الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
42 - بَابُ الذُّبَابِ يَقَعُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ
259 -
حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ:((قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ (إِنَاءِ) 1 أَحَدِكُمْ فَليَغْمِسْهُ [كُلَّهُ] 1 [فِيهِ] 2، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ (لِيَطْرَحْهُ) 2؛ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً (سُمًّا) 3، وَ [فِي] 3 الْأُخْرَى شِفَاءً (دَوَاءً) 4)).
[الحكم]:
صحيح (خ)، وكذا الروايات والزيادات، عدا الرواية الثالثة والرابعة فلغيره وهي صحيحة.
[اللغة]:
قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ: ((الذُّبَابُ -بضم المعجمة وموحَّدتين وتخفيف-، قال أبو هلال العسكريُّ: الذُّبَابُ واحِدٌ، والجمعُ ذِبَّان كَغِرْبَان، والعامةُ تقولُ: ذُبَابٌ للجمعِ، وللواحدِ ذُبَابَةٌ بوزن قُرَادَة، وهو خَطأٌ. وكذا قال أبو حاتم السِّجستانيُّ: إنه خطأٌ، وقال الجوهريُّ: الذُّبَابُ واحِدةُ ذُبَابَةٍ، ولَا تَقُلْ ذِبَّانَةٌ. ونُقِلَ في (المحكم) عن أبي عُبيدةَ عن خَلَفٍ الأَحمرِ تجويزُ ما زَعَمَ العسكريُّ أنه خطأٌ، وحَكى سيبويه في الجمع: ذُبٌّ، وقرأتُه بخطِّ البُحتُريِّ مضبوطًا بضم أوله والتشديد)) (الفتح 10/ 250).
[الفوائد]:
أولًا: قال ابنُ القيم: ((هذا الحديثُ فيه أمران: أمرٌ فقهيٌّ، وأمرٌ طِبِّيٌّ.
فأما الفقهيُّ: فهو دليلٌ ظاهرُ الدّلَالةِ جدًّا على أن الذُّبَابَ إذا ماتَ في ماءٍ -أو مائِعٍ- فإنه لَا يُنَجِّسُهُ، وهذا قولُ جُمهورِ العلماءِ، ولا يُعْرَفُ في السَّلفِ مخالِفٌ في ذلك.
ووجه الاستدلَالِ به: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمر بمَقْلِهِ، وهو غَمْسُهُ في الطعامِ، ومعلومٌ أنه يموتُ من ذلك، ولا سيَّما إذا كان الطعام حَارًّا، فلو كان يُنَجِّسُهُ لكان أمرًا بإفسادِ الطعامِ، وهو صلى الله عليه وسلم إنما أَمَرَ بإصلَاحِهِ، ثم عُدِّيَ هذا الحُكْمُ إلى كلِّ ما لا نَفْسَ له سَائِلة، كالنَّحلةِ والزُّنْبُورِ والعنكبوت وأشباهِ ذلك، إذ الحكمُ يعمُّ بعمومِ عِلَّتِهِ، ويَنْتَفِي لانتفاءِ سَببه، فلمَّا كان سببُ التَّنْجِيسِ هو الدَّمُ المحتَقِنُ في الحيوانِ بموتِهِ، وكان ذلك مفقودًا فيما لا دَمَ لَه سَائِلٌ؛ انتفى الحكمُ بالتَّنْجِيسِ لانتفاءِ عِلَّتِهِ.
ثم قال مَن لم يحكم بنجاسةِ عَظْمِ الميتةِ: إذا كان هذا ثابتًا في الحيوانِ الكاملِ مع ما فيه من الرُّطُوبَاتِ والفَضَلَاتِ، وعدم الصَّلَابةِ، فثبوتُه في العَظْمِ الذي هو أبعدُ عنِ الرُّطوباتِ والفَضَلَاتِ واحتقانِ الدَّمِ أَوْلَى، وهذا في غايةِ القُوَّةِ، فالمصيرُ إليه أَوْلَى.
وأوَّلُ مَن حُفِظَ عنه في الإسلامِ أنه تكلَّمَ بهذه اللفظةِ، فقال: ما لا نَفْسَ له سَائِلةٌ إبراهيم النَّخَعِيُّ وعنه تلقَّاها الفقهاءُ -والنَفْسُ في اللُّغةِ: يعبَّر بها عن الدَّمِ، ومنه نَفستِ المرأةُ- بفتح النون -إذا حاضت، ونُفِسَتْ -بضمها- إذا وَلَدَتْ.
وأما المعنى الطبيُّ: فقال أبو عُبيد: معنى امْقُلُوهُ: اغْمِسُوهُ ليخرجَ الشِّفاءُ منه، كما خرجَ الدَّاءُ، يقال للرجلين: هما يَتَمَاقَلَانِ، إذا تَغَاطَّا في الماءِ.
واعلمْ أن في الذُّبابِ عندهم قُوَّةً سُمِّيَّةً يَدُلُّ عليهَا الوَرَمُ، والحكَّةُ
العارضةُ عن لَسْعِهِ، وهي بمنزلة السِّلاحِ، فإذا سقطَ فيما يُؤْذِيهِ، اتَّقَاهُ بسِلاحِهِ، فأمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُقَابِلَ تلك السُّمِّيَّةَ بما أودعه الله سبحانه في جناحه الآخر منَ الشِّفاءِ، فيغمس كلُّه في الماءِ والطعامِ، فَيُقَابِلُ المَادَّةَ السُّمِّيَّةَ المَادَّةُ النَّافِعَةُ، فيزول ضررها، وهذا طبٌّ لا يَهتدي إليه كبارُ الأطباءِ وأَئِمَّتُهُم، بل هو خارجٌ من مشكاةِ النُّبْوةِ، ومع هذا فالطبيبُ العالمُ العارفُ الموفَّقُ يخضعُ لهذا العِلاجِ، ويُقرُّ لمن جَاءِ به بأنه أكملُ الخَلْقِ على الإطلاقِ، وأنه مُؤَيَّدٌ بوحيٍ إلهيٍّ خارجٍ عنِ القُوَى البشريَّةِ.
