الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
44 - بَابُ دَمِ الحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ
267 -
حَدِيثُ أَسْمَاءَ:
◼ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنهما أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:((إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ فَلْـ[ـتَحُتَّهُ، ثُمَّ] تَقْرُصُهُ [بِالْمَاءِ]، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ)).
[الحكم]:
متفقٌ عليه (خ، م).
[اللغة]:
قوله ((تَحُتَّهُ)) -بالفتح وضم المهملة وتشديد المثناة الفوقانية-: أي: تحكُّه وتزيله، والحَتُّ: فَركُكَ الشيءَ اليابسَ عن الثوبِ، والحَتُّ والحَكُّ والقَشرُ سواء (لسان العرب 2/ 22)، (فتح الباري 1/ 331).
وقوله ((تَقْرُصُهُ)) -بالفتح وإسكان القاف وضم الراء والصاد المهملتين، وقيل: بالضم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة -: أَي: تُدْلِكُ مَوضعَ الدَّم بأَطرَافِ أَصَابِعِهَا ليَتَحَللَ بذَلكَ وَيَخرُجَ مَا تَشَرَّبَهُ الثوبُ منهُ (الفتح 1/ 331).
وقال ابنُ منظور: ((القَرصُ: الدَّلْكُ بأَطرافِ الأَصابِعِ والأَظْفَارِ مَعَ صَبِّ
المَاءِ عَلَيهِ حَتَّى يَذْهَبَ أَثرُه،
…
وَهُوَ أَبلغُ في غَسلِ الدَّمِ من غَسله بجَميع اليَدِ)) (لسان العرب 7/ 71).
وقوله ((تَنْضَحْهُ)) -بفتح الضاد المعجمة-: أصل النضح: الرشح، ويأتِ بمعنى الرش، يقال: نَضَحَ عَلَيه الماءَ، ونَضَحَهُ به، إِذَا رَشَّهُ عَلَيهِ. وَقَد يَرِدُ ((النضحُ)) بمَعنَى الغَسل وَالإزَالَة.
وَمنهُ الحَديثُ: ((ونَضَحَ الدَّمَ عَنْ جَبِينِهِ)). وَحَديثُ الحَيضِ: ((ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ)) أَي: تَغسله.
وَفي حَديثِ مَاءٍ الوُضُوء: ((فَمِنْ نَائِلٍ وَنَاضِحٍ)) أَي: رَاشٍّ مما بيدِهِ عَلَى أَخِيهِ. (النهاية لابن الأثير 5/ 69 - 70).
[الفوائد]:
اختُلِفَ في المرادِ بالنضحِ هنا، فقيل: المراد تغسله، قاله الخطابيُّ، وكذا فسَّرَهُ ابنُ الأثيرِ في (النهاية). وقيل: المرادُ به الرَّشُ، قاله القرطبيُّ، واستدلَّ له قائلًا:((لأَنَّ غسلَ الدَّمِ اسْتُفِيدَ من قَولِهِ: ((تَقْرُصُه بِالْمَاءِ)) وأما النَّضْحُ: فهو لما شكت فيه من الثوب)) اهـ.
ورجَّحَ ابنُ حجرٍ تفسيرَ الخطابيِّ فقال متعقبًا القرطبيَّ: ((إِنَّ الرَّشَّ على المشكوكِ فيه لا يُفيدُ شيئًا؛ لأنه إِنْ كَانَ طَاهرًا فلَا حَاجةَ إليه، وإِنْ كَانَ مُتَنجِّسًا لم يَطْهُرْ بذلك، فالأحسنُ ما قاله الخطابيُّ)) (الفتح 1/ 331).
قلنا: يشكل على ترجيح الحافظ هذا رواية ابنِ عُيَينَةَ الآتية بلفظِ: ((اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ ثُمَّ رُشِّيهِ))، فهي دليلٌ قويٌّ لما ذهبَ إليه القرطبيُّ، وأمَّا اعتراضُ الحافظِ بأنَّ الرَّشَّ على المشكوكِ فيه لا يُفيدُ شيئًا، فيجابُ عنه: بأن فائِدَتَه دفعُ الوسوسة كما قاله ابنُ عبد البر في (التمهيد 22/ 244)، وهو ما قاله
الحافظُ نفسُه معللًا النَّضْحَ الواردَ في حديثِ عائشةَ الآتي قريبًا، انظر:(الفتح 1/ 410) وقد يُستدلُّ للحافظِ بروايةِ ابنِ ماجه الآتية بلفظ: ((اقْرُصيِهِ وَاغْسِلِيهِ)).
لكن رواية ابن عُيَينَة أصح سندًا كما سيأتي.
وقال ابنُ عبد البر: ((وهذا الحديث أصلٌ في غسل النجاسات من الثيابِ؛ لأَنَّ الدَّمَ نَجِسٌ إذا كان مسفوحًا، ومعنى المسفوح: الجاري الكثير.
ولا خِلافَ أن الدَّمَ المسفوحَ رجسٌ نجسٌ، وأن القليلَ منَ الدَّمِ الذي لا يكون جاريًا مسفوحًا متجاوز عنه. وليس الدَّمُ كسائرِ النَّجَاسَاتِ التي قليلها رجس مثل كثيرها ....
وأجمعَ العلماءُ على غسل النَّجَاساتِ كلِّها من الثيابِ والبدنِ، وألَّا يُصلَّى بشيءٍ منها في الأرض، ولا في الثياب.
وأما العَذَرَاتُ وأبوالُ ما لا يُؤكَلُ لحمُه فقليلُ ذلك وكثيرُه رِجْسٌ، وكثيرُه رجسٌ نجسٌ عند الجمهور من السَّلفِ، وعليه فقهاءُ الأَمْصارُ)) (الاستذكار 3/ 204، 205).
[التخريج]:
[خ 227 ((والزيادتان له ولغيره))، 307 ((واللفظ له)) / م 291 ((والزيادتان له أيضًا)) / د 361/ حم 26920، 26932، 26981/ طا 156/ خز 293/ حب 1393/ عب 1233/ عه 604، 605، 606/ منذ 700/ طب (24/ 108 - 111/ 285، 286، 289 - 292، 294 - 297) / شف 30/ أم 12، 48، 131/ حق 2220/ مسن 671 - 673/ هق 35، 4140، 4160/ هقع 1757، 4925/ هقغ 180/ محلى
(1/ 103) / بغ 290/ تحقيق 28/ معكر 1006/ مزني 13/ مطغ 779/ مالك 48].
[السند]:
قال البخاريُّ (307): حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، به.
ورواه أيضًا (227) عن محمد بن المثنى، قال: حدثنا يحيى، عن هشام، به.
[تنبيهان]:
الأول: وقع في رواية يحيى (للموطأ): مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة.
قال ابنُ عبد البر: ((وهذا خطأٌ بيِّنٌ وغَلَطٌ لا شكَّ فيه، (وهو من خطأ اليد وجهل يحيى بالإسناد) لأَنَّ عروةَ لم يَرْوِ قط عن فاطمة هذه، وهي فاطمة بنتُ المنذر بن الزبير، زوجُ هشام بنِ عروة، وإنما الحديث في (الموطأ) لهشام عن فاطمة امرأته، وكذلك رواه كل من رواه عن هشام بن عروة؛ مالك وغيره)) (التمهيد 22/ 229)
وقال في (الاستذكار 3/ 203): ((فقوله فيه: (عن أبيه) غَلَطٌ؛ لأَنَّ أصحابَ هشام بن عروة كلهم يقول فيه: عن فاطمة بنت المنذر، وهي امرأتُهُ، ولم يَرْوِ عنها أبوه شيئًا، وإنما هشام يروي عنها هذا الحديث وغيره)).
الثاني: تَصحَّفَ بمطبوع (المعجم الكبير) للطبراني، قوله:((تَقْرُصُهُ)) إلى ((تَقْرِضُهُ)) في كلِّ المواضع، وكذا يمكن قراءتها في بعض المواضع من الأصل، وجاءتْ في بعضها على الصواب، انظر النسخة الخطية (المجلد
12/ ق 135 / ب - ق 136/ أ).
روايةُ حُتِّيهِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: ((حُتِّيهِ، ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ، ثُمَّ رُشِّيهِ (انْضَحِيهِ)، وَصَلِّي فِيهِ)).
[الحكم]:
صحيحٌ، وصحَّحَهُ: الترمذيُّ، وابنُ خزيمة، وابنُ حبان، وابنُ العربي، والنوويُّ، وابنُ الملقن، والألبانيُّ.
[الفوائد]:
1 -
قال الشافعيُّ: ((فإذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدم الحيض أن يُغْسَلَ باليدِ، ولم يَأْمرْ بالوضوء منه، والدم أنجس، فكلُّ ما لمس من نجس ما كان قياسًا عليه بأن لا يكون منه وضوء، وإذا كان هذا في النجس، فما ليس بنجس أولى أن لا يوجب وضوءًا، إِلَّا ما جاء فيه الخبر بعينه)) (السنن الكبرى للبيهقي عقب رقم 666).
2 -
قال ابنُ حبان بإثره: ((الأمرُ بالحتِّ والرَّشِّ أمرُ ندبٍ لا حتم، والأمرُ بالقرص بالماء مقرون بشرطه، وهو إزالة العين، فإزالة العين فرضٌ، والقرص بالماء نَفْلٌ إذا قدر على إزالته بغير قرص، والأمر بالصلاة في ذلك الثَّوب بعد غسله أمر إباحة لا حتم)).
[التخريج]:
[د 362 ((والرواية له ولغيره)) / ت 139 ((واللفظ له ولغيره)) / ن 298،
399/ كن 346/ مي 1039/ خز 292، 294/ حب 1392/ طب (24/ 109، 111/ 287، 288، 194) / حمد 322/ مسن 670/ جا 120/ حق 2219/ طوسي 119/ هق 37، 1172، 4161/ هقع 1147، 4923/ هقش (1/ 125 - 127) / هقخ 380/ حرملة (هقع 1150)، (هقش 1/ 125)].
[السند]:
قال الترمذيُّ: حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء ابنة أبي بكر، به.
وكذا رواه الحميديُّ، وإسحاق بن راهويه وغيرهم: عن سفيانَ بنِ عُيَينَةَ، به.
