الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
52 - بَابُ الْأَذَى يُصِيبُ النَّعْلَ أَوِ الْخُفَّ
310 -
حديثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ:
◼ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُم، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ:((لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟ ))؛ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، قَالَ:((إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا خَبَثًا، فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ؛ فَلْيَقْلِبَ نَعْلَهُ، فَلْيَنْظُرْ فِيهَا، فَإِنْ رَأَى بِهَا خَبَثًا فَلْيَمَسَّهُ بالأَرْضِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا)).
[الحكم]:
صحيحٌ، وصحَّحَهُ ابنُ خزيمة، وابنُ حبان، والحاكمُ، والنوويُّ، والألبانيُّ، وغيرُهم.
[التخريج]:
[د 646/ حم 11153 ((واللفظ له))، 11877/ خز 852، 1077/ حب 2183/ مي 1402/ ...... ].
انظر تخريجه كاملًا وتحقيقه برواياته وشواهده في (موسوعة الصلاة) باب: ((الصلاة في النعال)).
311 -
حديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
◼ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:((إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى؛ فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ)).
[الحكم]:
صحيحُ المتنِ لشواهدِهِ، وإسنادُهُ ضعيفٌ، وضعَّفَهُ: الشافعيُّ، والبيهقيُّ، وابنُ العربيِّ المالكيُّ، وابنُ القطان الفاسيُّ، والنوويُّ، وابنُ عبد الحقِّ الأنصاريُّ، وابنُ الملقنِ، وابنُ حجرٍ، وكذا ضعَّفه الصنعانيُّ، والشوكانيُّ، والألبانيُّ، ولكنهم قووه بشواهدِهِ، وهو كما قالوا.
وحكم عليه بالاضطراب البزارُ، وابنُ عبد البر.
[الفوائد]:
قال أبو محمدٍ البغويُّ: ((ذهب بعضُ أهلِ العلم إلى ظاهر هذا الحديث، منهم النخعيُّ، كان يمسحُ النعلَ أو الخفَّ يكون به السرقين عند باب المسجد، فيصلي بالقوم، وبه قال الأوزاعيُّ، وأبو ثور.
وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يطهر إِلَّا بالماء كالبدن والثوب، وتأولوا الحديث على ما إذا مرَّ على شيءٍ يابسٍ منها فعلق به، يزيله ما بعده)) (شرح السنة 2/ 93).
[التخريج]:
[د 384 ((واللفظ له)) / حب 1396/ ك 600، 601/ دحم 147/ منذ 730/ هق 4303، 4304/ بغ 300].
[التحقيق]:
انظر الكلام عليه فيما يأتي.
رِوَايَةُ: (بِخُفَّيْهِ أَوْ نَعْلِهِ):
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِذَا وَطِئَ [أَحَدُكُمُ] الْأَذَى (شَيْئًا) بِخُفَّيْهِ [أَوْ نَعْلِهِ] فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ)).
[الحكم]:
صحيحُ المتنِ لشواهدِهِ، وإسنادُهُ ضعيفٌ.
[التخريج]:
[د 385 ((واللفظ له)) / خز 313 ((والزيادتان له)) / حب 1396/ بز 8435 ((والرواية له)) / طح (1/ 51) / هقع 5068، 5069/ بشران 707/ متفق 157/ كر (13/ 127) / محلى (1/ 93) / لحظ (صـ 57 - 58) / سكن (بدر 4/ 132)، (سبل السلام 1/ 206)].
[التحقيق]:
انظر الكلام عليه فيما يأتي.
رِوَايَةُ: (فَلْيُمِسُّهُمَا التُّرَابَ):
• وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمُ الْأَذَى بِخُفِّهِ أَوْ بِنَعْلِهِ فَلْيُمِسُّهُمَا التُّرَابَ)).
[الحكم]:
صحيحُ المتنِ لشواهده، وإسنادُهُ ضعيفٌ.
[التخريج]:
[عق (2/ 340)].
[التحقيق]:
هذا الحديث برواياته الثلاث مداره على الأوزاعيِّ، وقدِ اختُلِفَ عليه في إسنادِهِ على أربعةِ أوجهٍ:
أولها:
رواه أبو داود (384) قال: حدثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو المغيرة (ح)
وحدثنا عباس بن الوليد بن مزيد أخبرني أبي (ح)
وحدثنا محمود بن خالد، ثنا عمر -يعني: ابن عبد الواحد-، عن الأوزاعيِّ -المعنى
(1)
- قال: أُنْبِئْتُ أَنَّ سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِيَّ حدَّثَ، عن أبيه، عن أبي هريرة
…
فذكره بلفظ الرواية الأُولى.
وكذلك رواه الحاكمُ (591) -وعنه البيهقيُّ في (الكبرى 4246) مقرونًا بغيره-، عن أبي العباس الأصم، عن العباس بن مزيد، به.
وكذا رواه أيوب بن سويد عنِ الأوزاعيِّ، كما في (العلل للدارقطني 8/ 159).
(1)
- أي: معنى حديثهم واحد مع اختلاف في الألفاظ.