وقد ذكر غيرُ واحدٍ مَن الأطباءِ أن لَسْعَ الزُّنْبُورِ والعقربِ إذا دُلِكَ موضعه بالذُّباب نفعَ منه نفعًا بَيِّنًا، وسكَّنَهُ، وما ذاكَ إِلَّا للمادَّةِ التي فيه مِن الشِّفَاءِ، وإذا دُلِكَ به الورمُ الذي يخرجُ في شعر العينِ المسمَّى شعرةً بعد قطعِ رُؤُوسِ الذُّبَابِ أَبْرَأَهُ)) (زاد المعاد في هدي خير العباد 4/ 102)، ونحوه في (فتح الباري 10/ 251 - 252).
ثانيًا: اعلموا -رحمنا الله وإياكم وجعلنا من المهتدين، ولسنة رسوله من المقتدين- أن بعضَ المتفلسفة والمتغربة، رفعوا عقيرتهم في الطَّعْنِ في مثلِ هذه الأحاديثِ التي ظنُّوا عن جهلٍ أو غيرِهِ أنها غيرُ صحيحةٍ، ولهؤلاءِ ولغيرِهِم نقولُ: قبل أن نَدُلك على صحةِ هذا طِبيًّا من الوجهةِ العلميةِ، إنه لا دِينَ للمرءِ دونَ استسلام لأوامرِ الله ورسوله، وأخبار الله ورسوله {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} ، ولا بدَّ من الاحتكام لله ورسوله، قال تعالى:{فلا وربك لا يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم} فقولهم: إِنَّ هذا يخالفُ ما تقرَّرَ في الطِّبِ؟ قلنا: كَذِبٌ، فما كان للرسول صلى الله عليه وسلم أن يَنْطِقَ عنِ الهوى، ومحالٌ -كما زعم بعضُهم- أن يأخذَ هذا من الأطباء يَومئِذٍ من حَكايا
الناسِ إذ لا يَليقُ هذا بعالمٍ فَضْلًا عن نبيٍّ عظيمٍ ورسولٍ أَمينٍ!
ثم إِنَّ فيه خَبرًا غيبيًّا، فكيفَ يليقُ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يُخْبِرَ عن غيبٍ لم يوحه إليه علَّامُ الغُيوبِ، ويجعلُ فيه حُكْمًا لأُمَّتِهِ؟ ! ، تاللهِ إِنَّ هذه لإحدى الكُبر، وما هي إِلَّا فِرَىً على رسولِ البَشَرِ.
قال الطحاويُّ: ((قال قائِلٌ من أهل الجهلِ بآثارِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وبوجوهها: وهل للذُّبابِ من اختيارٍ حتى يُقَدِّمَ أحدَ جناحيه لمعنى فيه، ويؤخِّرَ الآخرَ لمعنىً فيه خلافَ ذلك المعنى؟
فكان جوابُنَا له في ذلك بتوفيقِ اللهِ عز وجل وعَونِهِ: أنه لو قرأَ كتابَ اللهِ عز وجل قراءةَ مُتَفَهِّمٍ لما يَقْرَؤُهُ منه؛ لوجدَ فيه ما يَدُلُّهُ على صِدْقِ قولِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم هذا، وهو قولُه عز وجل:{وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون} [النحل: 68]{ثم كلي من كل الثمرات} [النحل: 69] الآية، وكان وحيُ اللهِ عز وجل إليها هو إلهامُهُ إِيَّاهَا أن تفعلَ ما أمرها به، كَمِثْلِ قَولِهِ جل وعز في الأَرضِ:{يومئذ تحدث أخبارها} [الزلزلة: 4]{بأن ربك أوحى لها} [الزلزلة: 5]. وَوَحْيُهُ لَهَا هو إلهَامُهُ إيَّاهَا ما شاءَ أن يُلْهِمَهَا إيَّاهُ، حتى يكونَ منها ما أرادَ اللهُ عز وجل أن يكونَ منها، والنحلُ كذلك فيما يُوحِيهِ إليها، ليكون منها ما قد شاءَ اللهُ عز وجل أن يكونَ منها. حتى يمضيَ في ذلك بِإِلهَامِهِ إيَّاهَا له، وحتى يكونَ منها ما أرادَ عز وجل أن يكونَ منها. فمثلُ ذلك الذُّبَابُ أَلْهَمَهُ عز وجل ما أَلهَمَهُ مما يكون سببًا لإِتْيَانِهِ لما أرادَه منه من غَمْسِ أَحدِ جناحيه فيما يقعُ فيه مما فيه الداءُ، وَالتَّوَقِّي بجناحه الآخر الذي فيه الشِّفاءُ)) (شرح مشكل الآثار 8/ 343).
وقال الخطابيُّ: ((وقد تكلَّم على هذا الحديثِ بعضُ مَن لَا خَلَاقَ له وقال: كيفَ يكونُ هذا؟ ! وكيف يجتمعُ الدَّاءُ والشِّفاءُ في جَناحي الذُّبَابة؟ ! وكيف
تَعْلَمُ ذلك من نفسها حتى تُقَدِّمَ جناحَ الدَّاءِ وتُؤخِّرَ جناحَ الشِّفاءِ؟ ! وما أَرَبُهَا إلى ذلك؟
قلتُ: وهذا سؤالُ جاهلٍ أو مُتَجَاهلٍ، وإن الذي يجدُ نَفْسَهُ ونفوسَ عامّةِ الحيوانِ قد جُمِعَ فيها بيْنَ الحرارةِ والبُرُودةِ، والرُّطُوبَةِ واليُبُوسَةِ، وهي أشياءُ متضادةٌ إذا تلاقتْ تفاسَدتْ، ثم يَرَى أن اللهَ سبحانه قد ألَّفَ بينها وقَهَرَهَا على الاجتماعِ، وجعلَ منها قُوى الحيوانِ التي بها بَقَاؤُهَا وصلَاحُهَا؛ لجديرٌ أن لا يُنْكِرَ اجتماعَ الدَّاءِ والشِّفاءِ في جُزْأَينِ من حيوانٍ واحدٍ، وأن الذي أَلهَم النحلةَ أن تتخِذَ البيتَ العجيبَ الصَّنْعَةِ وأن تَعْسِلَ فيه، وأَلهَم الذَّرةَ أن تَكتَسِبَ قُوَّتَها وتَدَّخِرَه لأَوانِ حاجتها إليه؛ هو الذي خَلَقَ الذُّبَابةَ وجعلَ لها الهدايةَ إلى أن تُقَدِّمَ جناحًا وتُؤخِّرَ جناحًا، لما أَرادَ من الابتلَاءِ الذي هو مَدْرَجَةٌ التَّعَبُّدِ، والامتحانِ الذي هو مضمار التكليف، وفي كلِّ شَيءٍ عِبرةٌ وحِكمةٌ، وما يذَّكر إِلَّا أولو الألبابِ)) (معالم السنن 4/ 258 - 259).