ورواه أبو داود، والنسائيُّ، وابنُ خزيمة من طرقٍ: عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجاله كلهم ثقات أثبات، على شرط الشيخين.
ورواه الترمذيُّ من طريق ابنِ عُيَينَةَ به بلفظ: ((رُشِّيهِ))، وقال:((حديث حسن صحيح))، وبرواية ابنِ عُيَينَةَ يُستَدلُّ لمن فسَّرَ النضحَ بالرش، وهو الأصح.
والحديثُ صححه ابنُ خزيمة، وابنُ حبان، بإخرجهما له في (صحيحيهما).
وقال ابنُ العربي: ((الحديث أشهر وأصح من الكلام عليه)) (عارضة الأحوذي 1/ 220).
وقال النوويُّ عن طريق أبي داود: ((على شرط البخاري)) (خلاصة الأحكام 20)، وكذا قال ابن الملقن في (البدر المنير 1/ 511).
وصححه الألباني في (صحيح أبي داود 388)، (وصحيح الترمذي 138).
روايةُ: ((وَانْضَحِي مَا حَوْلَهُ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: ((اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ، وَانْضَحِي مَا حَوْلَهُ)).
[الحكم]:
صحيحٌ، وصحَّحَه ابنُ حبان، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[حب 1394 ((واللفظ له)) / طي 1743].
[السند]:
رواه الطيالسيُّ: عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، به.
ورواه ابنُ حبان: عن أبي يعلى، عن إبراهيم بنِ الحجاج، عن حماد بن سلمة، به.
[التحقيق]:
إسنادُهُ صحيحٌ على شرط مسلم، وكذا صحَّحَه الألبانيُّ على شرط مسلم في (الصحيحة 1/ 600/ 299)، ويشهد لمتنه ما يلي:
روايةُ: ((انْضَحِي فِي سَائِرِ ثَوْبِكِ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: ((سَمِعْتُ امْرَأَةً وَهِيَ تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ تصْنعُ بِثوْبِهَا إِذَا طَهُرَتْ مِنْ مَحِيضِهَا؟ قَالَ: ((إِنْ رَأَيْتِ فِيهِ دَمًا فَحُكِّيهِ، ثُمَّ اقْرُصِيهِ [بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ]، ثُمَّ انْضَحِي فِي سَائِرِ ثَوْبِكِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ)).
[الحكم]:
صحيحٌ، وصحَّحَه ابنُ خزيمة، وحسَّنه الذهبيُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[مي 791 ((واللفظ له))، 1041/ خز 293 ((والزيادة له)) / طب (24/ 111/ 293) / تذ (2/ 37 - 38) / هق 4162].
[السند]:
رواه الدارميُّ (791): عن أحمد بن خالد الوهبيِّ، ثنا محمد بن إسحاق، عن فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء، به.
ورواه أيضًا (1041): عن محمد بن عبد الله الرقاشيِّ، ثنا يزيدُ هو ابنُ زُرَيْعٍ، حدثنا محمد هو ابنُ إسحاقَ حدثتني فاطمة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ حسنٌ؛ رجاله ثقات رجال الشيخين عدا محمد بن إسحاق، وهو صدوقٌ مدلِّسٌ، وقد صرَّحَ بالسماعِ في روايةِ ابنِ زُرَيْعٍ عنه، وكذا في رواية ابن خزيمة من طريق عمر بن علي، عن محمد بن إسحاق، قال: سمعتُ فاطمة، به.
ورواه البيهقيُّ: من طريق عَبْدَةَ، عن محمد بن إسحاق، عن فاطمة، به.
قال الذهبيُّ: ((هذا حديث حسن تفرَّدَ به محمد)) (تذكرة الحفاظ 2/ 38).
وكذلك حسَّن إسنادَهُ الألبانيُّ في (الصحيحة 1/ 602/ 299).
وأما قول الذهبيِّ: ((تفرَّدَ به محمد))، فلعلَّه أرادَ أنه تفرَّدَ بلفظ:((ثُمَّ انْضَحِى فِى سَائِرِ ثَوْبِكِ))؛ فقد سبقَ أصلُ الحديثِ في (الصحيحين) وغيرِهما، من طرق أخرى غير هذا، ومع ذلك فلم يتفرد ابنُ إسحاقَ بهذا اللفظ؛ وإنما تابعه ابنُ فُضَيلٍ عن هشام بن عروة:
رواه الطبرانيُّ في (الكبير 293): عن الحسين بن إسحاق التستريِّ، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا محمد بن فضيل، عن هشام بن عروة، عن فاطمة، به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، ويشهدُ لمتنه أيضًا رواية حماد بن سلمة السابقة.
وله شاهد من حديث عائشةَ عند البخاريِّ موقوفًا، لكن له حكم الرفع، وسيأتي تخريجه -إِن شاء الله تعالى- عقب حديث أم سلمة.
رِوَايةُ: ((وَلْتَنْضَحْ مَا لَمْ تَرَ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ امْرَأَةً تَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ تَصْنَعُ إِحْدَانَا بِثَوبِهَا إِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ، أَتُصَلِّي فِيهِ؟ قَالَ:((تَنْظُرُ فَإِنْ رَأَتْ فِيهِ دَمًا فَلْتَقْرُصْهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ، وَلْتَنْضَحْ مَا لَمْ تَرَ، وَلْتُصَلِّ فِيهِ)).
[الحكم]:
صحيحُ المتنِ، وإسنادُهُ حسنٌ، وقال الألبانيُّ:((حسن صحيح)).
[التخريج]:
[د 360 ((واللفظ له)) / حق 2244].
[السند]:
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيليُّ، ثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر، به.
ورواه ابنُ راهويه: عن محمد بن سلمة الحرانيِّ، عن محمد بن إسحاق، عن فاطمة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ حسنٌ؛ من أجل محمد بن إسحاق؛ وهو صدوق مدلس، وقد عنعن، لكنه صرَّحَ بالسماعِ عند الدارميِّ، وابنِ خزيمةَ، كما تقدَّمَ.
والحديث صحيحٌ بما سبق ذكره من متابعات لابن إسحاق.
ولذا قال الألبانيُّ: ((إسناده حسن صحيح)) (صحيح أبي داود 2/ 200).
روايةُ: وَاغْسِلِيهِ بَدَلَ انْضَحِيهِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ، وَاغْسِلِيهِ وَصَلِّي فِيهِ)).
[الحكم]:
صحيحُ المتن دون قوله: ((وَاغْسِلِيهِ)) فشَاذَّةٌ، والمحفوظُ:(انْضَحِيهِ).
[التخريج]:
[جه 607/ ش 1015 ((واللفظ له))].
[السند]:
أخرجه ابنُ أبي شيبة في (مصنفه) -وعنه ابن ماجه- قال: حدثنا
أبو خالدٍ الأحمرُ، عن هشام بن عروة، عن فاطمةَ، عن أسماءَ، به.
[التحقيق]:
أبو خالدٍ الأحمرُ، واسمه سليمان بن حيان، مختلفٌ فيه، فروى له الشيخان، ووَثَّقَهُ جماعةٌ، وتكلَّمَ فيه بعضُهم لسوءِ حفظه، ولخَّصَ أقوالهم الحافظُ بقوله:((صدوقٌ يُخطِئُ)) (التقريب 2547).
وقد تفرَّدَ بقوله: (اغْسِلِيهِ) بدل (انْضَحِيهِ)، وبه يُسْتَدَلُّ لمن فَسَّرَ النضحَ في الحديثِ بالغسلِ، وهو ما رجَّحَه ابنُ حَجَرٍ كما سبقَ.
ولكن رواه ابنُ عُيَينَةَ عن هشامٍ به، بلفظِ:(رُشِّيهِ) كما تقدَّم، وبه يُسْتَدَلُّ لمن فَسَّرَ النضح بالرَّشِّ، وهو أَقْوى؛ لأَنَّ ابنَ عُيَينَةَ أحفظُ وأثبتُ وأفقهُ من أبي خالدٍ، والله أعلى وأعلم.
وقد وَرَدَ لفظُ: (اغْسِلِيهِ) لكن بدل (اقْرُصِيهِ) في روايةٍ أُخْرَى، وهي الروايةُ الآتيةُ:
روايةُ: اغْسِلِيهِ بِمَاءٍ بَدَلَ اقْرُصِيهِ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((اغْسِلِيهِ بِمَاءٍ، ثُمَّ انْضَحِيهِ فِي سَائِرِ ثَوْبِكِ، وَصَلِّي فِيهِ)).
[الحكم]:
إسنادُهُ حسنٌ، غير أن قوله:((اغْسِلِيهِ)) شَاذٌّ، والمحفوظُ:((اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ ثُمَّ انْضَحِيهِ))، كما تقدَّم في رواية (الصحيحين)، وغيرهما.
[التخريج]:
[طب (24/ 128/ 350) / مع (إمام 3/ 433)، (بدر 1/ 515)].
[السند]:
رواه الطبرانيُّ في (الكبير): عن عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي، ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، ثنا محمد بن إسحاق، عن فاطمةَ بنت المنذرِ، عن أسماءَ به بلفظ: ((اغْسِلِيهِ بِمَاءٍ
…
)) إلخ.
ورواه أحمد بنُ مَنِيعٍ في (مسنده): عن يزيد بن هارون، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ حسنٌ؛ من أجل محمد بن إسحاق، وقد سبقَ الكلامُ عليه وبيان تصريحه بالسماع عند الدارميِّ، وابنِ خزيمة، وبقيةُ رجالِه ثقات رجال الصحيح.
إِلَّا أَنَّ يزيد بن هارون قد تفرَّدَ بقوله فيه: ((اغْسِلِيهِ بِمَاءٍ، ثُمَّ انْضَحِيهِ))، والمحفوظُ:((اقْرُصِيهِ بالْمَاءِ ثُمَّ انْضَحِيهِ))، كذا رواه الجماعةُ عن ابن إسحاق؛ كمحمد بن سلمة المراديِّ عند أبي داود، وأحمد بن خالد الوهبي ويزيد بن زُرَيْعٍ عند الدارميِّ، وعمر بن علي المقدمي، وابن أبي عَدِيٍّ عند ابنِ خزيمةَ، وعَبْدَة بن سليمان عند البيهقيِّ، كلّهم عن ابنِ إسحاقَ به بلفظِ:((اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ))، وكذا رواه الثقاتُ الأثباتُ عن هشام بن عروة، عن فاطمة، كمالك، ويحيى القطان، ووكيعٍ، وحمادِ بنِ زيدٍ، وغيرِهم.