وهذا إسنادٌ رجالُهُ جميعًا ثقاتٌ -إِلَّا أيوب بن سويد وهو ضعيف لكنه متابع- غير أنه منقطع بين الأوزاعيِّ وسعيدٍ، كما هو ظاهر من قولِ الأوزاعيِّ:((أُنْبِئْتُ))، فالواسطة بينهما مُبْهَمَةٌ؛ ولذا قال المنذريُّ:((راويه مجهولٌ)) (مختصر سنن أبي داود 1/ 228)، وانظر:(نصب الراية 1/ 208)، (البدر المنير 4/ 130).
وهذا المبهمُ قد سمَّاهُ محمد بن كثير الصنعانيُّ في روايتِهِ عنِ الأوزاعيِّ ((ابنَ عجلان))، وذلك هو:
الوجه الثاني:
رواه أبو داود (385) -ومن طريقه البيهقيُّ في (المعرفة 5069) -: عن أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقِيِّ، عن محمد بن كثير، عنِ الأوزاعيِّ، عنِ ابنِ عجلانَ، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة به، بلفظ الرواية الثانية.
ورواه الحاكمُ (590): من طريق إبراهيم بن الهيثم البلديِّ، عن محمد بن كثير به، بلفظ الرواية الأُولى.
ورواه العقيليُّ: عن محمد بن أحمد الأَنْطَاكِيِّ، عن محمد بن كثير به، بلفظِ الروايةِ الثالثةِ.
ورواه البزارُ، وابنُ حبانَ، وغيرُهما، من طرقٍ: عن محمد بن كثير الصنعانيِّ، به.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، محمد بن كثير الصنعاني سيئُ الحفظ؛ ضعَّفه أحمدُ جدًّا، وضعَّفه: البخاريُّ، وأبو داود، وابنُ عدي، وأبو أحمد الحاكم، وقال فيه النسائيُّ وغيرُه:((كثيرُ الخطأ))، وذكره ابنُ حبان في (الثقات)،
وقال: ((يخطئُ ويَغْرِبُ))، ولخَّصَ الحافظُ حالَه فقال:((صدوقٌ كثيرُ الغَلَطِ)) (التقريب 6251)، وانظر:(تهذيب التهذيب 9/ 417).
وبه أعلَّ ابنُ القطان طريقه هذا؛ فقال: ((هو ضعيفٌ، وأضعف ما هو في الأوزاعيِّ
…
فعلى هذا لا ينبغي أن يُظَنَّ بهذا الحديث أنه صحيحٌ من هذا الطريق)) (بيان الوهم والإيهام 5/ 125 - 129).
وكذا ضعَّفَهُ به ابنُ عبد الحقِّ الأنصاريُّ في (الردِّ على ابنِ حزمٍ في المحلى)(البدر المنير 4/ 130)، وابنُ التركمانيِّ في (الجوهر النقي 2/ 430 - 431).
ومع ذلك؛ فقد تَعقَّبَ العينيُّ على ابنِ القطان؛ فصَحَّحَ روايةَ محمد بن كثير وذلك بتوثيق ابنِ معين وابنِ سعد له، ورواية ابن حبان لحديثه في (صحيحه)، وتصحيح الحاكم، والنووي لإسناده، وانظر:(البناية شرح الهداية 1/ 709)، (عمدة القاري 3/ 145).
وفي تعقبه نظر من وجهين:
الأول: أن المجرحين لمحمد بن كثير أكثرُ، وجرحهم مُفَسَّرٌ؛ فهو المقدَّمُ على التعديلِ، كما هو مقررٌ في علم مصطلح الحديث، وانظر:(مقدمة ابن الصلاح ص 106)، و (فتح المغيث 2/ 33 - 36)، و (تدريب الراوي ص 359 - 365)، و (الرفع والتكميل ص 79 - 80).
الثاني: مخالفتُه لجماعةٍ من الثقاتش كما سبقَ، وقد قال عنهم البيهقيُّ:((وهم أعرفُ بالأوزاعيِّ منَ الصنعانيِّ؛ فصارَ الحديثُ بذلك معلولًا)) (الخلافيات 1/ 141).
ولذلك قال العقيليُّ: ((ولا يصحُّ ابنُ عَجْلانَ فِيهِ)) (الضعفاء 2/ 261).
وقال الألبانيُّ معلقًا على الوجه الأول عنِ الأوزاعيِّ: ((وهذا إسنادٌ صحيحٌ؛ لولا جهالة من أنبأ الأوزاعيَّ. وقد سمَّاه محمد بن كثير الصنعانيُّ عنِ الأوزاعيِّ فقال: (عنِ ابنِ عجلانَ)، لكن محمد بن كثير سيئ الحفظ؛ فلا يحتج به؛ لا سيَّما فيما خالف فيه الثقات)) (صحيح أبي داود 2/ 238).
وأغربَ العظيمُ آبادي فقال: ((ومحمد بن كثير وإن ضُعِّفَ لكن تابعه على هذا: أبو المغيرة، والوليد بن مزيد، وعمر بن عبد الواحد، عنِ الأوزاعيِّ وكلُّهم ثقاتٌ)) (عون المعبود 2/ 35).
قلنا: لم يتابعوه بل خالفوه، إِلَّا إنْ أرادَ أنهم تابعوه على متنه، والله أعلم.
