أنه لم يضبطه، ولأجل ذلك سنفرد هذه الرواية بالتحقيق قريبًا، فانظر الكلام عليها هناك.

الثاني: أن ابن حجر نفسه ذكر في (الفتح): أن ابن مهدي تفرَّد بهذه اللفظة، ولم يذكرها أحدٌ غيره عن مالك، كما تقدَّم.

وقد بيَّن أيضًا في موضع آخر: أن رواية القطان ليس فيها ((تقييد السمن بالجامد))، غير أن لفظ الحديث يدلُّ على ذلك؛ فقال:((قد وقع عند الدارقطني من رواية يحيى القطان، عن مالك في هذا الحديث: ((فَأَمَرَ أَنْ يُقَوَّرَ مَا حَوْلَهَا فَيُرْمَى بِهِ)) وهذا أظهر في كونه جامدًا من قوله: ((وَمَا حَوْلَهَا)))) (فتح الباري 9/ 670).

ص: 245

الطريق الثاني:

رواه البيهقي في (المعرفة 19359): عن علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا حجاج بن المنهال، عن ابنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهريِّ، به.

وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، ابن عبدان هو أبو الحسن الحافظ، ثقة، ترجمته في (تاريخ بغداد 11/ 329)، و (تاريخ جرجان: 1193)، وأحمد بن عبيد هو الصفار الحافظ الثقة الثبت (تذكرة الحفاظ: 845)، وإسماعيل بن إسحاق هو القاضي ((ثقة صدوق)) كما في (الجرح والتعديل 2/ 158)، وحجاج بن المنهال:((ثقة من رجال الشيخين)) (التقريب 1137).

ولكن هذه اللفظة غير محفوظة أيضًا عن ابنِ عُيَينَةَ؛ فقد رواه الثقات الحفاظ من أصحاب ابنِ عُيَينَةَ -وهم أكثر من عشرين راويًا، منهم: الشافعي، وأحمد، والحميدي، وقتيبة، ومسدد، وغيرهم كثير -، عن ابنِ عُيَينَةَ به، ولم يذكروها.

ولذا قال ابن عبد الهادي: ((وقد روى هذه اللفظة -وهي قوله: ((جَامِدٍ)) -، البيهقيُّ من رواية حجاج بن منهال عن سفيان؛ والظاهر أنها خطأ؛ فإن أكثر أصحاب سفيان لم يذكروا هذه اللفظة)) (تنقيح التحقيق 4/ 81).

وقد تابع حجاجَ بنَ المنهالِ الطيالسيُّ على ذكرها، لكن خالفه في سنده فجعله من مسند ابن عباس، وسيأتي الكلام عليه قريبًا.

الطريق الثالث:

رواه أحمد (26803) -ومن طريقه ابن الجوزي في (التحقيق 1470) - قال: حدثنا محمد بن مصعب، قال: حدثنا الأوزاعي، عنِ الزُّهري، عن

ص: 246

عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابن عباس، عن ميمونةَ، به.

وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فمحمد بن مصعب وهو القرقساني، الجمهور على تضعيفه، فضعَّفه: ابن معين، وأبوحاتم الرازيُّ، والنسائيُّ، وابن حبان، والعقيليُّ، وغيرُهم، ولذا قال الحافظ:((صدوق كثير الغلط)) (التقريب 6302). وانظر: (إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي 10/ 360).

وقد تكلَّم غيرُ واحدٍ في روايتِه عنِ الأوزاعي خاصة:

فقال أبوزرعة: ((يخطئ كثيرًا عنِ الأوزاعي وغيره)) (الضعفاء لأبي زُرْعَةَ 2/ 400).

وقال صالح بن محمد جزرة: ((عامة أحاديثه عن الأوزاعي مقلوبة، وقد روى عن الأوزاعي غير حديث كلها مناكير ليس لها أصول)) (إكمال مغلطاي 10/ 360).

وقال أبو أحمد الحاكم: ((روى عن الأوزاعي أحاديث منكرة وليس بالقوي عندهم)) (الكنى 3/ 111).

فمن كانت هذه حاله في نفسه وفي شيخه، فكيف يقبل منه ما خالف فيه الثقات؟ !

لاجرم أنْ أعلَّه به ابن عبد الهادي، فقال: ((ومحمد بن مصعب هو القرقساني، وقد تكلموا فيه

)) وذَكَرَ تضعيفَ ابنِ معين، وأبي حاتم له (التنقيح 4/ 81)

(1)

.

(1)

وقد وقع في طبعة (دار الكتب العلمية 2/ 566) زيادة هنا، وهي:((وهذه الزيادة من كيسه))، وهذه العبارة لم نجدها في طبعة ((أضواء السلف)) المعتمدة لدينا، والقلب لا يطمئن لإثباتها اعتمادًا على طبعة دار الكتب العلمية وهي رديئة جدًّا، إلى درجة أن الكلام فيها ركيك غير منسجم مع نفسه، وكأن أحدهم تعمد أن يفسد كلام ابن عبد الهادي، والله المستعان.

ص: 247

وقد جاء تقييد السمن بالجامد أيضًا من حديث ابن عباس، وحديث أبي هريرة:

فأما حديث ابن عباس:

فرواه الطيالسيُّ في (مسنده 2839) قال: حدثنا سفيان بنُ عُيَينَةَ، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابن عباس: ((أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ جامِدٍ لِآلِ مَيْمُونَةَ

)) الحديث.

وهذا إسنادٌ رجالُهُ ثقاتٌ رجال الشيخين إلَّا أنَّ أبا داود الطيالسي -وإن كان ثقةً حافظًا- فهو مع ذلك كثير الخطأ، كما قال أبو حاتم في (الجرح والتعديل 4/ 113)، وقال الحافظ إبراهيم بن سعيد الجوهري:((أخطأ فى ألف حديث))! (تهذيب التهذيب 4/ 184)، واعتمد كلامَه الذهبيُّ في (الكاشف 2082). وقال في (الميزان 2/ 203):((ثقة أخطأ في أحاديث))، وقال ابن حجر:((ثقة حافظ غَلِطَ في أحاديث)) (التقريب 2550).

وقد أخطأ في هذا الحديث في إسناده ومتنه:

فأما السند: فقد أَسْقَطَ منه ميمونةَ، والصواب ذِكْرُهَا، هكذا رواه جُلُّ أصحابِ ابنِ عُيَينَةَ، وانظر التعليق المذكور عقب الرواية الأُولى.

وأما المتن: فقد زاد فيه لفظة: ((جَامِدٍ)) مخالفًا بذلك جميعَ الرُّواةِ عنِ ابنِ عُيَينَةَ؛ فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة.

ولذا قال ابن عبد الهادي: ((عند أبي داود الطيالسي، وأحمد، والنسائي: ((فِي سَمْنٍ جَامِدٍ))! ، وفي هذه الزيادة نظر)) (المحرر في الحديث صـ 469).

ص: 248

وقال ابن حجر: ((ولم يذكر أحد منهم لفظة: ((جَامِدٍ)) إِلَّا عبد الرحمن بن مهدي، وكذا ذكرها أبو داود الطيالسي في (مسنده)، عن سفيانَ بنِ عُيَينَةَ عن ابن شهاب، ورواه الحميديُّ والحُفَّاظُ من أصحاب ابنِ عُيَينَةَ بدونها، وجوَّدوا إسنادَه فذكروا فيه:(ابن عباس، وميمونة) وهو الصحيح)) (فتح الباري 1/ 344). وتبعه الزرقاني في (شرح الموطأ 4/ 600).

وأما حديث أبي هريرة:

فرواه الطبرانيُّ في (الأوسط 2452) عن أبي مسلم الكَشِّيُّ، قال: نا أبو عمر الضرير قال: نا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيّب، عن أبي هريرة: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ جَامِدٍ؟

)) الحديث.

ورواه أبو نعيم في (الحلية 3/ 380): من طريق أبي مسلم الكَشِّيُّ، به.

وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، عدا أبي عمر الضرير وهو حفص بن عمر البصري الأكبر، قال فيه الحافظ:((صدوق عالم)) (التقريب 1421)، وانظر:(تهذيب التهذيب 2/ 412).

وقد خالفه جماعة عن يزيدَ بنِ زُرَيْعٍ، فلم يذكروا هذه اللفظة.

فرواه البزار (7720) عن أحمد بن عَبْدَةَ الضبيِّ.

ورواه الدارقطني في (العلل 3/ 431) من طريقي العباس بن الوليد النرسي، ومحمد بن عمرو بن أبي مذعور.

ثلاثتهم (الضبي، والنرسي، وابن أبي مَذْعُورٍ): عن يزيدَ بنِ زُرَيْعٍ به، بدون هذه اللفظة.

ص: 249

وأحمد بن عَبْدَةَ: ((ثقة من رجال مسلم)) (التقريب 74)، والعباس بن الوليد النَّرْسِيُّ:((ثقة من رجال الشيخين)) (التقريب 3193)، ومحمد بن عمرو بن أبي مَذْعُورٍ: وَثَّقَهَ الدارقطنيُّ كما في (تاريخ بغداد 4/ 219).

وأيضًا قد رواه جمعٌ عن مَعْمَرٍ، منهم: عبد الرزاق، وعبد الأعلى، وغندر، وعبد الواحد بن زِياد، ومحمد بن دينار الطَّاحِيُّ، ولم يأتِ عن أحدٍ منهم تَقْيِيدُ السَّمْنِ بالجامدِ، وإن وقع في روايتهم خلاف آخر سيأتي ذكره عند الكلام على حديث أبي هريرة.

وعليه: فهذه اللفظة شاذَّةٌ من طريق يزيدَ بنِ زُرَيْعٍ، وإِن كان هذا الطريق معلولًا، كما سيأتي.

وبالإضافة إلى ما تقدم من العلل التي ضُعِّفتْ بها الطرق التي جاء فيها تَقْيِيدُ السَّمْنِ بالجامدِ؛ هناك علل أخرى ذكرها بعضُ العلماء في تضعيف هذه اللفظة، منها:

1 -

أن البخاريَّ روى في (صحيحه 5539) بسنده، عن الزُّهريِّ، (أنه سئل): عن الدَّابةِ تموتُ في الزيتِ والسَّمنِ، وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها؟ فقال:((بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَأَمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ، ثُمَّ أُكِلَ)).

فأفتى بالحديث وليس فيه القَيْدُ المذكور، وهو في أمسِّ الحاجة إليه؛ إِذْ إِنَّ السُّؤالَ عنه، ولذا قال ابن حجر:((قوله: (عنِ الزُّهري، عن الدابة -أي: في حكم الدابة- تموت في الزيت والسمن .. إلخ) ظاهرٌ في أن الزُّهريَّ كان في هذا الحكم لا يفرِّقُ بيْن السَّمْنِ وغيرِه، ولا بيْنَ الجامد منه والذَّائب؛ لأنه ذكر ذلك في السؤال ثم استدلَّ بالحديث في السمن، أما

ص: 250

عدم الفرْق بين الذائب والجامد؛ فلأنه لم يُذْكَرْ في اللفظ الذي استدلَّ به، وهذا يقدح في صحة من زاد في هذا الحديث عنِ الزُّهريِّ التفرقة بين الجامد والذائب

؛ لأنه لو كان عنده مرفوعًا ما سَوَّى في فَتْوَاه بيْن الجامدِ وغير الجامد، وليس الزُّهريُّ ممن يُقالُ في حَقِّهِ لعلَّه نَسِيَ الطريقَ المفصلةَ المرفوعةَ؛ لأنه كان أحفظَ الناس في عصره فخَفاءُ ذلك عنه في غاية البُعدِ)) (الفتح 9/ 669).

2 -

أن الغالب على سَمْنِ الحِجَازِ أن يكونَ مائعًا، وكونه جامدًا نادر، والسؤال في الغالب لا يقعُ إِلَّا على الغالب.

قال ابن تيمية: ((ذكر البخاري رضي الله عنه هذا ليبين أن مَن ذَكَرَ عنِ الزُّهري أنه رَوى في هذا الحديث هذا التفصيل فقد غَلِطَ عليه؛ فإنه أجاب بالعموم في الجامد والذائب مُستدلًا بهذا الحديث بعينه، لا سيَّما والسمن بالحجاز يكون ذائبًا أكثر مما يكون جامدًا؛ بل قيل: إنه لا يكون بالحجاز جامدًا بحال، فإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم الجوابَ من غير تفصيل يوجب العموم إذِ السُّؤالُ كالمعاد في الجواب فكأنه قال: إذا وقعت الفأرة في السمن فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم)) (مجموع الفتاوى 21/ 527).

وقال ابن عبد الهادي: ((الغالب على سمن الحجاز أن يكون مائعًا، وكونه جامدًا نادر، والسؤال في الغالب لا يقع إِلَّا على الغالب، ولأن حكم الجامد ظاهر، وإنما المشكل المائع، فالظاهر أن السؤال كان عنه، أو عن أعمِّ منه، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستفصل، والله أعلم)) (تنقيح التحقيق 4/ 81).

وبنحو هذا قال ابن قدامة في (المغني 1/ 29)، وابن مفلح في (المبدع في شرح المقنع 1/ 211).

ص: 251

3 -

ولعلَّ من أسباب زيادة هذه اللفظة رواية الحديث بالمعنى؛ لأَنَّ احتمال دخول الخطأ والغلط في الرواية بالمعنى أقوى منه من الرواية باللفظ؛ فإن قوله: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا))؛ فَهِمَ منه كثيرٌ من أهل العلم أن هذا حكم الجامد؛ لأَنَّ المائعَ ليس له حول؛ فقال الإمام مالك بإثره: ((يعني: إذا كان جامدًا فماتت فيه، أما إذا ماتت فيه وهو ذائب فلا يُؤكل)) (الموطأ برواية ابن زياد 107). وفي هذا دليل آخر على خطأ رواية من رواه عن مالك بزيادة: ((جَامِدٍ))؛ لأنها لو كانت موجودة في النصِّ لديه، لم يحتج أن يقول:((يعني: إذا كان جامدًا))، والله أعلم.

وقال ابنُ العربي: ((قال المفسرون: قوله: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا)) يدلُّ على أنه جامد، إذْ لو كان مائعًا لما كان حول)) (عارضة الأحوذي 7/ 301).

بل نقل بعضُهم الإجماعَ على ذلك؛ فقال ابن بطال: ((والعلماء مجمعون أن هذا حكم السمن الجامد تقع فيه الميتة أنها تلقى وما حولها ويُؤكَلُ سَائره)) (شرح صحيح البخارى 5/ 451).

وقال العيني: ((قوله: (أَلْقُوهَا) يدلُّ على أن السَّمْنَ كان جامدًا

وقامَ الإجماعُ على أن هذا حُكم السمن الجامد)) (عمدة القاري 21/ 138).

[تنبيهان]:

الأول: أخرج ابنُ الجوزي الحديثَ من طريق الأوزاعيِّ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله به، وذكر في متنه لفظة:((سَمْنٍ جَامِدٍ))، ثم قال:((انفرد بإخراجه البخاري)) (التحقيق 1470).

وتعقبه ابن عبد الهادي؛ فقال: ((هذا الحديث لم يخرجه البخاري من حديث الأوزاعي، إنما رواه من حديث سفيان وغيره عن الزُّهريِّ، وليس عنده:

ص: 252

(جامد)

ولم يخرجه أحد من أصحاب السنن أيضًا من حديث الأوزاعي)) (التنقيح 4/ 80 - 81).

الثاني: قال ابن أبي حاتم: ((وسألتُ أَبي وأَبَا زُرْعَةَ: عن حديث رَوَاهُ القَعنَبيُّ، عن مَالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عُبَيدِ الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: عَنِ السَّمْنِ الجَامِدِ تَقَعُ فِيهِ الفَأْرَةُ؟ )) (العلل 4/ 378).

والذي يظهر أن هذا من ابن أبي حاتم من باب ذكر الحديث بالمعني، لا سيَّما وهو في معرض السؤال، وليس الرواية، وإلا فقد أخرجه ابنُ المنذر في (الأوسط 866)، والغافقيُّ في (مسند الموطأ 184) من طريق القعنبي، عن مالك به، وليس فيه هذه اللفظة.

وقد تقدَّم عنِ الحافظ أنه قال -بعد ذِكْرِهِ خلاف الرواة على مالك-: ((ولم يذكرْ أَحدٌ منهم لفظة (جَامِدٍ) إِلَّا عبد الرحمن بن مهدي)) (فتح الباري 1/ 344).

ص: 253

روايةُ التَّفْصِيلِ:

• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ مَيْمُونَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ سُئِلَ: عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ؟ فَقَالَ: ((إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ)).

[الحكم]:

شاذٌّ بهذا السياق، والمحفوظ عن ميمونة بلا تفريق بين الجامد والمائع، كما تقدَّم في (الصحيح).

[التخريج]:

[د 3795 ((ولم يذكر متنه)) / ن 4298 ((واللفظ له)) / كن 4782/ حم تحت رقم 7602

(1)

/ حب 1387، 1390/ عب 280/ طب (23/ 430/ 1045)، (24/ 15/ 26، 27) / حق 2009 ((ولم يذكر متنه)) / مث 3100/ منذ 867/ هق تحت رقم 19653/ تمهيد (9/ 38) / محلى (1/ 141) / ذهلي (تمهيد 9/ 39)].

[التحقيق]:

ورد هذا السياق من حديث ميمونة من ثلاثة طرق:

الطريق الأول:

رواه أبو داود (3795): عن أحمدَ بنِ صَالحٍ.

ورواه النسائي: عن خُشَيْشِ بنِ أَصْرَمَ.

كلاهما قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن بُوْذَوَيْه،

(1)

ووقع في ط قرطبة في هذا الموضع خطأ غريب، ينظر له ط الرسالة.

ص: 254

عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ، به.

وكذا رواه أحمد، وإسحاق، والطبراني (23/ 1045)، (24/ 26) وابن أبي عاصم، وابن حبان (1494)، وابن عبد البر: من طرقٍ، عن عبد الرزاق، عن ابن بُوْذَوَيْه، به.

وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الصحيح، عدا ابن بُوْذَوَيْه، وهو عبد الرحمن بن عمر بنِ بُوْذَوَيْه: ذكره أحمد بن حنبل وأثنى عليه خيرًا (الجرح والتعديل 5/ 217)، وقال محمد بن يحيى الذُّهْلِيُّ: ((وكان من متثبتيهم

(1)

)) (التمهيد 9/ 39)، ولذا وَثَّقَهُ الذهبيُّ في (الكاشف 3156)، أما الحافظ فقال في (تعجيل المنفعة 2/ 493):((مجهول))، وقال في (التقريب 3818):((مقبول))! . وهذا منه غير مقبول.

وقد جَزَمَ عبدُ الرزاق في (المصنف 280) -ومن طريقه ابن المنذر،

(1)

في مطبوع (التمهيد ط. المغرب): (مثبتيهم) - كذا في (تهذيب التهذيب 4/ 149) -، والمثبت من ط. هجر (23/ 174) ضمن (موسوعة شروح الموطأ)، وقد نَسب بعضُهم هذه الكلمة لعبد الرزاق، والذي يَظهر لنا من سياق ورودها أنها للذهلي، وهذا سياقه في ط. هجر: ((قال محمد بن يحيى: فقد حكى عبد الرزاق، عن صاحبه عبد الرحمن بن بوذويه -وكان من متثبتيهم- أن معمرًا رواه عن الزُّهْرِيّ، عن عبيد الله

)). ثم إنه قد رواه جماعة عن عبد الرزاق، عن ابنِ بُوْذَوَيْه، ولم يذكروا هذه الكلمة، فدلَّ على أنها للذُّهْليِّ لا لعبد الرزاق، ومما يؤكد ذلك أيضًا: أن الذُّهْليَّ في مقام الاحتجاجِ والاسْتِدلَالِ بهذه الرواية على صحة رواية مَعْمَرٍ للحديث على الوجهين، فهو إذن في حاجة للكلام على رجاله بخلاف عبد الرزاق، والله أعلم.

ص: 255

وابن حزم- أن معمرًا رواه كذلك، فقال -عقب حديث أبي هريرة الآتي ذكره، وفيه التفريق بين الجامد والمائع-:((وقد كان مَعْمَرٌ أيضًا يذكره، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونةَ)).

وفي (سنن أبي داود 3794) -ومن طريقه البيهقي في (السنن تحت رقم 19653) -: عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، قال:((وربما حدَّث به مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابنِ عباس، عن ميمونةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم).

فهذا يدلُّ على أن معمرًا كان يرويه تارة عن الزُّهريِّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، وتارة عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابنِ عباس، عن ميمونةَ.

ولذا عدَّ ذلك بعضُ العلماء اضطرابًا من مَعْمَرٍ، وخَطَّؤُوهُ في سَنَدِهِ ومَتْنِهِ، وسيأتي بيانُ ذلك مفصلًا تحت حديث أبي هريرة الآتي قريبًا فانظره هناك.

[تنبيه]:

روى ابنُ راهويه في (مسنده 2009) هذا الحديثَ عن عبد الرزاق، عن ابنِ بُوْذَوَيْه به، ولم يَذْكُرْ مَتْنَهُ، كأنَّه يُحيلُ على مَتْنِ حديثِ ابنِ عُيَينَةَ (السابق له) مع ما بينهما من فَارقٍ كبيرٍ! ، إِذْ إِنَّ حديثَ ابنِ عُيَينَةَ الذي ذَكَرَه قبل حديث مَعْمَرٍ ليس فيه نصٌّ على التفريقِ بيْن الجامدِ والمائِعِ، كما ذُكِرَ في حديثِ مَعْمَرٍ، وقد رَواه ابنُ حِبَّانَ من طريق ابنِ راهويه، كما هنا بالتفرقة بيْن الجامدِ والمائِعِ، وهو:

ص: 256

الطريق الثاني:

رَواه ابنُ حِبَّانَ (1392) قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأَزْدِيُّ، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا سفيان، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابنِ عباس، عن ميمونةَ، به.

وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين عدا عبد الله بن محمد، وهو ابن عبد الرحمن بن شِيْرَوَيْه، إمام حافظ فقيه، وهو راوي مسند إسحاق بن راهويه، وقد سمعه منه كاملًا (تذكرة الحفاظ 2/ 198)، و (السير 14/ 166).

وقد انْتَقَدَ كثيرٌ من أهل العلم هذا الحديث على إسحاقَ بنِ رَاهويه؛ لمخالفته رواية الجماعة، عن ابنِ عُيَينَةَ به، بلفظ الرواية الأُولى، وليس فيها التفريق بين الجامد والمائع، كذا رواه البخاري، عن الحميدي، عن ابنِ عُيَينَةَ، وكذا رواه عن ابنِ عُيَينَةَ: أحمد، والشافعي، ومسدد، وجماعة من الثقات الأثبات.

قال الذهبي: ((ما علمنا استغربوا من حديث ابن راهويه على سعة علمه سوى حديث واحد وهو حديثه عن سفيانَ بنِ عُيَينَةَ، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابنِ عباس، عن ميمونةَ في الفَأْرِ الَّتِي وَقَعَتْ في سَمْنٍ؛ فزاد إسحاق في المتن -من دون سائر أصحاب سفيان- هذه الكلمة: ((وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فَلَا تَقْرَبُوهُ))، ولعلَّ الخطأ فيه من بعضِ المتأخرين -أو من راويه- عن إسحاق)) (السير 11/ 378).

وقال في (الميزان/ ترجمة إسحاق 1/ 183): ((وذُكِرَ لشيخنا أبي الحجاج حديث؟ فقال: قيل: إسحاق اختلط في آخر عمره، قلت: الحديث ما رواه

ص: 257

عنِ ابنِ عُيَينَةَ

فزاد فيه إسحاق -من دون أصحاب سفيان-: ((وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فَلَا تَقْرَبُوهُ))، فيجوز أن يكون الخطأ ممن بَعْدِ إسحاق)). وقال أيضًا:((ولا ريب أن إسحاقَ كان يحدِّثُ الناس من حفظه، فلعلَّه اشْتَبَهَ عليه، والله أعلم)).

وقال ابنُ القيم عن روايةِ ابنِ راهويه: ((إِنَّ كثيرًا من أهل الحديث جعلوا هذه الرواية موهومة معلولة؛ فإن الناس إنما رووه عن سفيان، عن الزُّهريِّ مثل ما رواه سائر الناس عنه كمالك وغيره من غير تفصيل، كما رواه البخاري وغيره)) (تهذيب السنن 10/ 228).

وقال ابن حجر: ((قوله: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا)) هكذا أورده أكثر أصحاب ابن عُيَينَةَ عنه، ووقعَ في (مسند إسحاق بن راهويه)، ومن طريقه أخرجه ابن حبان بلفظ:((إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ، وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا فَلَا تَقْرَبُوهُ)) وهذه الزيادة في رواية ابنِ عُيَينَةَ غريبة)) (فتح الباري 9/ 668).

وقال أيضًا -تعليقًا على فتوى الزُّهريِّ والتي تقدم ذكرها-: ((وهذا يَقْدَحُ في صحة من زاد في هذا الحديث عن الزُّهريِّ التفرقة بين الجامد والذائب - كما ذُكِرَ قَبْلُ عن إسحاقَ- وهو مشهورٌ من رواية مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ)) (فتح الباري 9/ 669).

[تنبيهات]:

الأول: رواه إسحاق بنُ راهويه في (مسنده 2007) عن سفيانَ بنِ عُيَينَةَ به، بلفظِ:((أَلْقُوْهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ)) مثل رواية الجماعة عنِ ابنِ عُيَينَةَ، ولم نجدِ التفصيل بيْن الجامد والمائع في مسنده، ولكن جزم الحافظ في (التلخيص 3/ 9) وفي (الفتح 9/ 668) بأن إسحاقَ قد أخرجه بهذا اللفظ في

ص: 258

(مسنده)، ورواه ابنُ حِبَّانَ، عن ابنِ شِيْرَوَيْه (راوي المسند)، عنه كذلك، كما تقدَّم، ولكن قال ابنُ رجب في (شرح علل الترمذي 2/ 840) مُسْتَشْهِدًا لروايةِ مَعْمَرٍ بالتفرقة بيْن الجامد والمائع:((وكذلك رواه إسحاق بن راهويه عن سفيانَ بنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهريِّ، لكنه حَمَلَ حديثَ ابنِ عُيَينَةَ على حديثِ مَعْمَرٍ)).

فابن رجب هنا يقول: إن ابنَ راهويه حَمَلَ حديثَ ابنِ عُيَينَةَ على حديثِ مَعْمَرٍ، والذي في المطبوع من (مسنده) -كما أشرنا إليه قريبًا- أنه حَمَلَ حديثَ مَعْمَرٍ على حديثِ ابنِ عُيَينَةَ، فيستخلص من ذلك أن ابنَ راهويه كان أحيانًا يحمل متنَ حديثِ ابنِ عُيَينَةَ على حديثِ مَعْمَرٍ، وأحيانًا يحمل متنَ حديثِ مَعْمَرٍ على حديثِ ابنِ عُيَينَةَ، ولعلَّ هذا هو السبب في اختلافِ الروايات عنه، والله أعلم.

الثاني: قال ابن حجر: ((قد أَنْكَرَ جماعةٌ فيه التفصيل اعتمادًا على عدمِ وروده في طريقِ مالك ومَن تبعه، لكن

أخرجه إسحاق بنُ راهويه في (مسنده)، عنِ ابنِ عُيَينَةَ، وَوَهِمَ من غلَّطَه فيه ونَسَبَهُ إلى التغيُّر في آخر عُمره، فقد تابعه أبو داود الطيالسيُّ فيما رواه في (مسنده) عن ابنِ عُيَينَةَ، والله أعلم)) (التلخيص 3/ 9).

كذا قال هنا، وفيه نظر من وجهين:

الأول: قوله: بأن الطيالسيَّ تابع ابنَ راهويه؛ ليس كذلك؛ لأَنَّ روايةَ الطيالسيِّ فيها: ((تَقْيِيد السَّمْنِ بالجامدِ فقط))، أما روايةُ ابنِ راهويه؛ ففيها ((التفصيل بين الجامد والمائع)) كما تقدَّم، وقد تفرَّد به عن ابنِ عُيَينَةَ كما ذكر الحافظ نفسه في ((الفتح))، حيث قال: ((وتقدَّم التنبيهُ على الزيادة التي وقعت في روايةِ إسحاقَ بنِ راهويه، عن سفيانَ وأنه تفرَّد بالتَّفْصِيلِ، عن سفيانَ دون

ص: 259

حُفَّاظِ أصحابِه مثل أحمد، والحميدي، ومسدد، وغيرهم)) (فتح الباري 9/ 669).

الثاني: قوله: ((أخرجه إسحاق بن راهويه في (مسنده)، عن ابنِ عُيَينَةَ، وَوَهِمَ مَنْ غلَّطَه فيه))؛ فيه دلالة على تصحيحه لهذه الزيادة عن ابنِ عُيَينَةَ، خِلَافًا لما سبق نقله عنه في (الفتح)، حيث ردَّ هذه الزيادة في أكثر من موضع؛ فقال:((وهذه الزيادة في روايةِ ابنِ عُيَينَةَ غريبةٌ)) (فتح الباري 9/ 668)، وأكَّدَهُ في موضع آخر فقال: ((وهذا يَقْدَحُ في صحة مَن زَادَ

التفرقة بين الجامد والذائب، كما ذُكِرَ قَبْلُ عن إسحاقَ)) (فتح الباري 9/ 669).

وقوله في ((الفتح)) هو المعتمد؛ لأمرين:

الأول: أن آخرَ الكتابين انتهاءً هو (الفتح)؛ فقد فَرَغَ الحافظُ من (التلخيص) سنة عشرين وثمانمائة كما في خاتمة (التلخيص 4/ 404)، وأما (الفتح)؛ فقد ذكر السخاوي في (الجواهر والدرر 2/ 675) أن الحافظ ابتدأ فيه سنة سبعة عشر وثمانمائة، وانتهى سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة سِوَى ما أَلحقَ فيه بَعْدَ ذلك، فلم يَنْتِهِ إِلَّا قُبيل وفاة المؤلفِ بيسيرٍ.

الثاني: أن الكتاب الذي راجعه وحرَّره الحافظُ وَرَضِيَهُ هو كتاب (فتح الباري)؛ حيثُ قال: ((لَسْتُ رَاضِيًا عن شيءٍ من تصانِيفي؛ لأني عَمِلْتُهَا في ابتداءِ الأَمرِ، ثم لم يَتَهَيَّأْ لِي مَن يُحَرِّرُهَا معي، سوى (شرح البخاري)، و (مقدمته)، و (المشتبه)، و (التهذيب)، و (لسان الميزان)))، وقال السخاوي:((رأيتُه في موضع أَثْنَى على (شرح البخاري)، و (التغليق)، و (النُّخْبَةِ)، ثم قال: وأما سائر المجموعات، فهي كثيرة العدد، واهية العُدَد، ضعيفة القُوَى، ظامئة الروى)) (الجواهر 2/ 659).

ص: 260

وقال الحافظ أيضًا عن شرح البخاري: ((فلمَّا كان بعد خمس سنين -أو نحوها- وقد بُيضَ منه مقدار الرُّبع على طريقةٍ مُثْلَى، اجتمعَ عندِي من طلبةِ العلمِ المهرةِ جماعةٌ وافقوني على تحريرِ هذا الشرح

فصَار السِّفْرُ لا يَكْمُلُ منه إِلَّا وقد قُوبِلَ وحُرِّرَ، ولزمَ من ذلك البُطء في السَّيرِ لهذه المصلحةِ إلى أنْ يَسَّرَ اللهُ تعالى إكْمَاله)) (الجواهر 2/ 676).

التنبيه الثالث:

وقع في (المصنف لعبد الرزاق 280) -ومن طريقه ابن المنذر، وابن حزم- ما يوهم متابعة لابن راهويه، حيث قال -عقب حديث أبي هريرة الآتي ذِكْرُهُ، وفيه التفريق بين الجامد والمائع-: وقد كان مَعْمَرٌ أيضًا يذكره، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة. وكذلك أخبرناه ابنُ عُيَينَةَ.

ولكن الظاهر أن عبد الرزاق أراد السَّندَ فقط، دون المتن، وسبق عن الحافظ وغيره بأن الحديث بهذا اللفظ لم يروه عن ابنِ عُيَينَةَ إِلَّا إسحاق، ولم يذكر أحدٌ منهم روايةَ عبدِ الرزاق هذه، والله أعلم.

الطريق الثالث:

رواه الطبراني في (الكبير 24/ 15/ 27) قال: حدثنا أحمد بن عمرو القطراني، حدثنا خالد بن عبد الله (الواسطي)، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ به، واختَصرَ مَتْنَهُ قائلًا:((مثله)).

فأحالَ على ما قبله، وهو من روايةِ ابنِ بُوْذَوَيْه عن مَعْمَرٍ، بالتفرقة بين الجامد والمائع.

ص: 261

وأحمد بن عمرو القطراني، ذكره ابن حبان في (الثقات 8/ 55)، وقال الذهبي:((المحدث الثقة)) (السير 13/ 506)، وانظر:(إرشاد القاصي والداني 154).

وحَمْل روايتِه عن خالدٍ على روايةِ مَعْمَرٍ -التي فيها التفرقة- صنيعٌ غيرُ سديدٍ.

فقد رواه ابنُ أبي عاصم في (الآحاد والمثاني 3101) عن الحسن بن علي الواسطي، نا خالد بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزُّهريِّ به وقال:((مثل حديث ابنِ عُيَينَةَ))، أي: الذي رواه قبله بلا تفرقة.

والحسن بن علي بن راشد، وَثَّقَهُ ابنُ المديني وبَحْشَلٌ، وقال ابن حبان:((مستقيم الحديث جدًّا))، وقال ابن عَدِي:((لم أرَ بأحاديثِه بأسًا إذا حدَّث عنه ثقة))، وقال ابن قانع:((وكان صالحًا)) (تهذيب التهذيب 2/ 295)، فروايتُه أولى بالصواب؛ وعليه: تكون رواية عبد الرحمن بن إسحاق مثل رواية مالك، وابنِ عُيَينَةَ، عن الزُّهريِّ؛ بدون التفرقة بين الجامد والمائع.

وهناك علة أخرى: ذكرها ابن تيمية، وهي أن ابن عباس (وهو راوي الحديث) أفتى بأن الزيتَ أو السَّمْنَ إذا كان مَائِعًا ووقعتْ فيه فأرةٌ فتُؤْخَذُ وما حولها:

فقد روى أحمد، كما في ((مسائل ابنه صالح)) -كما في (مجموع الفتاوى 21/ 497)، و (نقد مراتب الإجماع صـ 299 - 300)

(1)

-: عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ عَنْ عِمَارَةَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ ابنَ عبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ فأْرةٍ

(1)

ولم نقف عليه في المطبوع من (مسائل صالح).

ص: 262

مَاتَتْ في سَمْنٍ؟ قَالَ: ((تُؤْخَذُ الفَأْرَةُ وَمَا حَولَهَا))، قُلْتُ: يَا مَولَاي! فِإنَّ أَثرَهَا كَانَ فِي السَّمْنِ كُلِّهِ، قَالَ:((إنمَا كَانَ أَثَرُهَا بالسَّمْنِ وَهِيَ حَيَّةٌ، وَإنَّمَا مَاتَتْ حَيثُ وُجِدَتْ)).

وهذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجاله رجال الصحيح، كما قال ابن حجر في (فتح الباري 9/ 669).