وقال ابنُ الجوزي: ((قد تعجَّبَ قومٌ من اجتماعِ الدَّاءِ والدَّواءِ في شَيءٍ واحدٍ وليسَ بعجيبٍ، فإن النحلةَ تَعْسِلُ من أعلاها وتُلْقِي السُّمَ من أَسْفَلِها، والحيَّةُ القاتِلُ سُمُّها يُدخِلون لحمَها في الدّرياقِ، ويُدخِلون الذُّبابَ في أدويةِ العَينِ، ويَسْحَقُونَهُ مع الإثمدِ ليُقَوِّي البصرَ، ويأمرون بسترِ وجهِ الذي يعضّه الكلبُ من الذُّبابِ، ويقولون: إِنْ وقعَ عليه تعجّل هَلاكُه)) (كشف المشكل من حديث الصحيحين 3/ 547).
[التخريج]:
[خ 3320 ((واللفظ له))، 5782 ((والرواية الأُولى والثانية، والزيادة الأُولى والثالثة له ولغيره)) / جه 3529/ حم 7359، 7572، 8657،
9036، 9168، 9722/ مي 2063، 2064/ بز 8783، 9873، 10057/ طس 2398، 3017/ حق 125 ((والرواية الرابعة له ولغيره)) / هق 1205/ هقد 551/ جا 54 ((والرواية الثالثة له ولغيره)) / مشكل 3291 - 3295/ متشابه (2/ 800) / ضح (2/ 430) / منذ 193/ تمهيد (1/ 337) / تحقيق 44/ محلى (7/ 405، 406) / شعب 5627/ جع 433/ بغ 2813، 2814/ نعيم (طب 694) / كر (29/ 183) / سكن (بدر 1/ 453)].
[السند]:
قال (البخاري 3320): حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثني عُتبةُ بنُ مسلم، قال: أخبرني عُبَيْدُ بنُ حُنَينٍ، قال: سمعت أبا هريرة، به.
وقال أيضًا (5782): حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عُتبةَ بنِ مسلم، مولى بني تيم، عن عُبَيْدِ بنِ حُنَينٍ، مَولى بَني زُرَيْقٍ، عن أبي هريرة، به.
والحديثُ رُوِيَ من طرقٍ أُخرى عن أبي هريرة.
روايةٌ: "يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ":
• وَفِي رِوَايَةٍ زَادَ: ((
…
وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ [لِلَّذِي فِيهِ الشِّفَاءُ]، فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ (فَلْيَغُطُّهُ غَطَّةً)، [ثُمَّ لِيَنْتَزِعَهُ])).
[الحكم]:
صحيحٌ لغيره، وإسنادُهُ حسنٌ، وصحَّحَه: ابنُ خزيمة، وابنُ حبان. وحسَّنَه النوويُّ، والذهبيُّ، والألبانيُّ.
[اللغة]:
قوله (يغطه) أي: يغمسه. والغط: الغوص. وانظر: (النهاية لابن الأثير 3/ 699).
[التخريج]:
[د 3796 ((واللفظ له)) / حم 7141، 8485/ خز 112 ((والزيادة الثانية له)) / حب 1241، 5283/ بز 8929/ مشكل 3293/ هق 1206/ هقع 1799/ سمرقندي (فوائد 35) ((والزيادة الأولى والرواية له)) / بحر (1/ 405) / فكه 274/ عر 21/ خطت 267/ شيو 478/ سبكي (1/ 42) / نبلا (6/ 322)].
[التحقيق]:
مداره على محمد بن عجلان، واختُلِفَ عليه على وجهين:
الأول:
رواه أحمد (7141) -وعنه أبوداود- قال: ثنا بشر بن مفضل، عن ابن عجلان، عن سعيد المقْبُريِّ، عن أبي هريرة، به.
ورواه ابنُ خزيمة، وابنُ حبان، والبيهقيُّ، من طريق بشر بن المفضل،
به.
الوجه الثانى:
رواه أحمد أيضًا (8485) قال: حدثنا يونس، حدثنا ليثٌ، عن محمد، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، به.
ورواه (البزار) من طريق يحيى بن محمد بن قيس، عن ابن عجلان، به.
ورواه (الفاكهيُّ) و (الكُلَّابَاذِيُّ) من طريق عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوردِيُّ، عن ابن عجلان، به.
قلنا: وكلا الوجهين محفوظان عن محمد بن عجلان؛ فروايتُه عن سعيد المقبُري عن أبي هريرةَ صحيفة كلّها صحيحة، كما قال ابنُ حبان في (الثقات 7/ 387).
وروايتُه عن القعقاع عن أبي صالح صحيحة أيضًا لاجتماع رواية الثقات عنه بها.
ولذا قال الدارقطنيُّ: ((لعلَّه حفظه عنهما)) (العلل 1463).