خالفهم: يزيدُ بنُ هارون، فرواه عن ابنِ إسحاق عن فاطمةَ، بلفظِ:((اغْسِلِيهِ)).
ويزيد بن هارون وإِن كانَ ثقةً مُتْقِنًا، إِلَّا أَنَّ روايةَ الجماعةِ أولى بالصواب، وعليه فهي رواية شاذَّةٌ.
ولا يمكن الجمع بين الروايتين؛ لأَنَّ القرص أخصُّ من مجردِ الغسل، كما سبقَ بيانُه، وإِن كانَ المرادُ من كلٍّ منهما إزالةَ عينِ النَّجَاسَة، والله
تعالى أعلم.
وقد استغربَ بعضُ العلماءِ هذه اللفظةَ في الحديثِ، وذَكَرَ بعضُهم أنها غيرُ محفوظةٍ:
قال ابنُ دقيق العيد: ((ليس في الأمهات ما اشتهر بين الفقهاء: ((ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ))، ومَنْ زعم أن اقرصيه بالماء مساوٍ في الدلالة لـ ((اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ))؛ فقوله ممنوع، نعم وقع لنا الأمر بالغسل بالماء من روايةِ محمد بنِ إسحاقَ، عن فاطمةَ بنتِ المنذرِ، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر رضي الله عنهما قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم -وَسَأَلَتْهُ امْرَأَةٌ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ ثَوْبَهَا- قَالَ: ((اغْسِلِيهِ بِمَاءٍ، ثُمَّ انْضَحِي فِي سَائِرِ ثَوْبِكِ، وَصَلِّي فِيهِ)). رواه أحمد بن منيع في (مسنده) عن يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق. وقد رواه غيرُهُ عن محمد بن إسحاق بغير هذه اللفظة -أعني: (اغْسِلِيهِ) -)) (الإمام 3/ 433).
وقال ابنُ الملقن: ((هذه اللفظة، وهي (اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ) غريبةٌ ليستْ مروية في الكتب المشاهير
…
، وقال الحافظُ أبو محمد المنذريُّ في كلامه على أحاديث المهذب:((إِنَّ هذه اللفظةَ غيرُ محفوظةٍ في هذا الحديث)). اهـ ونقلَ كلامَ ابنِ دَقيقٍ السَّابق، ثم قال:((وتعتضد هذه الرواية برواية أبي عوانةَ وابنِ ماجه المتقدمتين فإن ظاهرَهما مثلها)) (البدر المنير 1/ 514 - 515).
قلنا: وفي قوله هذا نظر؛ فإن روايةَ ابنِ ماجه -على فرضِ ثُبوتِها- جمعتْ بيْنَ القَرْصِ (الذي هو لمكان الدم)، وبين الغَسْلِ (الذي هو لبقية الثوب)، فالغسلُ الواردُ فيها إنما هو بدل من (النضح)، وهو أمرٌ زائدٌ على (القَرْصِ).
أما رواية يزيد عن ابنِ إسحاقَ، فالغسلُ الواردُ فيها إنما هو بدل من
(القرص)، فبينهما فارقٌ كبيرٌ، والله أعلم.
روايةُ أَنَّ السَّائِلَةَ هِي أَسْمَاءُ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّ السَّائِلَةَ هِي أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ)).
[الحكم]:
شَاذَّةٌ، والصوابُ أن السَّائلةَ امرأةٌ أُخْرَى غيرُ أَسماءَ.
[التخريج]:
[مي 1039/ طب (24/ 109، 111/ 287، 288، 296) / شف 28، 29/ أم 11، 47، 53، 130/ هق 36، 666/ هقع 1147/ هقش (1/ 125) / هقخ 380/ متفق 844/ كر (16/ 87/ 1882)، (28/ 42/ 3282)].
[التحقيق]:
مدار هذه الرواية على هشام بن عروة، وقد وردتْ عنه من عدَّةِ طُرُقٍ:
الأولُ: وهو أشهرُها:
رواه الشافعيُّ في (المسند)، و (الأم) -ومن طريقه البيهقيُّ-: عن سفيان بن عُيَينَةَ، عن هشام، عن فاطمةَ، عن أسماءَ قالتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: عَنْ دَمِ الْحَيْضَةِ يُصِيبُ الثَّوبَ؟
…
الحديث.
وكذا رواه عمرو بن عون -كما عند الدارميِّ- عن ابنِ عُيَينَةَ، به.
وعمرو بن عون: ((ثقة ثبت)) كما في (التقريب 5088)، إِلَّا أَنَّ هذه الروايةَ شاذَّةٌ.
فقد رواه الحميديُّ في (مسنده)،
وإسحاقُ بنُ راهويه في (مسنده)،
وابنُ أبي عمر العدنيُّ، كما عند (الترمذيِّ)،
وابنُ المقرئ ومحمودُ بنُ آدمَ، كما عند (ابنِ الجارودِ)،
وعليُّ بنُ خَشْرَمٍ كما عند (ابنِ خزيمةَ)،
وسريجُ بنُ يونسَ كما عند (ابنِ حبانَ)،
كلُّهم: عن سفيانَ بنِ عُيَينَةَ، به، عن أسماءَ: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم.
وكذلك رواه مالكٌ، ويحيى بنُ سعيد القطانُ، ووكيعٌ، وعمرُو بنُ الحارثِ، وعيسى بنُ يونسَ، وأبو معاويةَ الضريرُ، ويحيى بنُ عبد الله بنِ سالمٍ، والحمادان -على الصحيح عنهما- كلُّهم عن هشامٍ، به.
وقد أَلْصَقَ البيهقيُّ الخطأَ في إسنادِهِ بالربيعِ بنِ سليمانَ المراديِّ -راوي كُتُبِ الشافعيِّ عنه- فقال: ((هكذا رَوى فيه الربيعُ عنِ الشافعيِّ، وفيه خطأٌ من الكَاتبِ أو من الرَّبيعِ، فقد رواه حرملةُ بنُ يحيى في كتاب (السنن) عن الشافعيِّ، عن سفيانَ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن فاطمةَ بنتِ المنْذِرِ، عن جدَّتِها أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: عَنْ دَمِ الْحَيْضَةِ يُصِيبُ الثَّوبَ؟ ، فالسَّائلةُ امرأةٌ أُخْرَى غيرُ أسماءَ، كذلك رواه الحميديُّ وغيرُهُ عن سفيانَ
…
وكذلك رواه مالكُ بنُ أنسٍ، ويحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، وعبدُ اللهِ بنُ نُمَيرٍ، ووكيعُ بنُ الجراحِ وغيرُهم، عن هشامِ بنِ عروةَ)) (بيان خطأ من أخطأ على الشافعيِّ 125 - 127).
وقال في المعرفة: ((هكذا في روايةِ الربيعِ، والصوابُ: سَأَلَتِ امرَأَةٌ
رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم) (المعرفة 4924)، وبنحوه في (المعرفة 1150).
وقد ضعَّفَ النوويُّ أيضًا هذه الرواية في (المجموع 1/ 138)، فتعقبه ابنُ الملقنِ، فقال:((وهذه الأسانيدُ التي ذَكَرَ الشافعيُّ بها هذه الزيادة -أن أسماءَ هي السائلة- أسانيدُ صحيحةٌ، لا مطعنَ لأَحَدٍ في اتصالها، وثقات رواتها، فكلّهم أئمة أعلام، مخرَّج حديثهم في (الصحيح)، وفي الكُتُبِ الستةِ، فهو إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ أهلِ العلمِ كُلِّهم، وأنا أتعجبُ كلَّ العجبِ من قولِ الشيخِ محيي الدين النوويِّ رحمه الله في (شرح المُهَذَّبِ). أن الشافعيَّ روى في (الأُمِّ)(أن أسماءَ هي السَّائلة، بإسنادٍ ضعيفٍ. فالإسنادُ الذي ذكره في (الأُمِّ) كما قدمته، على أنه رحمه الله قد يُعْذَرُ في ذلك، فإنه سبقه إلى هذه المقالة الشيخُ تقيُّ الدين ابنُ الصَّلاحِ في كلامه على (المهذَّب)) فقلَّدَهُ في ذلك.
ومما يتعجبُ أيضًا إنكار جماعات على صاحب (المُهَذَّبِ)، حيثُ رَوى أن أسماءَ هي السائلة، وغلَّطُوه في ذلك، وقد بانَ غَلَطُهم بفضل الله وقوته)) (البدر المنير 1/ 513 - 514).
وتبعه الحافظُ ابنُ حَجَرٍ، فقال:((وأَغْربَ النوويُّ فضعَّفَ هذه الروايةَ بلَا دَليلٍ وهي صحيحةُ الإسنادِ لَا علةَ لها، ولا بُعْدَ في أن يُبْهِمَ الراوي اسمَ نَفْسِه كما سيأتي في حديثِ أبي سعيد في قصة الرّقيةِ بفاتحةِ الكتابِ)) (فتح الباري 1/ 331).
قلنا: يشيرُ الحافظُ إلى وجهٍ من وجوهِ الجمعِ بيْنَ الروايتينِ، ذكره ابنُ الأثير في (شرحه على مسند الشافعيِّ)، قال: ((والذي جَاءَ في روايةِ الشافعيِّ، عن سفيانَ: أن أسماءَ سألتْ؛ فجَائزٌ أن تكون أسماءُ روتْ عن نفسها أنها سألتْ، كما رواه الشافعيُّ أولًا، وروتْ أن امرأةً أُخْرَى غيرَها
سألتْ كما سَأَلَتْهُ هِيَ. وجائزٌ أن تكون السائلةُ هي وحْدَها، إِلَّا أنها لما روتْ الحديثَ وروتْ عن نفسِها؛ ولم تُخْبِرْ أنها هي السائلةُ، فإنها إذا قالتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، أو: سَأَلَتِ امْرأَةٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، أو: جَاءَتِ امرأةٌ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك من الألفاظِ، أمكن حملها على أنها هي السائلة والقائلة)) (الشافي في شرح مسند الشافعي 1/ 153). وعزا الوجهين ابنُ الملقن للرافعيِّ أيضًا في (شرح المسند)، ثم قال:((والوجهان محتملان)) (البدر المنير 1/ 517).