ومما يدلُّ على عدم ضبط محمد بن كثير له، أنه قد اختُلِفَ عليه فيه:
فمرة قال في سنده: ((عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة)) كما سبق.
ومرة قال فيه: ((عن سعيد، عن أبي هريرة)). كذا أخرجه ابن خزيمة
(1)
-ومن طريقه ابن عساكر- عن الحسن بن عبد الله بن منصور الأنطاكي.
وأخرجه الطحاويُّ عن فهد بن سليمان.
وأخرجه البيهقيُّ في (معرفة السنن) من طريق أبي الأحوص محمد بن الهيثم القاضي، ثلاثتهم (الأنطاكي، وفهد، وأبو الأحوص): عن محمد بن كثير، به.
(1)
- وقد أثبت المحقق في المطبوع عبارة ((عن أبيه)) -بين معكوفين إشارة إلى سقوطها من الأصل- ظنًّا منه أن الصوابَ إثباتها وليس كذلك، فقد أخرجه ابنُ عساكر من طريق ابن خزيمة، وليس فيه ((عن أبيه)). وكذا ذكره الحافظُ في (إتحاف المهرة 14/ 659). ومثل هذا التصرف في أصول الكتب مما يعاني منه الباحثون. ثم تراجع عن ذلك في الطبعة الثالثة، فلله الحمد والمنة.
وفهد وأبو الأحوص ثقتان، وكذلك أصحاب القول الأول؛ فالاختلاف فيه من ابن كثير هذا.
ولروايته هذه مخالفة أُخرى غير ما سبق:
فقد رواه ابنُ عُيَينَةَ، عنِ ابنِ عجلانَ، عن سعيد بن أبي سعيد: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ: عَنِ الْمَرْأَةِ تَجُرُّ ذَيْلَهَا إِذَا خَرَجَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَتُصِيبُ الْمَكَانَ الَّذِي لَيْسَ بِطَاهِرٍ؟ قَالَتْ: ((فَإِنَّهَا تَمُرُّ عَلَى الْمَكَانِ الطَّاهِرِ فَيُطَهِّرُهُ)). أخرجه عبد الرزاق في (المصنف 106): عنِ ابنِ عُيَينَةَ، به.
وهذا الموقوفُ مع انقطاعه أَولى من روايةِ ابنِ كثيرٍ.
ورغم كُلِّ هذا، فقد تساهلَ في تصحيح هذا الحديث: ابنُ خزيمة وابنُ حبان، فأخرجاه في (صحيحيهما)، وكذلك ابنُ السكن في ((السنن الصحاح المأثورة)) كما في (البدر المنير 4/ 132).
وقال الحاكمُ: ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم؛ فإن محمد بن كثير الصنعانيَّ هذا صدوقٌ، وقد حَفِظَ في إسنادِهِ ذِكْرَ ابنِ عجلانَ، ولم يُخرِّجَاه)).
وفي كلامه هذا نظر؛ فإن محمد بن كثير لم يخرج له مسلم أصلًا، وقد علمتَ حالَه، وكذلك فإن ابنَ عجلان لم يحتج به مسلم، وإنما خرَّج له في الشواهد كما قال الحاكمُ نفسُه فيما حكاه عنه الذهبيُّ في الكاشف، وانظر:(صحيح سنن أبي داود 2/ 240).
وقد ذَهَبَ إلى تحسينه فضل الله التوربشتي
(1)
فيما حكاه عنه علي القاري في
(1)
ترجم له السبكيُّ في (طبقات الشافعية 8/ 349) وقال: ((محدِّثٌ فقيهٌ من أهل شيراز، شرح (مصابيح البغوي) شرحًا حسنًا
…
)).
(المرقاة 2/ 467)، وكذا حسَّنه شيخُ الإسلامِ فقال: ((وأما حديث أبي هريرة فلفظه الثاني من رواية محمد بن عجلان، وقد خرَّجَ له البخاريُّ في الشواهدِ، ومسلمٌ في المتابعاتِ، ووَثَّقَهُ غيرُ واحدٍ، واللفظُ الأولُ لم يُسَمَّ راويه، لكن تعدده مع عدم التهمة وعدم الشذوذِ يقتضي أنه حسنٌ أيضًا، وهذا أصحُّ قولي العلماء
(1)
، ومع دلالة السنة عليه هو مقتضى الاعتبار؛ فإن هذا محل تتكرر ملاقاته للنجاسة فأجزأ الإزالة عنه بالجامد كالمخرجين فإنه يجزئ فيهما الاستجمار بالأحجار كما تواترت به السنة مع القدرة على الماء، وقد أجمع المسلمون على جواز الاستجمار)) (مجموع الفتاوى 22/ 167).
وقد ضعَّفَ أبو محمد بن زكريا الأنصاريُّ، والمنذريُّ هذا الطريق بمحمد بن عجلان:
فقال الأنصاريُّ: ((والحديث الثاني: من رواية محمد بن عجلان، وقد وَثَّقَهُ غيرُ واحدٍ وتكلَّم فيه غيرُ واحدٍ، والجرحُ مقدَّمٌ على التعديل)) (اللباب في الجمع بين السنة والكتاب 1/ 91).