ومحمد بن عجلان؛ استشهد به البخاريُّ ومسلمٌ، وفيه كلامٌ يسيرٌ من قِبَلِ حفظه، لا ينزلُ بحديثِهِ عن درجة الحسن؛ قال الذهبيُّ:((إِنْ لم يبلغْ حديثُه رتبةَ الصحيحِ فلا يَنْحَطُّ عن رتبةِ الحسن)) (السير 6/ 322)، وقال الحافظ:((صدوقٌ إِلَّا أنه اختلطتْ عليه أحاديثُ أبي هريرة)) (التقريب 6136). يعني: أحاديثَه عن المقبُريِّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، وعن المقبري عن أبي هريرة، وهذا أمر لا يضرُّ، وقد بيَّن ابنُ حبان أنه لا يُعَلُّ بمثل هذا؛ لأنها كلُّها صحيفة صحيحة، انظر:(الثقات 7/ 387).
وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين. فالإسنادُ حسنٌ.
وحسَّنه النوويُّ في (خلاصة الأحكام 1/ 67). وتبعه الزيلعيُّ في (نصب الراية 1/ 115). وقال الذهبيُّ: ((هذا حديث حسن الإسناد عال)) (السير 6/ 322).
وقال الألبانيُّ: ((إسناده حسن)) (الصحيحة 1/ 94).
قلنا: ولهذه الزيادة شاهدٌ من حديث أبي سعيد الآتي ذكره -إِن شَاءَ الله-، وإسناده صحيح؛ فترتقي إلى درجة الصحيح لغيره.
ولذلك قال الألبانيُّ عن هذا الروايةِ في (التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان 7/ 459): ((حسن صحيح)).
[تنبيه]:
قال البزارُ: ((وهذا الحديثُ لا نَعْلَمُ رواه عنِ ابنِ عجلانَ عن القعقاعِ إِلَّا [يحيى بن] محمد بن قيس وقد خُولِفَ فيه، عن ابن عجلان)) (المسند عقب رقم 8929).
قلنا: قد تابع يحيى بنَ محمد بنِ قيس جماعةٌ وهم: الليثُ بن سعد، وعبد العزيز بنُ محمد الدراورديُّ، ويحيى بنُ أيوبَ.
روايةٌ: "إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ":
•وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: ((إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَإِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي مَرَقَةِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فِيهِ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الآخَرِ شِفَاءً)).
[الحكم]:
صحيحُ المتنِ مفرقًا، شطره الأول ثابتٌ في (الصحيحين) من حديث أبي هريرة أيضًا
(1)
، وشطره الثاني تقدَّمَ بذكر: الطعام، أو الشراب، أو الإناء، بدلًا من:(المرقة).
وهذا إسنادهُ ضعيفٌ.
[التخريج]:
[عد (10/ 26)].
[السند]:
رواه ابنُ عَدِيٍّ، عن عبد الحكم بن أصبغ التنيسيِّ، حدثنا عيسى بن غيلان، حدثنا حاضر بن مطهر، حدثنا أبو عبيدة مُجَّاعَةُ بن الزبير، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: مُجَّاعَةُ بن الزبير، وهو مختلف فيه، قال أحمد:((لم يكن به بأس في نفسه))، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال:((مستقيم الحديث عن الثقات))، وضعَّفه الدارقطنيُّ، وقال ابنُ عَدِيٍّ: ((هو
(1)
وقد سبق تخريجه تحت باب: ((سؤر الكلب))، وسيأتي بتوسع في باب:((تطهير الإناء من ولوغ الكلب)).
ممن يحتمل ويكتب حديثه))، وذكره العقيليُّ في (الضعفاء)، ونقل عن شعبةَ أنه كان لا يجترئ عليه؛ لأنه كان من العرب، وكان شعبةُ يقول:((هو خَيِّرٌ كثيرُ الصومِ والصلاةِ))، وقال ابنُ خداش:((ليس مما يُعتبر به))، وانظر:(الجرح والتعديل 8/ 420)، و (اللسان 5/ 16).
وفيه أيضًا: حاضر بن المطهر، ذكره ابن حبان في (الثقات 8/ 219). على قاعدته.
وفيه: عبد الحكم بن أصبغ، وعيسى بن غيلان، ولم أجد من ترجمهما.
روايةٌ:
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: ((إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي طَعَامِ أَحَدِكُمْ أَوْ شَرَابِهِ فَلْيَغْمِسْهُ إِذَا أَخْرَجَهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً، وَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الدَّاءَ)).
[الحكم]:
صحيحُ المتن، وإسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]:
[حم 9721].
[السند]:
رواه (أحمد) قال: حدثنا وكيع، عن إبراهيم بن الفضل، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة
به.
[التحقيق]:
هذا إسناد وَاهٍ؛ فيه: إبراهيم بن الفضل؛ ضعَّفه أحمدُ، وابنُ معين،
وأبو زُرْعَةَ، وغيرُهم، وقال البخاريُّ، وأبو حاتم، والنَّسائيُّ:((منكر الحديث))، ولخَّصَ حالَه الحافظُ فقال:((متروكٌ)) (التقريب 228).
ولكن الحديثَ صحيحٌ بما سبق، ولفظ:((الطعام)) وإن لم يذكر في الروايات السابقة؛ إِلَّا أَنَّ لفظَ: ((الإناءِ)) السابق عند البخاريِّ وغيرِهِ يشملُ الطعامَ والشرابَ، كما ذكره ابنُ حَجَرٍ في (الفتح 10/ 250)، وقد جاء ذكرُ الطعامِ صراحةً في حديث أبي سعيد الخدريِّ وهو حديثٌ صحيحٌ كما سيأتي.
روايةٌ: بذكر المرق:
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: ((إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي الْمَرَقِ فَاغْمِسُوا فِيهَا؛ فَإِنَّ شِفَاءً فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ، وَفِي الْآخَرِ سُمًّا)).
[الحكم]:
صحيح المتن بذكر: الطعام، أو الشراب، أو الإناء، بدلا من:(المرق)، وهذا إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]:
[تجر (1/ 45)].