وقال الحافظُ أيضًا: ((زعمَ النوويُّ في (شرح المهذب) أن الشافعيَّ روى في (الأم) أن أسماءَ هي السائلة بإسنادٍ ضعيفٍ؛ وهذا خطأٌ بل إسنادُهُ في غايةِ الصحةِ، وكأنَّ النوويَّ قلَّدَ في ذلك ابنَ الصَّلاحِ، وزَعَمَ جماعةٌ ممن تَكلَّمَ على (المهذَّبِ) أنه غَلِطَ في قولِهِ: أسماء هي السائلة، وهم الغالطون، والله أعلم)) (التلخيص 1/ 56).
وتَعَقَّبَ الألبانيُّ الحافظَ ابنَ حَجَرٍ، فقال:((كَلَّا، بل هم المصيبون، والحافظُ هو الغَالِطُ، والسببُ ثِقَتُهُ البالغةُ بحفظِ الشَّافعيِّ، وهو حَرِيٌّ بذلك، لكن روايةَ الجماعةِ أضبطُ وأحفظُ، ويمكن أن يقال: إِنَّ الغَلَطَ ليس من الشافعيِّ، بل منِ ابنِ عُيَينَةَ نفسِهِ، بدليلِ أنه صحَّ عنه الروايتان، الموافقة لروايةِ الجماعةِ، والمخالفة لها، فروى الشافعيُّ والذي معه هذه، وروى الحميديُّ والذي معه روايةَ الجماعةِ، فكانتْ أولى وأصح، وخلافها معلولة بالشُّذُوذِ)) (الصحيحة 1/ 601، 602).
قلنا: وقد يؤيدُ ما ذكره الشيخُ الألبانيُّ: رواية إسحاقَ بنِ راهويه في (المسند 2219)، حيثُ رواه عن ابنِ عُيَينَةَ به عن أسماءَ: أَنَّ امْرأَةً قَالَتْ، ثم قال:((وقال سفيان مرة: سألته، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم).
قال الألبانيُّ: ((وأما قوله: (ولَا بُعْدَ في أن يُبْهِمَ الراوي
…
)؛ فَمُسَلَّمٌ، ولكن ذلك عندما لا تكون الروايةُ التي وقعَ فيها التسميةُ شَاذَّةً كما هنا، ومما يؤيدُ ما تقدَّمَ أن محمدَ بنَ إسحاقَ قد تابع هِشَامًا على روايته فقال: حدثتني فاطمة بنتُ المنذر، عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ قالتْ: سَمِعْتُ امْرَأَةً تَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: عَنْ ثوْبِهَا؟ ، فقولها:(سَمِعْتُ امْرَأَةً)، مما يُبْعِدُ أن تكون هي السائلة كما هو ظاهر)) (الصحيحة 1/ 601، 602).
قلنا: وهذا تحقيق بديع، لكن فاتَ الشيخُ طُرُقًا أُخْرَى قد تَشْهَدُ لما ذَهَبَ إليه الحافظُ، وهي:
الطريق الثاني، والثالث:
رواه الطبرانيُّ (287)، عن علي بن عبد العزيز، ثنا عَارمٌ أبو النعمان، ثنا حماد بن زيد، عن هشام، به.
ورواه أيضًا (288)، عن محمد بن معاذ الحَلَبيِّ، عن موسى بن إسماعيل التَّبُوذَكِيِّ، ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن هشام، به.
وفي كلا الطريقين أن أسماءَ هي السائلةُ، وهذان سندان صحيحان، وموسى وعارم ثقتان ثبتان، والراوي عن عَارِمٍ هو البغويُّ الحافظُ (تذكرة الحفاظ 649)، والراوي عن موسى هو مُسْنِدُ حَلَبَ المعروف بـ (دُرَّان)، قال عنه الذهبيُّ:((الإمامُ المحدِّثُ المُعَمَّرُ الصدوقُ)) (سير أعلام النبلاء 13/ 536)، وانظر:(تاريخ الإسلام 6/ 1044)، و (الوافي بالوفيات 5/ 27).
لكن يُشْكِلُ على هذين الطريقين: أن مُسَدَّدًا، ويحيى بنَ حبيب بنِ عربي، وأحمدَ بنَ عَبْدَةَ - كما عند (أبي داود 362، والنسائيِّ 298، وابنِ خُزَيمةَ 292) على التوالي- رووه عن حمادِ بنِ زَيدٍ مثل روايةِ الجماعةِ
عن هشامٍ: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم.
وكذلك رواه التَّبُوذَكِيُّ -كما عند (أبي داود 362)، والطيالسيِّ في (مسنده 1743)، وإبراهيم بن الحجاج- كما عند (ابن حبان 1398) - عن حمادِ بنِ سَلَمةَ، عن هشامٍ.
فالصحيحُ عن الحمادين هو ما رواه الجماعةُ عنهم، والله أعلم.
الطريقُ الرابعُ:
رواه الخطيبُ في (المتفق 844)، وابنُ عساكر في (تاريخه): من طَريقٍ عنِ الأوزاعيِّ، عن هشامٍ، به.
والسندُ إلى الأوزاعيِّ ضعيفٌ، مسلسلٌ بالمجاهيل.
الطريقُ الخامسُ:
رواه الطبرانيُّ (296) من طريق عبد الله بن بزيع، عن روح بن القاسم، عن هشام، به.
وهذا سندٌ ضعيفٌ أيضًا، ابن بزيع: متفقٌ على ضَعْفِهِ، انظر:(اللسان 4/ 441).
268 -
حَديثُ أُمِّ سَلَمَةَ:
◼ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ الثَّوبِ يُصِيبُهُ دَمُ الْحَيْضِ؟ فَقَالَ:((تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ)).
[الحكم]:
صحيحُ المتن، سبقَ من حديثِ أسماءَ، وهذا إسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا.
[التخريج]:
[شف 31 ((واللفظ له)) / أم 132/ هقع 4938].
[السند]:
رواه الشافعيُّ في (المسند) و (الأُمِّ) -ومن طريقه البيهقيُّ في (المعرفة) -، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرني محمد بن عجلان، عن عبد الله بن رافع، عن أُمِّ سلمةَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه: إبراهيم بن محمد، وهو ابنُ أبي يحيى الأسلميُّ؛ قال عنه الحافظ:((متروكٌ)) (التقريب 241). بل كذَّبه غيرُ واحدٍ من الأئمةِ، كما سبقَ مِرارًا.
[تنبيه]:
ذكر العينيُّ في (عمدة القاري 3/ 140) قال: ((وعندَ الدارميِّ، بسندٍ فيه ضَعْفٌ عن أُمِّ سلمةَ، رضي الله عنها: إِنَّ إِحْدَاهُنَّ تَسْبِقُهَا الْقَطْرَةُ مِنَ الدَّمِ. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا أَصَابَ إِحْدَاكُنَّ بِذَلِكَ فَلْتَقْصَعْهُ بِرِيقِهَا)).
وهذا الحديثُ في مطبوع (سنن الدارمي 1033) موقوفٌ وليس بمرفوعٍ، قال: أخبرنا سهل بن حماد، حدثنا أبو بكر الهذليُّ، عن الحسن، عن أُمِّهِ،
عن أُمِّ سلمةَ: ((إِنَّ إِحْدَاكُنَّ تَسْبِقُهَا الْقَطْرَةُ مِنَ الدَّمِ، فَإِذَا أَصَابَتْ إِحْدَاكُنَّ ذَلكَ؛ فَلتَقْصَعْهُ بِرِيقِهَا)).
وأبو بكر الهذليُّ هذا متروكٌ. وكذا أخرجه ابنُ أبي شيبةَ موقوفًا. والله أعلم.
* * *
269 -
حَدِيثُ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ:((كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ، ثُمَّ تَقْتَرِصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِهَا عِنْدَ طُهْرِهَا، فَتَغْسِلُهُ وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ)).
[الحكم]:
صحيح (خ).
[الفوائد]:
1 -
((قولها: ((كَانَتْ إِحْدَانَا)). أي: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو محمولٌ على أنهن كن يصنعن ذلك في زمنه صلى الله عليه وسلم، وبهذا يلتحق هذا الحديث بحكم المرفوع)). اهـ من (فتح الباري 1/ 410).
2 -
ذهب ابنُ بطال إلى أن قولَ عائشةَ: ((فَتَغْسِلُهُ)) تفسيرٌ للنضحِ الواردِ في حديثِ أسماءَ السابق، (فتح الباري 1/ 410)، وهذا القولُ فيه نظرٌ؛ إِذ إِنَّ النضحَ الوارد في حديث أسماء هو نفسه النضح الوارد هنا في حديث عائشة، وأما قولها هنا:((فَتَغْسِلُهُ)) فهو زيادة بيان لقولها ((تَقْتَرِصُ))، وهو مجمل في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أسماء ((فَلْتَقْرُصْهُ)) إذ القرص يشمل الغسل أيضًا كما سبق ذكره هناك.
[التخريج]:
[خ 308 ((واللفظ له)) / جه 608/ هق 4163].
[السند]:
قال البخاريُّ: حدثنا أَصْبَغُ، قال: أخبرني ابنُ وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن عبد الرحمن بن القاسم حَدَّثَهُ، عن أبيه، عن عائشةَ، به.
روايةُ فَلْتَتَّبِعْ ثَوْبَهَا:
• وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: ((إِذَا طَهُرَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْحَيْضِ فَلْتَتَّبِعْ ثَوْبَهَا الَّذِي يَلِي جِلْدَهَا فَلْتَغْسِلْ مَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ)).
[الحكم]:
موقوفٌ صحيحٌ.
[التخريج]:
[مي 1031].
[السند]:
قال الدارميُّ: أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا الأوزاعيُّ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجاله كلُّهم ثقاتٌ.
روايةُ فَمَصَعَتْهُ:
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَمَصَعَتْهُ
(1)
(فَقَصَعَتْهُ) بِظُفْرِهَا)).
[الحكم]:
صحيح (خ).