وقال المنذريُّ: ((محمد بن عجلان، قد أخرج له البخاريُّ في الشواهد، ومسلمٌ في المتابعات، ولم يحتجا به، وقد وَثَّقَهُ غيرُ واحدٍ، وتكلَّمَ فيه غيرُ واحدٍ)) (مختصر سنن أبي داود 1/ 228).
وتعقبه ابنُ الملقن، والعينيُّ؛ فقال ابنُ الملقن:((أعلَّه بابنِ عجلان، وأعرضَ عن محمد بن كثير فلم يعله به، ولو عكسَ كان أصوب)) (البدر المنير 4/ 130 - 131).
(1)
يعني: من الناحية الفقهية، وليس تحسينه، فانتبه.
وقال العينيُّ: ((محمد بن عجلان وَثَّقَهُ يحيى، وأبو زُرْعَةَ، وأبو حاتم، والنسائيُّ)) (البناية شرح الهداية 1/ 709).
قلنا: ووَثَّقَهُ أيضًا ابنُ عُيَينَةَ، وأحمد بنُ حنبل، وابنُ سعد، ويعقوب بنُ شيبة، والعجليُّ، وقال أبو زُرْعَةَ:((صدوقٌ وسط))، وانظر:(تهذيب التهذيب 9/ 341).
وأما من تَكلَّم فيه؛ فمن أجل اختلاطه في روايته عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة.
قال يحيى القطان: ((سمعت محمد بن عجلان يقول: كان سعيد المقبري يحدِّثُ عن أبيه، عن أبي هريرة. وعن أبي هريرة، فاختلط عليَّ فجعلتها كلها عن أبي هريرة)) (الثقات لابن حبان 7/ 386).
وقال أبو بكر المروذيُّ: ((سألته -يعني: أحمد بن حنبل- عن ابن عجلان؟ فقال: ثقة، قلت: إِنَّ يحيى قد ضعَّفه، قال: كان ثقةً، إنما اضطربَ عليه حديث المقبري، كان عن رَجلٍ، جعلَ يُصَيِّرُهُ عن أبي هريرة)) (العلل ومعرفة الرجال 162).
وقال ابنُ القطان: ((لا عيبَ فيه وهو أحدُ الثقات، إِلَّا أنه سَوَّى أحاديثَ المقبري)) (إكمال تهذيب الكمال 10/ 274).
وقال الحافظ: ((صدوقٌ إِلَّا أنه اختلطتْ عليه أحاديثُ أبي هريرة)) (التقريب 6136).
وأما قول أبي محمد بن زكريا الأنصاريِّ: ((وَثَّقَهُ غيرُ واحدٍ، وتكلَّمَ فيه غيرُ واحدٍ، والجرحُ مقدَّمٌ على التعديلِ)). وذلك إذا كان الجرحُ مفسَّرًا، وهنا وإِن كانَ الجرحُ مفسَّرًا إِلَّا أنه يُقَيَّدُ بما فُسِّرَ به، وهو اختلاطُ ابن عجلان في
روايته عن المقبريِّ عن أبي هريرة خاصة، بل روايته عن المقبريِّ أيضًا لا بأسَ بها، فالمقبريُّ ثقة، وأبوه ثقة، وكلاهما سمع من أبي هريرة، فالحديثُ أينما دارَ دارَ على ثقةٍ، ولهذا قال ابنُ حبان: ((وليسَ هذا مما يهي
(1)
الإنسان به؛ لأَنَّ الصحيفةَ كلها في نفسها صحيحة)) (الثقات 7/ 387).
الوجه الثالث:
رواه ابنُ حبانَ: من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم.
ورواه ابنُ المنذر: من طريق داود بن رشيد، ومحمد بن راشد.
وعلَّقه الدارقطنيُّ في (العلل 8/ 159): عن عُتبةَ بنِ سعيد بن الرحض.
أربعتُهم: عن الوليد بن مسلم، عنِ الأوزاعيِّ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريِّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، به.
وخالفهم أبو همام الوليد بنُ شجاع -كما في (العلل للدارقطني 8/ 159) -؛ فرواه عن الوليد بن مسلم، عنِ الأوزاعيِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ. بإسقاطِ أبي سعيدٍ.
ولا ريبَ أنَّ روايةَ الجماعةِ عنِ الوليدِ أصحُّ، وهي الموافقةُ لروايةِ الجماعةِ عنِ الأوزاعيِّ أيضًا، إِلَّا أَنَّ الوليدَ بنَ مسلمٍ هنا أَسقطَ الواسطةَ بيْنَ الأوزاعيِّ وشيخِهِ، وهو ثقةٌ، لكنه مشهورٌ بتدليسِ التسويةِ (التقريب 7456)، فهو يُسْقِطُ الواسطةَ بيْنَ الأَوزاعيِّ وشيخِهِ لو كانتْ موجودةً،
(1)
كذا في المطبوع، وذكر محققه أن في نسخ أخرى:((يوهي)). قلنا: وفي (تهذيب التهذيب 9/ 342): ((يوهن)).