[السند]:
رواه السَّهميُ عن أبي أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، حدثنا أبو العلاء أحمد بن صالح بن محمد بن صالح التميمي الآبسكوني بصور، حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا مهران بن أبي عمر، عن سفيان الثوري، عن
هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، به.
[التحقيق]:
وهذا إسنادٌ وَاهٍ؛ فمحمد بن حميد -مع سعة حفظه-، اتُّهِمَ بسرقة الحديث، وكذَّبه أبو زُرْعَةَ، وصالح جزرة، وغيرُهما، وقال البخاريُّ:((فيه نظر))، وقال النسائيُّ:((ليس بثقة))، ولذا قال الذهبيُّ:((وَثَّقَهُ جماعةٌ، والأَوْلَى تركُه)) (الكاشف 4810). وانظر: (الميزان 7453).
وفيه أيضًا: مِهْرَان بنُ أبي عمر، وهو ((صدوقٌ له أوهام سيئ الحفظ)) كما في (التقريب 6933).
260 -
حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ:
◼ عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ [الْقَارِظِيِّ] 1، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ [بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَزُورُهُ بِقُبَاءَ، وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ نَكَحَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ] 2، فَأَتَانَا بِزُبْدٍ وَكُتْلَةٍ، فَأُسْقِطَ ذُبَابٌ فِي الطَّعَامِ، فَجَعَلَ أَبُو سَلَمَةَ يَمْقُلُهُ بِأُصْبُعِهِ (بِخِنْصَرِهِ) 1 فِيهِ، فَقُلْتُ:[غَفَرَ اللهُ لَكَ] 3 يَا خَالُ، مَا تَصْنَعُ؟ فَقَالَ [أَبُو سَلَمَةَ] 4: إِنَّ أَبَا سَعِيدِ الْخُدْرِيَّ حَدَّثَنِي، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:((إِنَّ أَحَدَ جَنَاحَيْ الذُّبَابِ سُمٌّ (دَاءٌ) 2، وَالْآخَرَ شِفَاءٌ (دَوَاءٌ) 3، فَإِذَا وَقَعَ [الذُّبَابُ] 5 فِي الطَّعَامِ (إِنَاءِ أَحَدِكُمْ) 4 فَامْقُلُوهُ [فِيهِ] 6، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ، وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ)).
[الحكم]:
صحيحٌ، وصحَّحَه: ابنُ حبان، وابنُ قتيبة، والشاطبيُّ، وابنُ الملقن، والسيوطيُّ، والألبانيُّ. وحسَّنه البوصيريُّ.
[اللغة]:
قوله: (فامقلوه) أي: اغمسوه فيه، يقال: مَقَلتُ الشيءَ أَمقُلُه مَقلًا إذا غَمَسْتَه في الماء ونحوه. (النهاية لابن الأثير 4/ 768).
وقوله: (بِزُبْدٍ) بضم فسكون: زبد اللبن. و (كُتْلَةٍ) بضم فسكون: القطعة المجتمعة من التمر ونحوه.
قاله السندي (حاشية مسند أحمد ط. الرسالة 18/ 187).
[التخريج]:
[ن 4300/ كن 4784/ جه 3528 ((والزيادة السادسة له))، (زيادات القطان 364) / حم 11189 ((مختصرًا))، 11643 ((واللفظ له)) / حب
1242 ((والرواية الرابعة له)) / عل 986 ((والرواية الثانية والثالثة له)) / حميد 884 ((والرواية الأولى والزيادات كلها له عدا السادسة)) / هق 1207/ تمهيد (1/ 337) / مشكل 3289، 3290/ بغ 2815/ ثحب (6/ 358) / نعيم (طب 693) / كما (10/ 407)].
[السند]:
رواه (أحمد): عن يحيى القطان، وعن يزيد بن هارون -فرقهما- كلاهما، عنِ ابنِ أبي ذِئْبٍ، قال: حدثني سعيد بن خالد، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدريِّ، به.
ورواه النسائيُّ، وابنُ حبان، وأبو يعلى، من طريق يحيى القطان.
ورواه ابنُ ماجه من طريق يزيد بن هارون.
ورواه عبد بنُ حميد من طريق أبي بكر الحنفيِّ.
جميعهم: عن ابن أبي ذئب، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجاله ثقات رجال الشيخين، غير سعيد بن خالد القارظيِّ، روى له أبو داود، والنسائيُّ، وابنُ ماجه، وهو ثقةٌ. وَثَّقَهُ النَّسائيُّ، كما في (إكمال تهذيب الكمال 5/ 282)، ويعقوبُ بن إسحاق الحضرميُّ، كما في (المجروحين لابن حبان 1/ 408)، وذكره ابنُ حبان في (الثقات 6/ 358)، وقال الدارقطنيُّ:((مدنيٌّ يُحتجُّ به)) (سؤالات البرقاني 183).
وأما ما نقله المزيُّ في ترجمته عن النسائيِّ أنه ضعَّفه؛ فلا يثبتُ عنه. قال مغلطاي: ((والذي نقله عنه المزيُّ متبعًا صاحب (الكمال)، ضعيف لم أره
في شيءٍ من تصانيف النسائيِّ فيما أعلم، والذي ذكره في كتاب (الجرح والتعديل) ما أنبأتك به، وهو الذي نقله عنه جماعةٌ أيضًا منهم ابنُ خلفون لما ذكره في كتاب (الثقات))) (إكمال تهذيب الكمال 5/ 282).
وقال الحافظُ في (تهذيبه): ((قال النسائيُّ في (الجرح والتعديل): ثقة، فينظر في أين قال: إنه ضعيف؟ ! )) (تهذيب التهذيب 4/ 20). ومع هذا قال فى التقريب: ((صدوق! )) (التقريب 2291).
واغترَّ البُوصيريُّ بنقل المزيِّ هذا فقال: ((هذا إسناد حسن؛ سعيد بن خالد مختلفٌ فيه)) (الزوائد 4/ 69).
والحديثُ صحَّحَهُ: ابنُ حبان، وابنُ قتيبة في (تأويل مختلف الحديث صـ 334)، والشَّاطِبيُّ في (الاعتصام 2/ 33)، وابنُ الملقن في (البدر المنير 1/ 454).