[اللغة]:
قَولها: (فَمَصَعَتْهُ) قال الحافظُ: ((بالصاد والعين المُهمَلَتَينِ المَفتُوحَتَينِ: أَيْ: حَكَّتْهُ وَفَرَكَتْهُ بِظُفْرِهَا. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بالقَافِ بَدَلَ الميمِ، وَالقَصعُ الدَّلْكُ)) (الفتح 1/ 413).
[الفوائد]:
قال البيهقيُّ معلقًا على الحديث: ((وهذا في الدَّمِ اليسيرِ الذي يكون مَعْفُوًّا عنه، فأما الكثيرُ منه فصحيحٌ عنها أنها كانتْ تَغْسِلُهُ)) (السنن الكبرى عقب رقم 39).
وقال الحافظُ: ((ووقعَ في روايةٍ له -يعني: أبا داود- من طريق عطاءٍ، عن عائشةَ بمعنى هذا الحديث ((ثُمَّ تَرَى فِيهِ قَطْرَةً مِنْ دَمٍ فَتَقْصَعُهُ بِظُفْرِهَا))؛ فعلى هذا
(1)
وقع في المطبوع من البخاري (ط. طوق النجاة، ط. المكنز، ط. دار الكتب العلمية، ط. البغا): ((فقصعته)) بالقاف، وهو وَهْمٌ؛ فقد نصَّ البيهقيُّ على أن البخاريَّ إنما رواه ((فَمَصَعَتْهُ)) بالميم، وكذا ذكرها شُرَّاحُ البخاريِّ: كابنِ بطال (1/ 437)، وابنِ رجبٍ (1/ 458)، وابنِ حَجَرٍ (1/ 413) ونصَّ ابنُ رجبٍ على الخلافِ بينَ البخاريِّ وغيرِهِ في هذه اللفظة. وقد ذكر محققو الطبعة اليونينية الخلافَ فيها.
فيحمل حديث الباب على أن المراد دمٌ يَسيرٌ يُعْفَى عن مِثْلِهِ)) (الفتح 1/ 413).
[التخريج]:
[خ 312 ((واللفظ له)) / هق 38، 4153 ((والرواية له))، 4154/ ابن منده (إمام 3/ 437)].
[السند]:
قال البخاريُّ: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت عائشة:
…
فذكره.
قال ابنُ دقيق العيد: ((ولما خرَّجَه ابنُ منده قال: وهذا إسنادٌ صحيحٌ على رَسْمِ الجماعةِ، وقد أخرجَ البخاريُّ ومسلمٌ لمجاهدٍ عن عائشةَ رضي الله عنها)(الإمام 3/ 437).
قلنا: لكن وقعَ اختلافٌ في سنده على ابنِ نافعٍ، وفي سماعِ مجاهدٍ من عائشةَ نظرٌ، كما سيأتي بيانُه في الرواية الآتية:
روايةُ بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا:
•وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: ((فَإِذا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا، ثُمَّ قَصَعَتْهُ بِرِيقِهَا)).
[الحكم]:
رجالُه ثقاتٌ، وصحَّحَه البيهقيُّ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[د 358 ((واللفظ له)) / هق 4152].
[السند]:
رواه أبو داود في (السنن) -ومن طريقه البيهقيُّ-: عن محمد بن كثير العبديُّ، أخبرنا إبراهيم بن نافع، قال: سمعتُ الحسنَ -يعني: ابنَ مسلم- يذكرُ، عن مجاهدٍ، قال: قالتْ عائشةُ:
…
فذكره.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ رجال الشيخين، إِلَّا أَنَّ فيه أمرين:
الأول: اختُلِفَ في سماعِ مجاهدٍ من عائشةَ؛ فنفاه شعبةُ، ويحيى بنُ سعيدٍ، وتبعهما ابنُ معين، وأبو حاتمٍ، انظر:(المراسيل لابن أبي حاتم صـ 203 - 205).
وقال البرديجي: ((وقد صارَ مجاهدٌ إلى بابِ عائشةَ فحجبت ولم يَدْخُلْ عليها؛ لأنه كان حُرًّا)) (جامع التحصيل 736).
وفي المقابل: أثْبَتَهُ ابنُ المدينيِّ كما في (تهذيب التهذيب 10/ 43).
وقال ابنُ حبانَ: ((ماتتْ عائشةُ سنة سبع وخمسين، وولد مجاهدٌ سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر، فدلك هذا على أن من زعم أن مجاهدًا لم يسمعْ من عائشةَ كان وَاهِمًا في قوله ذلك)) (الصحيح 7/ 291).
وجَزَمَ بسماعه منها: الكلاباذيُّ كما في (إكمال تهذيب الكمال 11/ 78)، والنوويُّ في (تهذيب الأسماء 2/ 83)، والذهبيُّ في (تذكرة الحفاظ 1/ 71). ومالَ إليه مغلطايُّ.
وقال العلائيُّ: ((وحديثُه عنها في (الصحيحين) وقد صرَّحَ في غيرِ حَديثٍ بسماعِهِ منها)) (جامع التحصيل 736).
قلنا: لم يقعِ التصريحُ بسماعه منها -من وجهٍ قويٍّ- سوى في حديثين:
الأول: أخرجه البخاريُّ (1776، 4254)، ومسلمٌ (1255): عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ:((دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ المَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما، جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَإِذَا نَاسٌ يُصَلُّونَ فِي المَسْجِدِ صَلاةَ الضُّحَى، قَالَ: فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلاتِهِمْ، فَقَالَ: ((بِدْعَةٌ)) ثُمَّ قَالَ لَهُ: ((كَمُ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: أَرْبَعًا، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ))
قَالَ: وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ فِي الحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا أُمَّاهُ، يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أَلا تَسْمَعِينَ مَا
يَقُولُ أَبُو عَبدِ الرَّحمَن؟
…
الحديث.
الثاني: أخرجه أحمدُ (24248)، والنسائيُّ (226): عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ قَالَ: جَاؤُوا بِعُسٍّ فِي رَمَضَانَ، فَحَزَرْتُهُ ثَمَانِيَةَ أَوْ تِسْعَةَ أَوْ عَشْرَةَ أَرْطَالٍ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ:((حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَغْتَسِلُ بِمِثْلِ هَذَا)).
وموسى هذا ثقة من رجال مسلم، إِلَّا أَنَّ شعبةَ أنكر عليه التصريح بالسماع في هذا الحديث، وأقرَّه يحيى القطانُ، وابنُ معين، وأحمدُ.
قال الإمامُ أحمدُ: ((كان شعبةُ يُنْكِرُ أن يكونَ مجاهدٌ سَمِعَ من عائشةَ، وقال يحيى بنُ سعيدٍ في حديثِ موسى الجُهنيِّ (عَن مُجَاهدٍ أَخْرَجَتْ إِلَينَا عَائِشَةُ، أَو حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ) قال يحيى بنُ سعيد: فحدَّثتُ به شُعْبَةَ، فأنكرَ أن يكون
مجاهدٌ سَمِعَ من عائشةَ)) (العلل ومعرفة الرجال - رواية عبد الله 1673).
وفي (رواية الميموني 485) أن شعبةَ قال: ((ليس بشيءٍ (عن مجاهدٍ، قال: سمعتُ عائشةَ)، وأَنْكرَ أن يكون سمعَ من عائشةَ)).
وقال ابنُ الجُنيد: ((سُئِلَ يحيى بنُ معين وأنا أسمع (عن مجاهدٍ قالَ: سمعتُ عائشةَ). فقال: كان يحيى القطانُ يُنْكِرُ ذلك، ويُرْوَى في حديثٍ عن مجاهدٍ قال: سمعتُ عائشة)) (سؤالات ابن الجنيد 48). وجزم يحيى بعدمِ السَّماعِ، كما تقدَّم.
وعلى هذا لم يبقَ سوى حديث (الصحيحين)، وهو كما ترى ليسَ صريحًا، والعمدةُ فيه عند الشيخينِ على عروةَ لا على مجاهدٍ، ولعلَّه سمع منها أَحْرُفًا يسيرةً أثناءَ الحجِّ أو نحو ذلك، ولهذا قال الذهبيُّ معقبًا على هذا الخلاف:((قلتُ: بلى، قد سمعَ منها شيئًا يَسيرًا)) (السير 4/ 451).
الثاني: اختُلِفَ على إبراهيمَ بن نافعٍ في إسنادِهِ:
فرواه عنه محمد بن كثير -كما في هذه الرواية-، وأبو حذيفة النهديُّ -كما سبقَ عند البيهقيِّ (38) -، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهدٍ، به.
وخالفهما أبو نعيمٍ، كما سبقَ عند البخاريِّ، وخلَّادُ بنُ يحيى، كما عند البيهقيِّ؛ فرويَاه عن إبراهيمَ بنِ نافعٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، به.
فجعلا شيخَ ابنِ نافع: عبدَ الله بنَ أبي نجيحٍ.
قال البيهقيُّ: ((والمشهورُ عن إبراهيم، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاقٍ
(1)
، عن مجاهدٍ. وعن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة
(2)
. وقد رواه خلاد
(1)
قال ابن حجر في (التقريب 1286): ((يناق بفتح التحتانية وتشديد النون وآخره قاف)).
(2)
كما في الرواية التالية.
ابن يحيى، عن إبراهيم، كما رواه أبو نُعَيمٍ. فهو صحيح من الوجهين جميعًا)) (السنن عقب رقم 4153).
وقال ابنُ حَجَرٍ: ((طعنَ بعضُهم في هذا الحديثِ من جهةِ دعوى الانقطاعِ ومن جهةِ دعوى الاضطرابِ.
فأما الانقطاعُ: فقال أبو حاتم: ((لم يسمع مجاهدٌ من عائشةَ))؛ وهذا مردود فقد وقعَ التصريحُ بسماعه منها عند البخاريِّ في غير هذا الإسناد، وأثْبَتَهُ عليُّ بنُ المدينيِّ فهو مقدَّمٌ على من نَفَاهُ.