وورواه أحمد أيضًا -كما في المصدر السابق-: عَنْ وَكِيعٍ، ثَنا النَّضْرُ بنُ عَرَبِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى ابنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ: عَنْ جَرٍّ فِيهِ زَيْتٌ وَقَعَ فِيهِ جُرْذٌ؟ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: ((خُذْهُ وَمَا حَوْلَهُ فَأَلْقِهِ وَكُلْهُ))، قُلْتُ: أَليسَ جَالَ في الجَرِّ كُلِّهِ؟ قال: ((إِنَّهُ جَالَ وَفِيهِ الرُّوحُ فَاسْتَقَرَّ حَيْثُ مَاتَ)).

وهذا إسنادٌ حسنٌ؛ من أجل النضر بن عربي الباهلي؛ فقد وثقه جماعة، وقال آخرون:((لا بأس به))، وكذا قال الحافظ في (التقريب 7145)، وانظر:(تهذيب التهذيب 10/ 442).

قلنا: فهذه فتوى ابن عباس مع أنه راوي الحديث، فكيف يكون عنده الحديث بالتفريق بين الجامد والمائع، ويفتي بضده؟ ! فلو كان عنده بالتفريق لأَفْتَى به واحتجَّ بالحديث، وانظر:(مجموع الفتاوى 20/ 519 - 520، 21/ 497 - 498).

قلنا: وقد بَوَّبَ ابنُ رَجبٍ في (شرح العلل): ((قاعدة في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه))، وقال: ((قد ضعَّفَ

(1)

الإمامُ أحمدُ وأكثرُ الحفَّاظ أحاديثَ كثيرة بمثلِ هذا)) (شرح علل الترمذي 2/ 888). وقد أعلَّ

(1)

في طبعة همام: ((ضعفه))، والصواب بدون الضمير، كما في طبعة عتر (2/ 796).

ص: 263

الإمامُ مسلمٌ أيضًا أحاديثَ بمثلِ هذا، وانظر:(التمييز صـ 209)، وكذلك أبو داود في (سننه 1681، 1682)، وابن خزيمة في (صحيحه 1331)، والدارقطني في (السنن 486).

ص: 264

246 -

حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:

◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ؟ فَقَالَ: ((خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا [مِنَ السَّمْنِ] فَاطْرَحُوهُ)).

[الحكم]:

صحيحُ المتنِ، وأما إسنادُهُ فالصحيح فيه: عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، كما قال البخاريُّ، والترمذيُّ، وأبو حاتم، والذهليُّ، والدارقطنيُّ، وابنُ عبد البر، وابنُ حجر.

[التخريج]:

[طا (رواية محمد بن الحسن 984) / مي 2112 ((واللفظ له)) / منذ 866 ((والزيادة له ولغيره)) / مشكل 5358/ حل (3/ 379) / مطغ 187/ برق (جمع 4/ 253)، (التحفة 12/ 491)].

[السند]:

رواه محمد بن الحسن الشيباني في (الموطأ) قال: أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، به.

ورواه الدارمي، قال: حدثنا خالد بن مخلد، ثنا مالك، به.

ورواه ابن المنذر، والبرقاني، وأبو نعيم، من طريق القعنبي، عن مالك، به.

[التحقيق]:

هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، غير أن الصواب فيه (عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ) كذا رواه جماهير أصحاب مالك، وكذا رواه ابنُ عُيَينَةَ وغيرُه عنِ الزُّهريِّ.

ص: 265

ولذا اتفقَ النُّقَّادُ على أنَّ الصوابَ فيه: (عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ)، كما خرَّجه البخاريُّ ورجَّحَهُ - كما في (العلل الكبير للترمذي 552) -، وكذا رجَّحَهُ الترمذيُّ في (السنن عقب رقم 1904)، وأبو حاتم في (العلل 4/ 378، 392) -، ومحمد بن يحيى الذُّهْليُّ وابنُ عبدِ البرِ -كما في (التمهيد 9/ 33 - 35)، و (الاستذكار 27/ 218 - 219) -، والدارقطنيُّ في (العلل 9/ 259)، وابنُ حجر في (الفتح 1/ 344، 9/ 668).

روايةُ: يُقَوِّرُوا:

• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّ مَيْمُونَةَ اسْتَفْتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ؛ فَأَمَرَ أَنْ يُقَوِّرُوا مَا حَوْلَهَا فَيُرْمَى بِهِ)).

[الحكم]:

شاذٌّ بهذا السياق.

[التخريج]:

[علقط (9/ 259/ 4007)].

[السند]:

رواه الدارقطني: عن أبي علي المالكيِّ، قال: حدثنا بُنْدَار، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، به.

[التحقيق]:

وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، عدا شيخ الدارقطنيِّ وهو محمد بن

ص: 266

سليمان أبو عليٍّ المالكيِّ، قَاضِي البَصْرةَ، قال فيه الذهبي:((رَحَلَ الناسُ إليه .. وكان صَدُوقًا)) (تاريخ الإسلام 7/ 614)، وقال في (الميزان 3/ 572):((لا بأس به إِن شاء الله)).

لكن قال الحسن بن علي -المعروف بابنِ غُلَام الزُّهري-: ((ليس هو بذاك))، قال السَّهْمِي:((قلت له: لأيِّ سَببٍ؟ قال: بلغني أنه كان قد حدَّثَ في أيام السَّاجِي، عنِ ابنِ أبي عُمَرَ العَدَنِيِّ، فبلغ بذلك الساجي، فقال: من أين له ابن أبي عمر، وإنما حَجَجْتُ قَبْلَهُ، وكان قد مَاتَ ابنُ أبي عمر))، قال:((ثم أمسك، ولم يحدِّثْ بعد ذلك عنه بشيء، وكان قد أَفْسَدَهُ ابنُهُ)) (سؤالات السهمي 68).

ولعلَّ لذلك استثنى فيه الذهبي، فمثله قد يُحسَّنُ حديثُه، لكن عند المخالفة فلَا، وقد خُولف هنا في سَنِدِهِ وَمتْنِهِ:

أما سنُدُه: فالمحفوظ فيه: (عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ) كما تقدَّم.

وأما مَتْنُهُ: فقد تفرَّد بهذا السياق، وقد رواه الثقاتُ الحفاظُ، عن مالكٍ، وابنِ عُيَينَةَ، وغيرهما، عن الزُّهريِّ به:((أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ .. ))، هكذا مبني للمجهول، وبلفظ:((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا))، وفي رواية:((خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطرَحُوهُ)) كما تقدَّم عند البخاريِّ وغيرِه، ولم يذكر أحدٌ منهم:((يُقَوِّرُوا مَا حَوْلَها)).

ص: 267

روايةُ ((أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ، فِي سَمْنٍ جَامِدٍ لِآلِ مَيْمُونَةَ)):

• وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ، فِي سَمْنٍ جَامِدٍ لِآلِ مَيْمُونَةَ، ((فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُؤْخَذَ الفَأْرَةُ وَمَا حَوْلَهَا)).

[الحكم]:

صحيحٌ دون قوله: ((جَامِدٍ لِآلِ مَيْمُونَةَ)) فشَاذٌّ.

[التخريج]:

[طي 2839].

[السند]:

قال الطيالسي: ثنا سفيان بن عُيَينَةَ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، به.

[التحقيق]:

وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين إِلَّا أَنَّ أبا داود الطيالسيَّ -وإِن كان ثقةً حافظًا- فهو مع ذلك كثير الخطأ، وقد أخطأ في هذا الحديث في إسنادِهِ ومَتْنِهِ:

فأما السندُ: فقد أسقط منه ميمونة، والصواب ذِكْرُهَا.

وأما المتنُ: فقد زاد فيه: ((جَامِدٍ لِآلِ مَيْمُونَةَ)) مخالفًا بذلك جميع الرواة عن ابنِ عُيَينَةَ؛ فلم يذكرْ أحدٌ منهم هذه اللفظة.

ولذا تكلَّم فيها ابنُ عبد الهادي في (المحرر في الحديث صـ 469)، وابن حجر في (الفتح 1/ 344). وقد تقدَّم نصُّ كلامهما، مع تفصيل الكلام على هذه الرواية عند تحقيق زيادة:((جَامِدٍ)) في حديث ميمونة، فانظره هناك.

ص: 268

[تنبيه]:

قال العقيلي في (الضعفاء 2/ 578): ((ورواه الأوزاعي، وعبد الرحمن بن إسحاق، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس، ولم يذكرا ميمونة))، وكذلك قال الدارقطني في (العلل 9/ 258) عن الأوزاعيِّ، وابن عبد البر في (التمهيد 9/ 35)، والذهبي في (تاريخ الإسلام 10/ 308).

قلنا: الذي وقفنا عليه من روايتهما بذكر ميمونة كرواية الجماعة.

فقد أخرجه أحمد (26803) من طريق الأوزاعي.

وأخرجه ابنُ أبي عاصم في (الآحاد والمثاني 3101)، والطبرانيُّ في (الكبير 24/ 27) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، كلاهما: عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ.

ص: 269

247 -

حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:

• عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: ((سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ (تَمُوتُ) فِي السَّمْنِ، فَقَالَ:((إِنْ كَانَ جَامِدًا؛ فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا؛ فَلَا تَقْرَبُوهُ)).

[الحكم]:

مُخْتَلَفٌ فيه: فأعلَّه: البخاريُّ -وأقرَّه البغويُّ، وابنُ العربي، وغيرُهما-، والترمذِيُّ، وأبو حاتم، والعقيليُّ، وأبو العباس العصميُّ، وابنُ عساكر، وابنُ تيمية، وابنُ القيم، وابنُ عبد الهادي، والزركشيُّ، وابنُ حجر، والألبانيُّ. وحُكي إعلاله أيضًا عن أبي زُرْعَةَ، والدارقطنيِّ، وهو ظاهر كلام ابن عبد البر، وأشار إلى إعلاله أيضًا: ابنُ عُيَينَةَ، والبزارُ، والطبرانيُّ، وغيرُهم.

بينما احتجَّ به أحمدُ -ونقل عنه ابنُ رجبٍ تصحيحه-، وصححه محمد بن يحيى الذُّهْليُّ، وابنُ حِبَّانَ، والطحاويُّ، وابنُ حزمٍ، والنوويُّ، وهو ظاهر صنيع ابنِ رَجبٍ الحنبليِّ، وسَكَتَ عنه أبو داود.

والراجح: أنه معلول سندًا ومتنًا، والصحيح: عن ميمونةَ بدون التفرقة بين الجامد والمائع، كما تقدَّم عند البخاريِّ وغيرِهِ.

[الفوائد]:

قال ابن عبد البر: ((في هذا الحديث معانٍ من الفقه منها ما اجتُمِعَ عليه، ومنها ما اختُلِفَ فيه:

فأما ما اجْتَمَعَ عليه العلماءُ من ذلك: أن الفأرة ومثلها من الحيوان كلّه يموتُ في سَمْنٍ جامدٍ أو ما كان مثله من الجامدات؛ أنها تُطْرَحُ وما حولَها

ص: 270

من ذلك الجامد ويُؤكَلُ سائره إذا اسْتُيقِنَ أنه لم تَصِلْ الميتةُ إليه.

وكذلك أَجْمَعُوا: أن السَّمْنَ وما كان مثلُه إذا كان مَائِعًا ذَائبًا فماتتْ فيه فَأْرةٌ أو وقعتْ وهي ميتةٌ أنه قد نجس كلُّه، وسواء وقعتْ فيه مَيِّتَةٌ أو حيَّةٌ فماتت؛ يتنجس بذلك قليلًا كان أو كثيرًا، هذا قول جمهور الفقهاء وجماعة العلماء

واختَلَفُوا: في الزيت تقع فيه الميتة -بعد إجماعهم على نجاسته-: هل يستصبح به؟ . وهل يباع وينتفع به في غير الأكل؟ )) (التمهيد 9/ 40 - 41).

وقال ابن حجر: ((أَخَذَ الجمهورُ بحَديثِ مَعْمَرٍ الدالّ على التفرقة بين الجامدِ والذَّائِبِ، ونقل ابنُ عبد البر الاتفاقَ على أن الجامدَ إذا وقعتْ فيه ميتةٌ طُرِحَتْ وما حولَها منه إذا تحقق أن شيئًا من أجزائها لم يصل إلى غير ذلك منه، وأما المائِعُ: فاختلفوا فيه؛ فذهب الجمهور إلى أنه ينجس كله بملاقاة النجاسة)) (فتح الباري 1/ 344).

وقد سبقَ في فوائد حديثِ ميمونةَ، أن شيخَ الإسلامِ ابنَ تيميةَ انتصرَ لقولِ من يقولُ بأن المائعَ أيضًا لا يَنْجُسُ كُلّه، وحكمُهُ حُكْمُ الجامدِ. (مجموع الفتاوى 21/ 527 - 528).

[التخريج]:

[د 3794/ حم 7601 ((واللفظ له))، 7602/ حب 1388، 1389/ عب 279/ جا 883 ((والرواية له)) / منذ 867، 7795/ علقط (3/ 430 - 432/ 1357) / هق 19653/ بغ 2812/ تمهيد (9/ 37، 38) / قناع 183/ فق (1/ 519)، (2/ 399) / محلى (1/ 140 - 141) / تحقيق 1471/ خبر (1/ 153) / جهلي 17].

ص: 271

[التحقيق]:

انظر الكلام عليه فيما يلي:

رواية: مَائِعًا فَلَا تَأْكُلُوهُ:

• وَفِي رِوَايَةٍ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ؟ فَقَالَ: ((إِنْ كَانَ جَامِدًا (يَابِسًا)، فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، ثُمَّ كُلُوا مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا (ذَائِبًا)، فَلَا تَأْكُلُوهُ)).

[الحكم]:

معلولٌ سندًا ومتنًا.

[التخريج]:

[حم 7177 ((واللفظ له))، 10355/ عل 5841 ((والروايتان له)) / هق 19654/ هقع 19360

(1)

/ تمهيد (9/ 38 - 39)].

[التحقيق]:

انظر الكلام عليه فيما يلي:

(1)

وقد وقع سقطٌ خطيرٌ في طبعة قلعجي في هذا الموضع، فجاء متنه هكذا: ((

وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا -أَوْ مَائِعًا- يُؤْكَلْ)). والصواب: ((لم يُؤْكَلْ))، وقد جاء على الصواب في ط. دار الكتب العلمية (5761)، وكذا في (السنن الصغير 4/ 77)، وكذا نقله ابن القيم عن البيهقي في (تهذيب السنن 10/ 228).

ص: 272

روايةُ: ((اسْتَصْبِحُوا بِهِ)):

• وَفِي رِوَايَةٍ: ((

وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ -أَوْ فَاسْتَنْفِعُوا بِهِ-)).

[الحكم]:

معلولٌ سندًا ومتنًا.

[التخريج]:

[مشكل 5354 ((واللفظ له)) / خصر (3/ 92) / حذلم (أول 50)].

[التحقيق]:

هذا الحديث برواياته مداره على مَعْمَرِ بنِ رَاشد:

فرواه عبد الرزاق في ((المصنف)) -وعنه أحمد، وغيره-: عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيّب، عن أبي هريرة به، بلفظ الرواية الأُولى.

ورواه أحمد عن محمد بن جعفر (غُنْدَر).

ورواه أبو يعلى عن محمد بن المِنْهَالِ.

ورواه البيهقي في (الكبرى) من طريق مُسَدَّدٍ.

ورواه في (المعرفة) من طريق محمد بن أبي بكر.

ثلاثتهم -ابن المنهال، ومسدد، وابن أبي بكر-، عن عبد الواحد بن زياد، كلاهما (غندر، وعبد الواحد): عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد، عن أبي هريرة به، بلفظِ الروايةِ الثانيةِ.

ورواه الطحاوي في (المشكل) عن فهد بن سليمان، قال: حدثنا الحسن بن الربيع، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن مَعْمَرٍ به، بلفظِ الروايةِ

ص: 273

الثالثةِ.

فمداره عند الجميع على مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المُسَيّبِ، عن أبي هريرةَ، به.

وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة، فرجاله كلُّهم ثقات رجال الشيخين، إِلَّا أنه معلولٌ سندًا ومتنًا؛ للعلل الآتية:

أولًا: أن الثقاتِ من أصحابِ الزُّهري وهم: (مالك، وابن عُيَينَةَ، والأوزاعيّ، وعبد الرحمن بن إسحاق) رووه عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباس، عن ميمونةَ به بلَا تَفْرِقَةٍ بيْنَ الجامدِ والمائِعِ، فخَالَفُوا معمرًا في السَّندِ والمتْنِ.

وقد روى البخاريُّ (5538) عن الحميديِّ عنِ ابنِ عُيَينَةَ، أنه قيل له:((فإن معمرًا يُحَدِّثه، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المُسَيّب، عن أبي هريرة؟ قال: ما سمعتُ الزُّهريَّ يقولُ إِلَّا عن عبيد الله، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد سمعتُه منه مِرارًا)).

وفي رواية: ((قال سفيانُ: كم سمعْنَاهُ منَ الزُّهريِّ يُعِيدُهُ وَيُبْدِئُهُ)) (فتح الباري 9/ 669).

ولذا قال الزرقاني: ((وفي البخاريِّ عنِ ابنِ عُيَينَةَ إنْكَارُهُ على مَعْمَرٍ إسناده)) (شرح الزرقاني على الموطأ 4/ 600).

ولهذا حَكَمَ غيرُ واحدٍ من الأئمةِ على روايةِ مَعْمَرٍ هذه بالخطأِ والشُّذُوذِ:

فقال البخاريُّ: ((وحديثُ مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المُسَيّبِ، عن أبي هريرة، هذا خطأٌ؛ أخطأَ فيه مَعْمَرٌ))، قال: ((والصحيح حديث الزُّهري،

ص: 274

عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ)) (جامع الترمذي عقب رقم 1904).

وقال أيضًا: ((حَديثُ مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عنِ ابنِ المسَيّبِ، عن أبي هريرة، وَهِمَ فيه مَعْمَرٌ، ليس له أَصْلٌ)) (العلل الكبير للترمذي 553). وأقرَّه البغويُّ في (شرح السنة 11/ 258) وابن العربي في (عارضة الأحوذي 7/ 300).