ورمز لصحته السيوطيُّ في (الجامع الصغير 5941).
وقال الألبانيُّ: ((هذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين، غير سعيد بن خالد وهو القارظي
وهو صدوق، كما قال الذهبيُّ، والعسقلانيُّ)) (الصحيحة 1/ 95).
روايةٌ بذكر الإناء:
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ أَوْ شَرَابِهِ فَلْيَمْقُلهُ فِيهِ؛ فَإِنَّ أَحَدَ جَنَاحَيْهِ سُمٌّ أَوْ دَاءٌ، وَالْآخَرَ شِفَاءٌ، وَإِنَّهُ يَرفَعُ الشِّفَاءَ، وَيَضَعُ الدَّاءَ)).
[الحكم]:
صحيحٌ بما قبله.
[التخريج]:
[طي 2302].
[السند]:
رواه (أبو داود الطيالسي) قال: حدثنا ابن أبي ذئب، قال: أخبرني مَن رَأى أبا سلمة بنَ عبد الرحمن وأُتِيَ بِثَرِيدٍ وَكُتْلَةٍ، فَجَاءَ ذُبَابٌ فَوَقَعَ فِيهِ، فَأَخَذَهُ أَبُو سَلَمَةَ فَمَقَلَهُ فِيهِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
…
فذكره.
[التحقيق]:
رجالُ إسنادِهِ ثقاتٌ كما سبق، غير أنه هنا أُبهم راويه عن أبي سلمة، فقال:((أَخبرني مَن رَأى أبا سلمة))، وقد تقدَّمَ أن الذي أخبره هو سعيد بن خالد القارظيُّ؛ وهو ثقةٌ كما سبق.
261 -
حَدِيثُ أَنَسٍ:
◼ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً (سُمًّا)، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً)).
[الحكم]:
صحيحُ المتنِ بما سبقَ، وسندُهُ معلولٌ، وأعلَّه أبو حاتم، وأبو زُرْعَةَ، والدارقطنيُّ
(1)
، وتبعهم ابنُ الملقن، وابنُ حجر.
[التخريج]:
[بز 7323 ((واللفظ له)) / طس 2735 ((والرواية له))].
[السند]:
أخرجه البزار قال: حدثنا زياد بن يحيى، ومحمد بن مَعْمَرٍ، قالا: حدثنا أبو عتَّاب سهل بن حماد، حدثنا عبد الله بن المثنى، عن ثمامةَ، عن أنس، به.
ثم قال: ((وهذا الحديث لا نعلمه يُروى عن أنس إِلَّا من هذا الوجه بهذا الإسناد)).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ معلولٌ، مداره على عبد الله بن المثنى البصريِّ، وهو وإن أخرجَ له البخاريُّ إِلَّا أنه مختلف فيه، وقال فيه الحافظ:((صدوقٌ كثيرُ الغلط)) (التقريب 3571).
(1)
كذا في موضع من (العلل)، وتوقف فيه في موضع آخر، كما سيأتي بيانه في التحقيق.
قلنا: وقد أخطأ في هذا الحديث على ثمامةَ، ولَزِمَ فيه الجادةَ، فقد خالفه حماد بنُ سلمة فرواه عن ثمامة بن عبد الله، عن أبي هريرة، به. رواه أحمد وغيرُهُ -وقد سبق تخريجه-.
وحماد أحفظ وأثبت من ابن المثنى؛ ولذا قال ابنُ أبي حاتم: ((سألتُ أبي وأبا زُرْعَةَ: عن حديث رواه سهل بن حماد أبو عتَّاب .... الحديث؟ فقال أبي وأبو زُرْعَةَ جميعًا: رواه حماد بن سلمة، عن ثمامة بن عبد الله، عن أبي هريرة. قال أبو زُرْعَةَ: وهذا الصحيح. وقال أبي: هذا أشبه: عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولَزِمَ أبو عتَّاب الطريقَ؛ فقال: عن عبد الله، عن ثمامةَ، عن أنس.
وقال أبو زُرْعَةَ: هذا حديثُ عبد الله بن المثنى، أخطأَ فيه عبد الله؛ والصحيحُ: ثمامة، عن أبي هريرة)) (العلل 46). وتبعهما ابنُ الملقن في (البدر المنير 1/ 454)، والحافظُ في (التلخيص الحبير 1/ 37).
وقال الدارقطنيُّ: ((وقول حماد بن سلمة أشبه بالصواب)) (العلل 4/ 219)، وقال في موضع آخر:((والقولان محتملان)) (2391)، وانظر:(البدر المنير 1/ 455).
وقول الدارقطني الذي وافق فيه أبا زُرْعَة وأبا حاتم هو الصواب؛ لثقة حماد وإمامته في مقابل سوء حفظ ابن المثنى، ثم إنه أخطأ في متنه أيضًا كما سيأتي.
وأما قول أبي حاتم: ((ولزم أبو عتاب الطريق))، فظاهره أنه ألصق الْوَهْمَ فيه بسهل بن حماد، والأولى إلصاقه بابن المثنى، لاسيما وقد رواه عن ابن المثنى غير أبي عتاب:
فقد رواه الطبراني في (الأوسط): من طريق عمرو بن هاشم أبي مالك الجنبي، عن عباد بن منصور، عن عبد الله بن المثنى، عن أنس بن مالك، به.
ولكنه أسقط من إسناده ثمامة، ولعل هذا من عمرو بن هاشم، أو من عباد بن منصور؛ فالأول: فيه لين كما في (التقريب 5126)، والثاني: فيه كلام وقد تغير بأخرة (التقريب 3142).
وقال الهيثمي: ((رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في (الأوسط))) (المجمع 7994).
والمتن صحيح فقد سبق نحوه من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد.