وأما الاضطرابُ: فلروايةِ أبي داودَ له عن محمدِ بنِ كثيرٍ، عن إبراهيمَ بنِ نافعٍ، عن الحسن بنِ مسلم بدل ابن أبي نَجِيحٍ، وهذا الاختلافُ لا يوجبُ الاضطرابَ؛ لأنه محمولٌ على أن إبراهيمَ بنَ نافعٍ سمعه من شيخين ولو لم يكن كذلك فأبو نُعَيمٍ شيخُ البخاريِّ فيه أحفظُ من محمد بنِ كثيرٍ شيخِ أبي داودَ فيه، وقد تابعَ أبا نعيم: خلَّادُ بنُ يحيى، وأبو حذيفةَ، والنعمانُ بنُ عبدِ السَّلامِ، فَرُجِّحَتْ روايتُه. والروايةُ المرجوحةُ لا تُؤثِرُ في الروايةِ الراجحةِ، والله أعلم)) (فتح الباري 1/ 413).
والحديثُ صحَّحَهُ الألبانيُّ في (صحيح أبي داود 2/ 199).
رِوَايةٌ: ((الدِّرْعُ فِيهِ تَحِيضُ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ بِلَفْظِ: ((قَدْ كَانَ يَكُونَ لإِحْدَانَا الدِّرْعُ فِيهِ تَحِيضُ، وفيه تُصِيبُهَا الْجَنَابَةُ، ثُمَّ تَرَى فِيهِ قَطْرَةً مِنْ دَمِ [حَيْضَتِهَا] فَتَقْصَعُهُ بَرِيقِهَا)).
[الحكم]:
إسنادُهُ صحيحٌ، وصحَّحَهُ الألبانيُّ.
[التخريج]:
[د 364 ((واللفظ له)) / مي 1032 ((والزيادة له)) / هق 39].
[السند]:
رواه أبو داود -ومن طريقه البيهقيُّ في (الكبرى) -: عن النفيليِّ
(1)
، حدثنا سفيان، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، به.
ورواه الدارميُّ: عن محمدِ بنِ يوسفَ، عنِ ابنِ عُيَينَةَ، عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجاله ثقات رجال الشيخين غيرُ أبي جعفر النفيليِّ عبد الله بن محمد، فمن رجال البخاريِّ، وهو ثقة حافظ (التقريب 3594).
وسَماعُ عطاءٍ من عائشةَ في الجملةِ ثابتٌ، فقد وقعَ تصريحه بالسماعِ منها في (الصحيحين)، كما عند البخاريِّ (3080، 3900)، وعند مسلمٍ (899). وقد أثبتَهُ ابنُ المدينيِّ في (العلل له صـ 66)، وابنُ معين، وأبو زُرْعَةَ، كما في (الجرح والتعديل 6/ 330).
(1)
تحرف بـ (صحيح أبي داود) للألباني إلى (القعنبي).
إِلَّا أَنَّ الحافظَ ابنَ حَجَرٍ: ذكر أن الأثرمَ روى عن الإمامِ أحمدَ ما يدلُّ على أنه كان يُدَلِّسُ. فقال في قصة طويلة
(1)
: ((وروايةُ عطاءٍ عن عائشةَ لا يحتجُّ بها، إِلَّا أنْ يقولَ: سمعتُ)) (تهذيب التهذيب 7/ 182). وبنحوه في (الإمام لابنِ دقيق العيد 3/ 91).
قلنا: وكلامُ أحمدَ هذا قد يُفْهَمُ على وجهين آخرين:
الأول: أن المشهورَ عن عطاءٍ أنه كثير الإرسال عمن لم يسمع، وقلَّما يروي حديثًا عن عائشةَ، إِلَّا وجدتَ بينهما واسطةً في موضع آخر، انظر على سبيل المثال (مسند أحمد 24642، 25647، و 24137، 25467)، فكأنَّ أحمدَ في ريبٍ من سماعِ عطاءٍ من عائشةَ، فذكرَ أنه لا يُحتجُّ بروايتِه عنها حتى يثبتَ السماعُ صراحةً.
الوجه الثاني: أن أحمدَ قَصَدَ حديثًا بعينه، في متنه نكارةٌ، فتَلَمَّسَ له علةً، والحديثُ الذي قال أحمدُ فيه هذا القول هو حديثُ نوم الجُنُبِ، وأحمدُ يستنكره، ولهذا قال في تتمة كلامه:((ولو قال في هذا: ((سمعتُ)) كانت تلك الأحاديث أقوى)) (الإمام 3/ 91)، يعني: الأحاديث المعارضة لحديث عطاء، وهي المثبتة لوضوء الجنب إذا أراد أن ينامَ.
وإلا فلم نجدْ مَن رَمَى عطاءً بالتدليسِ سوى ما فهمه الحافظُ من قولِ أحمدَ هذا، ولم يُعَوِّلْ أحدٌ عليه، ولا الحافظ نفسه، حيث لم يذكره في المدلسين، والله تعالى أعلم.
ولذا قال الألبانيُّ: ((هذا إسنادٌ صحيحٌ، رجالُه كلُّهم ثقاتٌ على شرطِ
(1)
أثناء كلامه على حديث نوم الجنب من غير وضوء، كما في (الإمام).
الشيخين)) (صحيح أبي داود 390).
وقد سبقَ الحديثُ بنحوه عند البخاريِّ، من روايةِ مجاهدٍ، عن عائشةَ.
روايةُ: ((تَقْرُصُهُ بِظُفْرِهَا)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَغْسِلُ دَمَ الْحَيْضَةِ بِرِيقِهَا تَقْرُصُهُ بِظُفْرِهَا)).
[الحكم]:
إسنادُهُ صحيحٌ.
[التخريج]:
[عب 1239].
[السند]:
رواه عبد الرزاق: عن سفيانَ بنِ عُيَينَةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ رجاله ثقات رجال الشيخين.
روايةُ: ((فَتَحُكُّهُ بَالْحَجَرِ)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: ((وَكَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ فَيَكُونُ فِي ثَوْبِهَا الدَّمُ فَتَحُكُّهُ (فَتَحُتُّهُ) بَالْحَجَرِ، أَوْ بَالْعُودِ، أَوْ بَالْعَظْمِ (بِالْقَرْنِ)، ثُمَّ تَرُشُّهُ وَتُصَلِّي)).
[الحكم]:
إسنادهُ صحيحٌ.
[التخريج]:
[مي 1044 ((والروايتان له)) / عب 1238 ((واللفظ له))].
[السند]:
رواه عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: أخبرني عطاء، عن عائشةَ أنها كانت تقولُ:
…
فذكره.
ورواه الدارميُّ: عن جعفر بن عون، ثنا ابنُ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: كَانَتْ عَائِشَةُ تَرَى الشَّيْءَ مِنْ المحَيضِ فِي ثَوبِهَا فَتَحُتُّهُ بِالحَجَرِ
…
إلخ.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ؛ رجاله ثقات رجال الشيخين، وقد صرَّحَ ابنُ جُرَيجٍ بالسَّماعِ.
270 -
حَدِيثُ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنِ الْحَائِضِ يُصِيبُ ثَوْبَهَا الدَّمُ؟ قَالَتْ: ((تَغْسِلُهُ فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ فَلْتُغَيِّرْهُ بِشَيْءٍ مِنْ صُفْرَةٍ)). قَالَتْ: ((وَلَقَدْ كُنْتُ أَحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَ حِيَضٍ جَمِيعًا لَا أَغْسِلُ لِي ثَوْبًا)). [وَقَالَتْ: ((لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ، عَلَيْهِ بَعْضُهُ وَعَلَيَّ بَعْضُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ نَائِمَةٌ قَرِيبًا مِنْهُ))].
[الحكم]:
الفقرة الأولى الموقوفة في تغيير أثر الدم بالصفرة، والفقرة الأخيرة صحيحتان بالمتابعات، والفقرة الثانية قد يشهد لها حديث عائشة السابق كما ذكره الألبانيُّ، وهذا الحديثُ إسنادُهُ ضعيفٌ بهذا السِّياقِ والتَّمَامِ.
[الفوائد]:
1 -
قولُ عائشةَ: ((كُنْتُ أَحِيضُ ثَلَاثَ حِيَضٍ لَا أَغْسِلُ لِي ثَوْبًا)) هذا في حكم المرفوع؛ لأَنَّ عدم غسل ثوبها الذي تلبسه زمن الحيض كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليها، والقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقفْ على فعلها بعيدٌ جدًّا. (عون المعبود 2/ 16).
أما الفقرة الأولى فموقوفة، والفقرة الأخيرة فواضح فيها الرفع؛ لأنه خبرٌ عن فعله صلى الله عليه وسلم.
2 -
قولُ عائشةَ رضي الله عنها: ((
…
لَا أَغْسِلُ لِي ثَوْبًا))، إِنْ صحَّ، فيحمل على مَعَانٍ:
الأول: أن ذلك لأجل أن الدَّمَ ما كان يصيبُ ثوبها؛ لأجل احترازها ونظافتها، ذكره العينيُّ في (شرح أبي داود 2/ 184)، وكذا ذكره صاحب
(عون المعبود) ولم يذكر غيره.
الثاني: أنها كانت تغسلُ ثيابها بعد خروجها من الحيضِ، ولا تغسلها في أيامِ حيضها، ذكره العينيُّ أيضًا.
الثالث: أنه بمعنى حديثها السابق الذي فيه: أنها كانت تقصعه بريقها، وهذا ما ذهب إليه الألباني في (صحيح أبي داود 2/ 199)، وبه صحح هذه الفقرة من الحديث.
[التخريج]:
[د 357 ((واللفظ له)) / حم 26126 والزيادة له/ هق 4168].
[السند]:
رواه أبو داود -ومن طريقه البيهقيُّ- قال: حدثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثتني أم الحسن -يعني: جدة أبي بكر العدوي
(1)
-، عن معاذةَ، به.
ورواه أحمد: عن عبد الصمد، به.
[التحقيق]:
إسنادُهُ رجالُه ثقاتٌ رجال الصحيح عدا أُمّ الحسن جدَّة أبي بكر العدويِّ، لم يَرْوِ عنها إِلَّا عبد الوارث بن سعيد، ولم نقفْ على مُوَثِّقٍ لها، ولذا قالَ الحافظ:((لا يُعْرَفُ حالها)) (التقريب 8718)، فالسندُ ضعيفٌ.
ولذا قال ابن رجب: ((إسنادٌ فيه جهالة)) (الفتح له 1/ 460).
(1)
- وقع في المطبوع من (مسند أحمد)((العتكي))، وذكر محققوه أنه كذلك في سائر النسخ، والصواب ((العدوي)) كما عند أبي داود.