فكيفَ وقد أسقطها الأوزاعيُّ نفسُه مشيرًا إليها فقط بقوله: ((أُنْبِئْتُ))، فلا عجبَ أن يرويه الوليدُ عنِ الأوزاعيِّ هكذا عن سعيدٍ، موصولًا في الظاهر، ثم إِنَّ الأوزاعيَّ لا يُعْرَفُ له لقاءٌ ولا سماعٌ من سعيد المقبريِّ، فَمَرَدُّ هذه الرواية إلى الوجهِ الأولِ وهو ظاهر.
وقد أَبعد جدًّا ابنُ حبان حينَ قالَ: ((يجوزُ أن يكون الأوزاعيُّ سمعه منِ ابنِ عَجْلانَ، عن سعيدٍ، ثم سمعه من سعيدٍ))! (إتحاف المهرة 15/ 471)
(1)
. فلا هذا ولا ذاكَ يصحُّ عنِ الأوزاعيِّ.
الوجه الرابع:
رواه أبو داود: من طريق يحيى بن حمزة الحضرميِّ، عنِ الأوزاعيِّ، عن محمد بن الوليد -هو الزبيديُّ-، أخبرني أيضًا سعيد بن أبي سعيد، عن القعقاع بن حكيم، عن عائشة بمعناه.
وسيأتي الكلامُ على إسنادِهِ تحت حديث عائشة الآتي، وهذا الوجه -عندنا- وجهٌ مستقلٌ، وروايةٌ أُخرى للأوزاعيِّ غير روايته الأولى عن سعيد، ولا عجبَ في ذلك؛ فالأوزاعيُّ إمامٌ لا يمتنعُ أن يكون الحديثُ عنده على أكثرِ من وجهٍ، ومما يدلُّ على ذلك، بل يؤكده ما جاءَ في سياقِ السندِ وهو قوله:((أخبرني أيضًا سعيد))، فكلمة ((أيضًا)) تشيرُ إلى أن هذا الحديثَ أحدُ حديثين أو عدة أحاديث أُخرى سمعها الزبيديُّ من سعيدٍ، والله أعلم.
خلاصةُ ما سبقَ: أن الراجحَ عنِ الأوزاعيِّ -في حديث أبي هريرة- ما رواه الثقاتُ عنه وهو الوجه الأول، وهو ضعيفٌ لانقطاعه.
(1)
وهذا النصُّ ساقطٌ من المطبوع.
وقد ضعَّفه الشافعيُّ فيما حكاه عنه البيهقيُّ في (الخلافيات 1/ 144).
وضعَّفه أيضًا ابنُ العربيِّ المالكيُّ في (عارضة الأحوزي 1/ 237).
وقال النوويُّ: ((رواه أبو داود من طرقٍ كلها ضعيفة)) (المجموع 1/ 95 - 97، 2/ 599)
(1)
.
وضعَّفه ابنُ الملقن في (التوضيح لشرح الجامع الصحيح 5/ 392).
وقال ابنُ حجر: ((وهو معلولٌ؛ اختُلِفَ فيه على الأوزاعيِّ، وسندُهُ ضعيفٌ)) (التلخيص 1/ 502)، وقال ابنُ حجر في (الدراية 1/ 91):((في إسناده مقال)).
وضعَّفه أيضًا الصنعانيُّ في (سبل السلام 1/ 206)، والشوكانيُّ في (نيل الأوطار 1/ 64)، والألبانيُّ كما تقدَّمَ.
قلنا: وقد أعلَّه بعضُ أَهلِ العلمِ بالاضطرابِ:
فقال البزارُ: ((روى ابنُ عَجْلانَ، عن سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ ثلاثةَ أحاديث مضطربة))، وذَكَرَ منها هذا الحديثَ، ثم قال عقبه: ((وهذا الحديثُ قد رواه غيرُ الأوزاعيِّ، عنِ ابنِ عَجْلانَ، عنِ المقبريِّ، عن رَجُلٍ، فالحديثُ لا
(1)
كذا في (المجموع)، ونقل الزيلعيُّ في (نصب الراية 1/ 207 - 208)، والعينيُّ في (عمدة القاري 3/ 145)، وفي (شرح أبي داود 2/ 222)، والعظيم آبادي في (عون المعبود 2/ 35) عن النوويِّ في (الخلاصة) قال:((رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ)). ولم نقفْ عليه في النسخة المطبوعة؛ ونخشى أن يكون الزيلعيُّ وَهِمَ فيه وتابعه عليه الباقون، فإن هذه العبارة قالها النوويُّ في (الخلاصة 928) في حديث أبي سعيد المتقدَّمِ في أول الباب. ولذا لم يجزم به الألبانيُّ فقال:((فإذا صحَّ هذا عنِ النوويِّ؛ فقد تناقضَ! )) (صحيح أبي داود 2/ 240).
يثبتُ)) (المسند 15/ 129، 131).
وقال ابنُ عبدِ البر: ((وهو حديثٌ مضطربُ الإسنادِ، لا يثبتُ؛ اختُلِفَ في إسنادِهِ على الأوزاعيِّ، وعلى سعيد بن أبي سعيد اختلَافًا يُسْقِطُ الاحتجاجَ به)) (التمهيد 13/ 107)، (الاستذكار 2/ 135).
وقال البيهقيُّ -بعد أن ذكر اختلافَ الطرقِ عن أبي هريرةَ، وعائشةَ-:((وكأن الشافعيَّ رَغِبَ عن هذه الرواياتِ في الجديدِ لما فيها من الاختلافِ)) (معرفة السنن والآثار 3/ 398).
أما الدارقطنيُّ، فقال -بعد حكاية أوجه الخلاف فيه-:((ورواه ابن سمعان، عن المقبري عن القعقاع، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أشبهها بالصواب وإِنْ كانَ ابنُ سمعانَ متروكًا))! (العلل 8/ 159 - 160).
قلنا: وللحديثِ شاهدٌ صحيحٌ من حديث أبي سعيد الخدريِّ، وقد تقدَّمَ في أولِ البابِ.
وبهذا الشاهدِ وغيرِهِ مما سيأتي في الباب، قوَّى الحديثَ بدرُ الدين العينيُّ في (شرح أبي داود 2/ 221)، والصنعانيُّ في (سبل السلام 1/ 206)، والشوكانيُّ في (نيل الأوطار 1/ 64)، والألبانيُّ في (صحيح أبي داود 2/ 241). وهو كما قالوا، والله أعلم.
312 -
حَدِيثُ عَائِشَةَ:
◼ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَأَلْتُ (سُئِلَ) النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: عَنِ الرَّجُلِ يَطَأُ بِنَعْلَيْهِ فِي الْأَذَى؟ قَالَ: (([إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلَيْهِ فِي الْأَذَى فَإِنَّ] التُّرَابَ لَهُمَا طَهُورٌ)).
[الحكم]:
صحيحُ المتنِ لشواهدِهِ، وإسنادُهُ ضعيفٌ، وضعَّفه: ابنُ عَدِيٍّ، والدارقطنيُّ، والبيهقيُّ، وابنُ القيسراني، وابنُ التركماني، وابنُ الملقن.
[التخريج]:
[د 386 ((ولم يذكر لفظه)) / عب 104/ عل 4869 ((واللفظ له)) / طس 2759 ((والرواية له)) / منذ 731 ((والزيادة له ولغيره)) / هق 4248/ هقخ 11/ عق (2/ 340) / عد (6/ 362) / أصبهان (2/ 125) / علج 546].
[السند]:
رواه أبو داود -ومن طريقه البيهقيُّ في (السنن) - قال: ثنا محمود بن خالد، ثنا محمد -يعني: ابنَ عائذ-، ثنا يحيى -يعني: ابنَ حمزة-، عنِ الأوزاعيِّ، عن محمد بن الوليد، أخبرني -أيضًا- سعيد بن أبي سعيد، عنِ القعقاع بن حكيم، عن عائشة، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ، غير أنه منقطعٌ؛ القعقاع بن حكيم لم يسمع من عائشةَ، قال البيهقيُّ:((الطريق فيه ليس بواضح إلى سعيد وهو مرسل؛ القعقاع لم يسمع من عائشة)) (الخلافيات 1/ 143)، وأقرَّه ابنُ التركمانيِّ في (الجوهر 2/ 431)، وابنُ الملقنِ في ((البدر))، وتَعَقَّبَ به على المنذريِّ في قوله: ((حديثٌ
حسنٌ)) (مختصر سنن أبي داود 1/ 228)، ونقلَ عنِ ابنِ دقيق العيد أنه قال: ((بل ورد [ما] يقتضي إبطاله -يعني: سماعَه منها-، فذكر الدارقطنيُّ أن روح بنَ القاسم، روى عن عبد الله بنِ سمعان، عن المقبريِّ، عن القعقاعِ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، وذكر الحديثَ
…
)) (البدر المنير 4/ 132).
وهذا الذي استدلَّ به ابنُ دقيق على الانقطاع: أخرجه أبو يعلى -وعنه ابنُ عَدِيٍّ-، والطبرانيُّ في (الأوسط)، والعقيليُّ في ((الضعفاء)) من طريق: محمد بن المنهال.
وأخرجه أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) من طريق: حميد بن مسعدة.
كلاهما: عن يزيدَ بنِ زُرَيْع، عن روح بنِ القاسم، عن عبد الله بنِ سمعان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريِّ، عن القعقاعِ بنِ حكيمٍ، (عن أبيه)
(1)
، عن عائشةَ، به.
وهذا إسنادٌ ساقطٌ؛ ابنُ سَمعَان هذا اسمه عبد الله بن زياد بن سمعان، وهو كذَّابٌ؛ كذَّبه مالكٌ وغيرُهُ، وقال الحافظُ:((متروكٌ اتَّهمه بالكذبِ أبو داود وغيرُهُ)) (التقريب 3326).
وقال ابن عدي في ترجمته - بعد أن ذكر هذا الحديثَ وغيرَهُ -: ((وهذه الأحاديثُ التي أمليتُها بأسانيدها غيرُ محفوظةٍ
…
والضعفُ على حديثِهِ
(1)
وحذف محقق (مسند أبي يعلى) من المطبوع عبارة ((عن أبيه))، وذكر في الحاشية أنها مثبتة بالأصلين، ورغم ذلك قام بحذفها راميًا الناسخ بالوَهْمِ والخطأ! ، والحقُّ أنه هو الوَاهِمُ؛ فقد رواه ابنُ عَدِيٍّ عن أبي يعلى، بإثباتها.
وكذا رواه العقيليُّ، والطبرانيُّ، وأبو نُعَيمٍ، وكلُّهم أثبتوا هذه العبارة، ونصَّ على ثبوتها الدارقطنيُّ في (العلل 8/ 160).
ورواياتِهِ بَيِّنٌ)) (الكامل 4/ 127).
وبه ضعَّفه ابنُ القيسراني في (ذخيرة الحفاظ 3194).
فالاستدلالُ بمثل هذا على انقطاعٍ ما؛ غيرُ مَقْبُولٍ، ومع ذلك فقد رواه ابنُ سمعانَ على أكثرِ من وجهٍ:
فرواه عبد الرزاق (104): عن ابن سمعان، قال: أخبرني القعقاع بن حكيم، عن عائشة، به.
بإسقاطِ سعيد المقبري، وحكيم أبي القعقاع.
وعلَّقه البيهقيُّ في (الخلافيات 11)، عنِ ابنِ وهبٍ، عن ابنِ سمعانَ، عن سعيد، عن القعقاع، عن عائشة، به.
وقد ذكر الدارقطنيُّ هذا الخلافَ؛ ثم قال: ((ومدارُ الحديثِ على ابنِ سمعانَ وهو ضعيفٌ)) (العلل 8/ 160).
والذي يصحُّ الاستدلالُ به على الانقطاعِ، هو أن معظمَ أحاديث القعقاع عن عائشةَ إنما هي بوسائطَ، فروى عنها بواسطةِ أبي يونسَ مولى عائشةَ (أخرجه مسلمٌ وغيرُهُ)، وروى عنها بواسطةِ القاسم بن محمد (أخرجه ابنُ راهويه وغيرُهُ)، وروى عنها بواسطةِ جدَّته رميثة (أخرجه ابنُ أبي شيبةَ وغيرُهُ)، وفي مُقابلِ هذا لم نجدْ في حديثٍ واحدٍ -مما رواه عنها بلا واسطة مع قلته- أنه سمع منها أو لقيها، فهذا كلُّه مؤيد لحُكمِ البيهقيِّ بالإرسالِ وعدمِ الاتصالِ.
ولعلَّه لذلك قال شيخُ الإسلامِ: ((وقد قيل: حديثُ عائشةَ حديثٌ حسن
(1)
))
(1)
يشيرُ إلى قولِ المنذريِّ في (مختصر سنن أبي داود 1/ 228): ((حديث عائشة حديث حسن)).
(الفتاوى 22/ 167) فمَرَّضَ القولَ بتحسينه ولم يجزمْ به.
وذهب شيخُنَا الألبانيُّ إلى ترجيحِ الاتصالِ مستدلًا بأن القعقاعَ لم يُعْرَفْ بتدليسٍ، وأن المزيَّ لم يَنْفِ سماعَه منها، انظر:(صحيح أبي داود 2/ 242).
وهذا -والله أعلم- قولٌ مجانبٌ للصواب، ولا ينهضُ دليلُه لردِّ ما قَدَّمْنَاه، لا سيَّما مع نصِّ البيهقيِّ عليه، وكم من رَاوٍ لا يُعْرَفُ له تدليسٌ وروى عمن لم يسمع منه ولم يلقه، وكم من راوٍ لم يَنْفِ المزيُّ سماعَه من شيخِهِ وهو لم يسمعْ منه، والله أعلم.
وبقي أمران لا بُدَّ من التعليقِ عليهما:
الأول: أن الدارقطنيَّ ذكر في (العلل 8/ 160) روايةَ ابن سمعان، عن المقبريِّ، عن القعقاعِ، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، ثم قال:((وهو أشبهُهَا بالصوابِ وإِنْ كانَ ابنُ سمعانَ متروكًا)).
فنقولُ: تَكلَّم الدارقطنيُّ على حديثِ عائشةَ هذا في موضعين من (العلل)، وفي كلا الموضعين لم يُشرْ لا من قَريبٍ ولا من بَعيدٍ على أهم طرقه؛ وهو طريق محمد بن الوليد الزبيديِّ السابق، -كما فعل نفسَ الأمر عند كلَامِهِ على حديثِ أبي هريرة السابق- ولو تَذَكَّرَ الدارقطنيُّ هذا الطريقَ والطرقَ الأُخرى لحديثِ أبي هريرة -ولا نقولُ:((لو وقفَ عليها)) - لكان الأمرُ بخلافِ هذا، ومما يَدُلُّ على أنه لم يذكرْ طريقَ الزبيدي أنه قال في الموضع الثاني من (العلل 14/ 338):((ومدار الحديث على ابنِ سمعانَ، وهو ضعيفٌ)) اهـ، وقد علمتَ أن مداره ليس على ابنِ سمعانَ، بل ورواه غيرُ الزبيدي أيضًا:
فقد أخرجه ابنُ المنذر في (الأوسط 731): من طريقِ خارجةَ بنِ مصعبٍ عن (عبد الله بن الحسين بن عطاء بن يسار)
(1)
عن موسى بن عقبةَ، عنِ القعقاع بنِ حكيم، عن عائشةَ، به.
وهذا إسنادٌ ساقطٌ؛ فيه: عبد الله بن الحسين بن عطاء، وهو ((ضعيفٌ)) كما في (التقريب 3275)، وأما الراوي عنه خارجة بن مصعب فهو ((متروكٌ، وكان يدلِّسُ عنِ الكذَّابِينَ، ويقالُ: إِنَّ ابنَ معين كذَّبه)) (التقريب 1612).
فروايةُ الزبيدي هي أصحُّ طرقِ حديثِ عائشةَ، وأولى بكلمةِ الدارقطنيِّ من روايةِ ابنِ سمعانَ.
الأمر الثاني: تَعَقَّبَ محققُ (الخلافياتِ) على روايةِ الزبيديِّ بما رواه العقيليُّ من طريقين، عنِ الأوزاعيِّ، عن محمد بن الوليد الزبيديِّ، عن سعيدٍ المقبريِّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ؛ فَلَا يُؤْذِي بِهِمْا أَحَدًا، فَلْيَخْلَعْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، أَوْ لِيُصَلِّ فِيهِمَا)).
ثم قال: ((فأخشى أن يكون هذا هو المحفوظ -إِنْ كانَ حَفِظَهُ محمدُ بنُ الوليدِ الزبيديُّ- وإلا فيكون قد أَخَذَهُ منِ ابنِ سمعانَ
…
وهذا ما مالَ إليه العقيليُّ في الضعفاءِ)) اهـ (الخلافيات 1/ 143/ الحاشية).
فالجوابُ: أما عن المتن الذي خشي أن يكون هو المحفوظُ، فهو حديثٌ
(1)
في المطبوع (عن عبد الله بن الحسن عن عطاء بن يسار) فصحف (الحسين) إلى (الحسن)، و (بن عطاء) إلى (عن عطاء)، والصواب ما أثبتناه؛ لأَنَّ خارجةَ معروفٌ بالرواية عن عبد الله بن الحسين بن عطاء، كما في (المستدرك 132) و (السنن الكبرى للبيهقي 1820، 1821)، وأما عطاء بن يسار فمن كبار التابعين، جلُّ رواياته عنِ الصحابةِ، فكيفَ يروي عن موسى بن عقبة وهو من صغار التابعين؟ ! .
آخرُ غيرُ حديثنا هذا، ولو تنبَّهَ إلى ما جاءَ في سياقِ السندِ وهو قولُ الزبيديِّ:((أخبرني أيضًا سعيد)) لما تَعَقَّبَ عليه بمثل هذا كما بينَّاه تحتَ حديثِ أبي هريرةَ، فكلا الحديثين -حديثنا، والحديث المذكور- محفوظان عن سعيد، والله أعلم.
وأما عن القول بأن الزبيديَّ أَخَذَهُ من ابن سمعان، فهذا مردودٌ قطعًا بقولِ الزبيديِّ:((أخبرني)).
وتوسعنا في الكلام على هذا الحديث وحديث أبي هريرة السابق، لِنَصِلَ في النهايةِ إلى أننا لدينا طريقان محفوظان:
أولهما: طريقُ الأوزاعيِّ نُبِّئْتُ عن سعيدٍ (وهو حديث أبي هريرة).
والثاني: طريقُ الأوزاعيِّ عنِ الزبيديِّ عن سعيدٍ (وهو حديث عائشة) وكلاهما منقطعان، مع اختلاف موضع الانقطاع، فإذا ضُمَّ كلُّ منهما إلى الآخر أَخَذَ الحديثُ قوةً، وإذا ما استشهد لهما بحديث أبي سعيد المذكور أول الباب، فيصحُّ الحديثُ، والحمد لله على توفيقه.
313 -
حَدِيثُ أَبِي حَكِيمٍ الْكِنَانِيِّ:
◼ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ جَدِّهِ - وَكَانَ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: سَلِي رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الصَّلَاةِ فِي النَّعْلَينِ، وَهُوَ يَطَأُ بِهِمَا عَلَى الآثَارِ، فَقَالَ:((إِنَّ التُّرَابَ لَهُمَا طَهُورٌ)).
[الحكم]:
صحيحُ المتنِ لشواهدِهِ، وإسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا، وضَعَّفَهُ البغويُّ.
[التخريج]:
[صبغ (إصا 12/ 159)].
[السند]:
رواه البغويُّ في (الصحابة)، من طريق ابنِ سمعانَ، عن المقبريِّ، عن القعقاع بنِ حكيم، عن جدِّه، به.
[التحقيق]:
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فيه عبد الله بنُ سمعان، وهو متروكٌ مُتَّهَمٌ كما تقدَّمَ، وبه ضعَّفَهُ البغويُّ فقال:((لم أَجِدْهُ إِلَّا عندَ ابنِ سَمْعانَ، وهو واهِي الحديثِ)).
وقد روى ابنُ سمعانَ هذا الحديثَ على وجوهٍ شتَّى، هذا أحدُها، وقد تقدَّمَ الكلامُ عليها في حديثِ عائشةَ السَّابق.