[تنبيه]:
قال الشوكانيُّ: ((وفي الباب حديث أنس نحوه عند ابنِ أبي خيثمة في (تاريخه الكبير)، قال الحافظُ: وإسنادُهُ صحيحٌ)) (نيل الأوطار 1/ 77). وعنِ الشوكانيِّ نقله الألبانيُّ في (الصحيحة 1/ 96) وأقرَّه.
قلنا: وفي هذا النقل نظر، بل وَهْمٌ جَزْمًا؛ فإن الذي في (تاريخ ابن أبي خيثمة): عن أنس، عن كعب الأحبار من قوله، وليس من حديث أنس مرفوعًا؛ أخرجه ابن أبي خيثمة في ((تاريخه الكبير)) (السفر الثاني 3656) تحت:((بابُ مَن حدَّثَ مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن تابعيٍّ))، قال: نا عبد الله بن محمد بن حميد بن الأسود، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن سعيد يعني: ابن أبي عروبة، عن قتادةَ، عن أنس بنِ مالك، عن كعبٍ؛ قال:((إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً)).
قال الحافظُ: ((ورُوي عن قتادةَ، عن أنسٍ، عن كعبِ الأحبارِ، أخرجه ابنُ أبي خيثمة في (تاريخه الكبير)، في (بابُ مَنْ حدَّثَ مِنَ الصحابةِ عن التابعين) وإسناده صحيح)) (التلخيص الحبير 1/ 37).
زيادةُ بِسْمِ اللهِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ ثُمَامَةَ، قَالَ:[كُنَّا عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَـ]ـوَقَعَ ذُبَابٌ فِي إِنَاءٍ، فَقَالَ أَنَسٌ بِأُصْبُعِهِ، فَغَمَزَهُ (فَغَمَسَهُ) فِي الْمَاءِ [ثَلَاثًا]، وَقَالَ:((بِسْمِ اللهِ))، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وَقَالَ:((فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمٌّ (دَاءٌ)، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءٌ)).
[الحكم]:
منكرٌ بهذا اللفظ، وسنده معلولٌ.
[التخريج]:
[تقتب (صـ 334) ((واللفظ له)) / ضيا (5/ 206 - 207/ 1835) ((والزيادتان والروايتان له))].
[السند]:
رواه ابن قتيبة: عن أبي الخطاب (زياد بن يحيى الحساني)، قال: حدثنا أبو عتَّاب سهل بن حمَّاد العنقزيُّ، قال: حدثنا عبد الله بن المثنى، قال: حدثني ثمامةُ، به.
ورواه الضياءُ المقدسيُّ: من طريق محمد بن مَعْمَرٍ، عن أبي عتَّاب، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ عبد الله بنُ المثنى: كثيرُ الغلط كما تقدَّم، وهذا اللفظ من مناكيره؛ فقد خالفه حماد بن سلمة في إسنادِهِ ومتنه:
فرواه عن ثمامةَ، عن أبي هريرةَ، ولم يذكر فيه البسملةَ والغَمْزَ ثلاثًا، وكذلك رواه الثقاتُ عن أبي هريرةَ، وعن أبي سعيدٍ ولم يذكروا فيه ذلك. وانظر الرواية السابقة.
[تنبيه]:
قال الحافظ ابنُ حجر في (الفتح 10/ 250): ((وقد وقع في روايةِ عبد الله بن المثنى، عن عمِّهِ ثمامة أنه حدَّثه قال: كُنَّا عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَقَعَ ذُبَابٌ فِي إِنَاءٍ، فَقَالَ أَنَسٌ بِأُصْبُعِهِ، فَغَمَسَهُ فِي ذَلِكَ الْإِنَاءِ ثَلَاثَا، ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ. أخرجه البزارُ ورجالُه ثقاتٌ)).
قلنا: وفي عزوه الحديث للبزارِ بهذا اللفظ نظر، فقد سبقَ لفظُ البزارِ مغايرًا لهذا تمامًا.
أما اللفظُ المذكورُ: فهو للضياء في (المختارة)، ولعلَّه ما أرادَ الحافظُ فسبقه القلمُ، لا سيَّما وقد نقله عن الضياءِ بهذا اللفظ ابنُ الملقن في (التوضيح لشرح الجامع الصحيح 19/ 256) وهو من أهم مصادر الحافظ في ((الفتح))، والله تعالى أعلم.
262 -
حَدِيثُ عَلِيٍّ:
◼ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((الذُّبَابُ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءٌ وَفِي الْآخَرِ شِفَاءٌ، فَإِذَا وَقَعَ عَلَى الطَّعَامِ فَاغْمِسُوهُ فِيهِ، [فَإِنَّهُ] يُذْهِبُ اللهُ الدَّاءَ بِالدَّوَاءِ)).
[الحكم]:
إسنادهُ ضعيفٌ جدًّا بهذا اللفظ.
[التخريج]:
[كر (37/ 191) ((واللفظ له)) / حلب (3/ 1452) ((والزيادة له))].
[السند]:
رواه ابنُ عساكر -ومن طريقه ابن العديم- قال: أخبرنا أبو محمد بن الأكفانيُّ، نا عبد العزيز الكتانيُّ، أنا أبو القاسم عبد المنعم بن عبد الواحد، أنا أبو الخير بن علي الحافظُ، نا أبو يعقوب إسحاق بن أحمد بن إسحاق الحلبيُّ، نا أبو داود سليمان الحرانيُّ، ثنا [محمد بن]
(1)
سليمان بن داود القرشيُّ، نا عبد الله بن سمعان المدنيُّ، عن فاطمةَ بنتِ الحسين، [عن أبيها]
(2)
، عن عليٍّ، به.
قال ابنُ عساكر: ((الصوابُ محمد بن سليمان بن أبي داود، وهو حرانيٌّ يُعْرَفُ بالبومة)).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ وَاهٍ، عبد الله بن سمعان، هو ابن زياد بن سليمان بن سمعان
(1)
- ما بين المعقوفتين سقط من ((تاريخ دمشق)) والمثبت من ((بغية الطلب)).
(2)
- ما بين المعقوفتين سقط من ((بغية الطلب)).
أبو عبد الرحمن المدنيُّ، وهو متروكٌ، واتَّهمه بالكذبِ أبو داود وغيرُه، (التقريب 3326).
[تنبيه]:
عزاه السيوطيُّ في (الجامع الصغير 5925) لابنِ النَّجَّارِ عن عليٍّ، ورمز لصحته. ولم نقفْ عليه بعدَ بحثٍ في النسخةِ المطبوعةِ من ((ذيل تاريخ بغداد)).
263 -
حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:
◼ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ:((لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ طَافَ سَبْعًا، ثُمَّ مَالَ إِلَى المَقَامِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ مَالَ إِلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: ((انْزِعْ، فَلَوْلا أَنْ تَكُونَ سُنَّةً نَزَعْتُ يَدِي))، فَمَلأَ لَهُ الدَّلْوَ، فَمَلأَ فِيهِ مِنْهُ، ثُمَّ مَجَّهُ فِي الدَّلْوِ، فَقَالَ:((أَفْرِغْهُ فِي البِئْرِ))، ثُمَّ مَالَ إِلَى السِّقَايَةِ، فَقَالَ:((اسْقِنِي))، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا قَدْ مَاتَّتْهُ الأَيْدِي، وَكَثِيرٌ فِيهِ الذُّبَابُ، وَعِنْدَنَا فِي البَيْتِ مَا هُوَ أَطْيَبُ مِنْهُ فَقَالَ:((لَا، اسْقِنِي مِنْ هَذَا)).
[الحكم]:
صحيحُ المتن دون قوله: ((وَكَثِيرٌ فِيهِ الذُّبَابُ))، وهذا إسنادُهُ ضعيفٌ، وأصلُ الحديثِ في (الصحيح) دون ذكر: الذُّبَابِ.
[اللغة]:
قوله: ((مَاتَّتْهُ))، المَتُّ: المَدُّ (مَدُّ الحَبْلِ وغَيْرِه) المَتُّ: النَّزْعُ على غَيْرِ بَكَرَةِ، مُحَرَّكة، وَهِي من البِئر مَعْرُوفةٌ. (تاج العروس 1174)، وفي رواية البخاري:((إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْديَهُمْ فِيهِ)).
[التخريج]:
[طس 5680].
[السند]:
قال (الطبرانيُّ): حدثنا محمد بن عبد الله الحضرميُّ، قال: نا علي بن الحسين بن أبي بردة الدهنيُّ، قال: نا عبد الكريم بن هلال الخلقاني، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاء، عن ابن عباس، به.
قال الطبراني: ((لم يَرْوِ هذا الحديثَ عنِ ابنِ جُرَيجٍ إِلَّا عبد الكريم بن هلال)).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: عبد الكريم بن هلال، وهو مجهول، قال الذهبيُّ:((لا يُعرفُ، ضعَّفه الأزدي)) (ديوان الضعفاء 2597)، وقال في (الميزان 5173)، وأقرَّه الحافظُ في (اللسان 4877).
وأما علي بن الحسين بن أبي بردة، فَسُئِلَ عنه الدارقطنيُّ فقال:((كوفيٌّ صالحٌ)) (سؤالات البرقاني 366).
والحديثُ رواه البخاريُّ وغيرُهُ، عنِ ابنِ عباس رضي الله عنه:((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ: ((اسْقِنِي))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قَالَ:((اسْقِنِي))، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ:((اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ))، ثُمَّ قَالَ:((لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ، حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ)). يَعْنِي: عَاتِقَهُ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ)).
وفي (صحيح مسلم 1316) من حديثِ ابنِ عباسٍ: ((قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَاحِلَتِهِ وَخَلْفَهُ أُسَامَةُ، فَاسْتَسْقَى فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ فَشَرِبَ، وَسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ، وَقَالَ: ((أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ، كَذَا فَاصْنَعُوا)).
وسيأتي تخريجه -إِن شاء الله- في (كتاب الحج).
264 -
حَدِيثُ طَاوُسٍ مُرْسَلًا:
◼ عَنْ طَاوُسٍ: ((أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَفَاضَ فَأَتَى السِّقَايَةَ فَقَالَ لِعبَّاسٍ: ((اسْقِنِي))، [مِنَ النَّبِيذِ] 1))، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا شَرَابٌ قَدْ [مُغِثَ وَ] 2 أُثْقِلَ، وَخَاضَتْهُ الْأَيْدِي، وَوَقَعَ فِيهِ الذُّبَابُ، وَعِنْدَنَا فِي الْبَيْتِ شَرَابٌ هُوَ أَصْفَى مِنْهُ، [فَأَبَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَشرَبَ إِلَّا مِنْهُ] 3 فَقَالَ:((مِنْهُ فَاسْقِنِي))، [وَأَعَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَوْلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ:((مِنْهُ فَاسْقِنِي))، فَسَقَاهُ مِنْهُ] 4، فَشَرِبَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم).
قَالَ ابْنُ طَاوُسٍ: فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: ((فَشُرْبُ النَّبِيذِ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ)).
[الحكم]:
ضعيفٌ بهذا السياق؛ لإرساله، وأصلُ الحديثِ صحيحٌ دون قوله:((إِنَّ هَذَا شَرَابٌ قَدْ أُثْقِلَ))، وقوله:((وَوَقَعَ فِيهِ الذُّبَابُ)).
[التخريج]:
[هقع 10232 ((واللفظ له)) / زرقي (2/ 56) ((والزيادات له))].
[السند]:
قال البيهقيُّ: أخبرنا أبو سعيد، قال: حدثنا أبو العباس، قال: أخبرنا الربيع، قال: حدثنا الشافعيُّ، قال: أخبرنا سفيان، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، به.
ورواه الأزرقيُّ من طريق سفيان، به.
[التحقيق]:
هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، إِلَّا أنه مرسلٌ؛ طاوس بن كيسان اليمانيُّ من الوسطى من التابعين.
وللحديث روايات وألفاظ أُخرى سيأتي تخريجها والكلام عليه -إِن شاء الله- في (كتاب الحج).