وكذا أعلَّه الذَّهبيُّ بأُمِّ الحسنِ هذه، فقال:((لا تُعْرَفُ)) (المهذَّبُ في اختصار السنن الكبرى 2/ 833).
وأما ابنُ الملقن فقال عن إسناده: ((لا أَعْلَمُ به بأسًا))! (البدر 1/ 520)، كذا قال، وقد عَلِمَ غيرُهُ.
قلنا: ولكن الفقرةَ الأُولَى من المَتْنِ وهي: ((فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ فَلْتُغَيِّرْهُ بِشَيْءٍ مِنْ صُفْرَةٍ))؛ يَشْهَدُ لها ما رواه الدارميُّ (1034)، قال: أخبرنا أبو النعمان، حدثنا ثابت بنُ يزيد، ثنا عاصمٌ، عن معاذةَ العدويةِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالتْ:((إِذَا غَسَلَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ فَلَمْ يَذهَبْ، فَلْتُغَيِّرْهُ بِصُفْرَةٍ؛ وَرَسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ)).
وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشيخين.
وأما الفقرة الثانية: وهي: ((كُنْتُ أَحِيضُ ثَلَاثَ حِيَضٍ لَا أَغْسِلُ لِي ثَوْبًا))؛ فإن حُمِلَ ذلك على ما قاله الألبانيُّ بأنه بمعنى حديثها السابق في إزالةِ الدَّمِ بريقها، فيكون شاهدًا لها، وإلا فليس لها شاهد آخر.
وأما الفقرة الثالثة: وهي: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ، عَلَيْهِ بَعْضُهُ وَعَلَيَّ بَعْضُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ))؛ فقد رواه مسلم (514) من طريق عبيد الله بن عبد الله، عن عائشةَ، قالت:((كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَعَلَيَّ مِرْطٌ وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ إِلَى جَنْبِهِ)).
وانظر: (صحيح أبي داود 2/ 197).
271 -
حَدِيثُ خِلَاسٍ عَنْ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو الْهَجَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: ((كُنْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبُو الْقَاسِمِ [نَبِيتُ] فِي الشِّعَارِ الْوَاحِدِ وَأَنَا حَائِضٌ طَامِثٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْءٌ غَسَلَ مَا أَصَابَهُ (غَسَلَ مَكَانَهُ)، لَمْ يَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ يَعُودُ مَعِي، فَإِنْ أَصَابَهُ [تَعْنِي: ثَوْبَهُ] مِنِّي شَيْءٌ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ (غَسَلَ مَكَانَهُ)، [وَ] لَمْ يَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ [ثُمَّ صَلَّى فِيهِ])).
[الحكم]:
إسنادُهُ صحيحٌ، وحسَّنه المنذريُّ، وصحَّحَه الألبانيُّ.
[اللغة]:
الشِّعَارُ: هو الثوب الذي يلي الجسد؛ لأنه يلي الشَّعْرَ.
طَامِثٌ: أي: حَائِضٌ، فقولها:((أَنَا حَائِضٌ طَامِثٌ)) من باب التأكيد اللفظي.
ولَمْ يَعْدُهُ -بإسكان العين وضم الدال- أي: لم يجاوزه إلى غيره بل اقتصر على غسل الموضع المصاب. (شرح أبي داود للعيني 2/ 35 - 36).
[التخريج]:
[د 269 ((والروايتان والزيادات له ولغيره))، 2155/ ن 289، 376، 785 ((واللفظ له)) / كن 342، 937/ حم 24173/ مي 1036/ عل 4802/ هق 1519/ محلى (2/ 182) / لا 13].
[السند]:
رواه النسائيُّ (785) قال: أخبرنا عمرو بن منصور، قال: حدثنا هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا جَابرُ بن صُبْحٍ، قال:
سمعتُ خِلَاسَ بنَ عمرٍو يقول: سمعتُ عائشةَ
…
فَذَكَرَهُ.
ورواه أحمدُ، وأبو داود، والنسائيُّ أيضًا، والباقون من طرق: عن يحيى بنِ سعيد، عن جابر بنِ صبح، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ صحيحٌ رجالُه ثقاتٌ، رجال الشيخين عدا جابر بن صُبْحٍ، وهو ثقةٌ؛ وَثَّقَهُ يحيى بن معين، والنَّسائيُّ، كما في (التهذيب 4/ 442)، وقال أحمدُ:((ما أرى به بأس، وكان رجلًا عاقلًا)) (العلل ومعرفة الرجال 3/ 114)، وذكره ابنُ حبان في (الثقات 6/ 142)، وقال يحيى القطانُ: ((جابرٌ أحبّ إليَّ من المهلبِ بنِ أبي حبيبةَ
(1)
)) (التاريخ الكبير للبخاري 2/ 207)، والمهلب وَثَّقَهُ أحمدُ، وابنُ معين، وغيرُهما
(2)
.
ومع هذا قال الأزدي: ((لا يقوم بحديثه حجة))! (التهذيب 2/ 41)، ولأجله قال الحافظ على عادته:((صدوق)) (التقريب 869). والأزدي ليس بحجة، فالرجل ثقة كما نصَّ الأئمةُ.
وحسَّنه المنذريُّ في (مختصر سنن أبي داود 1/ 176)، وقال الألبانيُّ:((إسناده صحيح)) (صحيح سنن أبي داود 262)، وقال في (الثمر المستطاب صـ 330):((وهذا سندٌ صحيحٌ متصلٌ بالسماعِ رجالُه كلُّهم ثقات)).
(1)
وَوَهِمَ المزيُّ في (التهذيب 4/ 442) فَنَسَبَ هذا القولَ لابنِ معين، وقد تعقَّبه مغلطاي في (إكماله 3/ 129)، وتبعه الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في (تهذيبه 2/ 41).
(2)
انظر ترجمته في (تهذيب التهذيب 10/ 329).
272 -
حَديثٌ آخَرُ: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا طَرَقَتْهَا الْحَيْضَةُ مِنَ اللَّيْلِ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ((أَنَّهَا طَرَقَتْهَا الْحَيْضَةُ مِنَ اللَّيْلِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي، فَأَشَارَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِثَوْبٍ وَفِيهِ دَمٌ، فَأَشَارَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، ((اغْسِلِيهِ))، فَغَسَلَتْ مَوْضِعَ الدَّمِ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ الثَّوْبَ، فَصَلَّى فِيهِ)).
[الحكم]:
إسنادُهُ ضعيفٌ.
[التخريج]:
[حم 24370].
[السند]:
قال أحمد: حدثنا حسنٌ، قال: حدثنا ابنُ لهيعةَ، قال: حدثنا حيي بن عبد الله، أن أبا عبد الرحمن الحُبَليَّ حَدَّثَهُ، عن عائشةَ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعفِ ابنِ لهيعةَ، فهو سيئُ الحفظِ، لا سيَّما في غير رواية العبادلة عنه، وهذا منها، وقد سبق الكلامُ عليه مِرارًا.
وشيخُه حيي بن عبد الله، هو المعافريُّ المصريُّ؛ مختلفٌ فيه، وقال الحافظ:((صدوقٌ يَهِم)) (التقريب 1605).
273 -
حَدِيثُ أُمِّ جَحْدَرٍ الْعَامِرِيَّةِ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ أُمِّ جَحْدَرٍ الْعَامِرِيَّةِ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ؟ فَقَالَتْ:((كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْنَا شِعَارُنَا، وَقَدْ أَلْقَيْنَا فَوْقَهُ كِسَاءً، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ الْكِسَاءَ فَلَبِسَهُ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ لُمْعَةٌ مِنْ دَمٍ، فَقَبَضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا يَلِيهَا، فَبَعَثَ بِهَا إِلَيَّ مَصْرُورَةً فِي يَدِ الْغُلامِ فَقَالَ: ((اغْسِلِي هَذِهِ وَأَجِفِّيهَا، ثُمَّ أَرْسِلِي بِهَا إِلَيَّ)). فَدَعَوْتُ بِقَصْعَتِي فَغَسَلْتُهَا، ثُمَّ أَجْفَفْتُهَا فَأَحَرْتُهَا إِلَيْهِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِنِصْفِ النَّهَارِ وَهِيَ عَلَيْهِ)).
[الحكم]:
إسنادُهُ ضعيفٌ، وضعَّفَهُ العظيمُ آبادي، والألبانيُّ، واستغربَهُ المنذريُّ.
[اللغة]:
قولها: ((فَأَحَرْتُهَا)). أي: رددتها إليه، يقال: حار الشيء يحور بمعنى رجع، ومنه قوله تعالى:{إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ} (الانشقاق 14) أي: لا يبعث ولا يرجع إلينا في القيامة للحساب. (معالم السنن 1/ 120).
[التخريج]:
[د 387 ((واللفظ له)) / هق 4149].
[السند]:
رواه أبو داود في (السنن) -ومن طريقه البيهقيُّ في (الكبرى) - قال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا أبو مَعْمَرٍ، ثنا عبد الوارث حدثتنا
أُمُّ يونسَ بنتُ شَدَّادٍ، قالتْ: حدَّثتني حَمَاتِي أُمُّ جَحْدَرٍ العَامِرِيَّةُ أنها سَأَلَتْ عَائِشَةَ
…
الحديث.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه علتان:
الأولى: أم يونس بنت شداد؛ مجهولة، قال الذهبي:((لَا تُعْرَفُ)) (الميزان 7/ 479)، وقال ابنُ حَجَرٍ:((لا يُعْرَفُ حالُها)) (التقريب 8782).
الثانية: أم جحدر العامرية؛ مجهولة أيضًا، قال الذهبي:((لَا تُعْرَفُ)) (الميزان 7/ 476)، وقال الحافظ:((لا يُعْرَفُ حالُها)) (التقريب 8709).
قال صاحبُ (عونِ المعبودِ 2/ 37): ((الحديثُ تفرَّدَ به المؤلفُ وهو ضعيفٌ، وقال المنذريُّ: هو غريب
(1)
)) اهـ.
وضعَّفه الألبانيُّ في (ضعيف أبي داود 1/ 146).