وقال الترمذي: ((وروى مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيّبِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم نحوه -أي: نحو حديث ميمونةَ- وهو حديثٌ غيرُ محفوظٍ)) (الجامع عقب رقم 1904).

وسئل أبو حاتم: عن طريقِ مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عنِ ابنِ المُسَيّبِ، عن أبي هريرة.

وطريقِ عبد الجبار بن عمر، عن الزُّهريِّ، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه -وسيأتي قريبًا-؟ فقال:((كلاهما وَهْمٌ، والصحيحُ: الزُّهريُّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ)) (العلل 4/ 393).

وحَكَى ابنُ حجر أن أبا زُرْعَةَ الرازيَّ خطَّأَ روايةَ مَعْمَرٍ أيضًا، انظر:(التلخيص الحبير 3/ 8)، (موافقة الخبر الخبر 1/ 154)

(1)

.

وحكى الحافظُ أيضًا، وابنُ تيميةَ، عنِ الدارقطنيِّ تَخْطِئَتِهِ لروايةِ مَعْمَرٍ،

(1)

قال الحافظ: ((وهكذا حكم بخطأ مَعْمَرٍ فيه: أبو زُرْعَةَ، وأبو حاتم الرَّازِيَان)) (الموافقة) ونحوه في (التلخيص). قلنا: كذا قال، والذي في (العلل) لابن أبي حاتم إعلاله من أبي حاتم فقط، ولم نقف على إعلال أبي زُرْعَةَ في مكان آخر، ولا نسبه إليه إِلَّا الحافظ، فالله أعلم.

ص: 275

انظر: (مجموع الفتاوى 21/ 490)، و (التلخيص الحبير 3/ 8)

(1)

.

وقال العقيليُّ -بعد ذِكْرِهِ الخلافَ فيه-: ((والمحفوظُ حديث الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ، رواية مَالكٍ، وابنِ عُيَينَةَ، وابنِ بُوْذَوَيْه، عن مَعْمَرٍ)) (الضعفاء الكبير 2/ 578).

قلنا: ويعني بروايةِ ابنِ بُوْذَوَيْه: السندَ فقط؛ لموافقته رواية الجماعة، أما المتن فشَاذٌّ، كما تقدَّم بيانه.

وقال أبو العباس العصميُّ: ((غريبٌ من حديث الزُّهري عن ابن المُسَيّب لم يروه عنه إِلَّا مَعْمَرٌ، ويقالُ إنه أخطأَ فيه

، والصحيحُ من حديث الزُّهريِّ ما هو عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من قال فيه: عن ابن عباس، عن ميمونةَ)) (جزء أبي العباس العصمي صـ 167).

(1)

ولم نقف على نصٍّ صريحٍ يُفِيدُ ذلك في مَظَانه، وقد تكلَّم الدارقطنيُّ على روايةِ مَعْمَرٍ هذه في (العلل 1357) وذَكرَ أن أصحابَ الزُّهْرِيِّ خالفُوه في سنده، ثم أسند روايةَ عبد الرحمن بن بُوْذَوَيْه: أن معمرًا كان يذكره بهذا الإسناد، ويذكره عن عبيد الله، ولم يرجح، لكن رواية ابن بُوْذَوَيْه هذه يَسْتَدِلُّ بها بعضُهم على أن معمرًا حفظه على الوجهين، فصنيعُ الدارقطنيِّ هنا قد يُفِيدُ عكسَ ما ذكره عنه ابنُ تيمية وابنُ حجر، وفي السؤال (3023): سئل عن روايةِ ابنِ جُرَيْجٍ وعبد الجبار، عن الزُّهْرِيِّ، عن سالم، عن أبيه -سيأتي قريبًا- قال:((وخالفهما أصحابُ الزُّهْرِيِّ، فرووه عنِ الزُّهْرِيِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباس، وهو الصحيح))، دون أيِّ ذكرٍ لرواية مَعْمَرٍ، وكذا فعل في السؤال (4007) حينما سُئِلَ عن حديثِ ابن عباسٍ عن ميمونةَ، فذكر أوجهَ الخلافِ فيه على الزُّهْرِيِّ كلها، حتى رواية مَنْ جعله مِنْ مسندِ ابنِ عمر، ولم يذكرْ أيضًا رواية مَعْمَرٍ، كأنه متوقف فيها، والله أعلم.

ص: 276

وقال ابنُ عبد البر -بعد ذِكْرِهِ أوجه الخلافِ فيه على الزُّهريِّ-: ((والصحيحُ في إسناد هذا الحديث ما قاله مالكٌ في رواية يحيى ومَنْ تابعه)) (التمهيد 9/ 35)

(1)

. أيْ: عن عبيد الله، عنِ ابن عباس، عن ميمونةَ.

وقال ابنُ عَساكرٍ: ((وحديثُ مَعْمَرٍ الذي يقولُ فيه، عن سعيدٍ؛ خطأٌ)) (الأربعون حديثًا من المساواة صـ 257).

وقال ابنُ تيميةَ -عن لفظة: ((التَّفْرِيقِ بن الجامدِ والمائِعِ في روايةِ مَعْمَرٍ)) -: ((هذه الزيادة وقعتْ خطأ في الحديث ليستْ من كلامِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي تبيَّن لنا ولغيرنا، ونحنُ جازمون بأن هذه الزيادةَ ليستْ من كلامِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

، والبخاريُّ، والترمذيُّ -رحمة الله عليهما-، وغيرُهما من أئمة الحديث؛ قد بيَّنُوا لنا أنها باطلةٌ، وأن معمرًا غَلِطَ في روايتِهِ لها عنِ الزُّهريِّ، وكان مَعْمَرٌ كثيرَ الغَلَطِ، والأثباتُ من أصحاب الزُّهري: كمالكٍ، ويونسَ، وابنِ عُيَينَةَ، خالفُوه في ذلك)) (مجموع الفتاوى 21/ 516).

وقال ابنُ القيم: ((وحديثُ التَّفْرِيقِ بين الجامد والمائع حديثٌ معلولٌ، وهو غَلَطٌ من مَعْمَرٍ من عِدَّةِ وُجوهٍ بيَّنَها البخاريُّ في (صحيحه)، والترمذيُّ في (جامعه)، وغيرهما، ويكفي أن الزُّهريَّ الذي روى عنه مَعْمَرٌ حديثَ التفصيلِ قد روى عنه الناسُ كلُّهم خِلافَ ما روى عنه مَعْمَرٌ، وسُئِلَ عن هذه المسألةِ فأفتى بأنها تُلقى وما حولها ويُؤكل الباقي في الجامد والمائع والقليل والكثير، واستدلَّ بالحديث، فهذه فُتْيَاهُ، وهذا استدلاله، وهذه رواية الأئمة عنه)) (إعلام الموقعين 1/ 297).

(1)

ثم عقَّبَ بكلام الذهلي في تصحيح رواية مَعْمَرٍ، واستطرد في النقل عنه في التدليل على ذلك، ولم يتعقبه بشيء، فكأنه مقرٌّ له، والله أعلم.

ص: 277

وقال الزركشيُّ: ((المعروف في الحديث: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ))، أما التفرقة بين المائع وغيره فضعيفٌ)) (شرح مختصر الخرقي 6/ 700).

وقال ابنُ عبد الهادي-بعد ذِكْرِهِ لحديثِ أبي هريرةَ-: ((ورجالُه وإن كانوا رجالَ الصحيحين فإنه خطأٌ من وجوهٍ كثيرةٍ

والصوابُ حديث الزُّهريِّ، عن عبيد الله)) (التنقيح 4/ 82).

وقال أيضًا: ((رواه أحمد، وأبو داود، وقال البخاريُّ: هو خطأٌ، وقال الترمذيُّ: هو حديثٌ غيرُ محفوظٍ، وقال أبو حاتم: هو وَهْمٌ)) (المحرر في الحديث 837).

وقال ابنُ حجر: ((هذا حديثٌ غريبٌ تفرَّدَ به مَعْمَرٌ عنِ الزُّهريِّ، وخالفَ أصحابَ الزُّهريِّ في إسنادِهِ

ولم يقعِ التفصيلُ في حديثِ ميمونةَ في مُعظَمِ الطرقِ)) (موافقة الخبر الخبر 1/ 153).

وحكم عليه الألبانيُّ بالشذوذِ، وقال:((هذا إسنادٌ ظاهره الصحة، وليس كذلك، لأَنَّ معمرًا -وإن كان ثقةً- فقد خُولِفَ في إسنادِهِ ومتْنِهِ. أما الإسنادُ: فرواه جماعةٌ عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباس، عن ميمونةَ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ؟ فَقَالَ: ((انْزِعُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ))، ثم ذَكَرَ روايةَ ابنِ بُوْذَوَيْه، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس

وقال: ((ولَا يَشُكُّ مَن كان عنده عِلمٌ ومعرفةٌ بعلل الحديث، أن روايةَ مَعْمَرٍ هذه أصحُّ من روايتِهِ الأُولى؛ لموافقتها لرواية مالك ومَن تابعه ممن ذكرنا وغيرهم ممن لم نذكر، وأن روايتَه تلكَ شاذَّةٌ لمخالفتها لرواياتهم. وقد أشارَ إلى ذلك الحميديُّ في روايته، عن سفيان

، وأما المخالفة في المتن: فقد رواه

ص: 278

الجماعةُ عن الزُّهريِّ باللفظ المتقدم: ((انْزِعُوهَا ومَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ)). ليس فيه التفصيل الذي في رواية مَعْمَرٍ: ((فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا

إلخ)) (السلسلة الضعيفة 4/ 40 - 41/ 1532).

وقد أشار إلى إعلاله بذلك أيضًا جماعة، كما سبقَ عنِ ابنِ عُيَينَةَ:

فقال البزارُ: ((وهذا الحديثُ لا نَعْلَمُ أحدًا رواه عنِ الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة إِلَّا مَعْمَرٌ، وقد خُولِفَ في إسنادِهِ ومَتْنِهِ)) (المسند 14/ 176).

وقال الطبرانيُّ: ((رواه مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيّب، عن أبي هريرة، ورواه أصحابُ الزُّهريِّ: عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابنِ عباسٍ)) (المعجم الأوسط 3/ 257).

وذكر الماورديُّ أن حديثَ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ؛ أثبتُ من حديثِ أبي هريرةَ الذي فيه التفصيل بيْن الجامد والمائع، انظر:(الحاوي الكبير 15/ 157).

ثانيًا: أن معمرًا كان يضطرب في سندِهِ ومتنِهِ، فمرة يرويه كما هنا (عن الزُّهري، عن سعيد، عن أبي هريرة)، ومرة يرويه مثل رواية مالك ومَن معه.

وأما الاضطراب في المتن: ((فتارة يقول: ((إِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا لَمْ يُؤْكَلْ))، وهذا يقول:((وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَانْتَفِعُوا بِهِ وَاسْتَصْبِحُوا بِهِ))، وهذا يقول:((فَلَا تَقْرَبُوهُ))، وهذا يقول:((فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤْخَذَ وَمَا حَوْلَهَا فَتُطْرَح)) فأطلق الجواب، ولم يذكرِ التفصيلَ، وهذا يُبينُ أنه لم يروه من كتابٍ بلفظٍ مضبوطٍ، وإنما رواه بحسب ما ظنَّه من المعنى فَغَلِطَ))، قاله ابن تيمية في (مجموع الفتاوى

ص: 279

21/ 495).

قال ابنُ تيميةَ: ((وقد ذكر عبد الرزاق أن معمرًا كان يرويه أحيانًا من الوجه الآخر، فكان يَضْطَرِبُ في إسناده، كما اضْطَرَبَ في متنه، وخالفَ فيه الحفَّاظَ الثقاتَ الذين رووه بغير اللفظ الذي رواه، ومعمرٌ كان معروفًا بالغَلَطِ، وأما الزُّهريُّ فلا يُعْرَفُ منه غَلَطٌ فلهذا بَيَّنَ البخاريُّ من كلامِ الزُّهريِّ ما دلَّ على خطأ مَعْمَرٍ في هذا الحديث))، ثم ذكر رواية سفيان وقوله:(بأنه ما سمعه من الزُّهريِّ إِلَّا عن عبيد الله به)، ثم ذكر فَتْوى الزُّهريِّ، انظر:(مجموع الفتاوى 21/ 492 - 493).

وقال أيضًا: ((اضطربتْ روايتُه في هذا الحديث إسنادًا ومتنًا فجعله عن سعيد بن المُسَيّب، عن أبي هريرة، وإنما هو عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباس، عن ميمونةَ، ورُويَ عنه في بعضِ طُرُقِهِ أنه قال: ((إِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ))، وفي بعضِهَا:((فَلَا تَقْرَبُوهُ))، والبخاريُّ بَيَّنَ غَلَطَهُ في هذا)) (مجموع الفتاوى 21/ 516).

وقال ابنُ القيم: ((اضْطَرَبَ حديثُ مَعْمَرٍ؛ فقال عبد الرزاق عنه: ((فَلَا تَقْرَبُوهُ))، وقال عبد الواحد بن زيادة عنه:((وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا لَمْ يُؤْكَلْ))، وقال البيهقيُّ: عبد الواحد بن زياد أحفظُ منه -يعني: من عبدالرزاق-، وفي بعضِ طرقه:((فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ))، وكلُّ هذا غيرُ محفوظٍ في حديثِ الزُّهريِّ)) (تهذيب السنن 10/ 228).

ثالثًا: أن الزُّهريَّ أَفْتَى بأن الجامدَ والمائِعَ سواءٌ، ولم يُفَرِّقْ كما سبقَ ذِكْرُهُ.

أن الزُّهريَّ سُئِلَ عن الدَّابةِ تموتُ في الزَّيتِ والسَّمْنِ، وهو جامدٌ أو غير

ص: 280

جامدٍ، الفَأْرَةُ أو غيرُها، قال:((بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَأَمَرَ بمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ، ثُمَّ أُكِلَ)). أخرجه البخاري (5539).

قال ابنُ تيميةَ: ((فكيف يكون قد روى في هذا الحديث الفرق بينهما وهو يحتجُّ على استواءِ حُكْمِ النَّوعينِ بالحديث ورواه بالمعنى؟ ! والزهريُّ أحفظُ أهلِ زمانِهِ حتى يقالُ: إنه لا يُعْرَفُ له غَلَطٌ في حديثٍ ولا نِسْيَانٌ، مع أنه لم يكن في زمانه أكثر حديثًا منه

فلو لم يكنْ في الحديثِ إِلَّا نسيان الزُّهريِّ أو مَعْمَرٍ لكان نِسْبَةُ النسيانِ إلى مَعْمَرٍ أولى باتفاق أهل العلم بالرجالِ مع كثرة الدلائل على نسيانِ مَعْمَرٍ)) (مجموع الفتاوى 21/ 494).

وقال أيضًا: ((الزُّهريُّ الذي مدارُ الحديث عليه قد أفتى في المائِعِ والجامِدِ بأن تُلْقَى الفأرةُ وما قَرُبَ منها ويُؤكل، واستدلَّ بهذا الحديث كما رواه عنه جمهور أصحابه. فتبيَّن أن مَن ذَكَرَ عنه الفَرْقَ بيْن النَّوعَينِ فقد غَلِطَ)) (مجموع الفتاوى 21/ 517).

وقال أيضًا -بعد ذِكْرِهِ لتبويب البخاريِّ على الحديث، وهو ((بابُ إذا وقعتِ الفأرةُ في السَّمْنِ الجامِدِ أو الذَّائِبِ))، وبعد ذِكْرِهِ لفَتْوَى الزُّهريِّ-:((ذكر البخاريُّ رضي الله عنه هذا لِيُبَيِّنَ أن مَن ذكر عن الزُّهريِّ أنه رَوَى في هذا الحديث هذا التفصيل فقد غَلِطَ عليه؛ فإنه أجاب بالعموم في الجامِدِ والذائِبِ مستدلًا بهذا الحديث بعينه لا سيَّما والسَّمْنُ بالحجازِ يكون ذَائِبًا أكثر مما يكون جَامِدًا؛ بل قِيلَ: إنه لا يكونُ بالحجازِ جامدًا بحَال)) (مجموع الفتاوى 21/ 526 - 527).

وقال ابنُ القيم: ((وحديث التَّفْرِيقِ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ حديثٌ معلولٌ، وهو غَلَطٌ من مَعْمَرٍ من عِدَّةِ وجوه بيَّنَها البخاريُّ في (صحيحه)، والترمذيُّ في (جامعه)، وغيرُهما، ويكفي أنَّ الزُّهريَّ

سُئِلَ عن هذه المسألةِ فأَفْتَى

ص: 281

بأنها تُلْقَى وما حولَها ويُؤكل الباقِي في الجامِدِ والمائِعِ والقليلِ والكثيرِ، واستَدلَّ بالحديث، فهذه فُتْيَاهُ، وهذا استدلاله، وهذه رواية الأئمة عنه)) (إعلام الموقعين 1/ 297).

وقال أيضًا: ((ذَكَرَ البخاريُّ فَتْوَى الزُّهريِّ في الدَّابةِ تموتُ في السَّمْنِ وغيرِه الجامِدِ والذَّائِبِ أنه يُؤكَل، واحتجاجه بالحديث من غيرِ تَفْصِيلٍ دليلٌ على أن المحفوظَ من روايةِ الزُّهريِّ إنما هو الحديثُ المطلقُ الذي لا تَفْصِيلَ فيه، وأنه مذهبُهُ فهو رأيه وروايتُه، ولو كان عنده حديث التَّفْصِيلِ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ لأَفْتَى به واحتجَّ به؛ فحيثُ أَفْتَى بحديثِ الإطلاقِ واحتجَّ به دلَّ على أن معمرًا غَلِطَ عليه في الحديثِ إسنادًا ومتنًا)) (تهذيب السنن 10/ 227).

وقال ابنُ حَجَرٍ تعليقًا على فتوى الزُّهريِّ: ((الزُّهريُّ كان في هذا الحكمِ لا يُفَرِّقُ بين السَّمْنِ وغيرِهِ ولا بيْن الجامِدِ منه والذَّائِبِ؛ لأنه ذُكِرَ ذلك في السُّؤالِ ثم استَدلَّ بالحديثِ في السَّمْنِ

أما عدمُ الفَرقِ بين الذائِبِ والجامِدِ؛ فلأنه لم يذكرْ في اللفظ الذي استَدَلَّ به؛ وهذا يَقْدَحُ في صحةِ مَن زَادَ في هذا الحديثِ عنِ الزُّهريِّ التَّفْرِقَةَ بيْنَ الجامِدِ والذَّائِبِ -كما ذُكِرَ قَبْلُ عن إسحاقَ- وهو مشهورٌ من رواية مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ)).

وقال أيضًا: ((الذي ينفصل به الحكم فيما يظهر لي بأن التقييد عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه من قوله، والإطلاقُ من روايتِهِ مرفوعًا؛ لأنه لو كان عنده مرفوعًا ما سَوَّى في فَتْوَاه بيْنَ الجامِدِ وغيرِ الجامِدِ، وليس الزُّهريُّ ممن يقالُ في حَقِّهِ: لعلَّه نسِي الطريقَ المفصلة المرفوعة؛ لأنه كان أحفظَ الناسِ في عصره، فَخَفَاءُ ذلك عنه في غايةِ البُعْدِ)) (فتح الباري 9/ 669).

ص: 282

وقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى تصحيح هذا الحديث:

فقد احتجَّ به الإمامُ أحمد بنُ حنبل: قال عبد الله بنُ أحمد: ((سَأَلْتُ أبي: عَنِ الفَأْرَةِ تَقَعُ في السَّمْنِ -أَوِ الزَّيْتِ-؟ فقال: حديثُ الزُّهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم -الذي يرويه مَعْمَرٌ- قال: ((إِنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهُ، وَمَا حَوْلَهَا فَأَلْقُوهُ، وإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ))، وقال بعضُهم:((فَلَا تَطْعَمُوهُ)))) (مسائل الإمام أحمد - رواية ابنه عبد الله 16)، وانظر:(مجموع الفتاوى 21/ 493).

وجَزَمَ ابنُ رجبٍ في (شرح العلل 2/ 840) بتصحيح الإمام أحمد لهذا الحديث.

وعقَّبَ ابنُ تيميةَ على احتجاجِ أحمدَ بهذا الحديث، فقال:((وكان أحمدُ يحتجُّ أحيانًا بأحاديثَ ثم يتبيَّنُ له أنها معلولةٌ؛ كاحتجاجه بقولِهِ: ((لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ)). ثم تبيَّنَ له بَعْدَ ذلك أنه معلولٌ فاستَدلَّ بغيرِهِ)) (مجموع الفتاوى 21/ 494).

وقال ابنُ تيميةَ أيضًا: ((إنه ظنَّ -أي: أحمد- صحةَ حديثِ مَعْمَرٍ فأَخَذَ به، وقدِ اطَّلع غيرُه على العلةِ القادحةِ فيه، ولو اطَّلع عليها لم يَقُلْ به؛ ولهذا نظائر كان يأخذُ بحديث ثم يتبيَّنُ له ضَعْفُهُ فيترك الأَخْذَ به وقد يتركُ الأَخْذَ به قَبْلَ أن تتبيَّنَ صحتُه فإذا تَبيَّنَ له صحته أَخَذَ به. وهذه طريقةُ أهل العلمِ والدِّينِ رضي الله عنهم)(مجموع الفتاوى 21/ 497).

وصححه أيضًا محمد بن يحيى الذُّهْليُّ؛ فقال: ((وحديثُ مَعْمَرٍ أيضًا -عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم محفوظٌ))، قال: ((والطريقان عندنا محفوظان -إِن شاء الله- قال: لكن المشهور حديث

ص: 283

ابن شهاب، عن عبيد الله)) (التمهيد 9/ 35).

وكانت حجَّتُه في ذلك أن مَعْمَرًا رواه على الوجهين، فقال: ((وحدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن بُوْذَوَيْه -وكان من متثبتيهم

(1)

- أن معمرًا كان يرويه أيضًا عن الزُّهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ)).

وقال أيضًا: ((ومما يصحح حديث مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد: أن عبدَ الله بنَ صَالحٍ حدثني، قال: حدثني الليث، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عنِ ابنِ شِهَابٍ، قال: قال ابن المسيّب: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ في سَمْنٍ؟

الحديث)).

قال الذُّهليُّ: ((فقد وجدنا ذكر سعيد بن المسَيّب في هذا الحديث من غيرِ روايةِ مَعْمَرٍ، فالحديثان محفوظان)) (التمهيد 9/ 39، 40).

قلنا: والذي استَدَلَّ به الذهليُّ على تصحيحِ روايةِ مَعْمَرٍ، لا يزيدُ روايته إِلَّا ضعفًا؛ فروايةُ مَعْمَرٍ للحديثِ على الوجهين دليلٌ على اضْطرابِهِ فيه، كما سبقَ ذلك عن شيخِ الإسلامِ وغيرِه.

وأما كونه يُرْوَى عن سعيدٍ مُرْسَلًا، فإن ثبتَ سندُهُ إلى سعيدٍ، فهو علةٌ أُخرَى لروايةِ مَعْمَرٍ

(2)

؛ لأنه حينئِذٍ يكونُ هو المحفوظُ عن سعيدٍ، وَوَهِمَ

(1)

في مطبوع (التمهيد) طبعة المغرب: (مثبتيهم)، وكذا في (تهذيب التهذيب 4/ 149)، والمثبت من طبعة هجر (23/ 174) ضمن (موسوعة شروح الموطأ)، وقد تقدَّم التعليق عليها في حديثِ ميمونةَ، ورجحنَا هناك أنها للذُّهليِّ، وليسَ لعبدِ الرزاق.

(2)

قال ابنُ الصلاح: ((كثيرًا ما يعللون الموصول بالمرسل مثل: أن يجيءَ الحديثُ بإسنادٍ مَوصُولٍ، ويجيءُ أيضًا بإسنادٍ منقطعٍ أقْوَى من إسنادِ الموصُولِ، ولهذا اشتملتْ كتبُ عللِ الحديثِ على جَمْعِ طُرُقِهِ)) (المقدمة صـ 90).

وحكى عن الخطيبِ فيما إذا تعارضَ الوصلُ والإرسالُ: ((أن الأكثرَ من أهل الحديث يَرَونَ أن الحُكْمَ لِمَن أَرْسَلَ)) (النُّكت على ابنِ الصلاح لابن حجر 2/ 695).

ص: 284

مَعْمَرٌ فرواه موصولًا عن الزُّهريِّ، مع أن المحفوظَ عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بغيرِ هذا السياقِ.

لكن سنده فيه مقالٌ؛ فعبد الله بن صالح: ((ضعيف)). وذكر الإسماعيليُّ -كما في (الفتح 9/ 668) - أن الليثَ رواه عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيّب، قال: بَلَغَنَا أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ في سَمْنٍ جَامِدٍ

الحديث.

وصحَّحه أيضًا أبو جعفر الطحاويُّ؛ فقال: ((يحتمل أن يكونَ كان عند الزُّهريِّ في هذا الباب عن سعيد بن المُسَيّب ما رواه عنه مَعْمَرٌ، وعن عبيد الله ما رواه عنه ابنُ عُيَينَةَ، ومالكٌ، فلا نجعل إحْدَى الروايتين دافعةً للأُخْرَى، ولكن نصححهما جميعًا، ونعمل بما فيهما)) (شرح مشكل الآثار 13/ 396).

فنقولُ: إِنَّ سَعَةَ رِوايةِ الزُّهريِّ تُعْتبرُ قرينةً تدلُّ على صحةِ الوجهين عنه، ولكن مخالفةَ الراوي الواحدِ لجماعةٍ من الثقاتِ الحفَّاظِ، قرينةٌ أَقْوَى منها، تدلُّ على وَهْمِ الوجه الذي تفرَّدَ به.

قال الذهبي: ((إِن كان الحديثُ قد رواه الثبتُ بإسنادٍ، أو وَقَفَهُ، أو أَرْسَلَهُ، ورفقَاؤُهُ الأثباتُ يخالِفُونَه؛ فالعبرةُ بما اجتَمَعَ عليه الثقاتُ؛ فإن الواحدَ قد يَغْلَطُ، وهنا قد ترجح ظهور غَلَطِهِ، فلَا تعليل، والعبرةُ بالجماعةِ)) (الموقظة

ص: 285

صـ 52).

ومما يُؤكِّدُ أن الزُّهريَّ ليسَ له روايةٌ أُخْرَى: أنه لما سُئِلَ: عنِ الدَّابةِ تموتُ في الزَّيتِ أو السَّمْنِ؟ أَفْتَى بروايتِهِ عن عبيد الله بن عبد الله، بدون تَفْرِيقٍ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ، وقد تقدَّم بيانُ ذلك.

وصحَّحه أيضًا ابنُ حِبَّانَ؛ مُسْتَدِلًا بأن معمرًا رواه بالإسنادين كليهما. وقد تابعه ابنُ عُيَينَةَ -من روايةِ ابنِ راهويه عنه- عنِ الزُّهريِّ عن عبيد الله

بنفسِ سِيَاقِ روايةِ مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، فقال:((ذِكْرُ الخبرِ الدَّالِّ على أن الطريقين اللَّذَينِ ذَكَرْنَاهُما لهذه السُّنَّةِ جميعًا محفوظان))، وسَاقَهُ من روايةِ عبد الرزاق عن مَعْمَرٍ

بحديث أبي هريرة، قال عبد الرزاق: وأخبرني عبد الرحمن بنُ بُوْذَوَيْه، أن معمرًا، كان يَذكُرُ أيضًا عنِ الزُّهري، عن عبيد الله ..... )).

وقد تَعقَّبَهُ ابنُ القيم فقال -بعد ذِكْرِهِ رواية ابنِ راهويه عن سفيانَ-: ((إِنَّ كثيرًا مِن أهلِ الحديثِ جعلوا هذه الروايةَ مَوْهُومَةً معلولةً؛ فإن الناسَ إنما رووه عن سفيانَ عنِ الزُّهريِّ مثل ما رَواه سائرُ الناسِ عنه -كمالكٍ وغيرِهِ- من غيرِ تَفْصِيلٍ، كما رواه البخاريُّ وغيرُهُ.

وقد رَدَّ أبو حاتم البستيُّ هذا -وزعم أن روايةَ إسحاقَ هذه ليستْ مَوْهُومَةٌ- بروايةِ مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ، وهذا لا يَدُلُّ على أن حديثَ إسحاقَ محفوظٌ؛ فإن روايةَ مَعْمَرٍ هذه خطأٌ، كما قاله البخاريُّ وغيرُهُ، والخطأُ لا يحتجُّ به على ثبوتِ حديثٍ مَعْلُولٍ فكلاهما وَهْمٌ)). ثم ذَكَرَ روايةَ ابن بُوْذَوَيْه، وقال: ((فهذه مثل رواية سفيان، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله، بالتَّفْصِيلِ، فتَصِيرُ وُجُوُهُ الحديثِ أربعةً: وجهان عن مَعْمَرٍ وهما:

ص: 286

أحدهما: عبدالرزاق عنه، عن سعيد بن المُسَيّب، عن أبي هريرة، بذكرِ التَّفْصِيلِ.

والثاني: عبدالرحمن بن بُوْذَوَيْه عنه، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، بالتَّفْصِيلِ أيضًا.

ووجهان عن سفيان:

أحدهما: رواية الأكثرين عنه، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، بالإطلاقِ من غيرِ تَفْصِيلٍ.

والثاني: رواية إسحاقَ عنه، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ، بالتَّفْصِيلِ.

وأما روايةُ مَعْمَرٍ: فإنه خالَفَ أصحابَ الزُّهريِّ في حديثِهِ المفصّلِ، في إسنادِهِ ومتْنِهِ في حديثِ أبي هريرةَ، وخالَفَ أصحابَ الزُّهريِّ في المتنِ في حديث عبيد الله عن ابن عباس، ووافقهم في الإسناد، وهذا يدلُّ على غَلَطِهِ فيه، وأنه لم يحفظْهُ كما حفظَ مالكٌ، وسفيانُ، وغيرُهما، من أصحابِ الزُّهريِّ.

وأما حديثُ سفيانَ: فالمعروفُ عن الناسِ عنه: ما رواه البخاريُّ في (صحيحه) عن الحميديِّ، حدثنا سفيان، حدثنا الزُّهريُّ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أنه سمع ابنَ عباس، عن ميمونةَ، فذكره من غيرِ تَفْصِيلٍ)) (تهذيب السنن 10/ 228 - 230).

وكذا صحَّحه ابنُ حزمٍ؛ حيثُ احتجَّ به في (المحلى 1/ 140 - 141)، وقد ذكر في مقدمة كتابه:((أنه لا يَحتجُّ إِلَّا بخبرٍ صحيحٍ)) (مقدمة المحلى صـ 2).

ص: 287

وكذا صحَّحه النوويُّ، فقال:((ثبتَ أنه صلى الله عليه وسلم قال في الفأرة تموتُ في السَّمْنِ: ((إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا)))) (المجموع 1/ 119).

وقال في موضعٍ آخر: ((رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ ولم يضعِّفْهُ، وذكره الترمذيُّ بإسنادِ أبي داود ثم قال: وهذا حديثٌ غيرُ محفوطٍ، وذكره البيهقيُّ من روايةِ أبي داود ولم يضعِّفْهُ، فهو وأبو داود متفقان على السُّكوتِ عليه مع صحةِ إسنادِهِ)) (المجموع 9/ 36).

ومع هذا قال في (خلاصة الأحكام 430): ((حسن، رواه أبو داود))! .

قلنا: وهذا منهما اعتمادًا على ظاهر إسنادِهِ، كما هو ظاهر كلام النوويِّ.

والقولُ بصحَّتِهِ هو ظاهرُ صنيعِ الحافظِ ابنِ رَجبٍ؛ حيثُ قالَ في ((شرح العلل)). ((إذا رَوى الحفَّاظُ الأثباتُ حديثًا بإسنادٍ واحدٍ، وانفردَ واحدٌ منهم بإسنادٍ آخر، فإِنْ كَانَ المنْفَرِدُ ثقةً حافظًا، فحُكْمُهُ قريبٌ من حُكْمِ زيادةِ الثقةِ، في الأسانيدِ أو في المتُونِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك.

وقد تردَّدَ الحفَّاظُ كثيرًا في مثل هذا: هل يُرَدُّ قولُ مَن تَفَرَّدَ بذلك الإسنادِ، لمخالَفَةِ الأكثرين له، أم يُقبلُ قولُه لثقتِهِ وحفظِهِ؟ .

ويقوِّي قبول قولِهِ إِنْ كان المرويُّ عنه واسعَ الحديثِ، يمكنُ أن يَحْمِلَ الحديثَ من طرقٍ عديدةٍ كالزهريِّ، والثوريِّ، وشعبةَ، والأعمشِ)). وذكرَ مثالًا على ذلك، وقال في أثنَائِهِ: ((وهذا مما يَستَدِلُّ به الأئمةُ كثيرًا على صِحَّةِ روايةِ مَن انفردَ بالإسنادِ إذا رَوى الحديثَ بالإسنادِ الذي رَوى به الجماعةُ

))، ثم قال:((مثالٌ آخرُ: رَوى أصحابُ الزُّهريِّ، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حديث: (الفأْرة في السَّمْنِ)، ورواه مَعْمَرٌ عنِ الزُّهريِّ عنِ ابن المُسَيّب عن

ص: 288

أبي هريرة.

فمن الحفَّاظِ من صحَّحَ كِلا القولين، ومنهم: الإمام أحمد، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وغيرهما، ومنهم مَن حَكَمَ بغلطِ مَعْمَرٍ، لانْفِرادِهِ بهذا الإسنادِ، منهم: البخاريُّ، والترمذيُّ، وأبو حاتم، وغيرُهم.

ويدلُّ على صحة رواية مَعْمَرٍ: أنه رواه بالإسنادين كليهما، وأما لفظ الحديث بالتَّفْرِيقِ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ فقد ذكره مَعْمَرٌ عنِ الزُّهريِّ بالإسنادين معًا)) (شرح علل الترمذي 2/ 838 - 840).

وقد سبقَ الجوابُ عن هذا فيما سبق. فالحمد لله على توفيقه، فهو وحْدَهُ الهادي للصواب.

تنبيهاتٌ:

الأول: قال البيهقيُّ-بعد ذِكْرِهِ حديثَ ابنِ عباسٍ عن ميمونةَ-: ((ورواه مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهريِّ تارة هكذا، وتارة عن سعيد بنِ المُسَيّب، عن أبي هريرةَ وزادَ فيه: ((فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ)) هكذا قال عبد الرزاق، عن مَعْمَرٍ. وقال عبد الواحد، عن مَعْمَرٍ:((وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا لَمْ يُؤكَلْ)) وكأنَّ هذا أصحُّ)) (السنن الصغير 8/ 363).

وقال أيضًا: ((رواه عبد الرزاق، عن مَعْمَرٍ، وقال في الحديث: ((فَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تُقْرَبُوهُ))، وعبد الواحد بن زياد أحفظُ منه، والله أعلم)) (معرفة السنن 19361).

وقال ابنُ حزم: ((فإن عبد الواحد بن زياد روى عن مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن ابنِ المُسَيّبِ، عن أبي هريرةَ -هذا الخبر- فقال: ((وَإِنْ كَانَ ذَائِبًا أَوْ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ))، أو قالَ:((انْتَفِعُوا بِهِ)).

ص: 289

قلنا وبالله تعالى التوفيق: عبد الواحد قد شَكَّ في لفظة الحديث فصحَّ أنه لم يضبطه، ولا شَكَّ في أن عبدَ الرزاق أحفظُ لحديث مَعْمَرٍ. وأيضًا فلم يُخْتَلَفْ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ. ومَن لم يُخْتَلفْ عليه أحقّ بالضبطِ ممن اختُلِفَ عليه)) (المحلى 1/ 141).

وقال ابنُ عبد البر: ((ولو أرادَ غيرَ الاستصباحِ لذكره، على أن عبدَ الرزاق أثبتُ في مَعْمَرٍ من عبد الواحد بنِ زياد، وهو الحُجَّةُ عليه وعلى مِثْلِهِ فيه)) (الاستذكار 27/ 225).

وقال ابنُ تيمية: ((إِنَّ قولَ مَعْمَرٍ في الحديث الضعيف ((فَلَا تَقْرَبُوهُ)) متروكٌ عند عامةِ السَّلفِ والخَلفِ من الصحابةِ والتابعينَ والأئمةِ؛ فإن جمهورَهم يُجوزِونَ الاستصباحَ به، وكثيرٌ منهم يجوِّزُ بيعَه أو تطهيره، وهذا مخالفٌ لقولِهِ:((فَلَا تَقْرَبُوهُ)))) (مجموع الفتاوى 21/ 498).

الثاني: ذكر ابنُ رجب في (شرح العلل 2/ 840): أن الأوزاعيَّ تابعَ معمرًا في لفظ الحديث بالتَّفْرِيقِ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ؛ ولم نقفْ على هذه الروايةِ للأوزاعيِّ، وأما الذي وقفنا عليه؛ روايته التي فيها تَقْيِيد السَّمْنِ بالجامِدِ، وليس التَّفْصِيلُ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ، وقد تقدَّم الكلامُ عليها في حديثِ ميمونةَ.

ولعلَّ ابنَ رجبٍ أرادَ المتابعةَ بالمعنى، فقدِ استخدمَ ذلك ابنُ حَجَرٍ، فذكرَ في (التلخيص 3/ 9) بعضَ الرواياتِ التي فيها تَقْيِيدُ السَّمْنِ بالجامِدِ، وجَعَلَها مُتابعةً للرِّوايةِ التي فيها التَّفْصِيلُ؛ فقالَ:((وقد أَنْكَرَ جَماعةٌ فيه التَّفْصِيلَ اعْتمَادًا على عدمِ وروده في طريقِ مالكٍ ومَن تَبِعَهُ، لكن ذَكَرَ الدارقطنيُّ في (العلل): أن يحيى القطانَ رواه عن مالكٍ، وكذلك النسائيّ

ص: 290

رواه من طريقِ عبدِ الرحمن، عن مالكٍ مُقَيَّدًا بالجامِدِ، وأنه أمرَ أنْ تُقَوَّرَ ومَا حولَها فيُرْمَى به. وكذا ذكره البيهقيُّ من طريقِ حجَّاجِ بنِ مِنْهَالٍ، عنِ ابنِ عُيَينَةَ مُقَيَّدًا بالجامِدِ، وكذلك أخرجه إسحاقُ بنُ راهويه في (مسنده)، عنِ ابنِ عُيَينَةَ، وَوَهِمَ مَن غَلَّطَهُ فيه ونَسَبَهُ إلى التَّغَيّرِ في آخر عمره، فقد تابعه أبو داود الطيالسيُّ فيما رواه في (مسنده) عنِ ابنِ عُيَينَةَ، والله أعلم))

(1)

.

وروايةُ ابنِ راهويه فيها التَّفْصِيلُ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ كما أخرجه ابنُ حِبَّان (1392).

وقد سبقَ الكلامُ عنها وعمَّا ذكره الحافظُ مِن مُتابعاتٍ، في حديثِ ميمونةَ، فانظره هناك، فإنه مهم.

(1)

وفي هذا القول للحافظ ابنِ حَجَرٍ بعض التعقبات، مثل: أن رواية القطان فيها التقييد بالجامد، وكذا رواية ابنِ مَهْدِي، وغيرهما، وقد نبَّهنَا عليها في رواياتِ حديثِ ميمونةَ، فانظرها هناك.

ص: 291

روايةُ: ((تُؤْخَذُ وَمَا حَوْلَهَا بِدُونِ تَفْصِيلٍ)):

• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ مَاتَتْ (وَقَعَتْ) فِي سَمْنٍ؟

(1)

: فَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤْخَذَ وَمَا حَوْلَهَا، فَتُطْرَحَ [-أَحْسِبُه قَالَ-: وَيُؤكَلُ الْبَاقِي])).

[الحكم]:

صحيحُ المتن، وإسنادُهُ معلولٌ، وأشار إلى إعلاله البزار.

[التخريج]:

[ش 24878 ((واللفظ له)) / بز 7720 ((والزيادة له والرواية له ولغيره))، 7721/ حق 2008 ((ولم يسق متنه)) / علقط (3/ 431/ 1357) / عصم 45].

[السند]:

رواه ابنُ أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، به.

ورواه البزارُ (7721): عن نصرِ بن عليٍّ، قال: أخبرنا عبد الأعلى، عن مَعْمَرٍ، به.

ورواه البزارُ أيضًا (7720)، والدارقطنيُّ في (العلل) وأبو العباس

(1)

وقع هنا في (الطبعة الهندية) زيادة: ((فقال: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ))، فأمر بها

))، وقد نبَّه عليها محقق (ط. كنوز إشبيليا)، ومحقق (ط. الفاروق)، وكذا محققا (ط. الرشد)؛ فقالا:((هو خطأ وسبق نظر لما قبله -حديث ميمونة-)). وأما في طبعة عوامة فزاد كلمة: ((فقال)) فقط، فأفسد السياق، حيث جاء هكذا: ((فقال: فأمر بها

))، والصواب بدونها كما أثبته غيره.

ص: 292

العصميُّ: من طُرُقٍ، عن يزيدَ بنِ زُرَيْعٍ، عن مَعْمَرٍ، به.

ورواه إسحاقُ، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَرٍ، به، ولم يسقْ متْنَهُ، لكنه حَمَلَ روايةَ مَعْمَرٍ على روايةِ ابنِ عُيَينَةَ؛ كما سبقتِ الإشارةُ إليه.

[التحقيق]:

هذا إسنادٌ رجاله ثقاتٌ رجال الشيخين، ظاهره الصحة لكنه معلولٌ، كما تقدَّم.

وأشار البزارُ إلى إعلاله فقال عقبه: ((وهذا الحديثُ لا نَعْلَمُ أحدًا رواه عنِ الزُّهريِّ، عن سعيد، عن أبي هريرة إِلَّا مَعْمَرٌ وقد خُولِفَ في إسنادِهِ ومَتْنِهِ))! .

وهو يشيرُ إلى روايتِهِ التي فَصَّلَ فيها بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ، على المشهور عن مَعْمَرٍ، وإلا فهذا المتْنُ الذي ذَكَرَهُ مُوافِقٌ لما خرَّجه البخاريُّ وغيرُهُ من طريقِ مالكٍ وابنِ عُيَينَةَ، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ.

وقال أبو العباس العصميُّ بإثْرِهِ: ((غريبٌ من حديثِ الزُّهريِّ، عن ابنِ المُسَيّبِ، لم يَرْوِهِ عنه إِلَّا مَعْمَرٌ، ويقالُ: إنه أخطأَ فيه)).

وقد سبقتْ أقوالُ الأئمة في إعلال هذا الطريق.

ص: 293

رِوَايةُ ((سَمْنٍ جَامِدٍ)):

• وَفِي رِوَايَةٍ: ((

وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ جَامِدٍ

)).

[الحكم]:

شَاذٌّ بلفظِ: ((جَامِدٍ)).

[التخريج]:

[طس 2452/ حل (3/ 380)].

[السند]:

رواه الطبرانيُّ في (الأوسط) قال: حدثنا أبو مسلم، قال: نا أبو عمر الضرير قال: نا يزيد بن زُرَيْعٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المُسَيّبِ، عن أبي هريرةَ، به.

ورواه أبو نعيم في (الحلية) من طريقِ أبي مسلمٍ الكَشِّيِّ، قال: حدثنا أبو عمر

(1)

الضريرُ، به.

[التحقيق]:

هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، عدا أبا عمر الضرير فهو صدوق، كما في (التقريب 1421).

وقد خالفَ روايةَ الجماعةِ عن يزيدَ بنِ هارونَ؛ فلم يذكروا لفظةَ: ((جَامِدٍ)). وقد تقدَّم تَفْصِيلُ الكلامِ على هذه الرواية في حديثِ ميمونةَ.

وقال الطبرانيُّ: ((لم يَرْوِ هذا الحديث عنِ الزُّهريِّ، عن سعيد إِلَّا مَعْمَرٌ، ولا رواه عن مَعْمَرٍ إِلَّا يزيد وعبد الواحد بن زياد)) اهـ.

(1)

تحرَّفَ في مطبوعِ (الحلية) إلى: ((أبو عمرو)).

ص: 294

كذا قال، وفيه نظر؛ فقد رواه عبدُ الرزاقِ، وغُنْدَرٌ، وابنُ بُوْذَوَيْه، وعبدُ الأَعلى، ومحمدُ بنُ دِينَارٍ، عن مَعْمَرٍ، وقد تقدَّمَ ذِكرُ رواياتهم عدا رواية ابنِ دينارٍ فها هي:

رِوَايةُ: ((إِنْ كَانَ مَائِعًا أُهْرِيقَ)):

• وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِنْ كَانَ مَائِعًا أُهْرِيقَ

)).

[الحكم]:

ضعيفٌ بهذا اللفظ.

[التخريج]:

[مشكل 5355].

[السند]:

قال الطحاويُّ: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي، قال: حدثنا محمد بن دِينَارِ الطَّاحِيُّ، قال: حدثنا مَعْمَرٌ، عنِ الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيّبِ، عن أبي هريرة، به.

[التحقيق]:

هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ عدا محمد بن دينار الطَّاحِيّ، فَمُخْتَلَفٌ في أمره، ضعَّفَهُ ابنُ مَعين في روايةٍ، وكذلك النسائيُّ، وقالا في روايةٍ:((ليس به بأسٌ))، وكذا قال أبو حاتم، وقال أبو زُرْعَةَ:((صدوقٌ))، وضعَّفه الدارقطنيُّ، وقال مرة:((متروك))، وقال العقيليُّ:((في حديثه وَهْمٌ))، وذكره ابنُ حِبَّانَ في (الثقات) ثم أعادَهُ في (المجروحين) وقال: ((كان يخطئُ

ص: 295

فالإنصافُ في أمره تَرْكُ الاحتجاجِ بما انْفَردَ، والاعتبارُ بما لم يخالفِ الثقاتِ، والاحتجاجُ بما وافقَ الأثبات))، انظر:(تهذيب التهذيب 9/ 155)، وقال الحافظ:((صدوقٌ سَيِّئُ الحفظِ)) (التقريب 5870).

قلنا: وقد أُخِذَ عليه الخطأُ ومخالفةُ الثقاتِ في غيرِ مَا حديثٍ، وهو هنا قد خالفَ الثقات الذين رووه عن مَعْمَرٍ وهم: عبدُ الرزاقِ، وعبدُ الواحدِ، ويزيدُ بن زُرَيْع، وغيرُهم، رووه كلُّهم عن مَعْمَرٍ، ولم يذكر واحدٌ منهم قوله:((أُهْرِيقَ))، وإنما ذكروا في مَتْنِهِ ما يخالُف هذا، وملخصه: أنه إِن كان مائِعًا يُنْتَفَعُ به في غيرِ الأَكْلِ، وقد سبقتْ رواياتُهم، فانظرها فيما سبق.

قال ابنُ الملقن: ((هذا الحديثُ مشهورٌ إِلَّا اللَّفظةَ الأخيرةَ، وهي ((فَأَرِيقُوهُ))، فلم أرها في كُتِبِ الحديثِ، وقال الخَطَّابِي: إنها جاءتْ في بعضِ الأَخْبَارِ)) (البدر المنير 6/ 444 - 445).

وقال ابنُ حَجَرٍ: ((قوله: ((فَأَريقُوهُ)). ذكر الخطابي أنها جاءتْ في بعضِ الأخبار ولم يسندها، وأصلُه في (صحيحِ البخاريِّ) ولفظُهُ:((خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوا سَمْنَكُمْ))، وفي لفظٍ:((أَلْقُوهَا)))) (التلخيص الحبير 3/ 8).

وقال في (موافقة الخبر الخبر 1/ 153): ((تعبير المصنف -أيِ: ابنِ الحَاجبِ- بالإرَاقَةِ؛ لم أَرَهُ في شيءٍ من طُرُقِ الحديثِ، بل وقعَ في بعضِ طُرُقِهِ ما يَخَالِفه)).

[تنبيهات]:

الأولُ: ذَكَرَ ابنُ الملقن أنَّ أبا داود روى الحديثَ بلفظِ: ((وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَأَرِيقُوهُ)(البدر المنير 6/ 445 - 446).

قلنا: والذي في السنن: ((وَلَا تَقْرَبُوهُ))، ولعلَّ ذلك سبقُ قلمٍ من ابنِ الملقن

ص: 296

أو من النَّاسِخِ، كيف وقد ذَكَرَ في أولِ كلَامِهِ أن هذه اللفظة لا توجد في كتب الحديث، ولهذا علَّقَ بعضُهم على ذلك كما في حاشية إحدى المخطوطات:((هذا من العجائبِ! قال في أول الكلام إن قوله: ((أَرِيقُوهُ)) ليست في كتب الحديث، وقال هنا: إِنَّ أبا داود رواه بإسنادٍ صحيحٍ، هذا سبقُ قَلَمٍ، وهو كما قال في أول كلامه

)).

الثاني: وقعَ في (أطراف المسند 9459)، و (إتحاف المهرة 18602) طريقٌ آخرُ لمعمرٍ عن أبي هريرة؛ فَذَكَرَ عنه، عن أيوبَ، عنِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ. وقد اعتبرها الألبانيُّ روايةً أُخْرَى لأحمدَ معطوفة على روايةِ مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عنِ ابنِ المسَيّبِ.

وهذا السند غيرُ موجودٍ في النُّسَخِ الخطيةِ للكتابين المذكورين، وإنما أضافه محققو الكتابين من ط. الميمنية لـ (مسند أحمد)، وقد وقعَ فيها على سبيلِ الخطأ، تبعًا لخطأ بعضِ النُّسَّاخِ المتأخرينَ حيثُ انْتَقَلَ بَصَرُهُ إلى الحديثِ الذي يليه، كما نبَّه عليه محققو طبعة الرسالة. انظر:(مسند أحمد 13/ 44/ حاشية 1).

ص: 297

248 -

حَديثُ ابْنِ مَسْعُودٍ:

◼ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مِثْله [أَيْ: مِثْل حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ؟ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا مِنَ السَّمْنِ فَاطْرَحُوهُ))].

[الحكم]:

صحيحُ المتن، وهذا إسنادُهُ ضعيفٌ.

[التخريج]:

[حل (3/ 379)].

[السند]:

رواه أبو نعيم قال: حدثنا محمد بن علي بن حُبَيْشٍ، ثنا (حبان)

(1)

بن إسحاق البلخيُّ، ثنا محمد (أبو)

(2)

عبد الرحمن الترمذيُّ، ثنا عبد الملك بن الماجشون، ثنا مالك بن أنس، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عنِ ابنِ مسعود، به.

[التحقيق]:

هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ عبد الملك بن الماجشون هو ابنُ عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وهو ((ضعيف)). ضعَّفه الأئمةُ كلُّهم،

(1)

- في المطبوع: ((ابن حسان)) وهو تحريف، والمثبت هو الصواب وترجمته في (الإكمال لابن ماكولا 2/ 310)، وهو المذكور في تلاميذِ أبي عبد الرحمن الترمذيِّ. كما في (تهذيب الكمال 24/ 346)، وقد جاءَ على الصوابِ في (الحلية 9/ 69).

(2)

- في المطبوع: ((بن)) وهو تحريف ظاهر، وانظر ترجمته في (تهذيب الكمال 24/ 346).

ص: 298

وشذَّ ابنُ حِبَّانَ فذكره في (الثقات 8/ 389)، فقال الأَثْرمُ:((قلتُ لأحمدَ: إِنَّ عبدَ الملك ابنَ الماجشون يقولُ في سَنَدٍ أو كذا، قال: مَنْ عبد الملك؟ ! عبد الملك من أهل العلم! مَن يَأْخُذُ مِن عبد الملك؟ ! ))، وقال السَّاجِي:((ضعيفٌ في الحديثِ، وقد حدَّثَ عن مالكٍ بمناكير))، وقال مصعبٌ الزبيريُّ:((كان يُفْتِي، وكان ضعيفًا فى الحديث))، وقال أبو داود:((كان عبد الملك الماجشون لا يَعْقِلُ الحديثَ))، وقال ابنُ البَرْقِيِّ:((دعاني رجلٌ إلى أن أَمْضِي إليه فجئْنَاهُ، فإذا هو لَا يَدْرِي الحديثَ إيش هو)) (تهذيب التهذيب 6/ 408)، وتساهلَ فيه الحافظُ فقال:((صدوقٌ له أَغْلَاطٌ في الحديثِ)) (التقريب 4195). ونحوه قولُ الذَّهبيِّ في (الكاشف 3463): ((رَأْسٌ في الفقه، قليلُ الحديثِ، صدوقٌ))، وأَبْعَدَ جِدًّا في ((السير)) حيث تأوَّلَ قولَ أبي داود السابقِ، فقالَ:((يعني: لم يكن من فُرْسَانِهِ، وإلَّا فهو ثقةٌ في نفسه))! (السير 10/ 360). ويُؤكِّدُ ما قَرَّرْنَاهُ أن الذهبيَّ حينما ذكره في (الميزان 5226) وذَكَرَ أقوالَ المضَعِّفِينَ، لم يجدْ في المقَابِلِ قَوْلَ مُوثِّقٍ يذكره، سوى قول ابنِ عبد البر:((كان فقيهًا فصيحًا دارتْ عليه الفُتْيَا في زمانه)). وهذا لا علاقةَ له بالحديثِ.

قلنا: وقد أخطأَ على مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث، والمحفوظُ عن مالكٍ: ما رواه عنه الحفَّاظُ مِن أصحابِهِ، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباس، عن ميمونةَ به، كما تقدَّم.

ولذا قال الدارقطنيُّ: ((وروي عن عبد الملك بن الماجشون، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عنِ ابنِ مسعودٍ، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وذلك وَهْمٌ مِن رَاويه)) (العلل 9/ 259).

وكأن الدارقطنيَّ يرى أنَّ الْوَهْمَ فيه ممن دون عبد الملك، ولكن

ص: 299

ابنَ حُبَيْشٍ ((ثقة ثبت)) كما في (تارخ بغداد 4/ 145)، وأبو عبد الرحمن الترمذيُّ ((صدوق)) (التقريب 5710)، وحبان روى عنه جمع، منهم: العقيليُّ صاحب (الضعفاء)، فإلصاقُ الْوَهْمِ بعبد الملك أَوْلى؛ لضَعْفِهِ لَا سيَّما عن مالكٍ، والله أعلم.

ص: 300

249 -

حَديثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ:

◼ عَنِ الزُّهْرِيِّ: عَنِ الدَّابَّةِ تَمُوتُ فِي الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ، وَهُوَ جَامِدٌ أَوْ غَيرُ جَامِدٍ، الفَأْرَةِ أَوْ غَيرِهَا؟ قَالَ:((بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِفَأْرَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ، فَأَمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ، ثُمَّ أُكِلَ))، عَنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.

[الحكم]:

صحيحُ المتن، وإسنادُه ظاهره الإرسال.

[التخريج]:

[خ 5539].

[السند]:

قال البخاري: حدثنا عَبْدَانُ، أخبرنا عبد الله، عن يُونُسَ، عنِ الزُّهريِّ، به.

[التحقيق]:

هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، لكن ظاهره الإرسال، وقد سبقَ موصولًا من طريق مالك، وابنِ عُيَينَةَ، وغيرهما، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عنِ ابنِ عباس، عن ميمونةَ.

وقوله في آخر هذا الحديث: ((عن حديث عبيد الله بن عبد الله))، قد يُفْهَمُ منه أنه موصولٌ أيضًا، واكتفى بالإشارةِ إليه لشهرته، ولعلَّ لذلكَ اسْتَجَازَ البخاريُّ إخراجَه في (صحيحه).

قال ابنُ حجر: ((قوله: (عن حديث عبيد الله بن عبد الله). يعني: بسنده، لكن لم يظهر لنا هل فيه ميمونةُ أو لَا؟ )) (فتح الباري 9/ 669).

ص: 301

وقال العينيُّ: ((كلمةُ ((عن)) تتعلَّقُ بقوله: ((بلغنا)) أي: بلغنا عن حديث عبيد الله)) (عمدة القاري 21/ 138).

وقال القسطلانيُّ: ((وهذا بلاغٌ صورتُهُ صورة المرسلِ أو الموقوف، لكنه مذكور بالإسنادِ المرفوعِ أولًا وآخرًا)) (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري 8/ 294).

وقد أخرجَ أبو نُعَيمٍ هذه الروايةَ من طريقِ البخاريِّ موصولةً عنِ ابنِ عباسٍ عن ميمونةَ، قال الحافظُ:((وأغربَ أبو نُعَيمٍ في (المستخرج) فسَاقَهُ من طريقِ الفربريِّ عنِ البخاريِّ عن عَبْدَانَ موصولًا بذكرِ ابنِ عباسٍ وميمونةَ بالمرفوعِ دُونَ الموقوفِ، وقال: أخرجه البخاريُّ عنْ عبدانَ وذكرَ فيه كلامًا)) (فتح الباري 9/ 669).

وقد يُفْهَمُ من قولِ الزُّهريِّ أيضًا أنه عن عبيد الله مرسلًا، ومما يدلُّ على ذلك أن الإسماعيليَّ أخرجه -كما في (الفتح 9/ 669) - من طريق نُعَيمِ بن حمَّادٍ، عنِ ابنِ المباركِ؛ عن يونسَ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن النبِّي صلى الله عليه وسلم فذَكرَه مرسلًا.

وقال الدارقطنيُّ في (العلل): ((ورواه يونسُ، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: بلغنا أن رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم

)). وهو الحديث التالي:

ص: 302

250 -

حَدِيثُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ:

◼ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَمَاتَتْ، فَقَالَ:((خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا مِنَ السَّمْنِ فَاطْرَحُوهُ)).

[الحكم]:

صحيحُ المتن، وإسنادُهُ مُرسَلٌ.

[التخريج]:

[طا (رواية أبي مصعب 1844) / معيل (إمام 3/ 466)، (الفتح 9/ 669) / علقط (15/ 259/ 4007) معلقًا/ عق (2/ 578) معلقًا/ تمهيد (9/ 35) معلقًا].

[السند]:

رواه أبو مصعب: عن مالكٍ، عنِ ابنِ شِهَابٍ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بنِ مسعودٍ، به.

وأخرجه الإسماعيليُّ من حديث مَعنٍ، عن مالك، به.

وعلَّقَهُ الدارقطنيُّ في (العلل) عن إسحاقَ الأنصاريِّ، عن معنٍ، به.

وأخرجه الإسماعيليُّ: من طريق نُعَيمِ بنِ حمَّادٍ، عنِ ابنِ المباركِ، عن يونسَ، عنِ الزُّهريِّ، به.

وعلَّقَهُ العقيلُّي، وابنُ عبد البر: عن عُقَيْلٍ، عن الزُّهريِّ، به.

وعلَّقَهُ الدارقطنيُّ في (العلل) عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله، مرسلًا.

ص: 303

[التحقيق]:

هذا إسنادٌ رجاله ثقاتٌ رجال الشيخين، عدا نُعَيم بن حمَّاد فمن رجالِ البخاريِّ وَحْدَه؛ وقال فيه الحافظ:((صدوقٌ يخطئُ كثيرًا)) (التقريب 7166)، وقد تُوبع كما في هذه الروايةِ والتي قبلها، ولكن إسناده مرسلٌ، وقد رُوِيَ موصولًا كما تقدَّم، وهو الصحيح.

قال الدارقطنيُّ -بعد ذكره أوجه الخلافِ فيه على الزُّهريِّ-: ((والصحيحُ: عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونةَ)) (العلل 9/ 259).

وذكر الخلافَ فيه على الزُّهريِّ ابنُ عبد البر أيضًا وقال: ((والصحيحُ في إسنادِ هذا الحديث ما قاله مالكٌ في رواية يحيى ومَنْ تابعه)) (التمهيد 9/ 35). يعني: عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ.

وكذا صحَّحَ الروايةَ الموصولةَ: البخاريُّ، والترمذيُّ، وأبو حاتمٍ، وغيرُهم، كما قد تقدَّم نقلُه عند الكلامِ على حديثِ ابن عباسٍ.

وقال ابنُ حَجَرٍ بعد أن ذكر الاختلاف على مالك في الوصل والإرسال: ((هذا الاختلاف لا يضر لأَنَّ مالكًا كان يصله تارة ويرسله تارة، ورواية الوصل عنه مقدَّمة قد سمعه منه معنُ بنُ عيسى مرارًا وتابعه غيرُه من الحفَّاظِ، والله أعلم)) (فتح الباري 1/ 344).

[تنبيه]:

قال ابنُ دقيق العيد: ((وأخرجه الإسماعيليُّ من حديث معن، ولم يجاوز عبيد الله، وكذلك قال سعيد بن داود الزنبري، عن مالك عند الطبرانيِّ)) (الإمام 3/ 466).

قلنا: رواية الزَّنْبَرِيِّ عند الطبرانيِّ في (الكبير 23/ 429/ 1042) و (الأوسط 3413) متصلة.

ص: 304

251 -

حَدِيثُ ابْنِ الْمُسَيّبِ مُرْسَلًا:

◼ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، قَالَ: ((بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ في سَمْنٍ

)) الحديث.

[الحكم]:

مرسلٌ ضعيفٌ.

[التخريج]:

[ذهلي (تمهيد 9/ 39 - 40)].

[السند]:

رواه الذُّهليُّ -كما في ((التمهيد)) -: عن عبد الله بن صالح، قال: حدَّثني الليث، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ابن شهاب، قال: قال ابنُ المسَيّبِ: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ في سَمْنٍ؟

ولم يذكرْ مَتْنَه كاملًا.

وعلَّقَهُ العقيليُّ في (الضعفاء 2/ 578) عن الليث، به.

وذكر الإسماعيليُّ -كما في (الفتح 9/ 668) - أن اللَّيثَ رواه عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيِّبِ، قال: بَلَغَنَا

الحديث.

[التحقيق]:

هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، عدا عبد الله بن صالح كَاتِبِ الليثِ، فالكلامُ فيه مَعْرُوفٌ، وفي (التقريب 3388):((صدوقٌ كثيرُ الغلطِ، ثَبتٌ في كتابه، وكانت فيه غَفْلَةٌ)).

وقد وصله مَعْمَرٌ، عن سعيد، عن أبي هريرة، لكن روايتَه هذه معلولةٌ، كما تقدَّم بيانُه.

ص: 305

252 -

حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ:

◼ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ -أَوِ الْوَدَكِ-؟ فَقَالَ: ((اطْرَحُوهَا، وَاطْرَحُوا مَا حَولَهَا، [وَكُلُوهُ] إِنْ كَانَ جَامِدًا)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا؟ قَالَ:((انْتَفِعُوا بِهِ وَلَا تَأْكُلُوهُ)).

[الحكم]:

منكرٌ سندًا ومتنًا، والصحيحُ: عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، بلا تَفْرِقَةٍ بين الجامِدِ والمائِعِ. وأعلَّه محمد بن يحيى الذُّهْليُّ، وأبو حاتم، وابنُ المنْذِرِ، وابنُ عَدِيٍّ، والدارقطنيُّ، وابنُ حزم، والبيهقيُّ، وأبو العباسِ العصميُّ، والإشبيليُّ، وابنُ الجوزيّ، وابنُ القطان، وابنُ القيسرانيّ، وابنُ القيمِ، وابنُ عبد الهادي، وابنُ الملقنِ، وابنُ حَجَرٍ. وأشارَ إلى ذلك الطبرانيُّ، وأبو نُعَيمٍ.

[اللغة]:

" (الوَدَك): هُو دَسَم اللحم ودُهنُه الذي يُستَخرَج منه". (النهاية لابن الأثير 5/ 368).

[التخريج]:

[طس 3077 ((والزيادة له)) / حل (3/ 380) ((واللفظ له)) / عد (8/ 415 - 416) / عق (2/ 577) / قط 4789/ مقط (2/ 972) / طاو (تمهيد 9/ 36) / هق 19658/ هقع 19364/ هقغ 3969/ تحقيق 1472/ خبر (1/ 155)].

[التحقيق]:

انظر الكلام عليه فيما يلي:

ص: 306

رواية: "وَكُلُوا وَدَكَهُ":

• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ:((أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ لَهُمْ، فَقَالَ: ((أَجَامِدٌ؟)). قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:((اطْرَحُوهَا، وَاطْرَحُوا مَا حَوْلَهَا وَكُلُوا وَدَكَهُ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ مَائِعٌ! قَالَ:((انْتَفِعُوا بِهِ وَلَا تَأْكُلُوهُ)).

[الحكم]:

منكرٌ سندًا ومتنًا، وأعلَّه الأئمةُ المذكورون آنفًا.

[التخريج]:

[منذ 884].

[التحقيق]:

هذا الحديث رُوِيَ من ثلاثةِ طرقٍ:

الطريق الأول:

رواه العقيليُّ، عن يحيى بنِ عثمانَ، قال: حدثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: حدثنا عبد الجبار بن عمر الأَيْلِيُّ، عنِ ابنِ شِهَابٍ، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، به.

ورواه ابنُ المنْذِرِ، وابنُ عَدِيٍّ، والبيهقيُّ من طرقٍ، عنِ ابنِ وَهْبٍ.

كلاهما (ابنُ وهبٍ، وابنُ أبي مريمَ): عن عبد الجبَّارِ بنِ عمرَ، به.

وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعف عبد الجبار بن عمر الأَيْلِيِّ، ضعَّفه جماعةٌ من الأَئمةِ، بل قال النَّسائيُّ:((ليس بثقة))، وقال الدارقطني:((متروكٌ)) (تهذيب التهذيب 6/ 104)، وقال الحافظ:((ضعيف)) (التقريب 3742).

ص: 307

ومع ضَعْفِهِ فقد خُولِفَ في سنده ومتنه:

فأما سنده: فقد رواه الثقاتُ الحفَّاظُ كمالكٍ، وابنِ عُيَينَةَ، وغيرِهما، عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، كما تقدَّم في أول الباب.

وأما متْنُه: فقد رووه بلفظ: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ)) دون تَفْرِيقٍ بيْنَ الجامِدِ والمائِعِ.

وقد سبقَ تقريرُ هذا الأمر في حديثِ أبي هريرةَ، وقد أَنْكَرَهُ الأئمةُ على مَعْمَرٍ -وهو من هو-، فكيف بعبد الجبار هذا؟ ! .

ولذا ضَعَّفَ روايتَه هذه جماعةٌ من العلماءِ:

قال الذُّهْلِيُّ: ((وهذا الإسناد عندنا غيرُ محفوظٍ، وهو خطأٌ، ولا يُعْرَفُ هذا الحديث من حديث سالم، وعبدُ الجبارِ ضعيفٌ جدًّا)) (التمهيد 9/ 36).

وسُئِلَ أبو حَاتِمٍ: عن طريق عبد الجبار بن عمر الأَيْلِيِّ، عنِ الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه. وطَرِيقِ مَعْمَرٍ، عنِ الزُّهريِّ، عنِ ابنِ المسَيّبِ، عن أبي هريرةَ؟ فقال:((كلاهما وَهْمٌ، والصحيحُ: الزُّهريُّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ)) (العلل 4/ 392 - 393).

وقال ابنُ المنذرِ: ((وليس يجوزُ أن يُقَابَلَ بهذا الخبر -أي: حديث عبد الجبار- خَبر الزُّهريِّ، عن عبيد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، وعنِ الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ؛ لأَنَّ عبدَ الجبار هذا ضعيفٌ وَاهِي الحَديثِ)) (الأوسط 2/ 429).

وعدَّ ابنُ عَدِيٍّ هذا الحديثَ من مَنَاكِيرِهِ، فأورده في ترجمتِهِ، ثم قال: ((وهذا

ص: 308

بهذا الإسناد لا يرويه غير عبد الجبار هذا

وعامةُ ما يرويه يخالفُ فيه، والضعفُ على رِوَايَاتِهِ بَيِّنٌ)) (الكامل 8/ 416 - 417).

وقال الدَّارقُطْنِيُّ: ((رواه عبد الجبار بن عمر الأَيْلِيُّ، عنِ الزُّهريِّ عن سالمٍ.

ورُوِيَ عنِ ابنِ جُرَيجٍ عن الزُّهري كذلك، وكلاهما

(1)

وَهْمٌ، والصحيحُ: عن عبيد الله، عن ابن عباس)) (أطراف الغرائب والأفراد 2977).

وقال في (العلل) بعد ذِكْرِهِ لطريقي عبدِ الجبار وابنِ جُرَيجٍ، عنِ الزُّهريِّ:((وخالفهما أصحابُ الزُّهري؛ فرووه عنِ الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عنِ ابنِ عباسٍ، وهو الصحيحُ)) (العلل 3023)، وأقرَّه ابنُ عبد الهادي في (التنقيح 4/ 84)، وسيأتي الكلام على طريقِ ابنِ جُرَيجٍ.

وقال أبو العباس العصميُّ بعد رواية الحديث من طريق مَعْمَرٍ المتقدِّمِ: ((ورواه عبد الجبار بنُ عمر الأَيْلِيُّ، عنِ الزُّهريِّ، فقال: عن سالم، عن أبيه، وهو أيضًا وَهْمٌ)) (جزء أبي العباس العصمي صـ 167).

وقد أعلَّه بعبد الجبار أيضًا ابنُ حزمٍ في (المحلى 1/ 143)، والبيهقيُّ في (المعرفة 14/ 126)، وفي (السنن 19/ 560) -وأقرَّه ابنُ المُلَقِنِ في (البدر المنير 5/ 26) -، والإشبيليُّ في (الأحكام الوسطى 1/ 237)، وابنُ طَاهِرٍ المقدسيُّ في (ذخيرة الحفاظ 2/ 744)، وابنُ القيم (تهذيب السنن 10/ 230)، وابنُ حَجَرٍ في (موافقة الخبر الخبر 1/ 155).

وأشارَ إلى إعلالِهِ الطبرانيُّ (عقب الحديث) بقوله: ((هكذا رواه عبد الجبار بن عمر، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، ورواه

(1)

في المطبوع: (كليهما) وأشار محققه أنه كذلك في الأصل، فلعله وَهْمٌ من النُّسَّاخِ.

ص: 309

أصحابُ الزُّهريِّ: عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباسٍ)) (الأوسط 3077).

وقال الهيثميُّ: ((رواه الطبرانيُّ في (الأوسط)، وفيه: عبد الجبار بن عمر؛ قال محمد بن سعد: كان بإفريقية، وكان ثقةً، وضعَّفه جماعةٌ)) (المجمع 1592).

الطريق الثاني:

رواه الدارقطنيُّ في (السنن 4789) -وعنه ابنُ الجَوزِيِّ في (التحقيق 1472) - عن عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله، نا بكر بن سهل، نا شعيب بن يحيى، نا يحيى بن أيوب، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، به.

ورواه أبو نُعَيمٍ في (الحلية 3/ 380)، والبيهقيُّ في (السنن الكبرى 19658)، وفي (الصغرى 3969) من طريقين، عن بكر بن سهل، به.

فهذا الطريق مداره على بكر بن سهل، وقد ضعَّفه النَّسائيُّ، وقال مَسْلَمَةُ:((تكلَّمَ الناسُ فيه وضعَّفُوه من أجل الحديث الذي حدَّثَ به عن سعيد بن كثير، عن يحيى بن أيوب، عن مُجَمِّعِ بن كعب، عن مَسْلَمَةَ بن مَخْلَدٍ رفعه: ((أَعْرُوا النِّسَاءَ يَلْزَمْنَ الْحِجَالَ))))، أما الذَّهبيُّ فقال:((حَمَلَ الناسُ عنه، وهو مُقَارِبُ الحَالِ)). انظر: (لسان الميزان 2/ 345).

قلنا: وهو إلى الضعف أقرب، كما ذهب إليه الألبانيُّ في غيرِ ما موضع من كتبه، ومما يدلُّ على ضَعْفِه أنه اضطربَ في إسنادِهِ:

فرواه الطبرانيُّ في (الأوسط 3077) -ومن طريقه ابنُ حَجَرٍ في (موافقة الخبر الخبر) - قال: حدثنا بكر بن سهل، قال: نا شعيب بن يحيى، قال:

ص: 310

أنا عبد الجبار بن عمر، عن ابنِ جُرَيجٍ

(1)

، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، به.

فأبدل عبد الجبار بن عمر بيحيى بن أيوب، وعبد الجبار ضعيفٌ، كما تقدم.

ويحيى بن أيوب: وثَّقَهُ جماعةٌ، وتكلَّمَ فيه بعضُهم لسوءِ حفظه، ولخص الحافظُ الكلامَ فيه فقالَ:((صدوقٌ ربما أخطأَ)) (التقريب 7511).

وقد عَدَّ بعضُ العلماءِ هذا الحديثَ من مناكير يحيى:

قال الدارقطنيُّ عنه: ((في بعض حديثه اضطراب، ومن مناكيره: عن ابنِ جُرَيجٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا: ((وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَانْتَفِعُوا بِهِ)))) (تهذيب التهذيب 11/ 187).

وسبقَ عنه أنه قال عن هذا الطريق أنه: ((وَهْمٌ، والصحيحُ: عن عبيد الله، عن ابنِ عباسٍ)) (أطراف الغرائب والأفراد 2977)، وبنحوه في (العلل 3023).

وقال ابنُ المُنْذِرِ: ((وقد رَوى بعضُ أهلِ مِصْرَ، عن يحيى بن أيوبَ، عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن ابن عمر نحو هذا الحديث، قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: في حديثه -يعني: يحيى بن أيوب- الوَهْمُ، كان يُحَدِّثُ من حِفْظِهِ)) (الأوسط 2/ 429 - 430).

وقال أبو نُعَيمٍ: ((وروى ابنُ جُرَيجٍ، عنِ الزُّهريِّ، مخالفًا الجماعةَ)

(1)

سقطَ ابنُ جُرَيْج في مطبوع (موافقة الخبر الخبر)، والصوابُ إثباته كما في (الأوسط).

ص: 311

فذكره، ثم قال:((غريبٌ من حديثِ الزُّهريِّ؛ لم يروه عنِ ابنِ جُرَيجٍ إِلَّا يحيى بن أيوب)).

وقال البيهقيُّ: ((ورُوِيَ عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عنِ ابنِ شِهَابٍ هكذا، والطريقُ إليه غيرُ قَويٍّ)) (السنن الكبرى 9/ 594)، وأقرَّه ابنُ عبد الهادي في (التنقيح 4/ 84)، وابنُ الملقن في (البدر المنير 5/ 26).

وقال في (المعرفة): ((ورُوِيَ من وجهٍ آخر عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عنِ ابنِ شهاب، وهو ضعيفٌ)) (معرفة السنن 19365)، وكذلك قال ابنُ القيم في (تهذيب السنن 10/ 230).

وأعلَّه بيحيى أيضًا: ابنُ الجَوزِيِّ في (التحقيق 2/ 188)، وعبدُ الحقِّ الإشبيليُّ في (الأحكام الوسطى 1/ 237)، وأقرَّه ابنُ القطان في (بيان الوهم والإيهام 4/ 76).

ونقل الذهبيُّ عنِ ابنِ القطان قوله: ((من غرائبِ يحيى بن أيوب: روايتُه عنِ ابنِ جُرَيجٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، مرفوعًا

فذكره)) (الميزان 4/ 363)، وانظر:(التلخيص 2/ 156).

وقال ابنُ حَجَرٍ: ((تفرَّد به -أي: يحيى بن أيوب- عنِ ابنِ جُرَيجٍ، ويحيى صدوقٌ، ولكن رِوَايتَه هذه شاذَّةٌ)) (التلخيص الحبير 2/ 156).

وقال في (موافقة الخبر الخبر 1/ 155): ((هذا حديثٌ غريبٌ، وقع في روايته (يحيى بن أيوب) بدل (عبد الجبار بن عمر)، ويحيى بن أيوب صدوقٌ له أوهام، وأما عبد الجبار بن عمر فضعيفٌ عندهم، وقد ذكر ابنُ عَدِيٍّ في ترجمته: أنه تَفَرَّدَ بهذا عنِ الزُّهريِّ)).

ص: 312

[تنبيه]:

رَوَى ابنُ الجَوزِيِّ هذا الحديث في (التحقيق)، وضَعَّفَهُ بيحيى بنِ أيوبَ وشعيبَ بنِ يحيى؛ فقال:((فيه: يحيى بنُ أيوبَ، قال أبو حاتم الرازيُّ: لا يُحتجُّ به، قال: وشعيبُ بنُ يحيى ليس بمعروفٍ)).

قلنا: أما تضعيفه بيحيى بن أيوب الغافقيِّ فهو كما قال، وقد سبقه بذلك ابنُ المنذرِ، والدارقطنيُّ وغيرُهما.

وأما قولُ أبي حاتمٍ عن شعيبَ بنِ يحيى أنه ليس بمعروف، كما في (الجرح والتعديل 4/ 353)، فقد عَرَفَهُ غيرُه، فذكره ابنُ حِبَّانَ فى (الثقات 8/ 309) وقال:((مستقيم الحديث)). وهذا من توثيقِ ابنِ حِبَّانَ المقبولُ الذي لا مَغْمَزَ فيه، كما تقدَّم تقريرُه، وقال ابنُ يونسَ:((كان رجلًا صالحًا غلبتْ عليه العِبادةُ))، وصَحَّحَ له ابنُ خزيمةَ وغيرُه. انظر:(تهذيب التهذيب 4/ 358).

ولذا قال الذهبيُّ: ((ثقةٌ عَابِدٌ)) (الكاشف 2295). وقال الحافظ: ((صدوقٌ عَابِدٌ)) (التقريب 2808). وانظر: (البدر المنير 5/ 24).

الطريق الثالث:

رواه الدارقطنيُّ في (المؤتلف والمختلف) عن محمد بن إبراهيم بنِ نَيْرُوْزَ، حدثنا أحمد بن داود المكيُّ، حدثنا خِدَاشُ بنُ الدَّخْدَاخِ، حدثنا ابنُ لَهيعةَ، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن سالم، عن أبيه، به.

قال الدارقطنيُّ: ((تفرَّد به ابنُ لهيعة، عن أبي الأسود، لا أَعْلَمُ حدَّثَ به غير خِدَاش بن الدَّخْدَاخ الغوريّ)) (أطراف الغرائب والأفراد 1/ 530).

ص: 313

وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: خِدَاشُ بنُ الدَّخْدَاخِ؛ ضعَّفه الدارقطنيُّ، كما في (لسان الميزان 3/ 353).

وفيه أيضًا: عبدُ الله بنُ لهيعةَ، و ((العمل على تضعيفِ حديثِهِ)) كما قال الذهبيُّ، وستأتي ترجمتُه موسعة في باب:((ما رُوِيَ في أن بقاءَ أثرِ دَمِ الحيضِ في الثَّوب لا يضرُّ)).

ومع ضعْفِه قد اضطربَ فيه: فرواه تارة أُخرَى عن أبي الزبير، عن جابرٍ، وسيأتي الكلامُ على هذا الطريق قريبًا.

ثم إِنَّ لحديثِ ابنِ عمر علةً أُخرَى، وهي أن المحفوظَ عنِ ابنِ عمر الوقفُ.

فقد أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ في (المصنف 24882)، وابنُ المنذرِ في (الأوسط 7796)، والطحاويُّ في (المشكل 13/ 400) من طُرُقٍ، عن نافعٍ، عن صفيةَ بنتِ أبي عبيد:((أَنَّ جَرًّا لِآلِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ عِشْرُونَ فَرْقًا مِنْ سَمْنٍ، أَوْ زِيَادَةٌ، وَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ فَمَاتَتْ، فَأَمَرَهُمَ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَسْتَصْبِحُوا بِهِ)).

هكذا موقوفًا، وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط مسلم.

وأخرجه عبدُ الرَّزاقِ (287)، وابنُ أبي شيبةَ (24881)، والطحاويُّ في (المشكل 13/ 399) وغيرُهم من طُرُقٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ بنحوه.

وهذا إسنادُهُ صحيحٌ على شرطهما، وقال الحافظُ:((سندُهُ على شرطِ الشيخين إِلَّا أنه موقوفٌ)) (الفتح 9/ 670).

لذلك رجَّحَ العلماءُ هذه الروايةَ الموقوفةَ.

فقال البيهقيُّ: ((والصحيحُ عنِ ابنِ عمرَ، من قولِهِ، في فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي

ص: 314

زَيْتٍ؟ قَالَ: اسْتَصْبِحُوا بِهِ، وادْهُنُوا بِهِ أُدُمَكُمْ)) (معرفة السنن 19365)، وأقرَّه ابنُ القيم في (تهذيب السنن 10/ 231).

وقال ابنُ حَجَرٍ: ((ووقعَ التَّفْصِيلُ فيه أيضًا في رِوايةِ عبدِ الجبارِ بنِ عمرَ، عنِ الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، وقد تقدَّم أن الصوابَ في هذا الإسناد أنه موقوفٌ)) (فتح الباري 9/ 669).

[تنبيه]:

ذَكَرَ ابنُ التركمانيِّ حديثَ ابنِ عمرَ -من طريق يحيى بنِ أيوبَ، عنِ ابنِ جُرَيجٍ به- وأَتْبَعَهُ بتضعيفِ البيهقيِّ، وعبدِ الحقِّ الإشبيليِّ، ثم قالَ:((وقد جاءَ لهذا السَّندِ شَاهدٌ بسندٍ رجاله ثقات؛ فقال الطحاويُّ في كتابيه (المشكل) و (اختلاف العلماء): ثنا فهد بن سليمان، ثنا الحسن بن الربيع، ثنا عبد الواحد بن زياد، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسَيّبِ، عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ سُئِلَ: عَنْ فَأَرَةٍ؟

)) (الجوهر النقي 9/ 354).

وفي قوله نظر؛ لأمرين:

الأول: أن رِوايةَ مَعْمَرٍ -التي استشهد بها- معلولةٌ سندًا ومتنًا، كما أعلَّها كثيرٌ من أهل العلم كما تقدَّم، فهي روايةٌ خطأٌ، والخطأُ لا يُسْتشهدُ به، قال ابنُ القيم:((روايةُ مَعْمَرٍ هذه خطأٌ كما قاله البخاريُّ وغيرُه، والخطأُ لا يُحتجُّ به على ثبوتِ حديثٍ معلولٍ)) (تهذيب السنن 10/ 228).

الثاني: أن روايةَ ابنِ جُرَيجٍ روايةٌ مُنْكَرةٌ لضعفِ الطريقِ إليه، ومخالفتها لروايةِ الثقاتِ عن الزُّهريِّ، وأن الصحيحَ فيه أنه من قولِ ابنِ عمرَ كما تقدَّم، فهي أيضًا لا تَصلُحُ في الشواهدِ ولا المتابعاتِ.

ص: 315

253 -

حَدِيثُ جَابِرٍ:

◼ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: ((سَأَلْتُ جَابِرًا عَنِ الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي الطَّعَامِ -أَوِ الشَّرَابِ- أَطْعَمُهُ؟ قَالَ: لَا، زَجَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ؛ كُنَّا نَضَعُ السَّمْنَ فِي الْجِرَارِ، فَقَالَ: ((إِذَا مَاتَتِ الْفَأْرَةُ فِيهِ فَلَا تَطْعَمُوهُ)).

[الحكم]:

متنه منكرٌ، وإسناده ضعيفٌ، وضعَّفه الهيثميُّ.

[التخريج]:

[حم 14683].

[السند]:

رواه أحمد: عن الحسن الأشيب، ثنا ابنُ لهيعةَ، ثنا أبو الزبير، قال: سألتُ جابرًا

الحديث.

[التحقيق]:

هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعفِ ابنِ لهيعةَ كما تقدَّمَ، وبه أعلَّه الهيثميُّ فقال:((رواه أحمد، وفيه ابنُ لهيعةَ؛ وهو ضعيفٌ)) (المجمع 1589).

وقد اضطربَ فيه ابنُ لهيعةَ؛ فرواه تارة أخرى عن أبي الأسود، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، كما تقدَّمَ في حديثِ ابنِ عمرَ.

ومع ضعْفِهِ، ففي مَتْنِهِ نَكَارَةٌ، وهي قوله:((لَا تَطْعَمُوهُ))، والذي في (الصحيح) -كما عند البخاريِّ وغيرِه-: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ)).

ص: 316

254 -

حَدِيثُ مَكْحُولٍ:

◼ عَنْ مَكْحُولٍ: أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي زَيْتٍ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:((اسْتَصْبِحُوا بِهِ، وَلَا تَأْكُلُوهُ)).

[الحكم]:

ضعيفٌ لإرساله.

[التخريج]:

[ش 24891].

[السند]:

رواه ابنُ أبي شيبةَ: عن عبد الوهاب الثقفيِّ، عن بُرْدٍ، عن مَكْحُولٍ به مرسلًا.

[التحقيق]:

هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، إِلَّا أنه مرسل، مكحول من صغار التابعين لم يُدركْ زمنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

ص: 317

255 -

حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ:

◼ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه، قَالَ:((سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ وَالزَّيْتِ؟ قَالَ: ((اسْتَصْبِحُوا بِهِ وَلَا تَأْكُلُوهُ)).

[الحكم]:

إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وضعَّفه: ابنُ الجوزيِّ، وابنُ الملقنِ، وابنُ حَجَرٍ.

والصوابُ فيه الوقفُ على أبي سعيد -مع ضَعْفِهِ أيضًا-، كما أشارَ لذلك الدارقطنيُّ، ونصَّ عليه البيهقيُّ، وأقرَّه ابنُ القيم، وابنُ عبد الهاديِّ، وابنُ الملقنِ.

[التخريج]:

[قط 4790 ((واللفظ له)) / هق 19660/ تحقيق 1473].

[السند]:

رواه الدارقطنيُّ -ومن طريقه البيهقيُّ، وابنُ الجَوزِيِّ- قال: حدثنا عمر بن محمد بن القاسم النيسابوريُّ، نا محمد بن أحمد بن راشد الأصبهانيُّ، نا محمد بن عبد الرحيم البرقيُّ، نا عمرو بن سلمةَ، عن سعيد بن بشيرٍ، عن أبي هارونَ، عن أبي سعيدٍ، به.

[التحقيق]:

هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: أبو هارونَ العبديُّ، اسمه عُمَارَةُ بنُ جُوَيْنٍ؛ فيه كلامٌ شَدِيدٌ لخَّصَه الحافظُ في (التقريب 4840) بقوله:((متروكٌ، ومنهم من كذَّبَهُ)).

وبه أعلَّه ابنُ الجوزيِّ في (التحقيق 2/ 188)، وابنُ الملقنِ في (البدر 5/

ص: 318

25)، وابنُ حَجَرٍ في (التلخيص 2/ 157).

وفيه علةٌ أُخرَى: وهي ضعفُ سعيدِ بنِ بشيرٍ، فهو ((ضعيف))، كما في (التقريب 2276).

وقد أخطأَ في رفعِ هذا الحديث:

فقد أخرجه عبد الرزاق (281، 282) عن مَعْمَرٍ.

وأخرجه ابنُ المنذر (872، 7797)، والدارقطنيُّ (4791) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الكبرى 19661) - من طريقين عن الثوري، كلاهما (الثوري، ومعمر): عن أبي هارونَ العبديِّ، عن أبي سعيد موقوفًا.

وقد أشارَ إلى خَطَئِهِ هذا الدارقطنيُّ فقال عقبه: ((رواه الثوريُّ عن أبي هارونَ موقوفًا على أبي سعيد)). ثم ساق الرواية الموقوفة، ومن طريقه رواها البيهقيُّ، ثم قال:((هذا هو المحفوظ موقوف))، وأقرَّه ابنُ عبد الهادي في (التنقيح 4/ 84)، وابنُ الملقن في (البدر المنير 5/ 26).

وقال في (المعرفة 19366): ((ورُوِيَ عن أبي هارونَ العبديِّ، عن أبي سعيدٍ، مرفوعًا وموقوفًا، والموقوفُ أَصحُّ)). وأقرَّه ابنُ القيم في (تهذيب السنن 10/ 231).

[تنبيه]:

ليس معنى قولهم: أن الموقوفَ أصحُّ أو هو المحفوظ؛ أنه صحيح في نفسه، بل هو ضعيفٌ جدًّا أيضًا؛ لأَنَّ مداره على أبي هارونَ العبديِّ وهو متروكٌ كما تقدَّم، وإنما هذا تصحيح نسبي، يعني: أن أصحَّ الروايتين عنه هي الموقوفة.

ص: 319