(1)
ولم نقفْ على قولِ المنذريِّ هذا في المطبوع من (مختصر سنن أبي داود 1/ 228 - 229)، فلعلَّه سقطَ من المطبوعِ، أو في كتاب آخر.
274 -
حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ:
◼ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ -أَوْ قِيلَ لَهَا-: كَيْفَ كُنْتُنَّ تَصْنَعْنَ بِثِيَابِكُنَّ إِذَا طَمِثْتُنَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَتْ: ((إِنْ كُنَّا لَنَطْمِثُ فِي ثِيَابِنَا، وَفِي دُرُوعِنَا، فَمَا نَغْسِلُ مِنْهَا إِلَاّ أَثَرَ مَا أَصَابَهُ الدَّمُ، وَإِنَّ الخَادِمَ مِنْ خَدَمِكُمُ اليَوْمَ لَتَفْرُغُ يَوْمَ طُهُرِهَا لِغَسْلِ ثِيَابِهَا)).
[الحكم]:
إسنادُهُ ضعيفٌ، وضعَّفَهُ الألبانيُّ.
[التخريج]:
[خز 296].
[التحقيق]:
انظر الكلام عقب الرواية التالية:
رواية بزيادة: ((وما لها إلا ثوب واحد)):
• وَفِي رِوَايَةٍ: (([إِنْ] كَانَتْ إِحْدَانَا [لَ]ـتَحِيضُ فِي الثَّوْبِ [وَمَا لَهَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ]، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ طُهْرِهَا غَسَلَتْ مَا أَصَابَهُ، ثُمَّ صَلَّتْ فِيهِ، وَإِنَّ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ تُفَرِّغُ خَادِمَهَا لِغَسْلِ ثِيَابِهَا يَوْمَ طُهْرِهَا)).
[الحكم]:
إسنادُهُ ضعيفٌ، وضعَّفَهُ ابنُ رَجَبٍ، والألبانيُّ.
[التخريج]:
[طب (23/ 391/ 933)((والزيادات له)) / طس 2192 ((واللفظ له))
/ حق 1917].
[السند]:
رواه ابنُ خُزيمةَ: عن أحمد بن أبي سريج الرازيِّ، أخبرنا أبو أحمد، نا المنهال بن خليفةَ، عن خالد بن سلمةَ، عن مجاهدٍ، عن أُمِّ سلمةَ، به.
ورواه إسحاقُ في (مسنده)، والطبرانيُّ في (الكبير) من طريق أحمد بن حنبل، كلاهما: عن وكيع، عن المنهال، به.
ورواه الطبرانيُّ في (الأوسط): من طريق محمد بن ربيعة الكلابيِّ، عن المنهالِ بنِ خليفةَ، به.
وقال بإثره: ((لم يروه عن مجاهدٍ إِلَّا خالد تفرَّدَ به المنهالُ)).
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ مداره على المنهال بن خليفة؛ وقد ضَعَّفَهُ: ابنُ مَعين، والنسائيُّ، ويعقوبُ بنُ سفيانَ، وابنُ شَاهينَ، وقال البخاريُّ:((فيه نظر))
(1)
، وقال فى موضعٍ آخر:((حديثُه منكرٌ))، وقال أبو حاتم:((صالحٌ، يُكتبُ حديثُه))، وقال ابنُ حِبانَ:((كان يَتَفَرَّدُ بالمناكير عن المشاهير، لا يجوز الاحتجاجُ به))، وقال الدولابيُّ، وأبو أحمد الحاكم:((ليس بالقوي))، وقال أبو داود:((جائزُ الحديثِ))، ووَثَّقَهُ البزَّارُ. (تهذيب التهذيب 10/ 319)، وقال الحافظُ:((ضعيفٌ)) (التقريب 6917). وهو كما قال.
وبه أعلَّه ابنُ رجب حيث قال: ((وفي إسناده المنهال بن خليفة، ضعَّفُوه))
(1)
وشكك مغلطاي في (إكماله) في نسبة هذا القول للبخاري، والصواب أنه قول البخاري لا مرية في ذلك، كما يُعْلَمُ ذلك بالرجوع (للتاريخ الأوسط)(4/ 764/ 1198).
(الفتح له 1/ 460).
وضعَّف إسنادَهُ الألبانيُّ في تعليقه على (صحيح ابن خزيمة).
وقال الهيثميُّ: ((رواه الطبرانيُّ في (الأوسط) ورجاله موثقون)) (المجمع 1556).
275 -
حَدِيثٌ ثَالِثٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ:
◼ عَنْ بَكَّارِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَسَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَنِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبِ الْحَائِضِ؟ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ:((قَدْ كَانَ يُصِيبُنَا الْحَيْضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَتَلْبَثُ إِحْدَانَا أَيَّامَ حَيْضِهَا ثُمَّ تَطْهُرُ، فَتَنْظُرُ الثَّوْبَ الَّذِي كَانَتْ تَقْلِبُ (تَبِيتُ)(تَمْكُثُ) فِيهِ، فَإِنْ أَصَابَهُ دَمٌ غَسَلْنَاهُ وَصَلَّيْنَا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَرَكْنَاهُ، وَلَمْ يَمْنَعْنَا ذَلِكَ من أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِ، وَأَمَّا الْمُمْتَشِطَةُ: فَكَانَتْ إِحْدَانَا تَكُونُ مُمْتَشِطَةً، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ لَمْ تَنْقُضْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهَا تَحْفِنُ عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، فَإِذَا رَأَتِ الْبَلَلَ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ دَلَكَتْهُ، ثُمَّ أَفَاضَتْ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهَا)).
[الحكم]:
إسنادُهُ ضعيفٌ، وضعَّفَهُ ابنُ رَجَبٍ، والألبانيُّ.
[الفوائد]:
قال ابنُ المنذرِ: ((فَغَسْلُ دَمِ الحيضةِ يجبُ لأَمْرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بَغَسْلِهِ، وحُكمُ سائِرِ الدِّماءِ كحُكمِ دَمِ الحيضِ، لا فرْقَ بيْنَ قليلِ ذلكَ وكثيرِهِ، وليسَ لقولِ مَن قالَ: إذا كان ما أدركه الطرفُ منه لا تكون لمعة لا يُفْسِدُ الصلاةَ معنى؛ لأَنَّ الأخبارَ على العُمومِ ويَدخُلُ فيها قليلُ الدَّمِ وكثيرُهُ فيما أَمَرَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم من غسلِ دَمِ الحيضةِ، وليسَ لأحدٍ أن يستثني من ذلك شيئًا بغيرِ حُجَّةٍ)) (الأوسط عقب رقم 703).
[التخريج]:
[د 359 ((واللفظ له)) / منذ 703 ((والرواية الثانية له)) / هق 877 ((مقتصرًا على آخره))، 4164 ((والرواية الأولى له))].
[السند]:
أخرجه أبو داود قال: حدثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، ثنا عبد الرحمن -يعني: ابنَ مَهْدِيٍّ-، قال: ثنا بَكَّارُ بن يحيى، قال: حدَّثتني جَدَّتي، قالتْ: دخلتُ على أُمِّ سلمةَ
…
الحديث.
ورواه ابنُ المنذرِ، والبيهقيُّ في (الكبرى): من طريق ابنِ مهديٍّ، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: بكار بن يحيى، وهو مجهول كما في (التقريب 736)، وكذلك جدته، ولم نقفْ على اسمها ولا ترجمتها، ولذا قال ابنُ رجب:((إسنادٌ فيه جَهالة)) (الفتح لابن رجب 1/ 460).
وبهذين العلتين ضعَّفه الألبانيُّ في (ضعيف سنن أبي داود 1/ 143).
[تنبيه]:
قولها: ((وَأَمَّا الْمُمْتَشِطَةُ
…
)) إلخ، إن كان المرادُ به غسل المرأة الجنب، فله شاهد من حديثِ أُمِّ سلمةَ عند مسلم (رقم 330)، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ
(1)
رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ قَالَ: ((لَا.
(1)
قال الإمام النووي: ((هو بفتح الضاد وإسكان الفاء هذا هو المشهور المعروف في رواية الحديث والمستفيض عند المحدثين والفقهاء وغيرهم، ومعناه أُحكم فتل شعري. وقال الإمام ابن بري في الجزء الذي صنفه في لحن الفقهاء من ذلك قولهم في حديث أم سلمة أشد ضفر رأسي يقولونه بفتح الضاد وإسكان الفاء وصوابه ضم الضاد والفاء جمع ضفيرة كسفينة وسفن. وهذا الذي أنكره رحمه الله تعالى ليس كما زعمه بل الصواب جواز الأمرين ولكل منهما معنى صحيح ولكن يترجح ما قدمناه لكونه المروي المسموع في الروايات الثابتة المتصلة، والله أعلم)) (شرح مسلم 4/ 11)، و (المجموع شرح المهذب 2/ 187).
وقال الحافظ ابن حجر: ((المَشْهُور بِفَتْحِ أَوله وَسُكُونِ الْفَاءِ أَي أجعله ضفائر وَحكى بِضَمَّتَيْنِ جمع ضفيرة وَهِي الْخصْلَة من الشّعْر)) (الفتح 1/ 148).
إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ)).
وأما إِن كان المرادُ به غسل المرأةِ الحائِضِ فلا يصحُّ، وقد استنكره الألبانيُّ بدليلٍ فيه نظر، انظر أحاديث غسل المرأة المتضفرة في (فصل الغسل).
276 -
حَدِيثٌ رَابِعٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ:
◼ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَائِضِ:((تَغْسِلُ مَا أَصَابَ ثَوْبَهَا وَلَا تَغْسِلُ الثَّوْبَ كُلَّهُ)).
[الحكم]:
منكرٌ بهذا اللفظ.
[التخريج]:
[طب (23/ 403/ 966)].
[السند]:
قال الطبرانيُّ في (المعجم الكبير): حدثنا أبو الزِّنْبَاعِ، حدثنا سعيد بن عُفَيْر، حدثنا ابنُ لهيعةَ، عن يزيدَ بن أبي حبيب، عن نَاعِمٍ مولى أم سلمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، به.
أبو الزِّنْبَاعِ هو روح بن الفرج القطان.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ فيه: ابنُ لهيعةَ، وهو ضعيفٌ، خاصة في غير رواية العبادلة عنه، وهذا منها.
وفي الباب أحاديث أخر، انظر البابين التاليين: