الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حرف العين المهملة
عابس بن سعدي المرادي الغُطَيْفِي من المائة الأولى. قدم مصر سنة
…
وجالس عقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو، وأخذ عنهما، حتى كان يعرف ما عندهم. روى عنه أبو قبيل المعافري.
قال ابن عبد الحكم: جُمع لعابس القضاء والشرطة جميعاً. وهو صاحب كوم عابس بمصر الذي يقول فيه الشاعر: خويً صفصفا كالقاع من كوم عابس وولاه مَسْلَمة القضاء في سنة ستين. فلما مات يزيد وبايع أهلُ مصر عبدَ الله ابن الزبير، وبعث عليها عبد الرحمن بن جَحْدم الفهري أميراً، فأقر عابساً. ثم سار مروان من الشام إلى مصر، وكان عابس من شيعته، وكان يكاتبه بالطاعة ويحرضه على المسير إلى مصر، إلى أن دخلها مروان غرة جمادى الأولى سنة خمس وستين. فدعاه فقال له: جمعت القرآن؟ قال: لا. قال: فتفرض الفرائض؟
قال: لا. قال فتكتب بيدك؟ قال: لا. قال فيم تقضي؟ قلا أقضي بما علمت، وأسأل عما لا أعلم. قال: أنت القاضي.
ثم سأله مروان بعد ذلك عن فريضة، فأصاب فيها. وسأله عن شيء في الطلاق، وعن شيء في القرآن، فأصاب في كل ما سأله.
فقال مروان: يا عباد الله، ألا تعجبون من عابس كيف يهضم نفسه! فأقره على القضاء.
وقال عبيد الله بن أبي جعفر: سألت حَنَش بن عبد الله، كيف جُعل عابس على القضاء، وهو أعرابي مدري؟ قال: إنه جالس عقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو حتى استفرغ علمهما.
ولما ولي عبد العزيز إمرة مصر، زاد في عطائه. وهو الذي حفر خليج مصر. ولم يزل قاضياً إلى أن مات في إمرة عبد العزيز سنة ثمان وستين. وكانت مدة ولايته ثماني سنين.
عبد الله بن إبراهيم بن مُكرَم أبو يحيى. كان من شباب بغداد. ويقال إنه شهد عند القاضي أبي عمر قاضي بغداد. وولي قضاء مصر، فاستخلفَ فيها أبا الذكر، ولم يدخلها.
وذكر بعض شيوخنا أنه دخل مصر، وذكر له قصة في القرافة. والصواب أن صاحب تكل القصة في القبور غيره.
وذكر أبو بكر بن الحداد، أن القاضي أبا عبيد بن حربويه لما أرسله إلى بغداد يستعفي له عن قضاء مصر، كان يتردد إلى على بن عيسى بن الجراح، فيمتنع أن يعفيه ويقول: مهما كان يكرهه أنا أزيله. قال: وما أظن إلا أنه كره المرافقة مع هلال بن بدر، لأنه شاب غِر، لا يعرف قدره. فأنا أصرف هلالً وأُوَلِّي أحمد بن كيغَلَغ، شيخ عاقل، يعرف قدر القاضي.
وكان ابن الحداد يلح عليه في قضاء ما أراده القاضي أبو عبيد، فلا يريد أن ينصرف عن بغداد إلا بمراده.
فقدر أن صرف ابن الجراح عن الوزارة، واستقر أبو الحسن ابن الفرات، وكان منحرفاً عن أبي عبيد، لأنه راسله في أمر مهم له، فامتنع من عمله، لأنه كان لا يسوغ عنده، فحقد عليه. فلما وَزر، قيل له عن قصة أبي عبيد، فقال: اصرفوه. وأرسل إلى ابن مكرم الذي كان حينئذ قد ولى القضاء ببغداد، بأن يرسل إلى مصر قاضيها بها.
فكتب إلى عامل مصر حينئذ ومدبر أمرها وهو أبو الحسن محمد بن عبد الوهاب يخبره بصرف أبي عبيد، وأن القضاء فوض لابن مكرم، وصحبته كتاب ابن مكرم إلى أربعة من أهل مصر، منهم أبو جعفر الطحاوي، أن يختاروا منهم رجلاً يتسلم القضاء من أبي عبيد، ويحكم نيابة عن ابن مكرم. فأرسل العامل إلى الطحاوي، فناوله الكتاب، فاشتهر أمر الكتاب حتى بلغ أبا عبيد، فأمسك عن الحكم. واجتمع القوم عند علان بن سليمان فتشاوروا فناب عنه أبو الذكر محمد بن يحيى بن مهدي مائة يوم ثم استنيب عنه أبو محمد إبراهيم بن محمد الكريزي وعُزل صاحب الترجمة عن بغداد في العشر الآخر من ربيع الأول سنة ثلاث عشرة ثلاثمائة وكانت ولايته في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
عبد الله بن أحمد بن ربعية بن سليمان بن خالد بن عبد الرحمن بن زَبْر بن عطارد بن عمور بن حجر بن منقذ بن أسامة بن الجعيد بن صبرة بن الدِّيل ابن شَن بن أفْصَى بن عبد القيس، أبو محمد بن زَبْر شافعي من المائة الرابعة.
ولد سنة ست وخمسين ومائتين، وروى عن أحمد بن عبيد بن ناصح، ومحمد ابن سليمان المقرئ، ومحمد بن يونس الكُدَيْمي، وعبد الرحمن بن محمد الألُهَاني وأحمد بن عبد لله بن زكريا الإيادي، وعباد بن الوليد الغَنَوي، وأحمد بن منصور الزِّيَادي، وسعدان بن نصر المروزي، والعباس الدوري، وأحمد بن محمد بن يحيى ابن سعيد القطان، والخضر بن أبان، وإبراهيم بن هانئ وغيرهم.
روى عنه أبو العباس عبد الله بن موسى وابن شاهين، والدارقطني وآخرون.
قال الخطيب: قدم بغداد وحدث بها، وكان غير ثقة. حدثني الصوري: قال سمعت عبد الغني بن سعيد يقول: سمعت الدارقطني يقول: دخلت على أبي محمد بن زبر وأنا إذ ذاكم حدث، وبين يديه كاتب له، هو يملي عليه الحديث من جزء، والمتن من جزء آخر، فظن أني لا انتبه لذلك. قال: وقال لي عبد الغني: كنت
لا أكتب حديثه عن أبيه إذا جاء منفرداً، إلا أن يكون مقترناً بغيره. وكان يقول لي: يا أبا محمد، ما ذنب أبي إليك، لا تكتب حديثه غلا إذا كان مقترناً بغير؟ وكانت مجالسه في الحديث متصلة عامرة آهلة يملي ويقرأ عليه.
وكانت ولايته من قبل المقتدر. فورد كتابه على تكين أمير مصر، فركب أبو هاشم إسماعيل بن عبدا لواحد المقدسي، وأبو مقاتل صالح بن محمد المحتسب، إلى أبي عثمان، فتسلموا منه، إلى أن وافى ابن زَبْر مصر في المنتصف من المحرم سنة سبع عشرة وثلاثمائة. فجلس للحكم فيا لجامع العتيق، وقرأ عهده، ودخل إليه أصحاب الحديث فقال: ما حللت كتبي بعد، ووعدهم.
وقال مسلمة بن قاسم: كان يُرمَي بالكذب، لقيته فلم أكتب عنه. ثم كتب عن رجل عنه.
قال أبو محمد ابن زولاق: كان شهماً ضابطاً داهية مماشياً للأمور يجلس في كل اثنين وخميس لابساً للسواد. وفي سائر الأيام بالبياض.
واستخلف في نيابة الحكم أبا بكر الحداد وولاه حُبُس المارستان وأُجري عليه في كل شهر ثلاثون ديناراً. واستخلف أيضاً أبا بكر محمد بن عثمان العسكري. وكان يشتد على الشهود. وبلغه أن قوماً منه، يدخلون على أبي عثمان يقضون حقه فتهددهم بأقبح قول.
وبسط أبو محمد بن زَبْر يده في الأموال، واعترض في الوصايا والتركات.
قال: ولما عرف بحال محمد بن بدر مع أبي عثمان بن حماد، اصطنعه بشهاة أبي بكر بن الحداد.
قال أبو عمر الكندي أخذ ابن زَبْر من محمد بن بدر على قبوله وتزكيته ألف دينار.
وذكر بعض البّزَّارين أنه كان عند ابن زَبْر، فقلب عليه ثياب دَبِيقِي وشَرب، وبحضرته محمد بن بدر، فقال له بعض حجابه، قد كثر الخصوم على الباب. فقال لمحمد بن بدر: قم يا أبا بكر فاحمل عني وانظر بَيْنَ الناس، فقام فنظر، ثم عاد فقال:
قد فرغْتُ من أمورهم، وانصرف الناس. فقال: فعدت بعد أيام، فدعا بسفَطَين، الواحد فيه ثياب دَبيقِي، عشرة أثواب. والآخر فيه شَرْب عشرة أردية. فقال: كم يساوي كل سَفَط؟ قلت: مائة دينار. فبكم اشتراهما القاضي؟ فقال: بجلسة محمد بن بدر أول أمس. فقلت رخص ذلك؟. وكان قوى النفس كثير الجهد واسع الحيلة.
وكان الوزير علي بن عيسى منحرفاً عنه. ولما سعى في قضاء مصر دافع بولايته وكان السبب في انحرافه عنه، وأنه كان تولى قضاء دمشق. فاتفق أن الوزير دخل دمشق في مهم من المهمات. فخرج أهلها إلى لُقِيِّهِ ومنهم القاضي. فسايره، فصاح به أهل البلد، ونسبوا القاضي إلى كل سوء من الرِّشا والظلم وغيرهما من الفواحش، والوظير يلتفت إليه فيقول له: ما يقول هؤلاء؟ فقال: يشكون إلى الوزير غلو الأسعار وضيق الأحوال، ويسألون حسن النظر إليهم والعطف عليهم.
فلما عاد إلى بغداد صرفه عن الحكم بمشق أقبح صرف.
وكان مفلح المقتدري يساعد ابن زَبْر، وابنُ الجرّاح يدافعه. وعجز ابن زَبْر عن رضاه، فأعمل الحيلة، فدفع لشخص عشرين ديناراً. وأعطاه رقعة وأمره أن يلقيها في ورق المظالم، فألبسه في آخر الليل ثوباً مشمَّراً في زي الخراسانية.
ودفع إليه دفترا ومحبرة، ونقَّط في ثوبه الحبر وأركبه زورقاً. قال: فقرأت الرقعة فإذا فيها بعد البسملة والحمدلة: حضر مدينة السلام رجل من خراسان يريد الحج واشتغل بكتابة الحديث إلى أوان الحج. فرأى ثلاث ليالٍ متوالية العباسَ بن عبد المطلب في وسط مدينة السلام بيني داراً. فكلما فرغ من موضع، تقدم رجل فهدمه. فقلت له: يا عم رسول الله، من هذا الذي بُليتَ به؟ فقلا: هذا علي بن عيسى، كلما بنيت لولدي بناء هدمه. فرميت الرقعة في ورق المظالم.
ورجعت فوجدت ابن زبر قائماً ينتظرني فقال: ما فعلت؟ قلت: رأيت خادماً وامرأة عليها نقاب كحلي. فقال: هذه أم موسى القهرمانية. قال: فأنت قرأت الرقعة؟ قلت لا. فحلَّفه على ذلك. ودعا بالغداء فأكل وأكلت معه، وكان زمن الصيف. فقام بعد الأكل للقائلة، فدخل البواب فقال: ابن الأشناني القاضي بالباب. فاستأذنت ابن زَبْر، فقال: يدخل. فدخل وهو يصيح يهنئ
القاضي عَزْل علي بن عيسى والقبض عليه. قال: ما السبب. قال: رقعة رفعت، أن رجلاً صالحاً رأى رؤيا كذا.. فذكر ما في القصة، فقرئت على المقتدر فقال: هذه الرؤيا صحيحة. يصرف علي بن عيسى ويقبض عليه. فقام ابن زَبْر فركب. فما جاء آخر النهار، حتى وافى ومعه عهد بقضاء مصر ودمشق.
وكان عارفاً بأخذ الدراهم والدنانير والهدايا. وكان مع ذلك لا يقبض درهماً ولا يضم هدية حتى يقضي حاجة صاحبها.
ولقيه رجل فقال: أنا ضعيف ولي زوجة، وعلي يمين بالطلاق منها أن لا تخرج إلى الطريق، وقد علَّموها أن تطالبني عندك. فقال: أين منزلك؟ فقال في ذاك الزقاق. فقال: سِرْ بين يدي. فدخل بين يده فأشرفت المرأة وهي في منزلها. فقال لها: ما الذي تطلبين منه؟ فقالت: النفقة. ففرض لها وهو راكب على بغلته، وقال لها: إنك إن خرجت بغير إذني لم أحنثه.
قال ابن زولاق: قال لي يحيى بن مكي بن رجاء: لو كان ابن زَبْر عادلاً ما عدلت به قاضياً. قال: وسأله الطحاوي عن مسألة فلم يجب فيها جواباً شافياً. فعاوده فقال لي ابنه: إنَّ اليخ يتقي هذا القاضي لِبادِرَته.
وطولب الطحاوي بشهادة عنده على حكم محمد بن عبده، فركب إليه فشهد عنده. فلما أدى شهادته، قال له: حديث كنت كتبته عن رجل عنك منذ ثلاثين سنة، فحدثه به.
ولقيه جماعة من خصومة عند جرب العلم. فأمر بفرش الغاشية. وجلس فنظر في أمرهم.
ولم يزل في ولايته هذه إلى يوم الجمعة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فصرف بهارون بن إبراهيم بن حماد، فورد كتابه على أخيه أبي عثمان، فباشر إلى العشر الأخير من ربيع الآخر سنة عشرين وثلاثمائة. فصرف وأعيد ابن زبر. فورد كتابه على ابن الحداد والعسكري، فسأله تكين أمير مصر أن يتسلّم له، ووافي ابن زَبْر مصرَ يوم الأحد لإحدى عشرة بقيت من جمادى الآخرة. فقرئ عهده بالمسجد الجامع على المنبر.
وكان يجلس كل يوم في المسجد ما عدا يوم الجمعة. وكان تكين يشدُّ منه ويقوِّي أمره وبلغه أن جماعة وقعوا في، ومالوا إلى أبي عثمان فتهددهم وحبس منهم كبيراً فيهم، وهو عبد الله بن سهل بن بريحة صاحب المسجد، وكان من جلساء أبي الذكر.
واتفق ضعف تكين أمير مصر، فخاف ابن زَبْر على نفسه من الرعية، فاستأذنه من أن يسافر ويستخلف ابنه محمدا على مصر، فامتنع. فركب ابن زبر إلى أبي هاشم المقدسي وسأله أن ينظر بين الناس ففعل، فسلم له الديوان، وسافر إلى دمشق فمات تكين بعد أن سار، فحصل لأبي هاشم ما كان ابن زبر يتوقعه نفسه، فباشر اقل من سنة.
ثم أعيد ابن زبر إلى قضاء مصر في شعبان سنة أربع وعشرين، نيابة عن محمد بن الحسن بن أبي الشوارب قاضي بغداد، فوصل كتابه إلى علي بن احمد بن اسحق ويحيى بن الحسن بنعلي بن الأشعث، فاستأذنا الإخشيد فأذن لهما فتسلما الديوان من محمد بن بدر، وذلك لخمس بقين من شعبان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، فنظر بين الناس شهرين، فتحرك أبو عبد الله الحسين بن أبي زرعة في قضاء مصر، وكان قاضي دمشق، فقدم مصر في تلك الأيام، فسعى عند الإخشيد حتى أسعفه ومنع نائبي ابن زبر من النظر، وفوض الإخشيد القضاء لابن أبي زرعة، فأقام أبن الحداد يقضي الأحكام نيابة عنه.
ثم ورد عهده من قبل ابن أبي الشوارب، فباشر إلى أن وصل عبد الله بن زبر غل مصر، فانتصب للحديث، ولم يدخل في تلك مصر في تلك الولاية، وسعى سراً عند الإخشيد، حتى ظفر بكتاب كان ابن أبي الشوارب كتبه لعبد الله بن أحمد بن وليد أن ينوب عنه، فلم يجبه إلى ذلك، فاتفق أن وقع بين ابن وليد والقاضي، فأرسل ابن وليد الكتاب إلى ابن زبر، فقال له: خذ هذا الكتاب، فأنت عبد الله بن أحمد، وأنا عبد الله بن أحمد، وقد رددت إليك مالي فيه، ففرح. ودخل به الإخشيد فأمضاه.
واستقر ابن زبر في القضاء ولايته الرابعة، فباشر كعادته، وطالب سليمان بن رستم بوصية عفان البزاز، وبعرض الأحباس.
ووقع في محمد بن بدر وسماه العلج، وقال: عزمت على بيعه، فقد ثبت عندي أن أباه مات في الرق، فخاف منه فركب إليه وداراه، وأهدى إليه.
واشتد خوف جماعة من أهل مصر منه فعوجل، واعتل في شهر ربيع الأول من سنة تسع وعشرين، وأخذه الإسهال فمات لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر.
وأنشد أبو هريرة بن أبي العصام في وفاة ابن زبر مما ذكره ابن ميسر في تاريخه.
أتانا من دمشق وليس شيء
…
أحب إليه من نهي وأمر
فَعادتَه المنُون به فأضْحَى
…
حَليفَ حُفيرة وأَسٍير قَبْر
لقد حَكَمَ الإله بغير جَور
…
وقد وعظ الزمان بنجل زبر
قلت: وكان ولده أبو سليمان محمد من أهل الحديث، ومعدوداً في الحفاظ. له تصانيف، منها معرفة الصحابة، والتاريخ على السنين. روى عنه عبد الغني بن سعيد وتمام بن محمد الرازي وأبو الحسن بن طوق وأبو نصر ابن الجَبَّان وأبو الحسن ابن السمسار، وأبو محمد ابن أبي نصر وغيرهم. وذكر في تاريخه أنه ولد بالرقة سنة ثمان وتسعين ومائتين.
وقال أبو نصر ابن ماكولا: كان ثقة حافظاً نبيلاً، ومات في جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة بدمشق. أرخه عبد العزيز الكتاني وقال: كان يملي في الجامع.
عبد الله بن أحمد بن شعيب بن الفضل بن مالك بن دينار، أبو محمد المعروف بابن أخت وليد، ومالك بن دينار جَدُّ جده، وهو الزاهد المشور. هكذا قال ابن زولاق، وهو المعتمد في أهل مصر.
وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق: عبد الله بن أحمد بن راشد بن شعيب ابن جعفر ابن يزيد، يعرف والده بابن بنت وليد.
وقال ابن النجار في تاريخ بغداد: عبد الله بن راشد بن جعفر بن يزيد يعرف بابن أخت وليد. هكذا اختلفوا في نسبه.
وكلهم وصفه بأنه قاضي مصر. ثم اختلفوا في صفة ولايته، فأما ابن زولاق فقال: إنه أول ما وَلي، كان خليفة للحسين بن عيسى بن هَرَوان، لما تولى الحسين من قبل
الخليفة ببغداد، الراضي بالله. فَسَلَّم الإخشيد قضاء مصر لابن أخت وليد. فلبس السواد، وجلس في الجامع العتيق. وقرئ عهد الحسين، ثم قُرئ عهده من قبل الحسين فنظَر في الأحكام.
وكان أولاً من وجوه التجار، وأهل اليسار. وكان يتفقه بداود بن علي الأصبهاني، ويميل إلى الاعتزال وأهله. ولم يكن متمكناً من شيء مما يدعيه من العلوم.
قال: وذكر أنه كتب بمصر عن أحمد بن شعيب النَّسَائي وإسحاق بن إبراهيم المَنْجَنيِيقي، وابن أخي حرملة، وعن محمد بن الحسن بن قتيبة، وعن جماعة دونه.
ولد سنة ثلاث وسبعين. وسمع من أحمد بن عيسى الوشَّاء وبكر بن أحمد الشعراني وعلي بن عبد الله الرملي وغيرهم. وذكر الرواة عنه. ثم قال: ويقال إن أصله بغدادي.
وأما ابن النجار فقال: ولي قضاء مصر في خلافة الراضي يوم الأربعاء لأربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. ثم عزل في سنة ثلاثين.
ثم ولي من قبل المستكفي يوم الخميس لثلاث وعشرين خلت من المحرم سنة أربع وثلاثين، وصرف في شهر رجب سنة ست وثلاثين في خلافة المطيع.
ثم ولي قضاء دمشق سنة ثمان أربعين وثلاثمائة.
قال: ويقال إنه كان خياطاً، وكان أبوه حائكاً ينسج المقانع. وكان سَخِيفاً خليعاً مذكوراً بالارتشاء. وهجاه جماعة من أهل مصر.
ثم ذكر أه روى عن ابن قتيبة، وعلى بن أبي صالح الرملي، وعلى بن عبد الله العسكري، وأحمد بن عيسى الوشّاء، وبكر بن أحمد السعدي وغيرهم. وأنه روى عنه علي بن منير الخلال، وابن نظيف الفراء ومحمد بن جعفر المارستاني.
والذي حكاه عن بداية أمره وحرفة والده، سبقه إليه ابن ميسر في تاريخه وهو عارف بالمصريين أيضاً.
قال ابن زولاق: ولما استقر، ركب إليه أبو بكر بن الحداد، فتلقاه وعظمه وأجلسه معه. ثم لما كان بعد ذلك، انقبض عنه ابن الحداد وهجره. واستناب ابن وليد عنه في
الحكم أحمد بن محمد بن عشيب الداودي، وكان بزي الجند، لكنه يلازم الاشتغال بالعلم. فألبسه ابن وليد الطيلسان والقلنسوة. وأجلسه ينظر بين الناس، وكان من أهل العلم والفهم.
واتفق أن ابن أبي الشوارب عزل عن قضاء القضاة، واستقر عوضه أحمد بن عبد الله بن إسحاق، فكتب إلى الحسين بن عيسى باستمراره، وأن يستقر نائباً عنه بمصر محمد بن بدر. فكانت ولاية ابن وليد هذه دون ستة أشهر، وذلك في شوال سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
ثم أعيد ابن وليد مرة أخرى، بعد صرف الحسن بن الرحمن الجوهري، فباشر الحكم نائبه من قبل الإخشيد أيضاً، نيابة عن الحسين بن عيسى على عادته، وذلك في سنة إحدى وثلاثين. فنظر في الأحكام وعزل جماعة.
واتفق أن عمرو بن الحارث بن مسكين تزوج بكرا فكرهته. فشكوا ذلك لابن وليد فقال: هل كان أبوها استأذنها عند العقد؟ قالوا: لا. فقال: هذا النكاح باطل. فبلغ ذلك ابن الحداد فشنع عليه. ودار عمرو بن الإرث على الفقهاء، فأخذ خطوط الشافعية والمالكية بصحة العقد. وصنّف ابن الحداد في ذلك جزءاً. فبلغ ذلك ابن وليد، فخشي من اجتماع كلمة الفقهاء على فساد ما قال. فاستعان بابي الذكر، فقال له: قد قيل لي أنك قلت: إن النكاح عندي باطل، وأنت قاض، فاحكم بنفسخ. فبادر إلى ذلك، وحكم وسجل عند العضتَمة. وأشهد بذلك عدداً من الناس، وكانوا قد باتوا على أن يجتمعوا عند الإِخشيد فأصبحوا وانعقد المجلس، فسألهم الإخشيد عن صورة المسألة، فبادر ابن الحداد فقال: العقْدُ صحيح، وتابعه كل من حضر المجلس، إلى أن بقي أبو الذكر فقلا: صدقوا. النكاح صحيح، إلا إن كان القاضي حكم بفسخه فلا ينقض حكمه.
فالتفت الإخشيد إلى ابن وليد فقال، أفسخته؟ قال: نعم، فقال للفقهاء: ما تقولون؟ قالوا إذا فسخه فقد بطل.
فقال ابن الحداد: هذا من عمل الأسواني يعني أبا الذكر، فهو الذي تولى كِبَره الله سائله عن ذلك.
فتناول ابنُ وليد أبا بكر بن الحداد، وانقضى المجلس وانتصر ابن وليد. فقال الإخشيد للحسن بن طاهر الحسيني: لقد هممت أن آمر الغلمان أن يأخذوا عمائمهم وقلانسهم. فبلغ ذلك عبد الله بن وليد، فخاف وركب إلى ابن الحداد فترضَّاه. ثم
قدم الحسين بن هَرَوَان مُسْتَخْلِفَ ابن وليد فباشر بنفسه. فكان ابن وليد يركب كل يوم إلى دار الحسين فينظر بين الناس. ثم بلغ الحسين أن ابن وليد أرسل يستنجز من بغداد كتاباً بولايته استقلالاً من جهة الخليفة، فقال - وابن وليد حاضر -: ما هذا الذي بلغني عنك؟ والله لو نازعني أحد في القضاء لبذلت في تلاف روح ملء هذا الجرن ذهباً. ثم صرفه عن النظر في الحكم في جمادى سنة ثلاث وثلاثين، واستخلف عوضه الحسين بن عبد الرحمن بن إسحاق، فأقام أياماً ثم مرض. فصرفه وباشر بنفسه أياماً.
ثم أراد السفر فاستخلف ابن الحداد فنظر في الحكم بحضرته. ثم اتفقت لابن الحداد واقعة، وهي أنه ثبت عنده لمحمد بن صالح بن رشدين، دَيْن علي شخص يقال له أحمد البزار، جملته أربعة آلاف دينار وأربعمائة دينار. وكان أحمد غاب مدة طويلة، فأسجل لمحمد بن صالح. وثبت عنده أن الحسين بن أبي زرعة القاضي، كان حَجَر على أحمد البزار بشهادة شاهدين، فسجن ابنُ الحداد، عبد الرحمن ولد أحمد البزار ليبيع داراً يقال لها دار عصيفير، وكانت بيد أحمد البزار. وثبت عند ابن الحداد أنها ملك أحمد البزار، وهي في يد عبد الرحمن حينئذ. وكان عبد الرحمن ينكر أن تكون لوالده. فأرسل أبو المظفر أخو الإخشيد خليفته على إمرة مصرة والإخشيد يومئذ بالشام، يقول للقاضي: لم سجنت ولد أحمد البزار؟ فإن كان
الدين ثبت على والده فلا يلزمه أن يقضيه عنه، وإن كان على عبد الرحمن فاحكم عليه. وإن كانت لوالده فبعها أنت. فأجاب، أن الدين ثبت على والده، والدار كانت في يد والده. فسجنته حتى يبيع لقضاء الدين. وكان أبو الذكر هو الذي لقن أبا المظفر هذا الكلام، فقال أبو الذكر لأبي المظفر لما عاد جواب ابن الحداد: أمرُ السجن لك. فإن أردت فأطلق الولد. فامتنع أبو المظفر. فبلغ ابن وليد ما جرى، فأخرج كتاباً زعم أنه من المستكفي الخليفة. واجتمع بمحمد بن علي بن مقاتل الوزير فعنى به، وكاتب الإخشيد، وبذل له ابن وليد مالاً في الباطن، فأجاب بأنه يتبع أمر الخليفة. فتسلَّم أبو المظفَّر الديوانَ من ابن الحداد وسلمه لابن وليد. فبلغ ذلك الحسين وهو بدمشقَ، فكتب إلى ابن الحداد يهون عليه الأمر، ويحلف أنه لا بد أن يترك ابن وليد يُضْرَب بين يدي الحداد بالسوط.
فركب ابن وليد إلى الجامع، وقرئ عهده من المستكفي استقلالاً بالقضاء،
وكان الجامع وافر، فازدحموا حتى تمزق طيلسان أبي الذكر. وكان الذي سعى لابن وليد عند المستكفي سعيد بن عبدان التاجر. فلم يستطيع إخراج الكتاب، لما كان الحسين بمصر. ثم أظهره في غيبته، وباشر على خوف من الحسين. فلم يكن بأسرع من أن جاء الخبر بموت الحسين فأمن وتمكن ومضى الأحكام واستهان بالأكابر. وكان كثير الهزل والمجون في مجلس الحكم، وبحضرة الشيوخ.
واتفق في ولايته أن الإخشيد كتب إلى الوزير محمد بن علي بن مقاتل، أن يجمع من الرعية مالاً بسبب فداء الأسارى. فقام ابن وليد واعتنى بذلك مساعدة للوزير، وتقربا لخاطر الإخشيد، وبذلك نفسه في التحصيل حتى استخرج من وجوه الناس، من الأسواق والسواحل والأعمال مالاً كثيراً وظنت به في ذلك الظنون. ونسب إلى أنه اختان مما جمع شيئاً كثيراً، مع ما كان يحويه من المال وكثرة البضائع.
ولما وصل ذلك إلى الإخشيد شَكَر منه، فَلَدَّ في استطالته وأطلق لسانه في الناس، وعرّض وخوف وانبسط في التعديل. فاتفق ورود الخبر بخلع المستكفي وتقليد المطيع، وتفويضه قضاء مصر لمحمد بن الحسن بن عبد العزيز بن أبي بكر العباسي، وأضاف إليه الإسكندرية والرملة وطبرية. فاستخلف ابن وليد على حاله، ووصل إليه كتابُه فقبله وقرأ عهده في داره. فبلغ ذلك عبد السميع بن عمر ابن الحسن العباسي، فأنكره، وقال: ما كان ينبغي له أن يقرأ كتاب ابن الحسن إلا في الجامع. وجرى بين ابن وليد وبين سليمان بن رستم أحد الشهود كائنة وسليمان يومئذ مقدم الشهود، فأسجل ابن ولي بإسقاطه إسجالاً، وأشهد عليه بما فيه جماعة، منهم أبو الذكر، وعلي بن إسحاق، من غير أن يطلعهم على ما في السجل. فكتب فيه بعضهم، منهم أبو الذكر، وامتنع بعضهم من الكتابة، منهم الحسن بن علي بن يحيى الدقاق، وقال: لا أكتب حتى أعرف ما فيه. فقال له ابن الوليد: يا أبا القاسم إذا جاءني الحجر رددته. فقال: ذاك إليك. ونهض إلى الشهود وهم في المقصورة فأَخْبرَهم، فقاموا إلى ابن وليد فقالوا له: أَقِلْنا من الشهادة، وانصرفوا إلى سليمان مغتمين بما اتفق له. فقال لهم أبو القاسم بن يحيى: بالنسبة إليكم هو من آل فرعون. ومدحه الناس أبا القاسم، وتوجه سليمان إلى دار الإخشيد، فأرسلت سمانة القهرمانية إلى ابن الوليد فحضر، فطالبته بالسجل فأحضره، فمزقته، وأصلحت بينهم وانصرفا.
ثم ركب ابن وليد إلى ابن رستم وأكل عنده حلوى، واجتمع الشهود على مفارقة مجلس ابن وليد، واتخذوا لهم مجلساً في الجامع. ونصبوا لهم حصيراً فواظب ابن الوليد على الحضور إلى الجامع والجلوس في مجلسه، وأبو الذكر عن يساره، وعلى بن أحمد بن إسحاق عن يمينه، يشاهدان أحكامه. واستكثر من الشهود فوجده الشهود نصح.
وجرت بين أبي بكر عبد الرحمن بن سَلمُون الرازي الفقيه وبين أبي الذكر منازعة فتظلم الرازي إلى الوزير، فدخل عبد الله بن الوليد في الوسط، فأخذهما من دار الوزير وانصرف. فلما بلغ داره أدخل الرازي وكان ذلك في رمضان فافطر عنده.
ثم ركب من الغد إلى الجامع فأحضرهما، وكثر الجمع. فأفرط ابن وليد في مدح أبي بكر الرازي، وتنقيص أبي الذكر فانقبض أبو الذكر عن ابن وليد. وكان قبل ذلك يركب معه ويعاضده في أموره، وتخصص به الرازي، وصار يركب معه. وحضر ابن وليد دار الإخشيد بحضرة أبي القاسم ابن الإخشيد بحضرة أبي القاسم ابن الإخشيد وهناك إملاك. وكان الخطاب علي بن محمد الهاشمي أحد الفصحاء والخطباء فعارضه ابن وليد. فقال له: أتعارضني؟ فقال له: الذي عارضك كذا. فالتفت إلى الشهود، فقال: أهذا قاضيكم؟ وكان يقول: الله لأدعن الشهادة ينادى عليها في سوق وردان، وفي المساكين. كان يسميهم اليهود، حين كان يقول لحاجبه إذا استأذن لهم. ويسمي الأمناء: الكهناء.
وكان كثير الهزل حتى قالت له امرأة خذ بيدي، فقال: وَبِرجْلِكِ. ومع ذلك لم يطعن عليه في سراويل ولا في شرب مسكر، إلا أنه كان ينقم عليه الهزل، والتبسُّط في الأحكام، وخذ الرشوة.
واتفق وصول عمر بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي من مكة، وكان مجاوراً بها، فاجتمع الشهود ورأسهم يحيى بن مكي بن رجاء وحسنوا له أن يتسلم القضاء عوضاً عن أخيه فسعى في ذلك. فأجابه كافور بعد أن بذلك له مالاً. فوقع له بتسليم العمل، فتسلمه من الحسن بن محمد المطلبي. فتوجه المطلبي إلى محمد وأحمد ابني حمزة بن أيوب، وكان المودع عندهما، فكسر خاتم ابن وليد، وطبع على الديوان بخاتم عمر بن الحسن، فزال أمر ابن الوليد.
وكانت مدة ولايته الأخيرة سنتين وثلاث أشهر. فأقام بطالاً اثنتي عشرة سنة.
ثم ولي قضاء دمشق فلم يحمد، ونهبت داره، وفي مدة عطلته - مضى ماشياً إلى يحيى بن مكي بن رجاء.
وكانت وفاته وهو بطال في ذي القعدة سنة تسع وستين وثلاثمائة، وقد جاوز التسعين، وظهرت عليه آثار الخَرَف. وقد تولّع جماعة من المصريين بهجاء ابن وليد.
فمن ذلك، قال ابن عساكر: هجا محمد بن بدر القاضي ابنَ وليد بقوله في قصيدة طويلة:
يا أوضَعَ الناس أخلاقاً وأنذلهم
…
فِعلاً وأكثرهم عند الجميل عمَى
لو كنتَ تخشى قضيات المعادلما
…
أُلْفيتَ في كل أمر فاضح علما
أعمى عن الرشد في كل الأمور فقد
…
أصبحت في الدين بين الناس متهما
يا ابن الوليد تسمع قول الحق معتقدا
…
أو كنت تخشى عذاب الله معتصما
لو كنت تسمع قول الحق معتقدا
…
أو كنت تخشى عذاب الله معتصما
لما استعنتَ بحماد اللعين وما
…
رأيت أنت له في صالح قدما
جعلته كاتباً يمضي الأمور ولم
…
يَمس في العلم قِرْطاساً ولا قَلَما.
وقال ابن ميسر: كان من جملة من عدَّلة ابن وليد في ولاياته الثلاث، أربعين شاهداً وزيادة. قال: ولما مات ابن الخَصِيب سعى ابن وليد في القضاء، وبذلك لكافور مالاً، فقام الناس في وجهه، ورفعوا عليه، فعدل عنه إلى ابن أبي طاهر الذهلي.
ولما ولي عبد الله بن وليد قضاء دمشق أرسل ولده محمداً نائباً عنه. كان أهل دمشق اختاروا حكيم بن محمد المالكي قاضياً لما شغر القضاء بموت قاضيهم الخصيبي، واعتزال خليفة محمد بن إسماعيل اليزيدي، وذلك في إمرة فاتك الإخشيدي على دمشق. فوصل محمد إِلَى دمشق في شعبان سنة ثمان وأربعين وهو شاب. ثم وقع من أهل دمشق منازعة في أخبار من ينوب في القضاء، فتعصب قوم لمحمد ولدِ ابن وليد، وقوم ليوسف الميانجي، وكان الأعيان مع الميانجي، والأوباش مع ابن وليد. وذلك في رجب سنة تسع وأربعين. فاجتمع الشيوخ وانضم أكثر أهل البلد. فاجتمعوا بفاتك ورفقته الغلمان الإخشيدية، وشكوا إليهم ما لقوا من الإساءة فأنصفوهم. فانصرفوا من عندهم أحسن انصراف. وصرف ابن وليد.
وذكر الشيخ شيوخنا القطب الحلبي في تاريخ مصر، أن محمد بن عبد الله بن وليد قدم دمشق في شعبان سنة ثمان وأربعين وهو شاب. وقرأت بخطه أيضاً في ترجمة أبي سعيد أحمد بن حماد أحد الفقهاء من الشافعية، أنه قدم مصر في سنة ثلاث وعشرين، فشغل الناس بها في مذهب الشافعي. كتب لابن أخت وليد القاضي.
عبد الله بن أحمد بن محمد، القاضي جمال الدين ابن التَّنَسِي المالكي، من المائة التاسعة، وتقدم نسبه في ترجمة والده.
ولد بعد الثمانين. وكان بارع الجمال، حسن الصحة، كثير المواددة. اشتغل قليلاً، وولي القضاء بعد صرف ابن خلدون بعناية قُطْلُوبُغَا الكركي، وكان خدمه لما سجن بالإسكندرية. فلما خلص كافأه فباشره مدة يسيرة ثم صرف. وكان ذلكم في خامس عشرين من رمضان سنة ثمان وثمانمائة فكانت مدة ولايته نحو عشرين يوماً وعاش إلى أن ركب البحر هو وجماعة من أقاربه منهم الأديب البارع أبو الفضل عبد الرحمن ابن الشيخ شهاب الدين ابن وفاء الشاذلي، والشيخ محب الدين محمد ابن القاضي زيد الدين عُبَيْد البُشْكالِسِي وغيرهما فانكسرت بهم المركب فغرقوا جميعاً، وذلك في شهر المحرم سنة أربع عشرة وثمانمائة.
عبد الله بن بلال الحضرمي.
ذكره ابن يونس فقال: ولي قضاء مصر.
قلت: ولم يذكره أبو عمر الكندي ولا مَن بعده. فيحتمل أن يكون ولاه بعض الأمراء عند موت أحد من قضاة مصر، إلى أن يجئ الخبر من الخليفة بتعيين من يتولى عن الخليفة، حيث لا يكون لأمير مصر أن يقرر القضاة.
وكان لَهِيعة يقول: أنا تاسع تسعة ولُوا القضاء بمصر من حضرموت، وهم: يونس بن عطية، وأوس، ويحيى، وتوبة، وخير، وغوث، ويزيد، وعبد الله، ولهيعة بن عيسى، وفي ذلك يقول الشاعر:
لقد ولي القضاء بكل أرض
…
من الغر الحَضَارِمة الكرام
رجالٌ ليس مثلهمُ رجال
…
من الصيد الجَحَاجِحَة الضخام
وقال آخر:
يا حَضْرموت هنيئاً ما خصصت به
…
من الحكومة بين العُجْم والعَرَبِ
في الجاهلية والإسلام يعرفه
…
أهل الروية والتفتيش والطلبِ
وكان أصل في الرغبة فيهم، وما رواه ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن أبي الأسود عن ابن لَهيعة عن الحارس بن يزيد، أن معاوية كتب إلى مسلمة وهو على مصر ألا يولي عليها إلا أزْدياً أو حضرمياً، فإنهما أهل الأمانة.
عبد الله بن راشد بن شعيب. تقدم في عبد الله بن أحمد بن عشيب.
عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة، بمهلمة ثم معجمة مصغر الخولاني، يكنى أبا عمرو. مصري من المائة الثانية، وهو ابن حجيرة الأصغر، وأبوه يقال له ابن حجيرة الأكبر.
ولي من قبل قُرة بن شريك أمير مصر، في ربيع الآخر سنة تسعين، وقد روى الحديث عن أبيه وغيره.
روى عنه خالد بن يزيد، وإبراهيم بن نشيط، وعبد الله بن الوليد التُّجِيبي.
قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حِبّان في كتاب الثقات، وقال
ابن نشيط: أتاه رجل فذكر له حاجة، فقال: تعود؟. فلما ذهب، سأل عنه، فإذا هو صادق، فاستدعاه فدفع له ثمانية عشر ديناراً، فعاد إليه وهو في مجلس القضاء، فشكره، فقال: أَخِّرْوه عني.
وذكر أبو عمر عن إبراهيم بن نَشِيط الوَعْلاني قال: أتيت عبد الله بن عبد الرحمن وكانت تحته امرأة من وَعْلان، فقال لي: أتتغدى؟ قلت: نعم. فقال: يا جارية أعيدي الغداء. فأحضرت بعدس بارد على طبق خوص، وكعك، وإناء فيه ماء. فقال: ابْلُلْ وكُلْ، إن الحقوق لم تدعنا نسبع من الخبز.
وذكر عبد الرحمن بن عبدا لله بن عبد الحَكَم في فتوح مصر عن بعض مشايخ البلد، أن ابن حجيرة لما ولي القصص بلغ ذلك أباه، فقال: الحمد لله الذي ذكَر ابني وذكَّر. ولما بلغه أنه ولي القضاء، قال: إنا لله. هلك ابني وأَهلك.
ويقال إن قائل ذلك: عبد الرحمن بن حجيرة لأن ولده عبد الله صاحب الترجمة ما ولي القصص.
قال أبو عمر: فصرف عبد الرحمن في جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين بعياض بن عبيد الله، ثم أعيد من جهة أمير مصر عبد الملك بن رفاعة في شهر رجب سنة سبع وتسعين، وأضيف إليه مع القضاء بيت المال، إلى أن صرف عن القضاء في سلخ سنة ثمان وتسعين.
ومن أخباره ما ذكره أبو عمر، أنه لما صرف، خاصمه ناس من اليهود إلى عمر بن عبد العزيز في مال كان قبضه منهم، فأقر بأنه كان قبضه منهم، وادعى أنه أعاده إليهم، فقال له عمر: فهل عندك بيِّنة أنك أعدت إليهم؟ فقال: لا. فقال: غَرِمت يا ابن حجيرة وضَمِنت، ثم تذكر ابن حجيرة أن له بيِّنة، فشهد له رجال، منهم والد المحدث عبد الله بن لهيعة.
قلت: وعاش ابن حجيرة هذا إلى أن مات بعد المائة.
عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عقيل الآمدي الأصل الطالبي، وكان يقول: إنه من ذرية عَقيل بن أبي طالب، شافي المذهب، من المائة الثامنة: ولد سنة سبعمائة وقدم القاهرة، فتفقه على جماعة، ولزم أبا حيان حتى مهر في العربية، وكان أبو حيان يقدمه فيها على أهل عصره، وتلا بالسبع علي ابن
الصائغ، ولازم القاضي جلال الدين القزويني، وناب في الحكم عنه، ثم عن عز الدين ابن جماعة. وصنف في الفقه والعربية، والتفسير، وانتفع به الطلبة، وشرح الألفية الشرح المنسوب إليه، علقه عنه ولد القاضي جلال الدين القزويني، لما كان يقرئه، وليس هو على قدر مرتبته في العلم.
وكان كثير التأنق في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه. ودرس بالخشابية بالجامع العتيق. ولم يزل في ازدياد منا لرفعة، حتى وقع بينه وبين القاضي الموفق الحنبلي المذكور بعد، مباحثة أدت إلى فحاشة. وأغلظ الموفق، فأجابه بأشد مما بدأ به حتى أفرط. فبلغ ذلك عز الدين ابن جماعة فانتصر لرفيقه. وأرسل نقيب الحكم إلى ابن عقيل يلومه. فعند ما وقع بصر ابن عقيل على النقيب، فهم الذي جاء بسببه، فقال: يا نقيب، قل لابن جماعة: عزلت نفسي، ولا أحكم عنه شيئاً، وانقبض عنه، فراسله بعد ذلك، فأصر على الامتناع. ولم يزل مجانباً له حتى انتصر له صَرْغَتْمُش، فقام بأمره حتى قرره في قضاء الشافعية في آخر العشر الأخير من جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين. فباشره ثمانين يوماً، وصرف في أول العشر الأخير من شهر رمضان، لما قُبض على صرغتمس. فأغيد ابن جماعة، واستمر ابن عقيل على تدريس الخشابية إلى أن مات في شهر ربيع الأول سنة تسع وستين.
قال الإسنوي في ترجمته:
كان إماماً في العربية والمعاني والبيان والتفسير، يتكلم في الفقه والأصول كلاماً حسناً.
عبد الله بن علي بن عثمان بن مصطفى بن إبراهيم بن سليمان المَارِدِيني، جمال الدين ابن التُّرْكُمَاني الحنفي، من المائة الثامنة. ولد سنة خمس عشرة وسبعمائة، واشتغل، ومهر، وحفظ البداية في الفقه، وعمل شرح والده عليها، وكان يسرد منها في دروسه حفظاً البداية في الفقه، وعمل شرح والده عليها، وكان يسرد منها في دروسه حفظاً. واستقر في القضاء استقلالاً بعد موت والده فباشر بصيانة وإحسان، مع المعرفة بالأحكام. وترفّع على أهل الدولة. وتَواضَع للفقراء. وصاهَر عز الدين ابن جماعة بأن تزوج صالحة ابنته، فعظم قَدْره، فزاد في الإفضال لكل من قصده، ولم يَجْنَف على أحد.
وكانت ولايته في شهر المحرم سنة خمسين بعناية الأمير شيخون، في سلطنة الناصر حسن الأولى، وسكن المدرسة الصالحية بعياله، واستمر فيها.
ومما ظهر من رياسته، أن القاضي زين الدين البسطامي قدم من الحج عقب ولايته، ففوض له تدريس الفقه بالجامع الطولوني، ابتداء من قبل نفسه.
وكانت وفاته في حادي عشر شعبان سنة تسع وستين. وكانت ولايته نحو العشرين سنة متوالية، لم يدخل عليه فيها بغض، ولا نسب فيها إلى ما يُعاب.
وكان من الغرائب، أنه صادق رفيقه موفق الدين الحنبلي، فكانا مع القاضي عز الدين ابن جماعة، كالروح في الجسد، لا يخالف بعضهم بعضاً، وماتا في سنة واحدة وسبقهما القاضي عز الدين ابن جماعة.
وكان يعتني بالطلبة والنُّجَباء من الحنفية فيفضل عليهم، وينعش حال فقيرهم، ويجل كبيرهم، ويتجاوز عن مُسيئهم، ويجمع الجميع على طعامه غالباًن ويسعى لهم في جميع ما يعرض، مما يتعلق به وبغيره من الأكابر. وربما ركب في ذلك بنفسه، إلى مَن هو مثله، وإلى مَن هو دونه، حتى ركب مرة إلى صَيْرَفي بعض الأمراء في قضاء حاجة فقيهٍ من الطلبة.
وقد بالغ اليخ تقي الدين المقريزي في إطرائه والثناء عليه، حتى قال: لو كتبتُ مناقبه، لاجتمعَ منها سِفر ضخم.
عبد الله لن لَهِيعَة بن عُقُبة بن فُرْعان بن ربيعة بن ثَوْبان الحضرمي الأُعْدُولي ويقال الغافقي، أبو محمد المصري، من المائة الثانية، أبو عبد الرحمن وبعضهم كنَّاه أبا النصر، وقال المزني: الأول اصح.
ولد ابن لهيعة بعد الليث بنحو سنتين، ويقال: ثلاث سنين. كان مولد الليث سنة أربع وتسعين. وسمع الكثير، ورحل في طلب الحديث والفقه.
قال روح بن صلاح: لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعياً، فمن شيوخه الأعرج، وابن المندِر، وأبو الزّبير، ويزيد بن أبي حبيب، وأبو يونس مولى أبي هُريرة، ومحمد بن عَجلان، ومِشْرَح بن عاهان، وأبو قَبِيل، وعَطاء بن أبي رَباح، وغيرهم من التابعين. ومنهم أبو وهب الجيشاني، وجعفر بن ربيعة، وحُيّى بن عبد الله، وعُبيد الله بن أبي جعفر، وكَعب بن عَلقمة، وأبو الأسود، وموسى بن وَرْدَان، وعبد الله بن هُبَيْرَة، وعبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم، ويزيد ابن عمرو، وقُرة بن عبد الرحمن، وعُقَيل بن خالد وغيرهم.
روى عنه الليث بن سعد، وهو من أقرانه، وعبد الله بن المبارك، وكان ربما نسبه إلى جَده، وروى عنه أهل مصر والغُرَباء فأكثروا، فمنهم ابن ابنه أحمد بن عيسى بن عبد الله بن لهيعة، وابن أخيه لهيعة بن عيسى بن لهيعة، وابن وهب، والوليد بن مسلم، والمُقْرِئ، وأشْهَب، والنضر بن عبد الجبار، وبِشْر بن عمر، وإسحاق بن الطباع، وربما نسبه إلى جده، وزيد بن الحباب، وأسد بن موسى، ويحيى بن إسحاق، وسعيد بن أبي مريم، وأبو صالح، ويحيى بن بكير وعثمان ابن صالح، وغيرهم.
وكانت ولايته القضاء من قبل المنصور، مستهل سنة خمس وخمسين ومائة. وهو أول من ولي قضاة مصر من قبل الخليفة، في دولة بني العباس.
قال البُخَارِي عن الحميدي: كان يحيى بن سعيد لا يراه شيئاً. وقال علي ابن المدني: سمعت عبد الرحمن بن مهدي وقيل له: تَحْمِلُ عن عبد الله بن يزيد القَصِير، وعن ابن لهيعة؟ قال: لا أحمل عن ابن لهيعة شيئاً قليلاً ولا كثيراً. ثم قال: كتبِ إلي كتاباً فيه: حدثنا عمرو بن شُعيب، قال عبد الرحمن فقرأته على ابن المبارك فَأخْرَجَه إلى ابن المبارك من كتابه عن ابن لهيعة، أخبرني إسحاق بن أبي فَرْوَة، عن عمرو بن شعيب.
وقال محمد بن المثنى: ما سمعت عبد الرحمن يحدث عن عبد الله بن لهيعة شيئاً قط. وقال نعيم بن حماد: ما سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول لشيء من حديث ابن لهيعة سمعت إلا سماع ابن المبارك ونحوه. وقال ابن حنبل: كتب ابن لهيعة عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، وكان بعد، يُحدّثُ بها عن عمرو بن شعيب نفسه.
وقال يعقوب بن سفيان عن سعيد بن أبي مريم، كان حيوة بن شريح أوصى إلى وصي وكان من لا يتقي الله يذهب فيكتب من كُتب حيوة حديث الشيوخ الذين شاركه ومنهم ابن لهيعة. ثم يذهب إليه فيقرأ عيه، قال: وحضرت ابن لهيعة، وجاءه قوم قدموا من الحج مُسَلِّمين، فقال: هل كتبتم حديثاً طَرِيفاً؟ يجعلوا يذاكرونه بما كتبوا، حتى قال بعضهم: حدثنا القاسم العمري عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الحريق فكبِّروا فإن التكبير يطفئه) . فقال ابن لهيعة: هذا حديث طريف. فكان يحدث به. ثم طال ذلك عليه، ونُسى.
وكان يقرأ عليه في جملة حديث عمرو بن شعيب، ويجيزه.
وزاد ميمون بن الأصبغ عن ابن أبي مريم أن سام الرجل الذي حدث به ابن لهيعة زياد بن يونس الحضرمي. وقال إسحاق بن عيسى: احترقت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين. قاله أحمد عنه. قال أحمد: ومن كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟ وقال أبو داود عن قتيبة: كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كُتب ابن أخيه، أو كُتب ابن وهب، إلا ما كان من حديث الأعرج.
وقال إبراهيم بن إسحاق قاضي مصر: حملت رسالة الليث بن سعد إلى مالك وأخذت جوابها. فكان مالك يسألني عن ابن لَهيعة فأخبره بحاله، فيقول: ليس يذكر الحج؟ فَسبق إلى قلبي أنه يريد مشافهته، والسماع منه. وقال الثّوري: عندنا الفروع وعند ابن لهيعة الأصول، وحجبتُ حجباً لألقى ابن لهيعة. وقال ابن وهب في حديث سئل عنه، حدثني به والله الصادق البار عبد الله بن لهيعة. وقال ابن معين: ما زالت ابن وهب يكتب عنه حتى مات.
وقال يحيى بن بُكَير قيل لابن لهيعة إن ابن وهب يزعم أنك لم تسمع هذه الأحاديث من عمرو بن شُعيب، فقال: وما يدريه، لقد سمعتها منه قبل أن يلتقي أبواه.
وقال يعقوب بن سفيان: سمعت أحمد بن صالح، وكان من المتقنين، يثني عليه. وقال لي: كنت أكتب حديثَ أبي الأسود في الرَّقّ، ما أحسن حديثه عن ابن لهيعة، فقلت: يقولون سماع قديم وحديث. فقال: ليس من هذا شيء، هو صحيح الكتاب، وإنما كان أخرج كتبه، فأملى على الناس حتى كتبوه إملاء. فمن ضَبَط كان حديثه حسناً، إلا أنه كان يحضر من لا يحسن ولا يضبط، ثم لم يخرج ابن لهيعة بعد ذلك كتاباً. وكان من أراد السماع منه استنسخ ممن كتب عنه، وجاءه فقرأه عليه، فمن وقع على نسخة صحيحة فحديثه صحيح، ومن كتب من نسخة غير مضبوطة، ففيه الخلل. وقال: وكان قد سمع من عطاء، وروى عن رجل عن عطاء، وعن رجل عن آخر عن عطاء وعن ثلاثة عن عطاء، فتركوا مَن بينه وبني عطاء وجعلوا الكل عن عطاء.
وقال الحاكم: استشهد به مُسلم في حديثين، وقال ابن خزيمة في صحيحه: لا أحتج بابن لهيعة.
وقال عبد الغني بن سعيد الأزْدي: إذا روى العَبَادِلَةُ عن عبد الله بن لهيعة فهو صحيح: ابن المبارك وابن وهب والمقرئ، وكذا قال الساجي وغيره.
وقال يحيى بن حسّان: رأيت مع قوم جزءاً سمعوه من ابن لهيعة، فنظرت فيه، فإذا هو ليس من حديثه، فجئت إليه فقال: ما أصنع (يجيئون بكتاب فيقولون هذا حديثك، فأحدثهم) .
وقال ابن شاهين: قال أحمد بن صالح: ابن لهيعة ثقة، وما رُوي عنه من الأحاديث فيها تخليط يطرح ذلك التخليط. وقال الحاكم: لم يقصد الكذب، وإنما حدَّث من حفظه بعد احتراق كتبه فأخطأ.
وقال ابن حِبانك سَبَرْتُ أخباره، فرأيته يدلّس عن قوم ضعفاء، على أقوام ثقات قد رآهم ثم كان لا يبالي، ما دفع إليه قرأه، سواء أكان من حديثه أم لم يكن من حديثه، فوجَب الشك في رواية مَن حدث عنه قبل احتراق كتبه، لما فيها من التدليس، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين بعد احتراق كبته، لما فيها مما ليس من حديثه.
وقال الخطيب عن ابن خراش: احترقت كتبه فكان من جاء بشيء قرأه عليه، حتى لو وضع أحد حديثاً وجاء به إليه قرأه عليه. قال الخطيب: فمن ثم كثر الشاكون في روايته لتساهله.
وقال أبو عمر الكندي: قال أبو الأسود النضر بن عبد الجبار: سمعت ابن لهيعة يقول: كنت ربما أتيت يزيد بن أبي حبيب فيقول لي: كأني بك قد قَعَدت على الوسائد. يعني وسائد القضاء. فما مات حتى ولي القضاء.
وكانت ولايته من قبل أبي جعفر المنصور في سنة خمس وخمسين ومائة. وذكر سعيد بن عفير، أن وفد أهل مصر كانوا ببغداد فقال لهم المستنصر: أعظم الله أجركم في قاضيكم أبي خزيمة. ثم التفت إلى الربيع فقال: ابعث إلى أهل مصر
قاضياً؟ فقال عبد الله بن عبد الرحمن حُديج: ماذا أردت بنا يا أمير المؤمنين؟ أتريد أن تُشَهِّرنا في الأمصار بأن بلدنا ليس فيه من يصلح للقضاء، حتى تُولي علينا من غيرنا. قال: فَسَمِّ رجلاً. فسمَّي له أبا معدان اليَحْصُبي، وقال في وصفه: إنه يختار ولكن به صَمَم. قال: يصلح للقضاء مَن به صَمَم؟ قلت
فعبد الله بن لهيعة، قال: فابن لهيعة مع ضَعف عقله وسوء مذهبه؟ وكان ابن لهيعة يرمي بالتشيع.
ولما ولي المنصور ابن لهيعة القضاء كتب إليه بعهده، أجرى عليه كل شهر ثلاثين ديناراً إلى أن صرف عن القضاء، في ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائة، فكانت ولايته دون عشر سنين.
وقال أبو عمر الكِندي: طلب الناس هلال رمضان وابن لهيعة على القضاء، فلم يَروا شيئاً، فأتى رجلان فزعما أنهما رأياه، وكان الأمير حينئذ موسى بن علي، فبعث بهما إلى ابن لهيعة فسأله عن عدالتهما، فلم يُعْرَفا. فاختلف الناس وشكوا. فلما كان العام المقبل، خرج ابن لهيعة مع الناس في طلب العلا، فكان أول قاض فعل ذلك، فكانوا يطلبونه في جِنان ابن أبي حَبَشي، ثم تراءَوه في أصل المقطم.
تنبيه: لَهيعة بوزن عظيمة، وأخطأ من قالها بالتصغير. يقال في فلان لهيعة أي غَبَن وخبل ويطلق على من فيه تغفيل، وأخطأ مَن قالها بالتصغير. يقال في فلان لهيعة أي غَبَن وخبل ويطلق على من فيه تغفيل. وقيل أصله: الهلع فاشتق من مقلوبه وقال أيضاً للمتفيهق في الكلام.
وكانت وفاة ابن لهيعة في الخامس من جمادى الآخرة سنة أربع وسبعين ومائة.
وجزم أبو عمر الكندي بجمادى الآخرة، وشذ هشام بن عَمَّار فقال: في سنة خمس وسبعين.
وقال الخطيب: حدّث عنه سفيان الثوري ومحمد بن رمح، وبينهما في الوفاة إحدى وثمانون سنة.
عبد الله بن محمد بن الخَصِيب بن الصقر بن حبيب الأصبهاني الأصل، شافعي من المائة الرابعة، أبو بكر نزيل مصر.
ولد بأصبهان سنة اثنتين وسبعين ومائتين، وسمع الحديث من محمد بن يحيى المروزي، وأبي شعيب الحراني، وأبي يُوسُف القاضي، ومحمد بن عثمان ابن أبي شيبة، وإبراهيم بن هاشم البَغَوي، ويحيى بن عمرو البختري، وحمزة الكاتب، وجعفر الفريابي، وبهلول بن إسحاق، وأحمد بن الحسين الطيالسي، وإبراهيم بن أسباط وغيرهم.
وروى عنه ابنه أبو الحسن الخصيب، ومنير بن أحمد الخَلَاّل، والحافظ عبد الغني بن سعيد، وعبد الرحمن بن عمر بن النحاس، وآخرون.
وقع لنا حديثه فيا لخِلَعِيَّات بعلوّ، وتفقه على مذهب الشافعي.
وكان قوى النفس حسن التصور، وصنّف كتاباً في الردّ على داود، وكتاباً في الرد على الطبري. وولي القضاء نيابة عن محمد بن صالح العباسي المعروف بابن أم شيبان ثم أضيف إليه قضاء دمشق والرملة وطبرية. ثم أحضر عهداً مِنَ الخليفة، ولم يثبت، فقيل له يكون ولدك محمد بن عبد الله نائباً عن محمد بن صالح ويكون العهد باسمه وأنت الناظر عليه. ولبس السواد من دار ابن الإخشيد، حضر المسجد
الجامع العتيق، وذلك في نصف ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة واستكتب ابنه ينظر في الأحباس، وتصلَّب في الأحكام، واحترز في أحواله كلها، وزاد في أجر الأحباس، وزاد المرتبين بسبب ذلك زيادة ظاهرة، وعقد مجلس الإملاء، ومجلس المناظرة، وكان يحضر فيه جماعة من الفقهاء الموافقين والمخالفين، ويتكلم معهم أحسن كلام. وكان ثقة فيما يحدث به. فاتفق أنه أملى مجلساَ أورد فيه عن معاوية حديثاً فقال المستملي عن معاوية رضي الله عنه فقال له الخصيبي: يا هذا: الساعة مرّ ذكر عُمر وابنه وابن مسعود، فما ترحَّمتَ على واحدٍ منهم! وترحمتَ على معاوية، وهو طليق ابن طليق، فسكت المجلس.
وبلغه بعد انصرافهم أنهم أنكروا قوله وأن قوماً خرّقوا ما كتبا عنه. فجمع الشهود وأملى عليهم بعد يومين، فقال له يحيى بن مكي بن رجاء: ليس للكالم في هذا وجه، فأمسك، وقطع الإملاء. ثم كان أبو منصور الماوردي يُخَرِّج له
المجالس، وكان الخصيبي يمضي الأحكام والسجلات، وعقود الأنكحة. وعقد لكافور مجلساً للمظالم يجلس فيها كل سبت من أول سنة أربعين. وعقد الوزير جعفر ابن الفضل بن جِنْزابة مجلساً للفقه، فكان الخصيبي وابنه يحضران عند كافور، وعند الوزير، ويحضر ذلك أيضاً ابن الحداد وابن بلبل، وأبو طاهر الذهلي، وكان قدم مصر من دمشق، وكان يتولى قضاء دمشق، فساروا به فتوجه إلى الخصيبي وابنه ليسلّما عليه. فلم يجداه فرجعا. وبلغه ذلك فلم يكافئهما، فبقي في أنفسهما. فاتفق أن أهل دمشق كتبوا في حق أبي طاهر محضراً فساعدهم الخصيبي، وجمع جمعاً من المصريين، أفدخلهم على كافور، فذموا أبا طاهر، فظن كافور
أنهم من أهل دمشق. وكان أبو جعفر مسلم حاضراً، فَسَارَّ كافوراً فصاح الخصيبي: يا أبا جعفر (وَلا تَكُن لِلْخَائنِينَ خَصِيماً) فصاح أبو طاهر: ألا تحسن أدبك يا شيخ بحضرة الأستاذ!.
وصنع ابن الخصيبي كتاباً مزوراً على الخليفة في حق أبي طاهر، فعزله كافور من دمشق، وأضافها لابن الخصيبي، فتنجز أبو طاهر كتباً من بغداد إلى كافور بأن الكتب مزورة، وعاونه أبو جعفر، فلم يرجع كافور عن مساعدة الخصيبي. وكان الخصيبي قد تقرب إلى كافور بمال أهداه له، فصار يساعده.
وتَشكى جماعة من أهل الفَرما من الخصيبي ومن نائبه، فَنَصَرَهُ عليهم، وضُربوا، وَطِيفَ بهم على الحمير، وثار الرعية بالخصيبي في الجامع، فهرب منهم.
ووقع بين الخصبيب وأبي بكر ابن الحداد خصومة في مجلس المظالم فَتَسَابَّا. وكان الخصيبي يتوسع في القول، وأبو بكر لا يجاوز المعقول احترازاً وتصونا وتديناً، فصار في غم من ولاية الخصبيب، تحتي قيل: إنه قال: اصرفوا الخصبيب ولو بابن مرحّب - يعني طيبياً كان بمصر -. وضبط عن الخصيبي أنه قال: العمل لابني محمد وأنا له مُعين، فبلغ ذلك ابنه فأراد أن يظهر ذلك، فكتب التوقيعات بخطه. وختمها وعنونها من محمد بن عبد الله فزال اسم الأب منها، واستظهر على أبيه وأسجل. وتقدم إلى الموقعين أن يكتبوا إلى القاضي محمد بن عبد الله. وكانت وفاة الخصيبي بعد أن بنى داره الكبيرة المعروفة بابن شعرة، وكان اشتراها من محمد بن أبي بكر وعَمَّرها وأتقن وعمل فيها دعوة عظيمة فعمل فيه ابن كشاجم..
اشترى الدارَ الكبيرة
…
ودَعا فيها الوكيره
صغّر البَاب وفي
…
تصغيره أشأم طيره
قبره لاشك فيه
…
بعد أيامٍ يَسِيره
وقال فيه أيضاً:
قبح الله الخصي
…
بيَّ ما أقبح أمرَهْ
اشترى الدار التي كا
…
نت قديماً لابن شعرَهْ
وهي الدار التي
…
يَبتُر فيها الله عُمرَهْ
لا يتم الحَوْل حتى
…
يجعل المجلس قَبرَهْ
فكان كما قال: اعتل ومات في ذي الحجة سنة سبع وأربعين وثلاثمائة.
وسيأتي في ترجمة محمد بن عبد الله الخصيبي، ما وقع للحافظ الكبير أبي القاسم ابن عساكر في ترجمة الخصيبي من الوهم.
عبد الله بن محمد بن أبي ثَوْبان عبد الله بن أبي سعيد أبو سعيد. قال ابن زولاق: قدم صحبة المعز من بلاد المغرب، فولاه النظر في المظالم بمصر، فتنشط في الأحكام واستماع الشهادات والإِسجال بالأحكام، وأمر الشهود أن يكتبوا عنه في تسجيلاته: قاضي مصر والإسكندرية. واختص بشهد ويشهدون عليه في أحكامه. فلما تظلم ابن نبت كيجور في أمر الحمّام الذي كان جَده لأمه أنشأها، وتنجز من المعز توقيعاً بأن ابن أبي ثوبان ينظر في أمرها، وأقام عنده البيِّنة بأن جَده المذكور بني الحمام المذكور، وأنه توفي وانحصر إرثه في بنته، وهي والدة المدعي، وكان المعز تقدَّم إلى قضاته أن يورثوا البنت جميع الميراث، إذ لم يكن معها أخ أو أخت. فكتب ابن أبو ثوبان له سجلاً بذلك وأحضر الشهود
ليشهدوا على حكمه، فبلغ ذلك أبا طاهر الذُّهْلي، وكان سبق منه إشهاد على نفسه، بأن محمد بن علي المَاذَرَائي حَبَّس الحمَّام المذكور، فعظم الخَطْب، وكثر القول في ذلك. فحضر جماعة من الشهود وغيرهم مجلس ابن أبي ثوبان، فلما قُرِئ عليه السجل قام لاحسين بن كهمش، وكان كبير الشهود يومئذ، ومقدَّمهم، فقال: إن للقاضي أبي طاهر في هذا الحمَّام سجلاً سابقاً بأنه حُبس، وقد ذكرت في هذا السجل أنه ثبت عندك بشهادة شاهدين بأنها مخلَّفة عن كيجور. فمن
الشاهدان؟ فقال: أبو أحمد عبيد الله بن محمد المرادي. فسئل أبو أحمد فأنكر. فقال له ابن أبي ثوبان: بَلَى، قد شهدت عندي. فقال له الحسين: أما هذا فقد بطلت شهادته، فمن الثاني؟ فقال: محمد بن المهلَّب.
فسئل محمد فقال: أشهد أن كيجور بناه. فقال له الحسين: فمات وهو في ملكه؟ فقال: ما أدري. قال: فالأرض له؟ فسكت. قال: تشهد أن الرضاض الذي فيها والبلاط والمجاري وجميع الآلات مما عمله كيجور؟ فاضطرب في الجواب. فقال له ابن أبي ثوبان: فقد شهدت عند البينة على شهادة علي بن مجلي بذلك. فقال له الحسين: حتى تسمع الشهادة بذلك.
وأيضاً فأنت تكتب في سجلك قاضي مصر والإسكندرية، فصرفت القاضي أبا طاهر أم أنت قاض معه؟ فأوقفنا على سجلك حتى تستقيم لنا الشهادة على أحكامك. فلم يجب، نهض الشهود مستظهرين. فصاروا إلى أبي طاهر فأخبروه، فقويت نفسه، وأنهى ما جرى للوزير يعقوب بن كِلِّس، فاخبر بذلك المعز وتنجز التوقيع عه بما يعتمد عليه في ذلك. فكتب المعز بخطه، يمضي في الحمام ما حكم به محمد بن أحمد، فمضى الأمر على ذلك. وبطل حكم ابن أبي ثوبان وانقطع الشهود عند بعد أن كانوا مواصليه، وشاهدين على أحكامه. فاتخذ جماعة من الشهود عنه بعد أن كانوا مواصليه، وشاهدين على أحكامه. فاتخذ جماعة من
الشهود غيرهم، وأشهدهم على حكمه وإسجاله لابن بنت يجور بالحمام، فانصرف الشهود من عنده وبين أيديهم من ينادي: هؤلاء عدول أمير المؤمنين، في كلام كثير من التعظيم لابن أبي ثوبان.
فلما خرج توقيع المعز في أمر الحمام، انكسروا وقوي أبو طاهر وأصحابه. ومنع أولئك الشهود من حضور مجلسه، واعتل أبن أبي ثوبان بسبب ذلك، فدامت علته إلى أن أتت على نفسه فمات وذلك في سنة..
عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن عبد الباقي المقدسي، مُوَفَّق الدين أبو محمد الحنبلي، من المائة الثامنة. مولده بعد دخول سنة تسعين وستمائة أو قبلها، واشتغل بالفقه، وسمع الحديث بدمشق من أبي بكر بن أحمد بن
عبد الدايم، عيسى المطعم في آخرين، وبمصر من أبي الحسن ابن الصواف، ومسعود الحارثي، وحسن بن عمر الكردي، والشريف الموسوي، موفقية بنت وردان، وغيرهم. وبمكة من الرضِىّ الطبري وغيره. وتقدم في الفقه حتى برع في معرفة المذهب، ثم تحول إلى القاهرة، وولي القضاء في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين. وكان قوي النفس عارفاً بالمذهب، شهماً لا يحابي أحداً، ويسارع إلى بث الحكم.
وكان مع ذلك كثير الإنصاف، تابعاً للحق، واشتهر بالعفة، والنزاهة، والصرامة، والاقتصاد في المأكل والملبس.
وكانت ولايته من قبل الناصر محمد، بعد صرف تقي الدين ابن عوض، بسفارة جَنْكَلي بن البايا، فإِنه أطراه عند السلطان فأحضره وولاه، وعزل ابن عوض وهو الذي عزَّر الشيخ علاء الدين مغلطاي، بسبب ما ذكره في كتاب الواضح المبين، والقصة مشهورة.
وقرأت بخط صاحبنا جمال الدين البشبيشي، أنه عزَّر جمال الدين ابن هشام، لكونه كذَّب أبا حيان في بعض تصانيفه.
وقرأت بخطه أيضاً في كتابه الذي جمعه في قضاة مصر، أنه سمع شيخنا مجد الدين إسماعيلي الحنفي - وقد أجاز لي المجد المذكور مراراً - قال: حضرت يوماَ عند القاضي موفق الدين فدخل إليه ثلاثة شهود ليشهدوا في مكتوب، فأعلم الاثنين وترك الثالث، ومضوا. فحضر إليه الشاهد وحده، فقال: يا مولانا قاضي القضاة، ما ذنبي أتوب منه؟ قال: رايتك منذ أيام ماراً بأرض الطبّالة، فقال: الأمر أمركم، كان العبد هناك في ريبة، فمولانا قاضي القضاة، ما سبب كونه هناك؟ فأطرق، ثم رفع رأسه فقال: أحضروا المكتوب، فحضر وسمع شهادته فيه وَقَبِله، لنه خشي أحد أمرين، إما أن يقول كنت في ضرورة، فيقول له: وأنا كنت في ضرورة: وإما أن يقول له: أنا يجوز لي دونك، فيقول: ما أجازه لك وحرَّمه علي؟ كذا قال.
قلت: وأرض الطَّبَّالة هي المعروفة الآب ببركة الرطلي. وكانت لا يدخلها أو يقيد بها إلا أهل الفساد.
وقد قام الموفق على صرغتمش لما قبض على ابن زُنْبْور وعقد مجلساً بالقضاة وأراد إبطال أوقافه، فراجعه القاضي عز الدين ابن جماعة في ذلك، وأن الموفق إذا
ثبت وحكم به، لم يكن لأحد أن يجعله طلقاً، فاعتل عليه بأن والده فعل ذلك
للناصر في أملاك كريم الدين. فأجابه بأن كريم الدين كان مستولياً على أموال السلطان من كل جهة، فإذا أقرَّ أنها عمرت من مال السلطان بإذنه، وصدًّقه على ذلك عمل به، بخلاف من كان يتصرف في أموال المسلمين كالوزير. فأصر على ذلك، ولم يقنع بالفرق. فأغلظ عليه القاضي موفق الدين.
ومن جملة ما خاطبه به، أخربتَ البلد بشرّك يا صبي. وانقضى المجلس على منع ذلك.
ولم يزل الموفق على شهامته وطريقته إلى أن قدرت وفاته في يوم الخميس سابع عشرين المحرم سنة تسع وستين وسبعمائة. وولي بعده صهره القاضي ناصر الدين نصر الله، فاستمر إلى سنة خمس وتسعين.
وكانت مدة ولايته الاثنين أكثر من خمسين سنة، لم يتخلل في ولاية ناصر الدين ولا موفق الدين قبله أحد. وقد وقع نظير هذه المدة دون التخلل للقاضي بدر الدين ابن جماعة، وولده القاضي عز الدين. فإن البدر ولي سنة اثنتين وسبعمائة، والعزَّ انفصل سنة ست وستين، وتخلل بين ذلك ولاية الزرعي سنةً، والجلا القزويني إحدى عشرة سنة، البهاء ابن عَقِيل دون ثلاثة اشهر.
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن علي بن صدقة، أبو الصلاح ابن عين الدولة الصفراوي، محيي الدين الشافعي، من المائة السابعة.
ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وتفقه، وسمع الحديث من القاضي زين الدين علي بن يوسف الدمشق، ومكرم بن أبي الصقر، وعبد العزيز بن باقا، وجماعة.
وأجاز له من القدماء أبو القاسم ابن الحرستاني وغيره. وكان ديناً خيراً ورعاً رئيساً حسن السياسة.
زلي قضاء مصر والوجه القبلي، عقب وفاة القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز. فاستقر في يوم الخميس تاسع شعبان سنة خمس وستين وستمائة. واستقر في قضاء القاهرة الوجه البحري تقي الدين ابن رَزين. وكان الصفراوي يصحب الصاحب بهاء الدين ابن حنا الوزير، وسعى له في ولايته حتى صيَّره من العدول، فكان يرعى له ذلك.
وسار أبو الصلاح في القضاء سيرة جميلة مع الإحسان إلى الطلبة، وهو القائل:
وليتُ القضاء وليتَ القَضَا
…
لم يَكُ شيئاً تولَّيته
فأوقعني في القضاء القضا
…
وما كنت قِدما تمنيته
وقال:
ثمانون من عمري تَقَضَّت فما الذي
…
أؤمل من بعد الثمانين من عُمري
أَطايبُ أيامي مَضَيْنَ حَميدة
…
سِراعاً ولم أشهر بهن ول أدْرِ
كأنَ شَبابي والمَشِيبُ يروعه
…
دُجَي ليلةِ قد رَاعَها وَضحُ الفجر
ويقال: إنه دخلت عليه امرأة في حكومة، فقال لها: ما اسمك؟ قال: ست من رأى، فوضع كمه على عينيه.
وحصل له في أواخر عمره فالج، فأقعد، وعجز عن الكتابة، فكان كاتب الحكم يعلّم عنه.
وكان الصاحب إذا ثقل عليه في تعديل شخص، استدعى شخصاً من طلبة العلم الفقراء فيعدِّله معه، ويقولك لعل هذا يجبر خلل هذا ويقرأ. (خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيْئاً) .
وحكى الشيخ تقي الدين ابن الصائغ، شيخ القراء: أنه قرأ مكتوباً بحضرة القاضي محيي الدين هذا ورفيقه تقي الدين ابن رزين قاضي القاهرة، فوقع في نعوت والد القاضي تقي الدين، وصفه بالقاضي، فقال محيي الدين لتقي الدين: هل وَلي والدُك القضاء؟ فقال: لا. قال: كيف يقرأ الكاتبُ علي الكذب!.
ومن نوادره أنه ناظر بعض الفقهاء فرأى دعواه أكثر من علمه فأنشد:
وادَّعى أنه خبيرٌ بصيرٌ
…
وهو في العمى ضائع العكازم
ويحكي أنه تلقى الملك..
وصرف عن القضاء سنة ست وسبعين، فاستمر مصروفاً إلى أن مات في خامس شهر رجب سنة ثمان وسبعين وستمائة.
عبد الله بن مِقداد بن إسماعيل بن عبد الله الأَقْفَهْسي، جمال الدين، مالكي من المائة التاسعة.
ولد بعد الأربعين، وتفقه بالشيخ خليل، وتقدم في المَذْهب، ودرس. وناب في الحكم مدة، أولها عن عَلَم الدين البساطي، ومن بعده.
ثم ولي القضاء استقلالاً مراراً. أولها في ولاية الناصر فرج بعد موت ابن الجلال، وآخرها بعد صرف الشهاب الأموي في رمضان سنة سبع عشرة وثمانمائة، وانتهت إليه رياسة المذهب، ودارت عليه الفتوى فيه.
وكان عفيفاً حسن المعاشرة والتودد، قليل الأذى والكلام.
وكانت ولايته الأولى دون خمسة أشهر. وعزل بابن خلدون في ثلاث عشرين شهر رمضان سنة ثلاث وثمانمائة. إلى أن مات وهو على القضاء في أواخر الدولة المؤيدة، في رابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة وهو شارح الرسالة.
عبد الله بن هبة اللهب بن معالي بن كامل بن عبد الكريم، المفضل بن ضياء الدين أبي القاسم الصوري المقدسي، أصله من شَهْر زُور. إمامي من المائة السادسة
وكان ينوب في القضاء والدعوة. ثم ولي القضاء بعد صرف مجلي في أواخر شعبان سنة تسع وأربعين خمسمائة. ولاه الصالح طلائع بن رُزِّيك، وأضيفت إليه الدعوة، وناب عن الخليفة الفائز في الخطابة في الأعياد. ولقب بضياء الدين فخر الأمناء ثم عزل في العشر الأخير من المحرم سنة ثمان وخمسين، وأعيد أبو الفضائل يونس من قِبّل شاور. ثم صرف في العشر الأول من ذي الحجة وأعيد هذا ثانية في أوائل المحرم يعني سنَة تسع وخمسين. ثم صرف في ربيع الأول سنة تسع وخمسين، فولي الحسن بن علي بن العوريس. ثم أعيد ثالثة في
ذي الحجة سنة خمس وستين ثم صرف في جمادى الأولى سنة ست وستين، وقتله السلطان صلاح الدين سنة تسع وستين وخمسمائة، فيمن قتل من المنتمين إلى الفاطميين. وكان الفقيه علي بن نجا سعي الفقيه عمارة وابن كامل وغيرهما إلى صلاح الدين بنهم يريدون عود الدولة الفاطمية فشنقهم في رمضان من السنة. ولابن كامل شعر حسن، وكان ذا فضل وأدب. ومن شعره:
لئن كان حكمُ الدهر لا شك واقعا
…
فما سَعينا في دفعه بنجيح
وإن كان بالتحييل يكمن دفعهُ
…
علمنا بأن الحكم غير صحيح
وله يَا رَافيا خَرْقَ كل ثوب
…
ويا رشاً اعتمادي
عسى بخيط الوصال ترفُو
…
ما مزَّق الهجر من فؤادي
عبد الله وليد هو ابن أحمد بن شعيب. تقدم عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن خُذَامِر الصنعاني أبو مسعود، من المائة الثانية أصله من الأبناء من ذرية الفرس الذين وجههم كسرى لقتال الحبشة، حالف يزيد بن خذامر قوماً من البسئيين. وقد شهد فتح مصر واختط بها.
وكان عبد الله فقيهاً ورعاً. وذكره أبو سعيد بن يونس فقال: روى عنه موسى بن أيوب الغافقي وغوث بن سليمان، وكان رجلاً صالحاً، حدثني أحمد ابن داود بن أبي صالح الحراني، حدثنا أحمد بن وزير عن يحيى بن عبد الله بن بُكيْر عن عبد الله بن المُسَيَّب العدوي قال: وفد من أهل مصر وفدٌ على
سليمان بن عبد الملك منهم أبو خذامر الصنعاني فسألهم فذكر مثله، لكن قال فهرفهما له عمر، فكتب إلى أيوب بن شُرَحُبِيل بولاية ابن خذامر القضاء، فولى القضاء من سنة مائة إلى سنة خمس ومائة.
وقال أبو عمر: وكان قدم الشام في فتية من أهل مصل على سليمان بن عبد الملك فسألهم عن شيء من أمر العرب فأخبروه بما يحب، ولم يتكلم عبد الله بشيء. فلما خرج قال عمر بن عبد العزيز: يا أبا مسعود ما منعك من الكلام مع أصحابك؟ قال: خفت الله أن أكذب. فحفظها له عمر. فلما ولي الخلافة كتب إلى عامله بمصر بولاية عبد الله القضاء. وذلك في رجب سنة مائة. فاستمر إلى سنة خمس ومائة. ذكر ذلك أبو عمر.
ونقل عن ابن قُدَيْد عن ابن عبد الحكم أن عبد الله هذا صرف عن القضاء سنة اثنتين ومائة. أقال: وهذا ليس بصحيح. وساق الأول بسند صحيح إلى عبد العزيز بن ميسرة.
وكان يكاتب عمر بن عبد العزيز في المشكلات التي تقع له، ويقضي بما يأمره به. وهو أول من ولي القضاء بمصر من غير العرب.
قال أبو عمر: لم يقبض منذ ولي القضاء بسبب القضاء درهماً ولا ديناراً.
ونقل غوث بن سليمان عنه أنه قال: ما أخذت في القضاء سوى جوربين فلما صرفت، تصدقت بهما.
وكان غوث يقول: وددت أني علمت من أي وجه صارَا إليه.
وكان عزله في النصف من شهر رمضان سنة خمس ومائة، فكانت ولايته خمس سنين وثلاثة أشهر.
عبد الأعلى بن خالد في عبد الرحمن بن خالد.
عبد الجبار بن إسماعيل بن جعفر بن عبدا لقوي بن الجليس
يكنى أبا القسم، ويقال: اسمه هبة الله ويقال: عبد الله، ويقال: كنيته أبو الفتح إسماعيلي من المائة السادسة، يلقب الموفق في الدين.
ولي القضاء في ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسمائة في أواخر الدولة العاضدية عوضاً عن المفضل بن هبة الله ثم أعيد المفضل في آخر الشهر، ذكر ذلك ابن ميسر. قال: وفي الثامن من شهر رمضان شُنق هو وجماعة من رؤساء المصريين بالدولة الفاطمية، وكانوا اجتمعوا وأرادوا إعادة الدولة وتعاهدوا على ذلك، وعلى أن يكاتبوا الفرنج ليحاصروا القاهرة إذا تشاغل بهم صلاح الدين وثبوا على القصر، وأعادوا الدولة العبيدية، فاتفق أن حضرهم أبو الحسن بن نجا الواعظ، فَنَمَّ إلى السلطان صلاح الدين، فأمر الأمير نجم الدين ابن مَصَال، فقبض عليهم. منهم: القاضي الأعز ابن عويريس والقاضي صدر الدين أبو القاسم بن كامل الصوري، والفقيه عمارة اليمني الشاعر، ومصطنع الملك نجاح، والقاضي عبد الجبار بن عبد القوي، والأمير سرايا، وزين الدين داعي الدعاة، والقاضي عبد الصمد، وغيرهم فشنقهم. وتتبع الإسماعيلية وأخرجهم من الديار المصرية. وأخرجوا جميعاً من بالقصر من حواشي الفاطميين، فأسكنوهم بمصر، وخلت القاهرة من المجامع.
قالوا: وكان الجليس خبيراً بتحصيل الأموال، له مكر ودهاء ومعرفة بما يدخل فيه، وحسن تخلص منا يقع فيه. فلما دنا هلاكه لم ينفعه شيء من ذلك وكان مَوْصُوفاً بالشُّحِ المفرط، وبمعرفة خبايا القصر وذخائره.
وفي ولايته الحكم، جاءت الدولة الأيوبية، فاستمر إلى أن أبطلت الدعوة العاضدية. ويقال إن السلطان صالح الدين قرره قبل قتله على ما في القصر، فأطلعه على بعض وكتم بعضاً. ويقال إن الذي نَمَّ عليهم، نجمُ الدين بن مصال، وقد كان من أمراء الفاطميين، ثم اتصل بصلاح الدين. فلما توافق الجماعة عل القيام في إعادة الدولة راسلوه. ثم نَمَّ بهم لما علم أن أمرهم غير منتظم، فخشي على نفسه أن يهلك معهم، فبادر فبرَّأ نفسه وأوقعهم.
عبد الحاكم بن سعيد بن سعيد بن مالك الفارقي، أخو مالك بن سعيد، إسماعيلي من المائة الخامسة. أول ما ولي القضاء عوضاً عن قاسم بن عبد العزيز في سابع عشرين شهر رجب سنة تسع عشرة وأربعمائة، وأضيف إليه الأحباس واتسعت يده في الأحكام وتحصيل الأموال إلى أن قيل: صادر دخله في السنة عشرين ألف دينار.
قال ابن ميسر: وكان سقط النفس، يكثر من أكل الهريسة والزلابية في سطح الجامع، وحين يحضر للحكم بالجامع. قال: ومات في ولايته رجل يقال له الزيلعي وترك مالاً جزيلاً، ولم يخلف سوى بنت واحدة، فورثوها جميع المال على قاعدة مذهبهم، فتطاول الناس لتزويجها لأجل كثرة مالها، ومن جملتهم عبد الحاكم، فامتنعت فحنق منها، وأقام أربعة شهدوا بأنهم سفيهة، واحتوى على مالها، فهربت منه، وطرحت نفسها على الوزير أبي القاسم الجَرْجَرَائي وعرّفته
ما اعتمد معها القاضي فعمل لها محضراً برشدها واستكتب لها جماعة منهم ابن أخي القاضي أبو الحسين بن مالك بن سعيد. فأمر الوزير بإحضار القاضي فاحضر مُهاناً، ووكل به من استعاد منه المال، وذلك بعد أن كان تصرف فيه قبل، بأربع سنين. ثم قبض الوزير على الشهود الذين شهدوا بسفهها، فأودعهم السجن، وخلع على من شهد لها بالرشد. وألزم القاضي بتسليمها مالها، ووكل به عِنده في داره، فصار يزن في كل يوم شيئاً، وولده ينوب عنه في الأحكام إلى أن صرف في يوم السبت لست بقين من ذي القعدة سنة سبع وعشرين وأربعمائة. فكانت ولايته ثماني سنين وأربعة أشهر إلا يوماً واحداً وتأخرت وفاة عبد الحاكم إلى العشرين من صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وكان قد لزم داره بالقاهرة فلم يخرج عنها حتى مات، ومات بعض أولاده فصلى عليه في داره، ودفنه فيها.
وفيه وفي قاسم بن عبد العزيز الذي كان قبله يقول بعض الشعراء:
ولما تولي ابن عبد العزيز
…
قضاء القُضَاة تولى القَضا
وأعقب من بعده الفارقي
…
فأدبر إِقباله وانْقَضَى
وحَطَّ دعائم دين الإله
…
وأوقد في الأرض جَمْر الغَضَا
وعاد القضاءُ إلى قاسم
…
فأصحب عن رُشده مُعْرِضاً
فَلا ذَا بسيرته يُرتَضَى
…
ولا ذَا بتدبيره يُسَتَضَا
فهذا رئيسٌ به لوثَة
…
وهذا وَضيعٌ بعيد الرِّضا
فما فيهما أحد يُرْتجى
…
ولا فيهما أحدٌ يُرْتَضَى
فلا بارك اللهُ فيمن أتَى
…
ولا بارَك الله فمين مَضَى
عبد الحاكم بن وُهَيْب بن عبد الرحمن المليجي الربعين، من أهل مصر، إسماعيلي المذهب من المائة الخامسة، يكنى أبا القاسم ولاه المستنصر القضاء بعد عزل أحمد بن عبد الحاكم الفارقي في سابع ذي القعدة سنة خمسين وأربعمائة، ولقب قاضي القضاة، ثقة الأنام، عَلَم الإسلام.
قال سليمان بن علي بن عبد السميع: ولما استقر في القضاء، ساءت أُحدوثته وقَبْحَت طريقته، فصرف في حادي عشر رجب سنة اثنتين وخمسين.
فكانت مدة ولايته الأولى سنة وثمانية أشهر ويومين. واستقر مكانه أحمد بن محمد بن أحمد بن زكريا.
نقلت ذلك من خط محمد بن المنذري، وهو المعروف بابن أبي العوام، وقد تقدم ذكره.
ثم أعيد عبد الحاكم ثانية في سنة ثلاث وخمسين، بعد أحمد بن عبد الحاكم للقضاء، وأضيفت إليه المظالم وجميع أسباب الحكم من الصلاة والخطابة وغير ذلك سوى الدعوة. وصرف في رمضان فكانت ولايته الثانية شهراً وخمسة أيام.
ثم أعيد الثالثة في المحرم سنة خمس وخمسين.
قال سليمان بن عبد السميع: أنفذ إلى جميع الشهود في الرابع من صفر سنة أربع وخمسين، فبكروا يوم الأحد إلى باب القصر، فخرج إليهم قبل الظهر سعيد السعداء، فتقدم إلى عبد الحاكم بالنظر في الحكم، وأعيدت إليه العامة، وأمر
الشهود بالمسير معه إلى الأبواب لتقبيل الأرض بها على العادة. وجلس بالجامع الأزهر ينظر بين الناس إلى العصر. ونزل ولده إلى مصر في غد ذلك اليوم، فحكم بين الناس ولم يخلع عليه إلى يوم الأحد التاسع من ربيع الآخر. فلم يزل إلى أن صرف في سادس عشر المحرم سنة خمس وخمسين. وكانت ولايته الثالثة، أحد عشر شهراً وأحد عشر يوماً.
ثم أعيد الرابعة في خامس عشر ربيع الآخر، وصرف في سابع عشر شعبان منها بابن أبي كدينة.
ثم أعيد الخامسة في خامس جمادى الأولى سنة ست وخمسين، ثم صرف بعد خمسة أيام. ثم أعيد في سلخ رمضان، وصرف في يوم عيد النحر. ثم أعيد في صفر سنة إحدى وستين، ثم صرف، ثم أعيد في ذي القعدة سنة ثلاث وستين. وصرف في ربيع الأول سنة أربع وستين.
قال أبو نصر ابن ماكولا في الإكمال: كان عارفاً باختلاف الفقهاء.
عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعيد بن ميمون الدمشقي اليزيدي، مولى آل عثمان، يكنى أبا سعيد، ولقبه دُحيم، بمهملتين مصغراً، وكان يعرف أولاً بابن اليتيم.
ولد سنة سبعين ومائة، قاله ولده عمرو، وسمع من معروف الخيّاط، ومن الوليد بن مسلم، وابن عُيَيْنَة، ومَرْوان بن معاوية، وعُمر بن عبد الواحد، وبِشر ابن بكر، وشُعيب بن إسحاق، وأبي ضمرة أنس بن عياض، ومحمد بن أبي فُدَيك، ومحمد بن شُعيب بن شَابور، وأيوب بن سُويد الرَّملي، وسعيد بن هاشم بن مرثد الطبراني خاتمة أصحابه.
روى عنه الجماعة إلا مسلماً والترمذي وروى النَّسائي عنه بواسطة، وروى عنه أيضاً ولداه إبراهيم وعَمْرو، والحسن بن محمد الزَّعفراني، وهو قريب من طبقته، وأحمد بن منصور الرَّمادي، وأبو زرعة الدمشقي، والرازي وأبو حاتم ويعقوب بن سفيان وإبراهيم الحربي، وغيرهم من الكبار.
وممن بعدهم جعفر الفِريابي، ومحمد بن الحسن بن قُتَيبة، ومحمد بن خُرَيم.
قال أبو سعيد بن يونس: قدم مصر وحدَّث بِهَا، وكان ثقة ثبتا.
وقال عَبدان الأهوازي: سمعت الحسن بن علي بن بحر يقول: قَدِمَ دُحَيْم بغداد، فرأيت أبي ويحيى بن معين وخلف بن سالم قُعوداً بين يديه.
وقال الخطيب: كان ينتخل في الفقه مذهب الأوزاعي. وقال المَرُّوذي: أثنى عليه أحمد، وقال: هو عاقل رزين. وقال العجلي أبو حاتم والنسائي والدارقطني: ثقة.
وقال أبو حاتم كان دحيم يميز ويضبط حديثَ نفسِه.
وقال الإسماعيلي: سئل الفرهيانيّ: من أوثق أهل الشام؟ قال: أعلاهم دُحَيم، وهو أحب إليَّ من هشام بن عمار، وهشام أَسَنُّ.
وقال ابن عدي: هو أثبت من حرملة.
وولي لقضاء فلسطين في أيام المتوكل، ثم فوض إليه قضاء الديار المصرية بعد صرف الحارث بن مسكين فتوجه إليها فمات بغتة ودفن بفلسطين.
ولما بلغ ذلك المتوكل، ولي بكار بن قتيبة.
وكان دحيم يكره أن يلقب بذلك. قاله ابن حبان في الثقات. قال: وهو تصغير دحمان وهو بلغتهم، الخبيث.
وكان من المتقنين الذين يحفظون علم أهل بلدهم وشيوخهم.
وقال الخّلِيلي: كان أحد حفاظ الأئمة ويعتمد عليه في تعديل شيوخ الشام وَجَرْحِهِم.
وقال ابن يونس: توفي بالرملة سنة خمس وأربعين ومائتين.
وقال أبو القاسم النسيب حدثنا عبد العزيز هو الكَنَّانِي أخبرنا أبو محمد بن أبي نصر حدثنا أبو الميمون بن راشد، أنشدني عمرو بن دحيم، أنشدني أخي محمد عن رجل من ولد أبي عبد الله الأشعري الطبري في أبي لما ولي القضاء بطبرية وغيرها من مدن فلسطين، وكان جده الأعلى ميمون من موالي بني أمية، وكان دُحَيم شديد الميل إلى بني أمية، فعرَّض به الشاعر المذكور بأن قال:
قالت مقالاً أبانت فيه لي غضبا
…
إخال رأى بني العباس قد غَربا
فقلت ما حادث جاء الزمان به
…
قالت: دُحيم تولى الحُكم واعَجبا
ضاع القضاء وضاع الآمرون به
…
والدهر من وجهين صار مُنقلبا
قالت أمية: هذا وقت دولتنا
…
ردت إلينا فإن الأمر قد قربا
منا القضاة عل الأمصار قد علمت
…
عَلْيَا مَعَدّ بأنا لم نَقُل كَذِبا
فلست مستوجباً حكماً نقلده
…
أبا سعيد ولم يستوجب النسبا
عبد الرحمن بن إسحاق بن محمد بن مَعْمَر بن حبيب بن المِنْهال السَّدُوسي، أبو علي الجوهري الحنفي، من المائة الرابعة.
قال ابن زولاق: ولد سنة خمسين ومائتين. وقال ابن يونس: سنة إحدى وخمسين بسامرا. وكتب بالعراق، وحدث عنهم بمصر. كان مكثراً عن علي ابن حَرْب. وكان ثقة.
وقال ابن زولاق: وسمع من علي بن حرب الطائي نحو ستين جزءاً. أخذ عن الربيع بن سليمان أكثر كتب الشافعي. وحدث أيضاً عن محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم.
روى عنه أبو بكر ابن المُقْرِي والطبراني. وولي قضاء مصر بعد صرف إبراهيم بن محمد الكُرَيْزي خلافة عن هارون بن إبراهيم بن حماد، بعد صرف أبي يحيى بن مكرم. فورد الكتاب من هارون إلى أبي علي الصغير، واسمه أحمد ابن علي بن الحسين، وعلي بن علي الجوهري، فتسلما ذلك من الكريزي، ونظرا في الأمور. ثم استقل عبد الرحمن بن إسحاق، فإنه كتب إلى هارون بذلك يسأله إقراره، فأجاب سؤاله، وارتفعت يد أبي عليّ الصغير، واستقل الصغير بالنظر في الصدقات.
وقال ابن يونس: تسلّم القضاء لأحمد بن إبراهيم بن حماد نحو سنة، إلى أن قدم ابن حماد.
فهذا يدل على أن ولايته من قبل أحمد، ولا من قبل أخيه هارون. وكان أحمد من قبل هارون. فعلى هذا يكون عبد الرحمن نائب نائب القاضي. وظاهر كلام غيره، أنه إنما ناب عن هارون، ثم استناب هارون أخاه أحمد.
قال ابن زولاق: كان عبد الرحمن بن إسحاق عاقلاً فقيهاً حاسياً فهماً، له في الحساب تصنيف وافر، ولم يترك حلقته التي كان يشغِل فيها في الجامع، بل كان يروح كل ليلة. وكان ينفد له بضاعة صوف إلى مكة في كل سنة، وكان عفيفاً. ويقال إن المودع بقي فيه ثمانون ألف دينار مما كان أبو عبيد خلفه فيه وطال العهد بها، ولم يأتِ لها طالب. فلم يتعرض لها عبد الرحمن، حتى جاء الذي بعده فَذِابَت كلها في النفقات والصِّلات والهِبات.
وكان عبد الرحمن يتأدب مع الطحاوي جداً، بحيث لا يركب حتى يركب، ويقول: هو عالمِنا وقُدوتنا، ويقول: هو أسَنُّ مني بإحدى عشرة سنة. والقضاء أقل من أن أفتخر به على أبي جعفر.
وكان ابن الفرات الوزير، غضب من صرف الكريزي، ففوض نظر الأحباس لعلي بن أبي بكر وأفردها على القاضي.
ولم يزل عبد الرحمن ينظر في الحكم إلى ربيع الآخر سنة أربع عشرة. فكانت مدة ولايته سنة واحدة وشهرين. وعاش بعد ذلك إلى سنة عشرين وثلاثمائة.
عبد الرحمن بن حُجيرة بمهملة ثم جيم مصغر. ويقال له ابن حُجيرة الأكبر. روى عن عمر، وأبي ذَر، وابن مسعود، وعُقْبة بن عامر، وعبد الله بن عَمر ابن العاص، وغيرهم. روى عنه ابنه عبد الله، والحراث بن يزيد، وأبو عَقيل زُهْرَة بن مَعْبَد، ودَرّاج أبو السَّمْح وغيرهم.
وَثقة النسائي والعِجْلي والدَّارَقُطني وابن حِبان.
قال خلف بن ربيعة عن أبيه عن جده الوليد بن سليمان، قال: كان ابن حُجيرة من أفقه الناس، فولاه عبد العزيز بن مروان القضاءَ، فسألت سعيد بن السائب بن عبد الرحمن بن حُجيرة، متى ولي جَدك القضاء؟ قال: لا أدري، غير أني رأيتُ له قضية عند آل قيس بن زُبَيْد الخَوْلأاني، تاريخها في شهر رمضان سنة سبعين، لا أعلم أني رأيت أقدمَ منها.
وقال ابن لَهِيعة عن عبيد الله بن المغيرة: إن رجلاً من أهل مصر، سأل ابن عباس عن مسألة، فقال: تسألني وفيكم ابن حُجيرة! وعن موسى بن ورَدان، قال: سألت سعيد بن المُسَيَّب فذكر مثله.
وقال عبد الرحمن بن أبي السمح عن أبي الليث عاصم بن العلاء: إن ابن حُجيرة كان على القضاء والقصص وبيت المال، وكان رزقه في السنة ألف دينار، عن القضاء مائتين، وعن القصص مائتين، وعن بيت المال مائتين، وعطاءه مائتين، وجائزته مائتين. وكان لا يَحُول عليه الحَوْل وعنده منها شيء، بل كان يفضل على أهله وإخوانه.
ومن أقضيته، أنه قضى في امرأة من حِمْيَر جَدَعَت أَمةً لها، فأعتق الأمة، وقضى بولائها للمسلمين.
وكان يرجح في الشهادة بالكثرة، إلا أن يكون هناك صاحب بَدْر، ولكن لا يحجر على سفيه في ماله، لكن ينهى الناس عن معاملته بعد أن يشهره. وكان لا يقبل لأحد هدية، ولا في الأعياد والمواسم. وكان له عبد يستقي له الماء فمات، فأخذ هو البغل، وتوجه بنفسه ليستقي. كانوا يقتدون به في أشياء كثيرة لورعه وصدقه.
ومن كلامه: إذا قضى القاضي بالهَوَى، احتجبَ الله عنه.
قال ابن يونس: يكنى أبا عبد الله وهو خَولاني من بني يعلى بن مالك. وحكى أبو عمر عن غَوث بن سليمان قال: لما ولي عبد الرحمن بن حجيرة القضاء أخبروا أباه بذلك فقال: هَلَك ابني وأَهْلك. وكان أولاً وَلِي القصص فأخبروا أباه فقال: ذكَر ابني وذكَّر. وقد تقدم هذا لعبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة، وهو أليق بها.
وكان السبب في كتابة المصحف المذكور، أن الحجاج استكتب في إمارته على العراق مصاحف، فبعث منها إلى مصر واحداً، فغضب عبد العزيز بن مروان وقال: تبعث إلى جندٍ أنا فيه بمصحف! فأمر مَن كتب له المصحف الذي هو الآن بمصر بالمسجد الجامع. فلما فرغ قال: مَن أخذ فيه حرفاً خطأ، فله رأس أحمر وثلاثون ديناراً. فتداوله القراء فجاء رجل من قراء الكوفة اسمه زُرعة بن سَهل الثقفي، فيما ذكر ابن يونس، لجده خَرَشة بن الحُرَ صُحبة، فقرأه تهجياً. ثم جاء
إلى الأمير عبد العزيز فقال: وجدت فيه حرفاً خطأ. فنظروا فإذا هي (إنَّ هَذَا أخي لهُ تسعٌ وتِسْعُونَ نَعْجةً) فإذا هي مكتوبة (نجعة) بتقديم الجيم على العين. فأمر عبد العزيز بالورقة فأبدلت. ثم أمر له برأس أحمر وثلاثين ديناراً.
وكان يأمر بأن يحمل غَداة كل جمعة من دار عبد العزيز إلى المسجد الجامع فيقرأ فيه. فكان أول مَن قرأ فيه عبد الرحمن بن حُجيرة، كان متولي القضاء والقصص يومئذ، وذلك في سنة ست وسبعين. وكان استكتب عبد الملك بن أبي العوام الخولاني، فهو الذي كان يكتب عنه ما يحتاج إلى كتابته في أقضيته.
فمن أقضيته ما أخرجه أبو عمر بسندٍ صحيح إلى عبد الله بن الوليد أن رجلاً أتى عبد الرحمن بن حُجيرة فقال: إني نذرتُ ألا أكلم أخي أبداً. فقال: إن الشيطان ولد
له ولد فسماه نذراً، وأنه من قطع ما أمر الله به أن يوصل حلّت عليه اللعنة.
وروى عن عَطاء بن دينار: كان ابن حجيرة يقضي في متعة الطلاق بثلاثة دنانير. ومن طريق ابن لَهيعة عن سعيد بن المسيّب، أن ابن حجيرة كان يشرب السوبيا.
وأخرج ابن وهب بسند صحيح أن ابن حجيرة سألته امرأة عن صبي مولود هل يجزى عن رقبة؟ قال: نعم. أعتقيه.
وذكر ابن عبد الحكم من طريق موسى بن وردان: أن سعيد بن المسيب كتب إلى ابن حجيرة، أنْهَ أهل بلدك عن الربا فإِنه فيها كثير.
ومات وهو قاضٍ في إمارة عبد العزيز بن مروان سنة ثلاثٍ وثمانين. فكانت مدة ولايته القضاء ثلاثة عشرة سنة وشهوراً. هذا هو الصحيح.
وحكى ابن عبد الحكم في كتاب (فتوح مصر) أنه مات سنة خمس وثمانين.
عبد الرحمن بن خالد بن ثابت العبسي ويقال الفهمي ويقال: اسمه عبد الله. ويقال: عبد الأعلى. مصري من المائة الأولى ولي القضاء من قِبل عبد الله بن عبد الملك في صَفر سنة تسع وثمانين بعد صرف عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل ولم تطل ولايته وولي بعده عبد الرحمن بن معاوية بن خُدَيج ثبت أن ولايته في صفر تسع وثمانين لكن لم يثبت قدر ولايته هذا وقد ثبت أن ولاية عبد الواحد كانت سنة واحدة فتحرر من هذا أن مدة ولاية صاحب الترجمة كانت أياماً فلهذا لم يذكر في القضاة.
عبد الرحمن بن سالم بن أبي سالم الجَيْشَانِيّ، مولاهم. واسم أبي سالم: سفيان بن هانئ بن جبر بن عمرو من المعافر. يكنى أبا سلمة.
قال ابن يونس: روى عن أبيه. روى عنه الليث بن سعد، وابن لَهِيعة. قال: وولي القضاء والقصص معاً، وكانت ولايته من جهة حوثرة بن سهيل أمير مصر في المحرم سنة ثمانٍ وعشرين ومائة.
قال أبو عُمر الكِنْدي: لما ملك بنو العباس مصر أَقَره صالح بن علي، وأجازه فاستمر إلى أن خرَج صالح من مصر في شعبان سنة ثلاث وثلاثين، وولي مصر
عوضه أبو عون عبد الملك بن يزيد، فرأى في ديوان الجند خلَلاً، فقيل له: إن عبد الرحمن بن سالم مِن أعلم الناس بأمور الديوان، فعزله عن القضاء وجعل إليه الديوان، وأعاد خير بن نعيم في مستهل رمضان منها.
وكانت مدته في القضاء خمس سنين وسبعة أشهر. ويقال: إن أهل مصر طلبوا من أميرهم أن يرد إليهم خير بن نعيم.
وقال أبو سعيد بن يونس: يقال أنه مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، وجزم بذلك غيره.
وقال يحيى بن بكير: أهل بن سالم الجيشاني يقولون إنهم من المعافر.
ووجدت في ديوان بني أمية في زمن مروان بن محمد ورقة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. من عيسى بن أبي عطاء إلى خُزّان بيت المال، فأعطوا عبد الرحمن بن سالم القاضي رِزقَه لشهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين، عشرين ديناراً، واكتبوا بذلك براءة، يعني شهادة عليه.
وكُتب يوم الأربعاء لليلتين خَلَتا من شهر ربيع الأول
عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن المُجَبَّر بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي العمري. أُمْه أَمَةُ الحميد بنت حفص ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مظعون الجمحية. مدني الأصل مالكي
المذهب، من المائة الثانية. روى عن مالك.. روى عنه يحيى بن بكير وأبو صالح كاتب الليث، وزكريا بن يحيى الحرسي. قال ابن يونس: يكنى أبا عبد الله.
وقال أبو عمر: تولي من قبل الرشيد فدخل مصر في صفر سنة خمس وثمانين ومائة، فاستكثر من الشهود ودوّن أسمائهم في كتاب، وهو أول من فعل ذلك. واستكتَب أبا داود النحاس، وزكريا بن يحيى، الحَرسي - ولذلك كان يقال له: كاتب العمري - وخالد بن نجيح وإسحاق بن محمد بن نجيح.
قال سعيد بن عفير: كان من أشد الناس في عمارة الأحباس. كان يقف عليها بنفسه ويجلس مع البنّائين أكثر نهاره.
وقال ابن وزير: لما ولي العمري جعل أشْهَب على مسائله، وضم إليه يحيى ابن بُكيْر، ويحيى بن عبد الله بن حَرملة، وأمرهم بإدامة من عرفه منه ستر وفضل.
وقال يحيى بن عثمان بن صالح عن أبيه: كان خَوَاصّ العمري، عبد العزيز ابن مطرف، وسابق بن عيسى، ويحيى بن بكير، وسعيد بن عفير.
وقال أحمد بن يحيى بن وزير: لم يكن في قضاتنا أكثر شهوداً من العمري. كان قد اتخذ نحواً من مائة من أهل المدينة، أكثرهم من موالي قريش والأنصار، وكان رئيسهم عبد العزيز المطَّرفي.
وجرى في ولاية العُمري قصة أهل الحرس، وهو قوم من أهل مصر كان رؤساء المصريين يؤذونهم، كأبي رَحْب الخولاني، وهاشم بن حُديج، وغيرهما من العرب. فاجتمع الحرسيون إلى كاتب العمري زكريا بن يحيى الحرسي فقالوا له: حتى متى نؤذي ونطعن في آبائنا فأشار عليهم أن ليأذن لهم في كتاب سجل بأن لهم أصلاً في العرب. فجمعوا له ستة آلاف دينار. فلما صار المال إلى العمري، لم يجسر أن يسجل لهم. فقال: اركبوا إلى الخليفة. فخرج عبد الرحمن بن زياد الحَرِسي إلى العراق، وأنفق مالاً عظيماً هناك. وادعى أن المفضل بن فَضَالة، كان حَكَم لهم بإثبات أنسابهم إلى الحوتكة بن أسلم بن الحاف بن قضاعة.
وكان أبو الطاهر ابن السَّرح يقول أقر عندي عبد الكريم القراطيسي، وكان يضع على الخطوط نظيرها، أنه وضع قصة على لسان المفضل بإِثبات أنساب
الحرسيين إلى الحوتكة، وأنه أخذ في وضعها من الحرسيين ألف دينار، وأخذ المتولي لديوان المفضل ألف دينار، حتى يجعلها في الديوان.
قال ابن وزير: فحضر عبد الرحمن بن زياد بكتاب الأمين ابن الرشيد إلى العمري يأمره أن يسجل للحرسيين، فدعاهم العمري بالبَيِّنة، أحضروا أهل الحروف من الشرقية وجماعة من بادية الشام، فشهدوا أنهم عرب فسجل له العمري بذلك.
وكان يحيى بن بكير وسعيد بن عفير يقولان: لم يشهد فيه أحد من أهل مصر، وإنما شهد لهم من أحواف مصر وبادية الشام. وفي ذلك يقول يحيى الخولاني من قصيدة:
ومن عَجب الأشياء أن جماعةً
…
من القِبط فينا أصبوا قد تعرَّبوا
وقالوا أبونا حَوتَكٌ أبوهمُ
…
من القِبط عِلج حبله يَتَذَبْذَبُ
وجاءوا بأجلافِ من الحُوف فادَّعوا
…
بأنهم منهم سفاهاً وأجلَبوا
وكان سعيد بن عُفير بذكر عن مالك، أنه كان لا يرى اشتراط المرمَّة في الوقف. قال: فقال لي العمري: لولا المرمَّة، ما بقيت الأحباس لأهلها.
وقال إن النيل توقف في سنة من السنين، فخرج العمري إلى الرمل وبسط يده، ودَعَى وابتهل، فما عاد إلا والماء يجري في أذياله.
وقال أحمد بن يحيى بن الوزير: كان العمري يشدو بأطراف الغناء على طريقة أهل المدينة. ولم يكن بمصر مُسمِعة إلا وركب إليها وسمع غناءها. وهَجَاه يحيى الخولاني بسبب ذلك عدة أهاجي.
وقال فيه معلي الطائي أو غيره:
كم ذا تُطوِّل في قِرَاتِكْ
…
والجورُ يضحكُ من صَلاتِكْ
تقضي نهارك بالهَوَى
…
وتبيت بين مُغنِّياتكْ
ليتَ الثلاثين التي
…
تجري تقوم بمسمعاتكْ
وأتت على صرف الزما
…
ن بما ارتشيت من الحواتكْ
إن كنتَ قد ألحقتهم
…
بالعُرب زَوِّجْهم بَنَاتك
فلتكشفن لما أتي
…
ت صدور قوم عن مَسَاتِك
وكأنني بَمنِيَّة تَسْ
…
عَى إليك بِكف فَاتِكْ
لا تعجلَن أبا النَّدَى
…
حتى تصير إلى وفاتكْ
لو قد ملكتُ لسان أَكْثَم
…
ما وصلتُ إلى صفاتكْ
قال: وكان أهل مصر يكنونه أبا الندى، يشبهونه بأبي الندى مولى البلويين وكان مشهوراً في اللصوص. وذكر قصة مراد ويحصب في الرهان، وأن فرس مُراد جاءَ سابقاً، فَعَمدَ بعض يحصب فضرب وجهه حتى سبقه فَرَس يحصب، فوقع بينهم القتال بسبب ذلك، فركب أمير مصر حتى حجز بينهم وأرسلهم إلى القاضي فأتته يحصب بأموال عظيمة فقضى لهم بالفرس.
فلما صرف وولي البكري نقض حكمه، وقال: لا يجوز الرهان إلا بمحلل القاضي، ولم يكن بين الفريقين محلل فلم يصح الرهان ورد الفَرس لمراد.
وقال يحيى بن عثمان بن صالح: حدثني أحمد بن أحمد بن عبد المؤمن العدوي قال: كان العمري اشترى من أموال الأيتام ضياعاً ورباعاً وسلّمها إلى يحيى بن بكير، فكان ينفق على الأيتام. فلما بلغوا طالَبوه بأموالهم، ورفعوه إلى العُمري، فقال: أنتم استهلكتم أموالكم. فلما قَدِم البكري خاصَموا يحيى، فكان البكري يربطه إلى سارية ويحله في كل وقت صلاة، فلم يثبت في جهته شيء.
وكان العمري أول من اتخذ لأموال الأيتام تابوتاً توضع فيه، ويوضع فيه مال مَن لا وارِثَ له. فكان هو مودع قضاة مصر.
ورفع جاعل أهل مصر إلى الرشيد ما يقع من العمري من الأحكام والارتشاء عليها، فقال: انظروا إلى الديوان كم ولي والٍ من آل عمر؟ فلم يوجد غيره، فقال: انصرفوا فإني لا أعزله.
فلما مات الرشيد واستخلف الأمين، أشار الفضلُ بن الربيع بعزله، لما كان يسمع من سيرته، فقدم بعزله رجل من فهم، ففرح المصريون وأكرموا الفهمي
فقال بعض المصريين.
بنعمة الله وَرَأي الفَضْل
…
نُحِّي عن الحكم عَدُوُّ العدلِ
وكانت مدة ولايته القضاء تسع سنين وشهرين. وصرف في جمادى الأولى سنة أربع وتسعين.
وقال ابن يونس: ولي من قبل الرشيد سنة خمس وثمانين، وعزل من قبل الأمين سنة خمس وتسعين. ووهم في ذلك.
وذكر صاحب المدارك في معرفة أصحاب مالك، في ترجمة سعيد بن هشام ابن صالح المخزومي المصري، نزيل الفيوم، عن الحارث بن مسكين قال: قدم مصر القاضي العمري، وكان شعلة نار. وكان يجلس للناس من الغداة إلى الليل، وكان حسن الطريقة، مستقيم الأمر. وكان ابن وهب وأشهب وغيرهما يحضرون مجلسه. وكان يقول لهم: أعينوني ودلوني على أقوام من أهل البلد أستعين بهم. قال: وكتب إلي أن أَخْلُفَه بالفيوم. وكتب إليّ أصحابنا يشيرون عليّ بذلك. قال: وكتب إلي، يعني آخرون بخلاف ذلك، فأشكل عَلَي الأمر. ولم أدرِ
ما أصنع، فسمعتُ قائلاً يقول وأنا لا أراه:(وَلَا تَرْكَنُوا إلى الذيَنَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) فقلت: لقد بينّ لي ووعظت، وعزمت على أن لا أدخل في شيء فكتبت إلى أصحابي، إن تركتموني وإلا تحولت.
ولما ولي البكري بعده، رفع أهل مصر إليه، أن العمري حصّل مائة ألف دينار، فوكل بالعمري فهرب، وتتبع البكري أحكام العمري ينقضها، وأسقط كل من شهد في سجل أهل الحرس.
وقال أبو عمر: حدثني أبو سَلمة، حدثني أبي عن أبيه قال: أتيتُ العمري بعد قيامه من مجلس الحكم فاستأذنتُ فأذِن لي، فدخلتُ وهو مضطجع وقد تَرَجّل، وصفر يديه وكحّل عينيه، واتشح بإِزار مُعَصْفَر وادهن وهو يضرب بأصابع يديه بعضها على بعض ويقول:
كأني مِن تذُّكرِ أم عَمرِو
…
سَرَتْ قَرَقَفٌ صِرف مُدامُ
وقال سعيد بن الهيثم الأيْليّ: لما ولي العمري القضاء بمصر، دخل عليه رجلان فشكيا إليه تخريب مسجد عبد الله، وشهدا عنده أنه مسجد عبد الله بن عمر بن الخطاب. قال: فأمر ببنائه وَرَاجَ عليه ذلك، وأمر أن يصرف فيه ألف دينار تؤخذ منه تَرِكة محفوظ بن سليمان، وكان مات في ذلك الوقت. فبنى بها وجعل له حوانيت غلة له، وذلك في صفر سنة ثمان وثمانين ومائة. قال: وإنما هو مسجد عبد الله بن عبد الملك بن مروان، بناه لما ولي إِمْرة مصر ليستريح فيه أهل تلك الخطة بحسب سؤالهم. فلما ولي صالح بن علي إمْرة مصر رآه فأعجبه، فسأله عنه فقيل له: بناه عبد الله. فقال: أوَبَقي لبني أمية أثر؟ فأمر بهدمه، ثم رمّمه بعض الجيران، بناءً غير طائل، إلى أن قدم العمري.
عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن خلف بن بدر العَلامِي، أبو القاسم ابن قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأَعَزّ، تقي الدين الشافعي من المائة السابعة.
ولد في ثاني عشر رمضان سنة تسع وثلاثين وستمائة. واشتغل ومَهَر وسمع الحديث من الحافظ رشيد الدين العطار، ومن الحافظ زَكي الدين المنذري وغيرهما. وتعانى الأدب، ونظم الشعر المقبول. روى عنه الحافظ أبو محمد الدمياطي من شعره، وذكره في معجم شيوخه. وروى عنه أيضاً أبو حيان. وتفقه على أبيه وابن عبد السلام وغيرهما. ودرس في عدة مدارس في حياة أبيه. وولي القضاء من قبل المنصور بمصر والوجه القبلي في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين. وكان قد باشر نظر الخزانة ودَرْس الصلاحية المجاورة للشافعي، وبالشريفية وبمشهد الحسين. وولي مشيخة سعيد السعداء، ولقب شيخ الشيوخ. وخطب بالجامع الأزهر، وباشر القضاء بالقاهرة لما نقل الخُوَبّي إلى الشام.
وكان ذا عفة ونزاهة وسؤدد كامل، وعقل وافر، ومهابة زائدة. وكان عارفاً بالأحكام ثبت الجنان يقظاً، كثير التنقيب عن نوابه، ولا سيما في البلاد. وولي الوزارة مرة مضافة إلى القضاء، وذلك في سنة سبع وثمانين، وصرف بعد قليل.
واتفق أن الوزير ابن السَّلْعُوس عاداه، فسعى على عزله، فعزل بالبرهان السنجاري عن مصر والوجه القبلي، فمات البرهان بعد قليل، فأعيد التقي في عاشر صفر
سنة ست وثمانين، فباشر على عادته وتشدد في الأحكام إلى أن رَاسَله الوزير في أمر شخص يقال له نجم الدين ابن عطايا، أن يقرره في بعض الوظائف، وأن يثبت عدالته، وكان غير أهْلِ لذلك، فامتنع. فلما مات المنصور وتولى الأشرف تمكن ابن السلعوس في التحدث في المملكة، فلم يزل إلى أن صرفه عن القضاء، ثم أخرج وظائفه عنه واحدة بعد واحدة. فلما رأى ذلك، رأى مُدَاراته، فمدحه بقصيدة طويلة، وحضر عنده واستأذنه في إنشادها، فأذن له فأنشدها له، فأظهر استحسانها.
ولم يزل ما في نفسه منه حتى رتب عليه شهوداً يشهدون عليه بأمور منكرة حتى قيل إن جملتها كانت خمسين قادحاً. منها الزنا واللواط وشرب الخمر والتَّزَيِّي بالنصارى. وقرر الوزير مع السلطان أن يرفع أمره لبعض الحكام فيسمع البينة عليه، ويمضي حكم الشرع، فأذن له في ذلك. فعقِد له مجلس وادعى عليه، فشهد جماعة عليه بأمور معضلة. فقام فقال: يا معاشر الأمراء والعلماء أنا فلان ابن فلان ابن فلان، وساقَ نَسَبه، ليس في نَسبي بُطرس ولا جرجس، وإذا زعموا أني أشربُ الخمر أو ازني ربما يقبل من اجل شهوة النفس، ولكن شَدّ الزُّنَّار، والتكلم بالكفر، من أي وإلى أين وما الذين لي فيه من اللذة! وأكثر من البكاء والابتهال في حق من كذب عليه. فقام من حضر من الأمراء وهم يبكون، حتى دخلوا على السلطان وعلموا أن لوايح التعصب ظهرت. وأن القاضي بريء من ذلك فأمر بإطلاقه. فلزم بيته إلى أوان الحج فحج. ثم زار المدينة وأنشد تجاه المنبر قصيدة طويلة نبوية، شكى فيها حاله، فذكر أنه رأى في المنام البُشرى بأنه ينتصر وأصبح فرحاً.
واتفق بأنه بلغهم الخبر بقتل السلطان والوزير، وتغيّرت الدولة، فأعيد إلى القضاء في صفر سنة ثلاث وتسعين، وباشر على عادته، وسار سيرته الأولى إلى
أن مات في سادس عشر جمادى الأولى سنة خمس وتسعين. ومن شعره:
وَمَن رَامَ في الدنيا حياة خَلِيَّة
…
من الهَمّ والأكْدَار رَامَ مُحَالا.
وهاتيك دعوى قد تركتُ دَليلّها
…
على كل أبناء الزمان مُحالا
وله أيضاً:
وإذا المصيبة خيَّمت بك لا تكن
…
بقَضَا ربك ضَيِّق الصَّدْرِ
فلعلَّ في طيِّ المصيبة نِعمة
…
سِيقَت إليك وأنت لا تَدري
ومما يُحكَى من حُسن سياسته، أنه لما ثار بعض الناس على الشيخ إبراهيم الْجَعَبِريّ، وادعوا عليه بأشياء كان يقولها في أثناء وعظه، وادعى عليها بها، وشهد مَن شهد، وتأخر الحكم بما يجب عليه، لاستيفاء بقية الشروط، أرسل إليه القاضي تقي الدين ليلاً، فحضر إليه جماعة ممن يعتقد صِدقهم. فلما دخل تَلقَّاه وأجلسه، وقال له في جملة ما تكلم معه: قالوا وقلنا وشهدوا وسمعنا، أفما نقول كلنا: أستغفر الله العظيم؟ فقال ابن الجعبري: نعم أستغفر الله العظيم وأتوبُ إليه وأشهد أن لا إليه إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبرئت من كل شيء يخالف دينه، فصافَحه القاضي وتوجَّه، وكان ذلك يعد من جميل تَلَطّف القاضي، بحيث أمكنه الحكم بحقن دمه بهذه الصورة الجميلة.
عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن هاشم زين الدين التَّفَهْنِي، بفتح المثناة والفاء وسكون الهاء، بعدها نون نسبة إلى قرية من أسفل الأرض بالقرب من دمياط.
ولد سنة ثمان وستين، ونشأ يتمياً، فكفله أخوه شمس الدين محمد وكان الأكبر، وهو شافعي المذهب. ثم قدم به القاهرة فنزل في الصَّرْغَتْمشية مع الحنفية، وكان أولاً عريف مكتب الأيتام بها. واشتغل بفقه الحنفية حتى مهر، وحبّب إليه الاشتغال، فقرأ العربية والأصول والمنطق، وكتب الخط الحسن، وفاقَ الأقران.
فلما ولي القاضي بدر الدين الكُلُسْتاني مشيخة الصَّرْغَتْمِشِية، صحِبه واختص به، فنعفه لما ولي كتاب السِّر ونوَّه به، وناب عن أمين الدين الطرابلسي من بعده، ثم صحب ابن العديم وواظَب دروسه بالشيخونية، ونزل في طلبتها، حتى صار ثاني مَن يجلس عن يمين الشيخ في حضور الدرس والتصوف.
ولما شغرت مَشْيَخة الصَّرْغَتْمِشِية، تنازَع فيها هو وشرف الدين ابن التَّباني، وكان السلطان غائباً في الشام، فراح ابن التباني وعمل إجلاساً واستدعى الأعيان، وألقى درساً حافلاً. فلما قم العسكر غلبه التفهني عليها فاستقر فيها. وكان ابن خلدون قبل ذلك قد ولي درس الحديث بها، فنزل عنه للقاضي زين الدين هذا بمال فباشره.
وكان يذكر أنه بحث مع الشيخ جلال الدين البتاني والد شرف الدين في درس الفقه بالصرغتمشية فغضب منه وأقامه، فخرج هو مكسور الخاطر. فدعا الله أن يوليه التدريس مكانه، فحصل له ذلك بعد مدة.
وخطب بالجامع الأقمر لما جدّد السَّالمي فيه الخطبة، ودرس بالأَيْتَمِشِيّة لما ولي الكُلُسْتاني كتاب السر، وأوصى إليه عند موته.
ولم يزل يترقَّى حتى ولي قضاء الحنفية بعد انفصال ابن الديري بتقريره في المدرسة المُؤيَّدِيَّة لما فتحت. وخلع عليه في سادس ذي القعدة سنة اثنتين وعشرين فسار فيه سيرة محمودة، وخَالَق الناس بخُلقٍ حَسن، مع الصيانة والإفضال والشهامة والإكْباب على العلم والتصوف.
ولما تكلم الظاهر طَطَر في المملكة بعد المؤيد، كان من أخص الناس به، وسافَرَ معه إلى الشام. ولما تخلّف القاضي الشافعي جلال الدين البلقيني بدمشق، استمر هو معه إلى حلب.
قال القاضي علاء الدين في تاريخه: (كان معظماً عند الملك الظاهر واجتمعتُ به فوجدته عالماً ديناً، منصفاً في البحث، حققاً للفقه وللأصول، كيِّس الأخلاق) انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين المقريزي في تاريخه: (حلف مرة أنه لم يرتش قط في الحكم) .
ثم صرف القاضي زين الدين عن القضاء بالشيخ بدر الدين العنتابي في ربيع الآخر سنة تسع وعشرين ثم أعيد في أوائل سنة ثلاث وثلاثين
وعرض له بعد ذلك مرض طال به، فصرف قبل أن يموت بقليل في شهر رجب، ومات ثامن شوال سنة خمس وثلاثين وثمانمائة.
عبد الرحمن بن عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن عبد الخالق ابن عبد الحق بن شهاب البلقيني، القضاي جلال الدين، أبو الفضل ابن شيخ الإسلام سراج الدين، الشافعي من المائة التاسعة.
ولد في شهر رمضان سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وأمه بنت القاضي بهاء الدين ابن عقيل. ونشأ مترفهاً متعززاً، لكنه كان مفرط الذكاء، فحفظ القرآن وصلى به التراويح وهو صغير. ثم حفظ عدة كتب، ومهر في مدة يسيرة.
ولما مات أخوه بدر الدين قرر في وظيفته في قضاء العسكر. ثم باشر وظيفته توقيع الدست في ديوان الإنشاء. ثم سافر مع والده في الركاب السلطاني إلى حلب، فرجع في بأوٍ زائد وصحبته ثلاثة مماليك مردان، فصار يركب بهم للدروس وغيرها. ودعي بقاضي القضاة، لكونه قاضي العسكر، فصار يمقت مَن يخاطبه بغيرها. ووالده في كل ذلك ينوّه به في المجالس، ويستحسن جميع ما يرد منه، ويحرض الطلبة على الاشتغال عليه، إلى أن شَغَر المنصب عن المناوي، ووثب عليه الصالحي، فندم هو على التقصير في ذلك. وسعى إلى أن صرف الصالحي بعد أشهر. واستقر هو، وذلك في رابع جمادى الأولى سنة أربع وثمانمائة، وكان ذلك بعناية سودون طاز وهو يومئذ قد استقر أمير آخور الكبير، وسكن الإصطبل السطاني، ولم يشعر بذل جَكَم الدويدار الكبير، فتغيظ وامتنع من الركوب معه إلى الصالحية على العادة. فأراد أن يتلافاه فركب هو ووالده شيخنا سراج الدين، إلى دار جكم، فواجَهه بالإنكار عليه في بذل المال ليلى القضاء. فعرفه الشيخ أن هذا يجوز لكونه تعينَّ عليه. ثم عزل، وأعيد الصالحي في ثالث عشرين
شوال سنة خمس وثمانمائة، وإلى أن مات عن قرب في المحرم سنة ست. واستقر الإخنائي بعد أن كان المنصب استقر طلال الدين وهُنِّئ به. وبات على أن يطلب ليلبس، فأبطأ القاصد وعنده جمع جَمّ، تهيأوا للركوب معه. فما
يجيئهم إلى الخبر بتقرير الإخنائي، فسعى عليه حتى صرفه في خامس ربيع الأول منها، واستقر في ولايته الثانية. واستمر الإخنائي يسعى فيعزله، ثم يسعى هو فيعزله الآخر. وأقوى حجة الإخنائي عند أهل الدولة، إن شئتم قاض كريم وإن شئتم قاض عالم فكانا كذلك قدر ثلاث سنين. وقد حررها لي القاضي تاج الدين ولد القاضي جلال الدين، ونقلتها من خطه فقال: الولاية الأولى من رابع جمادى الآخرة سنة أربع وثمانمائة إلى سلخ العشرين من شوال سنة خمس وثمانمائة عوضاً عن الصالحي. والولاية الثانية من استقبال ربيع الأول سنة ست وإلى اثنان شعبان منها عوضاً عن الإخنائي. والولاية الثالثة من ثالث ذي الحجة منها وإلى خامس عشر ربيع الآخر سنة سبع عوضاً عنه. والولاية الرابعة من خامس عشر ذي القعدة سنة سبع إلى النصف من صفر سنة ثمان عوضاً عنه. والولاية الخامسة من رابع ربيع الأول منها وإلى الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة عشر عوضاً عنه - إلا أنه في هذه حصل خَلل بالباعوني بالشام وهو خمسة عشر يوماً لا غير - والولاية السادسة من نصف ربيع الأول سنة عشر، وإلى العاشر من شوال سنة أربع عشرة عوضاً عن الهروي إلى أن تعصب جمال الدين البيري وقد استقر مشير الدولة وأستادار الملك الناصر، فاستصحب الإخنائي صحبة العسكر في سفرة سافرها السلطان
إلى الشام، فقرره في قضاء الشام وخلا وجه القاضي جلال الدين.
واستمر وباشر المنصب بحُرمة وافرة، مع لين الجانب والتواضع، وبذلك المال والجاه. كل ذلك تجدد له من شدة ما قاساه من سعي الإخنائي، لكنه كان كثير الانحراف، قليل الاحتمال، سريع الغضب، لكن يندم ويرجع بسرعة. وقد صَحِبته قدر عشرين سنة، فما أضبط أنه وقعت عنده محاكمة فأتمها، بل يسمع أولها ويفهم شيئاً فيبني عليه، فإذا روجع فيه بخلاف ما فهمه، أكثر النزق والصياح، وأرسل المحاكمة لأحد النواب. وما رأيت أحداً ممّن لقيته أحرص على تحصيل الفائدة منه، بحيث إنه كان إذا طرق سمعه شيء لم يكن يعرفه، لا يَقرُّ ولا يهتدي ولا ينام، حتى يقف عليه، ويحفظه.
وكان مع ذلك مكباً على الاشتغال محباً في العلم حق المحبة. وكان يذكر أنه لم يكن له تقدم اشتغال في العربية، وأنه حج في حياة والده فشرب من ماء زمزم لفهم هذا العلم. فلما رجع، أدمن النظر فيه، فمهر في مدة يسيرة فيه، ولا سيما منذ مات والده.
ودرس في التفسير بعده بالبرقوقية، وكذا درس في التفسير بالجامع الطولوني بعده، وصار يعمل المواعيد بعده بمدرسته، ويقرأ عليه في تفسير البغوي. وكان يكتب على كل ذلك دروساً مفيدة، ويبحث في فنون التفسير في كلام أبي حيان والزَّمَخْشَري ويبدي في كل فن منه ما يدهش الحاضرين.
ولما صار يحضر لسماع البخاري في القلعة، أدمن مطالعة شرح شيخنا سراج الدين ابن الملقن، وأحبَّ الاطلاع على معرفة أسماء من أبهم في الجامع الصحيح من الرواة، ومن جرى ذكره في الصحيح. فحصل من ذلك شيئاً كثيراً بإدمان المطالعة والمراجعة وخصوصاً أوقات اجتماعي ومذاكراتي له. فجمع كتاب الإفهام بما في البخاري
من الإبهام، وذكر فيه فضلاً يختص بما استفاده من مطالعته، زائداً عما استفاده من الكتب المصنَّفة في المبهمات والشروح، فكان عدداً كثيرا. وكان يتأسف على ما فاته من الاشتغال في الحديث، ويرغب في الازدياد منه، حتى كتب بخطه فصلاً من القصد المتعلق بالعلل من فتح الباري، وقابله معي بقراءته لإعجابه به.
ذكره الشيخ تقي الدين المقريزي في التراجم المفيدة فلم يبسط ترجمته كما بسط ترجمة غيره، وإنما اقتصر على ما يتعلق بولاياته مع إجحاف كثير. ثم قال: وكان ذكياً قوي الحافظة، وقد اشتهر اسمه وطار ذكره بعد موت أبيه وانتهت إليه رياسة الفتوى، ولم يخلف بعده مثله في الاستحضار، وسرعة الكتابة الكثيرة على الفتاوي، والعفة في قضائه.
وذكر صاحبنا الحافظ شمس الدين الدمشقي المعروف بابن ناصر الدين في ذيل طبقات الحفاظ فقال..
وذكره صاحبنا القاضي تقي الدين ابن قاضي شهبة، عالم الإسلام بالشام في تاريخه الذي ذيله على البرزالي فقال..
وذكره القاضي علاء الدين ابن خطيب الناصرية في ذيل تاريخ حلب فقال: نشأ في الاشتغال بالعلم وأخذ عن والده ودأب وحصل حتى صار فقيهاً عالماً، ودرس بجامع حلب لما قدم صحبة السلطان..
ولما صرف عن القضاء بالقاضي شمس الدين الهروي تألم لذلك كثيراً واشتد
جَزعه وعظم مَصَابه. فلما قُرئ صحيح البخاري بالقلعة، ساعده القاضي ناصر الدين البارزي كاتب السر، حتى أذِن له السلطان المؤيد في الحضور مع الهروي، فجلس عن يمين الهروي بينه وبين المالكي، وصار يبدي الفوائد الفقهية والحديثية ويجاريه القاضي الحنبلي ابن المُغلي، ولا يبدر من الهروي شيء بعد فائدة مع كلامهما. ثم صار ابن المغلي يدرس قدر ما يقرأ في المجلس ويسرده في حفظه ويتحدى بذلك. فرتّب القاضي جلال الدين أخاه القاضي عَلمَ الدين في أسئلة يبديها مشكلة ويحفّظ أصلها وجوابها ويستشكلها، ويخص الهروي بالسؤال عنها، فيضج الهروي من ذلك. والمراد من كل ذلك إظهار قصور الهروي، والسلطان يشاهد كل ذلك ويسمعه، لأنه كان يجلس أولاً بينهم. ثم لما غلب عليه وجع رجله، صار يجلس في الشباك الذي يطل على المحل الذي هم فيه. ومع ذلك فلم يقَدّر إعادة القاضي جلال الدين إلا بعد نصف سنة أو اكثر من وقت قراءة البخاري. وانتفع أخو القاضي جلال الدين نصف سنة أو أكثر بأن أنعم عليه السلطان بِفَرَجِيَّة لبسها يوم العيد بعد أن كان سأل عنه فقيل له أنه ولد الشيخ سراج الدين، وكان له في الشيخ اعتقاد.
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الناصر بن هبة الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الناصر بن محمد بن عبد المنعم بن طاهر بن أحمد ابن مسعود بن داود بن يوسف الزبيري، القاضي تقي الدين أبو محمد، نزيل القاهرة الشافعي.
أصله من المحلة
الكبرى، وسمعت شيخنا ابن الملقّن يقول: لجمال الدين عبد الله، ولد القاضي تقي الدين المذكور، لما عرض عليه وكتب له في الإجازة الزبيري، وهو نسبة إلى الزبيرية قرية من قرى المحلة. وكان أبوه يعرف بابن تاج الرياسة. وولد هو بالمحلة في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ودخل القاهرة بعد أن حفظ التنبيه، واشتغل وسمع الحديث من عبد الرحمن بن محمد بن عبد الهادي، والصدر أبي الفتح الميدومي وغيرهما، وحدث عن الميدومي.
سمعنا عليه عدة أجزاء، وتعلّم التوقيع، ومهر في الشروط والسجلات، وجلس مع الموقعين مدة طويلة، وسجل على القضاة، وناب فِي الحكم عن بدر الدين ابن أبي البقاء في القاهرة، وفي عدة جهات من الضواحي، واستمر إلى أن غضب السلطان من القاضي صدر الدين المناوي وعزله. فاستدعى به فخلع عليه، وقرره في قضاء الشافعية، في يوم الخميس ثالث عشرين جمادى الأولى سنة تسع وتسعين وسبعمائة. وحضر الصالحية على العادة. ثم صار يلازم الجلوس في قاعة الحكم كل يوم، ويخرج من باب السِّر إلى داره، وهي مجاورة للمدرسة بينهما مسافة يسيرة. وباشر مباشرة حسنة، وكان عفيفاً كثير التأني تام المعرفة.
ولم يزل على حاله إلى أن حَسَّن المناوي لأصيل الدين أن يسعى له في المنصب. فلما سَعَى بالغ في ذلك وأَلَحَّ، وكان السلطان يسمح له بالإِجابة. قال بعض من يتعصب للمناوي: إن كان مولانا السلطان يختار عزل الزبيري، فالمناوي أحق بالعود إلى منصبه. وقرروا معه أن يستقر أصيل الدين في قضاء الشام، فوقع
ذلك، وصرف الزبيري. وعاد المناوي في يوم الاثنين خامس عشر رجب سنة إحدى وثمانمائة.
وكانت مدة ولايته سنتين وشهراً، واستمر بمنزله معطلاً لا يتهيأ له الرجوع إلى نيابة الحكم، وأخرجت جهاته عنه، وتلقفها في ولايته بعض الناس، فاستمر في أيديهم. وصار لا يمكنه أن يتكسَّب في التوقيع. ولم يكن بيده وظائف يتحصّل له منها كفايته. واستمر خاملاً إلى أن قرره القاضي جلال الدين البلقيني في تدريس الصالحية والناصرية فباشرهما. وكان يمشي من بيته فيدخل الصالحية لإلقاء الدرس ثم يخرج من باب سر الصالحية، فيمشي بين القصرين إلى الناصرية فيلقى الدرس ثم يرجع. واستمر على ذلك إلى أن مات.
ولما قبض الملك الناصر فرج على جمال الدين، أراد عزل القاضي جلال الدين البلقيني، لما كان ينسب إليه من موالاة جمال الدين، فعين القاضي تقي الدين للمنصب، وشكروا له مباشرته، وكثر الثناء عليه. فانزعج الجلال من ذلك وسعى حتى استمر.
وكانت وفاة الزبيري، أول يوم من شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وثمانمائة.
وكان أبوه من أكابر أهل المحلة، كان يذكر أن يوسف الأعلى جده، هو ولد عبد الله بن الزبير بن العوام، والله أعلم.
قرأت بخط القاضي تقي الدين - وَقَدْ ذكر أباه وأرَّخ وفاته فِي الطاعون العام - أنه كَانَ كثير العبادة، يؤثر بماله، وقرأ القرآن عَلَى أبيه بقراءته عَلَى أبيه أبي الفرج هبة الله بقراءته عَلَى أبي القاسم الصفراوي.
عبد الرحمن بن محمد بن عبد العلي بن علي المصري، عماد الدين ابن السُّكَّرِيّ الشافعي، يكنى أبا القاسم من المائة السابعة.
ولد سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. وتفقه بالشهاب الطوسي، وظافر بن الحسين. ثُمَّ ولي القضاء يوم الاثنين ثامن شهر رمضان بعد موت صدر الدين ابن درباس، فِي سَلطنة الملك العادل أبي بكر بن أيوب.
وكان قد اشتهر بالزهد والورع ومعرفة الفقه، حَتَّى نقل عنه ابن الرفعة فِي (المَطْلَب) . وجُمع لَهُ من الوظائف مَا لَمْ يجتمع لغيره من أقرانه. وَكَانَتْ لَهُ فِي النفوس عظمة، مع أنه لا يُحَابِي أحداً، ولا يعمل برسالة صاحب جاه.
وكان قَدْ صحب الشيخ القرشي وسمع من علي بن خلف الكوفي، وأبي إسحاق ابن سَماقا وغيرهما.
ومن قضاياه أنه رفعت إِلَيْهِ حكومة بسبب أمير توفي وترك ولداً، فادعى رجل بَدَيْن عَلَى الميت، فشهد عنده جماعة بالدين، فقال: تُزكَّى البينة. فشهدت عنده جماعة فكتب بخطه تُزكى البينة. فزكى السلطان أحد الجماعة، فكتب تَحْتَ حط أحدهما دون الآخر. فقال لَهُ السلطان: والله لقد تحققت مَا شهدت بِهِ. فقال لَهُ: تزكى البينة. فقال: دع عنك هَذِهِ الحكومة حَتَّى أحكم أنا فِيهَا. فقال: وَفِي غيرها وعزل
نفسه. وأقام بالقرافة فتردد إِلَيْهِ ولد السلطان سبع مرات، فصمّم عَلَى الامتناع حَتَّى يئس منه. فاستقر ابنُ عين الدولة، وَكَانَ يخلفه فِي الحكم. وحضر إِلَيْهِ ليسلم عَلَيْهِ عَلَى العادة، وذلك فِي ثاني عشر المحرم سنة ثلاث عشرة وستمائة. ويقال استمر المنصب بغير قاض مدة، ونوابه يفصلون فِي الأحكام، رجاء أن يجب إِلَى العود، فلم يفعل.
وكان يتولى الأحكام بنفسه غالباً، فاتفق أن تقدم إِلَيْهِ خصمان، فنظر إليهما ثُمَّ أمرهما بالمسير إلى بعض نوابه، فسئل عن ذَلِكَ، فقال: كَانَ أبو أحدهما صاحبي، وأحضر إليَّ هدية فرددتها. فلما رأيته وعرفته خشيت أن أميل بقلبي إِلَيْهِ.
وصنّف حواشي (الوسيط) وهي مفيدة. وَلَهُ كلام فِي مسألة الدَّور. وقصته مع نائبه فِي الحكم الشيخ عبد الرحمن النويري مشهورة. وهو أنه كَانَ استنابه فصار يحكم بعلمه ويحيل عَلَى المكاشفة. فبلَغه ذَلِكَ فنهاه، فلم يرجعْ فعزله. فبلغ ذَلِكَ النُّوَيْرِي فقال: وأنا عزلتُه وعزلت ذريته. ويقال إن سبب عزلِهِ نفْسَه، أنه طلب منه اقتراض أموال اليتامى. فامتنع وقيل غير ذَلِكَ.
وقال الشيخ ظهير الدين التَّزْمَنْتي: زرتُ القاضي عماد الدين ابن السكري بعد موته، فوجدتُ فقيراً عند القبر فقال: تعال يَا فقيه. فجئته فقال: يحشر العلماء وَعَلَى رأس كل واحد منهم لواء، وهذا القاضي منهم. قال: والتفتُّ فطلبت الفقير فَلَمْ أره. حكاه جعفر الأَدْفُوي فِي (البَدْر السَّافِر) .
وَكَانَتْ قصة ابن السكري فِي عزل نفسه فِي ثامن عشر المحرم سنة ثلاث عشرة. وأذن السلطان للنواب أن يستمروا عَلَى عادتهم فِي الحكم، إِلَى أن يوافق القاضي
ويقبل إِلَى مستهل صفر. فاستقر ابن عين الدولة، وتأخرت وفاة ابن السكري إِلَى شوال سنة أربع وعشرين وستمائة، وَلَهُ إحدى وسبعون سنة.
وذكر ابن أبي المنصور فِي رسالته المشهورة بأحوال من رآهم من الأولياء فِي ترجمة الشيخ أبي العباس الجزار أن القاضي عماد الدين المذكور، لما صمّم عَلَى عدم العود بعد العزل عن القضاء، عزل من تدريس المدرسة الصلاحية المجاورة لضريح الشافعي، وتدريس المشهد الحسيني، وخطابة الجامع الحاكمي وتدريس المدرسة المعروفة بمنازل العز. فاجتمع بالشيخ أبي العباس، وتشكَّى إِلَيْهِ أنه شق عَلَيْهِ عزله من المدرسة المذكورة لكونها سكن عائلته، وهم كثير. فقال الشيخ: يكون الخير. فلما أصبح، قال الشيخ لأصحابه اليوم العصر ترد عَلَى أبي القاسم المدرسة فكان كذلك، أحضر لَهُ توقيع جديد بِهَا من غير سعي. قال: وقال لَهُ العماد: يَا سيدي عندي جارية حامل فقال: تضع غلاماً يسمى عبد العزيز، فكان كذلك.
عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن سليمان بن خَيْر الشقيري الأنصاري الإِسكندراني أبو القاسم جمال الدين ابن فخر الدين ابن زين الدين المالكي من المائة الثامنة.
ولد فِي رابع عشر جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة. وسمع من أبيه وابن المصفّى وعلي بن الفرات، والوادي آشي وتقي الدين ابن عرام وغيرهم.
وتفقه بالإِسكندرية وَمَهَر. وأخذ الفقه عن أبيه، وجلس مع الشهود، ووقع عن القضاة، وناب فِي الحكم عن الربعي، واشتهر بالصيانة والديانة والصدق.
ثم قدم القاهرة وكتب فِي التوقيع وناب فِي الحكم. وولي القضاء بعد عزل عَلَم الدين البساطي، فِي جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين، وباشر مباشرة حسنة.
وكان عفيفاً أميناً، دافئ اللسان، قليل الاغتياب، كثير الزيارة لأهل العلم، وأهل الخير. يلازم الاعتكاف فِي رمضان. ضابطاً لنفسه، ولمنصبه، حازماً فِي أموره. لا يقبل الهدية، متشدداً فِي ذلك، وَفِي قَبول الشهود، مع المعرفة التامة بالشروط والسجلات. وَلَهُ فِي استخراج معانيها عجائب. وَلَمْ يدخل عَلَيْهِ فِي ولايته خَلَل إِلَاّ من جهة الاستكثار من الشهود، حَتَّى عاب الناس عليه ذَلِكَ. فلما بلغه اقتصر عن ذَلِكَ.
وكان من محاسن أهل العصر خصوصاً أهل بلده ومذهبه، وَكَانَ من أتباع أكمل الدين. فلما وقع بينه وبين الركراكي بسبب طلب تدريس المالكية في خانقاه شيخون. وذلك أن الأكمل كَانَ غضب من الركراكي لكلام صدر منه فِي البحث، فعزله من وظيفته. فتشفع ببعض الأمراء فكلم السلطان، فأرسل بعض أكابر الدولة يشفع فِيهِ عند الأكمل، فامتنع وأصر عَلَى الامتناع. فرفع القاضي جمال الدين ابن خير قصة يسأل فِيهَا أن يقرر فِي وظيفة الركراكي. فبلغ ذَلِكَ السلطان، فغضب. وصرف ابن خير عن القضاء، فأقام بمنزله بطالاً، وذلك فِي سابع عشر جمادى الآخرة، سنة ست وثمانين وسبعمائة. ثُمَّ أعيد إِلَى القضاء بعد
عزل ابن خلدون الآتي ذكره بعده، وذلك فِي جمادى الأولى سنة تسع وثمانين. وَكَانَ للناس بولايته هَذِهِ فرح وسرور لا مزيد عَلَيْهِ، ولا عهد نظيره فِي عصرهم، لشدة كراهيتهم لابن خلدون، فباشرها إِلَى أن مات فِي شهر رمضان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة.
عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد
ابن جابر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي الإشبيلي الأصل، التونسي المولد، أبو زيد ولي الدين المالكي، من المائة التاسعة.
ولد فِي أول شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، واشتغل فِي بلاده وسمع من الوادي آشي وابن عبد السلام وغيرهما وأخذ القراءات عن محمد بن سعد بن بُرَّاد، واعتنى بالأدب وأمور الكتابة والخط، حَتَّى مهر فِي جميع ذَلِكَ. وولي كتابة العلامة عن صاحب تونس. ثُمَّ توجه إِلَى فاس فِي سنة ثلاث وخمسين، فوقع بَيْنَ يدي سلطانها أبي عنان. ثُمَّ حصلت لَهُ نكبة وشدة، واعتقل نحو عامين. وولي كتابة السر لأبي سالم والنظر فِي المظالم.
ثم دخل الأندلس فقدم إِلَى غرناطة فِي سنة أربع وستين، فتلقاه السلطان ابن الأحمر عند قدومه، ونظمه فِي أهل مجلسه. وأرسله إِلَى عظيم الفرنج بإشبيلية، فعظّمه وأكرمَه، وحمَله. وقام بالأمر الَّذِي ندب إِلَيْهِ. ثُمَّ توجه فِي سنة ست وستين إِلَى بجاية ففوض إِلَيْهِ تدبير مملكته مدة.
ثُمَّ نزح إِلَى تِلِمْسَان باستدعاء صاحبها، وأقام بوادي العرب مدة. ثُمَّ توجه إِلَى فاس من بَسْكِرَة فنهب فِي الطريق. ومات صاحب فاس قبل قدومه، فأقام بِهَا قدر سنتين. ثُمَّ توجه إِلَى الأندلس. ثُمَّ رجع إِلَى تلمسان، فأقام مدة أربعة أعوام. ثُمَّ ارتحل عنهم فِي رجب سنة ثمانين إلى تونس، فأقام بِهَا إِلَى أن استأذن فِي الحج فأذن لَهُ. فاجتاز البحر إِلَى أن وصل إِلَى الإسكندرية. ثُمَّ قدم الديار المصرية فِي سنة أربع وثمانين وسبعمائة فِي ذي القعدة. وحج ثُمَّ رجع فلازم أَلْطُنْبُغَا الجوباني، فاعتنى بِهِ إِلَى أن قرره الملك الظاهر برقوق فِي قضاء المالكية بالديار المصرية، فباشرها مباشرة صعبة، وقلب للناس ظهر المِجَن، وصار يعزّز بالصفع ويسميه الزج. فإذا غضب عَلَى إنسان، قال: زجوه، فيصفع حَتَّى تحمر رقبته.
قرأت بخط البشبيشي؛ كَانَ فصيحاً مُفوهاً جميل الصورة وخصوصاً إذَا كَانَ معزولاً. أما إذَا ولي فلا يعاشَر، بل ينبغي ألا يرى.
وقد ذكره لسان الدين ابن الخطيب فِي تاريخ غرناطة وَلَمْ يصفه بعلم، وإنما ذكر لَهُ تصانيف فِي الأدب، وشيئاً من نظمه، وَلَمْ يكن بالماهر فِيهِ. وَكَانَ يبالغ فِي كتمانه، مع أنه كَانَ جيداً لنقد الشعر.
وسئل الركراكي فقال: عَرِيٌّ عن العلوم الشرعية. لَهُ معرفة بالعلوم العقلية
من غير تقدم فِيهَا، ولكن محاضرته إليها المنتهى، وهي أمتع من محاضرة الشيخ شمس الدين الغماري.
ولما دخل الديار المصرية تلقاه أهلها وأكرموه، واكثروا ملازمته والتردد إِلَيْهِ.
فلما ولي المنصب تنكَّر لهم، وفَتَكَ فِي كثير من أعيان الموقعين والشهود. وقيل إن أهل المغرب لما بلغهم أنه ولي القضاء، عجبوا من ذك، ونسبوا المصريين إِلَى قلة المعرفة، حَتَّى إن ابن عرفة قال لما قدم إِلَى الحج: كنا نعد خطة القضاء أعظم المناصب. فلما بلغنا أن ابن خلدون ولي القضاء، عددناها بالضدّ من ذَلِكَ.
ولما دخل القضاة للسلام عَلَيْهِ، لَمْ يَقُم لأحدٍ منهم، واعتذر لمن عاتَبه عَلَى ذَلِكَ. وباشَر ابن خلدون بطريقة لَمْ يألفها أهل مصر، حَتَّى حصل بينه وبين الركراكي تنافس، فعقد لَهُ مجلس، فأظهر ابن خلدون فتوى زعم أنها خط الركراكي، وهي تتضمن الحط عَلَى برقوق. فتنصل الركراكي من ذَلِكَ، وتوسل بمن اطلع عَلَى الورقة فوجدت مدلسة. فلما تحقق برقوق ذَلِكَ عزله، وأعاد ابنَ خير. وذلك فِي جمادى الأولى سنة سبع وثمانين. فكانت ولايته الأولى دون سنتين. واستمر معزولاً ثلاثَ عشرة سنة وثلاثة أشهر، وحج فِي سنة تسع وثمانين. ولازَمه كثير من الناس فِي هَذِهِ العطلة وحَسَّنَ خُلقه فِيهَا، ومازح الناس، وباسَطَهم، وتردد إِلَى الأكابر وتواضَع معهم. ومع ذَلِكَ لَمْ يغير زيه المغربي وَلَمْ يلبس زي قضاة هَذِهِ البلاد. وَكَانَ يحب المخالفة فِي كل شيء.
ولما مات ناصر الدين ابن التَّنَسِيّ، طلبه الملك الظاهر، فوجده توجه إِلَى الفيوم بسبب بلد القميحة وَكَانَ لَهُ نصيب فِي تدريسها. فحضر صحبة بريديّ ففوض إِلَيْهِ القضاء فِي خامس عشر شهر رمضان سنة إحدى وثمانمائة. فباشر عَلَى عادته من العسف والجنَف. لكنه استكثر من النواب والشهود والعقاد، عَلَى عكس مَا كَانَ
فِي الأول، فكثرت الشناعة عَلَيْهِ، إِلَى أن صُرِف ببعض نوابه، وهو نور الدين ابن الجلال صرفاً قبيحاً، وذلك فِي ثاني عشر المحرم سنة ثلاث وثمانمائة. وطلبَ إِلَى الحاجب الكبير فأقامه للخصوم وأساء عَلَيْهِ بالقول. وادعوا عليه بأمور كثيرة أكثرها لا حقيقة لَهُ. وحصل لَهُ من الإِهانة مَا لا مزيد عَلَيْهِ وعزل.
ثم مات ابن الجلال بعد أربعة أشهر فِي جمادى الأولى، فولي جمال الدين الأَقْفَهْسِيّ، ثُمَّ صرف بعد أربعة أشهر أيضاً فِي رمضان. وأعيد ابن خلدون، وذلك
بعد مجيئه من الفتنة العظمى، وخلَاصه منها سالماً. وكانوا استصحبوه معهم معزولاً، فتحيَّل لما حاصر اللَّنكُ دمشق إِلَى أن حضر مجلسه، وعرَّفه بنفسه فأكرمه وقَرَّبه. وَكَانَ غرضه استفساره عن أخبار بلاد المغرب، فتمكن منه، إِلَى أن أَذِنَ لَهُ فِي السفر وزوَّده وأكرمه. فلما وصل، أعيد إِلَى المنصب، فباشره عشرة أشهر. ثُمَّ صرف بجمال الدين البساطي إِلَى آخر السنة. وأعيد ابن خلدون وسار عَلَى عادته. إِلَاّ أنه تبسط بالسكن عَلَى البحر، واكثر من سماع المطربات، ومعاشرة الأحداث، وتزوج لَهَا أخ أَمْرَد يُنسب للتخليط فكثرت الشناعة عَلَيْهِ.
هكذا قرأت بخط جمال الدين البشبيشي فِي كتابه (القضاة) . قال: وَكَانَ مع ذَلِكَ أكثر من الازدراء بالناس، حَتَّى شهد عنده الأستادار الكبير بشهادة فلم تُقبَل شهادته، مع أنه كَانَ من المتعصبين لَهُ. وَلَمْ يشتهر عنه فِي منصبه إِلَاّ الصيانة، إِلَى أن صرف فِي سابع شهر ربيع الأول سنة ست وثمانمائة. ثُمَّ أعيد فِي شعبان سنة سبع، فباشر فِي هَذِهِ المرة الأخيرة بلين مفرط وعَجز وخَور. وَلَمْ يلبث أن عزل فِي أواخر ذي القعدة.
وقرأت بخط البشبيشي؛ أنه كَانَ يوماً بالقرب من الصالحية، فرأى ابن خلدون وهو يريد التوجه إِلَى منزله وبعض نوابه أمامه، وهو تاج الدين بن الظريف. فالتفت فرأى البشبيشي، فتلا قوله تعالى:(وَإذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ) فلما وصل ابن خلدون، عاتب ابن الظُّرَيِّف، فقال: لِمَ تَلوْتَ هَذِهِ الآية؟ فقال: اتفق كذا، فقال: بل أردت أن البشبيشي يبلغ جمال الدين البساطي.
وقرأت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي فِي وصف تاريخ ابن خلدون: (مقدمته لَمْ يعمل مثالها، وإنه لَعزيز أن ينال مجتهد مَنَالها، إذ هي زُبدة المعارف والعلوم، وبهجة العقول السليمة والفهوم، توقف عَلَى كُنه الأشياء، وتعرف حقيقة الحوادث والأنباء، وتعبر عن حال الوجود، وتنبئ عن أصل كل موجود، بلفظ أبهى من الدُّر النَّظيم، وألطفُ من الماء مَرَّ بِهِ النسيم) . انتهى كلامه.
وما وصفها بِهِ فيما يتعلق بالبلاغة والتلاعب بالكلام عَلَى الطريقة الجاحظية مُسَلَّم لَهُ فِيهِ، وأما مَا أطراه بِهِ زيادة عَلَى ذَلِكَ فليس الأمر كما قال، إِلَاّ فِي بعض دون بعض، إِلَاّ أن البلاغة تزين بزخرفها، حَتَّى تُرِي حَسناً مَا لَيْسَ بالحَسَن.
وقد كَانَ شيخنا الحافظ أبو الحسن بن أبي بكر يبالغ فِي الغَضّ منه. فلما سألته عن سبب ذَلِكَ، ذكر لي أنه بلغه أنه ذكر الحسين بن علي رضي الله عنهما فِي تاريخه فقال: قُتِلَ بسيف جَده. ولما نطق شيخنا بهذه اللفظة، أردفها بلعن ابن خلدون وسبّه وهو يبكي.
قلت: وَلَمْ توجد هَذِهِ الكلمة فِي التاريخ الموجود الآن. وكأنه كَانَ ذكرها فِي النسخة الَّتِي رَجَعَ عنها. والعجب أن صاحبنا المقريزي كَانَ يفرط فِي تعظيم ابن خلدون، لكونه كَانَ يجزم بصحة نسب بني عُبَيد، الذين كانوا خُلفاء بمصر، وشهروا بالفاطميين،
إِلَى عليّ، ويخالف غيره فِي ذَلِكَ، وَيَدْفَع مَا نُقل عن الأئمة فِي الطعن فِي نَسَبهم ويقول: إنما كتبوا ذَلِكَ المحضر مراعاة للخليفة العباسي. وَكَانَ صاحبنا ينتمي إِلَى الفاطميين فأحب ابن خلدون لكون أثبت نسبتهم، وغفل عن مُراد ابن خلدون، فإنه كَانَ لانحرافه عن آل عليّ يثبت نسبة الفاطميين إليهم، لما اشتهر من سوء معتقد الفاطميين، وكون بعضهم نسب إِلَى الزندقة، وادعى الألوهية كالحاكم، وبعضهم فِي الغاية من التعصب لمذهب الرفض، حَتَّى قتل فِي زمانهم جمع من أهل السنة.
وكانوا يصرحون بسبّ الصحابة فِي جوامعهم ومجامعهم، فإذا كانوا بهذه المثابة وصح أنهم من آل عليّ حقيقة، التصق بآل عَلَى العيب، وَكَانَ ذَلِكَ من أسباب النفرة عنهم والله المستعان.
عبد الرحمن بن مُعاوية بن حُدَيْج بن جفنة بن قَتيره بن جفنة بن جارية بن عبد شمس بن معاوية بن جعفر بن أمامة بن سعد بن أشرس بن شيب ابن السكون السكوني. أبو معاوية من المائة الأولى.
روى عن أبيه - وهو معدود فِي الصحابة - وابن عَمرو، وابن عُمر، وأَبي بَصْرَة الغِفاري.
روى عنه يزيد بن أَبي حَبيب وغيره، وجدّه: بمهملة وآخره جيم مصغر.
ولي الشرطة أولاً، ثُمَّ فوض إِلَيْهِ عبد العزيز بن مروان القضاء، وذلك فِي ربيع الأول سنة ست وثمانين.
وقال سعيد بن عُفَيْر: جمع لَهُ القضاء وخلافة الفسطاط.
وقال ابن لَهِيعَة: كَانَ أول من نظر فِي أموال اليتامى. وضمَّن عريف كل قوم أموال يتامى تِلْكَ القبيلة. وكتب بذلك كتاباً وأشهد فِيهِ، فجرى الأمر عَلَى ذَلِكَ زمان
عبد العزيز بن مروان، بعد تولية عبد الرحمن القضاء بقليل، إِلَى أن توفي عبد العزيز فِي جمادى الأولى من السنة. فقام بأمر مصر أخوه عمر بن مروان. فلما قدم عبد الله بن عبد الملك بن مروان أميراً فِي جمادى الآخرة، أمر أبوه أن يُعَفّى آثار عبد العزيز، لأنه كَانَ ولي العهد بعد عبد الملك. فأقر عبد الرحمن عَلَى القضاء والشرطة إِلَى شهر رمضان، فصرفه عنها وأرسله إِلَى المرابطة بالإِسكندرية، فزاد فِي عطائه. وَكَانَ أول مَا قدم أراد أن يعزله، فلم يجد عَلَيْهِ مقالاً ولا متعلقاً، فأمهله ثُمَّ أخرجه إِلَى المرابطة.
وكان عبد الرحمن فِي أيام ولايته قَدْ أضر بعبد الرحمن بن عمرو بن قَحذم. فلما قدم عبد الله بن عبد الملك، قرَّب عبد الرحمن بن عمرو، فأغراه بعبد الرحمن بن معاوية. فلم يزل حَتَّى استبدل بجميع عمال عبد العزيز عمه. وَكَانَتْ ولايته القضاء ستة أشهر. وعاش بعد ذَلِكَ إِلَى أن مات سنة خمس وتسعين.
عبد السلام بن علي بن منصور الكناني الدمياطي، تاج الدين ابن
الخرَّاط. ولد فِي رمضان سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وقرأ القراءات عَلَى عبد السلام بن عُدَيْسَة. ورحل إِلَى بغداد فتفقه بالنظامية بالأمير مظفر بن أبي الخير التبريزي ورحل إِلَى واسط، فقرأ القرآن عَلَى عبد الله بن منصور ابن الباقلاني. وسمع من أبي الفرج ابن كليب، وابن الجوزي وأبي الفتح ابن المندائي وابن المَعْطُوش، وغيرهم.
ورجع إِلَى دمياط ودرس بِهَا، وولي قضاءها. ثُمَّ ولي قضاء مصر والوجه القبلي.
وكان شيخ الشيوخ صدر الدين، أشار عَلَى الكامل بأن يقسم العملين؛ مصر والوجه القبلي لقاض، والقاهرة والوجه البحري لآخر. ففعل ذَلِكَ بعد موت ابن السكري؛ فَوَلِي ابنُ عين الدولة القاهرة، وابن الخراط مصر. وسمع من جماعة من شيوخها وحدّث، وخرج لَهُ المنذري جزءاً وحدث بِهِ، وحدث عنه فِي معجمه.
ولما صرف القضاء فِي رمضان سنة سبع عشرة، رجع إِلَى دمياط قاضياً واستمر عَلَى ذَلِكَ إلى أن مات فِي ربيع الأول سنة تسع عشرة وستمائة.
عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن المهَذَّب.. الشيخ الإِمام العلامة عز الدين السُّلَمِيّ، أصله من المغرب.
ولد بدمشق ونشأ بِهَا، وسمع من البهاء ابن عساكر، وحنبل بن عبد الله، وأبي القاسم الحَرَسْتانِي، وعبد اللطيف بن إسماعيل، وأبي طاهر الخُشُوعِيّ وغيرهم.
روى عنه ابن دقيق العيد، وَكَانَ يعظمه جداً، ويقول فِيهِ: شيخ الإسلام، ويقول فِيهِ: كَانَ من سلاطين العلماء.
وروى عنه أيضاً علاء الدين الباجي، والدمياطي وخرَّج لَهُ أربعين حديثاً من عواليه، وأبو الحسن اليُونيني، وخلائق من المصريين والشاميين، وتفقه فمهر.
وَكَانَ عالي الهمة بعيد الغَوْر فِي فهم العلوم. ودرس وأفتى وصنف وبرع، حَتَّى
وصف بأنه بلغ رتبة الاجتهاد، وتخرج بِهِ جماعة. وَكَانَ قائماً بالأمر بالمعروف، لا يخاف فِي ذَلِكَ كبيراً ولا صغيراً، مع الزهد والتقشف، والورع والتفنن فِي العلوم.
وولي خطابة الجامع الأموي مدة. ثُمَّ اتفق أن الصالح إسماعيل ابن العادل، سلّم للفرنج بعض بلاد الساحل، فشق ذَلِكَ عَلَى أهل الخير. وخطب ابن عبد السلام، فلم يذكر الصالح فِي خطبته، وحطَّ عَلَيْهِ. فبلغ ذَلِكَ الصالح فعزله من الخطابة، وضيّق عَلَيْهِ بعد أن كَانَ حبسه مدة. ثُمَّ أفرج عنه بواسطة فرنجي كَانَ رآه وسمع قراءته، وهو فِي خيمة مُرَسَّماً عَلَيْهِ، فسأل عنه فقيل لَهُ: هذا كبير المسلمين. فأنكر أن يعامل مثلُه بمثل ذَلِكَ. فأفرج الصالح عنه. فتوجه إِلَى مصر، فتلقاه الصالح أيوب ابن الكامل ابن العادل، وفوّض إِلَيْهِ خطابة الجامع العُمري، وقضاء مصر والوجه القبلي عوضاً عن ابن عين الدولة بعد وفاته. وَكَانَ قرر فِي قضاء القاهرة والوجه البحري بدر الدين السنجاري. وَكَانَ مرَّ فِي توجهه إِلَى مصر، بالناصر داود ابن المعظم ابن العادل صاحب الكرك وهو بِهَا، فبالَغ فِي إكرامه، وسأله أن يقيم عنده فقال: هَذَا بلد ضيق عن علمي. وَكَانَ فِي قدومه إِلَى مصر رافق ابن الحاجب المالكي. وذكروا أنه لما قدم إِلَى مصر. ترك لحافظ الدين الكتابة عَلَى الفتوى. وَكَانَ كل منهما يحضر مجلس الآخر. وَكَانَ كثير التواضع لا يهتم بأمر مأكول ولا مشروب.
ومما اشتهر من شهامته، أنه حضر مجلس السلطان وَكَانَ اطلع عَلَى حانة يباع فِيهَا الخمر، ويفعل فِيهَا المنكرات. فقال: يَا أيوب كيْفَ يسعك فِي دينك أن تكون الحانة الفلانية فِي سلطانك؟ فقال: يَا مولانا، أنا مَا عملت هَذَا، بل هو من زمان أبي. فقال: أفترضى أن تكون ممن يقول يوم القيامة (إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) فما وسعه إِلَاّ أن أمر بإِبطال ذَلِكَ.
وسئل الشيخ بعد أن انفصل المجلس. كيْفَ تجسرت عَلَى هَذَا السلطان مع شدة سطوته؟ قال: رأيته قَدْ تعاظَم فِي موكبه، فأردتُ أن أهينه. فقيل لَهُ: فما خفته؟ فقال: استحضرت هيبة الله فِي قلبي، فصرتُ أراه كالقط. واستمر عَلَى هَذِهِ الطريقة إِلَى أن ترك جميع المناصب والولايات.
واشتهر أمره، وطار ذكره حَتَّى صار يضرب بِهِ المثل فيقال: مَا أنتَ إِلَاّ من العوام، ولو كنتَ ابن عبد السلام.
وكان مع ذَلِكَ حسن المحاضرة، كبير المروءة، عَلَى غاية من صفاء الذهن وفرط الذكاء. وَكَانَ يحضر السماع ويرقص. وَكَانَ يقول: مضت لي ثلاثون سنة لا أنام حَتَّى أمر أبواب الأحكام عَلَى خاطري.
وكان يقول: مَا احتجتُ فِي شيء من العلوم إِلَى أن أكمله عَلَى الشيخ الَّذِي أقرأه عَلَيْهِ. وَمَا توسطته، حَتَّى يقول لي: استغنيت عني واشتغل فِيهِ مع نفسك. ومه ذَلِكَ مَا كنت أتركه حَتَّى أختمه عَلَيْهِ.
ومن تصانيفه: التفسير، والمجاز فِي القرآن، وقواعد الإِسلام، والقواعد الصغرى، ومختصر النهاية، ومختصر الرعاية، والفتاوى المجموعة، والأمالي والفتاوى الموصلية، وعدة تصانيف لطاف.
وكان صرفه عن القضاء لغضبة غضبها من الوزير معين الدين ابن الشيخ فعزل نفسه. فقيل للسلطان: اعزله وإلا قال فيك عَلَى المنبر، كما قال فِي الصالح إسماعيل، فعزله من الخطابة، واقتصر عَلَى تدريس الصالحية إِلَى أن مات.
وسئل أن يقرر وظائفه لأولاده فقال: مَا فيهم مَن يصلح لَهَا، ولكنها تصلح للقاضي تاج الدين، يعني ابن بنت الأعز.
وكان صرفه عن القضاء فِي ذي القعدة سنة أربعين وستمائة. فاستقر بعده موهوب الجزَري، وَكَانَ ينوب عنه.
وكانت وفاته بالمدرسة الصالحية فِي عاشر جمادى الأولى سنة ست وستين وستمائة وصلّى عليه السلطان الظاهر بيبرس فمن دونه. ورثاه أبو الحسن الجزار بقصيدة أولها:
أما الفتاوى فعليها السلام
…
مذ فقد الشيخ ابن عبد السلام
راعني الله لفقد امرئ
…
قام بحق الله حق القيام
عبد العزيز بن علي بن أبي العز بن عبد العزيز بن عبد المحمود البكري البغدادي، عز الدين الحنبلي من المائة التاسعة.
ولد سنة سبعين وسبعمائة واشتغل وقرأ بالروايات، وتعاني عمل المواعيد، واختصر المغنى. وسمع من أصحاب سراج الدين القزويني. وتحول إِلَى القدس فسكنها زماناً، وولي قضاء الحنابلة.
ثُمَّ جرت لَهُ مع الباعوني، وهو يومئذ خطيب المسجد الأقصى كائنة، ففر إِلَى بغداد فأقام بِهَا مدة، وولي القضاء - عَلَى مَا زعم - ثُمَّ رجع إِلَى القدس، فوقع بينه وبين الهَروي. فدخل القاهرة فِي سلطنة المؤيد. فلما فتحت المدرسة المؤيدية فِي سنة إحدى وعشرين، قرر فِي تدريسها، ثُمَّ نقل إِلَى قضاء الشام فباشر مدة. ثُمَّ رجع إِلَى القاهرة بعد موت المؤيد، فوجد علاء الدين ابن المغلي قَدْ مات واستقر عوضاً عنه محب الدين البغدادي، فاتفقت لمحب الدين كائنة مع ابن مزهر، فصرف البغدادي، وقرر عز الدين.
وَكَانَ السلطان وجماعة من دولته يعرفونه من دمشق. وَكَانَ يظهر لهم التقشف الزائد بحيث كانوا يشاهدونه يحمل طبق الخبز إِلَى الفرن. ثُمَّ صرف بحيلة عملها ليستمر فِي القضاء، فانعكست عَلَيْهِ.
وكان ابن مزهر انحرف عنه لأمور متعددة. فاتفق أنه حضر عند ناظر الجيش عبد الباسط، فأمسك ذيله، وسأله أن يسأل السلطان فِي الاستعفاء من القضاء. وأن يرتب لَهُ مَا يكفيه، وينقطع فِي زاوية. وقصد بذَلِكَ أن تزيد رغبة السلطان فِيهِ. فكان كذلك، وحصل مقصوده. فَوَلَّدَ ابنُ مُزهر من هَذِهِ القصة شيئاً توصل بِهِ إِلَى عزله. وذلك أنه قال للسلطان: إن عز الدين أَلَحّ علينا فِي الاستعفاء، فقال لَهُ: فمن تولى؟ قال: محب الدين، فإن الَّذِي عزل بسببه، ظهر أن لا صحة لَهُ. فأذن فِيهِ فاستدعى بمحب الدين، وخلع عَلَيْهِ ونزل إِلَى الصالحية، وَلَمْ يكن عز الدين علم بشي من ذَلِكَ. فبغته الأمر، وبحث عن السبب إِلَى أن عرف من أين أتى، فسقط فِي يده. وصار يطوف ويكذّب من نقل عنه فلا يصدقه. وَكَانَ ذَلِكَ فِي سنة إحدى وثلاثين. فاستمر محب الدين إِلَى أن مات. وقرر عز الدين فِي غضون ذَلِكَ فِي القضاء بدمشق.
ثُمَّ صرف فِي أول دولة الظاهر. واستقر ابن مفلح، فقدم القاهرة، فلم يتمكن من
الإِقامة بِهَا، وأخرج إِلَى القدس فأقام بِهِ ِشيئاً. ثُمَّ دخل دمشق فأقام بِهَا مدة أخرى. ثُمَّ قدم القاهرة بعد ثلاث سنين، فسعى فِي العود إِلَى قضاء دمشق، فأجيب. واستمر فِيهِ إِلَى أن مات فِي شوال سنة ثمان وأربعين وثمانمائة بعد أن صرف عن القضاء.
عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم بن صَخْر بن عبد الله بن إبراهيم بن أبي الفضل الكناني الحموي الأصل، نزيل القاهرة.
ولد بدمشق بالمدرسة العادلية فِي المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة ونشأ بِهَا، وأحضر عَلَى أبي الفضل ابن عساكر، وعمر بن القواس، والعز إسماعيل بن الفرّاء، والحسن بن علي الجلال.
وسمع من أبيه ومن الأَبَرْقُوهِيّ، ومحمد بن حسين الفُوِّي، والدمياطي، وابن القيم والرشيد ابن المعلم، والفخر النويري، والرَّضِيّ الطَّبَرِيّ فِي آخرين، وسمع الكثير.
ثم حبب إِلَيْهِ الطلب لما كبر، فطاف عَلَى الشيوخ، وحصل الأصول والأجزاء. وقرأ الكثير، وأخذ الفقه عن جماعة، وشارك فِي العربية، وخطب بالجامع الجديد نيابة عن أبيه. ورحل إِلَى دمشق فلقي الفضلاء، وشهدوا لَهُ بالفضل، وأسمع ولده عمر بعد العشرين عَلَى إسحاق بن يحيى الآمدي وابن الشحنة وست الفقهاء وغيرهم.
قال الذهبي: طلب الحديث وعني بِهِ مع تصون وديانة وخير.
وقال فِي موضع آخر: إما مفت فقيه، مدرس محدّث، قرأ الكثير، وكتب
الطباق وعني بهذا الشأن. وَكَانَ خيراً صالحاً حسن الخلق كثير الفضائل. سمعت منه، وسمع منِّي. وولي وكالة بيت المال وغير ذَلِكَ من المناصب. ثُمَّ ولي القضاء عوضاً عن القاضي جلال الدين القزويني، فصرف جميع من كَانَ الجلال استنابه، وقرر هو صهره تاج الدين المناوي، وأخاه ضياء الدين المناوي، ثُمَّ ذكر للسلطان أن جميع ولاة البرِّ ولَاّهم القزويني بالمال، واستأذنه فِي عزلهم، فعزل الجميع. وتولى المناوي تقرير غيرهم برأيه.
قال الإِسنوي: ولي قضاء الديار المصرية فِي جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة فسار فِيهِ سيرة حسنة. وَكَانَ حسن المحاضرة كثير الأدب، حسن الخط مع السرعة سليم الصدر.
وآل أمر القاضي عز الدين إِلَى أنه تخلى عن المنصب لتاج الدين يفعل فِيِه مَا شاء، واقتصر هو عَلَى حضور المواكب بدار العدل يومي الاثنين والخميس، والإقبال عَلَى الاشتغال بالعلم، وحضور الدروس، والتخلي للعبادة.
وَكَانَ عفيفاً نزيهاً كثير العبادة، إِلَاّ أنه كَانَ قابض اليد عن البذل للفقراء والطلبة.
وحكى الجمال ابن أحمد فِي ترجمته، أنه كَانَ أقوى الأسباب فِي اتصال جنس الفقهاء بالترك، فخدموهم لينالوا بهم الوصول إِلَى مقاصدهم، لتعذرها عليهم من عند القاضي، فآل الأمر بذلك إلى أن استقرت المناصب العلمية كلها لمن لا يستحقها، انتهى.
وهذا لا شك أنه كَانَ موجوداً قبل عز الدين، إِلَاّ أنه كثر باعتماده عَلَى التاج المناوي، وَكَانَ قليل البضاعة فِي العلم، عارفاً بالشروط.
وَكَانَ العز جميل المحاضرة، كثير العبادة والتواضع والإِنصاف، والاقتصاد فِي المأكل والملبس.
صنف كتاب المناسك الكبرى عَلَى المذاهب الأربعة، أجاد فِيهِ، واختصره فِي مجلد لطيف. وصنف السيرة النبوية مختصرة. وَلَهُ مجاميع حسنة. وصنف نزهو الألباء فِي معرفة الأدباء، اقتصر فِيهِ عَلَى ترجمة من اتصلت لَهُ رواية شعره بالسماع أَوْ الإِجازة.
وكان الناصر قَدْ عظمه، وفوض إِلَيْهِ تعيين قضاة الشام. وَكَانَ يعتكف العشر الأخير من رمضان. فذكر شهاب الدين ابن قايماز - وَكَانَ معروفاً بالصدق - أنه دخل عَلَيْهِ فِي معتكفه، فسأله قضاء حاجة لشخص من الناس، فلم يرد عَلَيْهِ جواباً، فغضب. وَكَانَتْ لَهُ منزلة من الأمير شيخون، وهو يومئذ المشار إِلَيْهِ فِي تدبير المملكة، فقال يخاطبه: يَا مولانا، هَذَا حرام عَلَيْكَ، والتصدي لفصل أحكام المسلمين أفضل من هَذَا. وترك الواجب للنفل ممنوع. فلما أكثر عَلَيْهِ، قال لَهُ: أنا لي خليفة قَدْ تصدى لذلك فاكتفيت بِهِ. قال: لا تبرأ ذمتك بذلك. فلم يلتفت لذلك. فقلت: إن لَمْ ترجع عن هَذَا لأرفعن الأمر للسلطان. فلما رأى بعض من حضر أني غضبت سارَّه، فقال: يَا ولدي أنت تحب العلم والفقهاء، ولا تحضر مجلسي فِي الحديث، مَهْمَا كَانَ لَكَ من حاجة، فأعلمني ولا تنقطع عني. قال: فأفرطتُ فِي تعنيفه، وبينت لَهُ مَا الناس فِيهِ مع المناوي، وانصرفت عنه.
قال: ودخل إِلَيْهِ شاب مات أبوه وبيده وظيفة، فسأله فِيهَا فقال: خَرَجَتْ فألحَّ عَلَيْهِ، فقال لَهُ: الوظائف لا تورث. فقام من عند مكسور الخاطر. فدعا عَلَى أولاده أن لا تَقَرَّ بهم عينه ولا ينفعهم بشيء من وظائفه، فأُجيبت دعوته فيهم. وَلَمْ ينجب منهم إِلَاّ حفيده شيخنا عز الدين. لكن فِي العلوم لا فِي غيرها، بحيث أنني شاهدته والناس ينتفعون بما خلَّفه ابن عمه برهان الدين ابن جماعة، ولا يصل هو إِلَى شيء منه، مع شدة حاجته إِلَيْهِ حَتَّى منزل السكن.
واتفق أنه عزم عَلَى الحج فِي شهر رجب سنة أربع وخمسين، فخطب بجامع القلعة واستأذن على السلطان بعد الصلاة، وأعلمه بأنه عزم عَلَى الحج والمجاورة، فساعده شيخون، فقال لَهُ السلطان: فَعَيِّنْ لَنَا من يصلح للمنصب فقال: تاج الدين المناوي، وأطراه، ووصفه بالخير والقيام بأمر المنصب. فأعفاه السلطان وقرر تاج الدين، وَلَمْ يكن التاج حاضراً هَذَا المجلس، واعتذر العز لشيخون بأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فِي المنام وذكر مَا يدل عَلَى الإِشارة إِلَيْهِ بالسفر والمجاورة، ثُمَّ توجَّه.
فلما حضر عنده التاج عرَّفه أن السلطان ولَاّه فأظهر التمنع، فألزمه بالقبول فقبل واشتهر ذَلِكَ. وأصبح الناس يوم السبت يسعون فِي جهات التاج، حَتَّى قال شيخون للقضاة الثلاثة رفقته لما حضروا عنده القصر، يسألونه فِي عدم صرف عز الدين، وأنه يحصل بِهِ وبتقرير المناوي فساد كبير. فقال لهم: منذ وَقَع هَذَا إِلَى هَذِهِ الساعة،
رفعت إليَّ نحو ستين قصة فِي وظائف التاج. وآخر الأمر، استقر الحال، إِلَى أن التاج يستمر عَلَى النيابة عن عز الدين، ويسافر عز الدين ويجاور، فإذا عاد استمر عَلَى وظيفته، فتكلم شيخون مع السلطان فِي ذَلِكَ،
فأرسل إِلَيْهِ أَزْدَمُر الخازندار بذلك. فلم يزل بِهِ حَتَّى طلع معه يوم الاثنين، فخلع عَلَيْهِ السلطان وأعاده إِلَى المنصب، واستقر التاج عَلَى نيابته. ورجع من كَانَ سعى فِي وظائفه، وسافر القاضي ثُمَّ عاد فِي أول سنة خمس وخمسين. فلما كَانَ فِي شهور سنة تسع وخمسين، وَقَدْ آل الأمر فِي التكلم فِي أمور المملكة إِلَى صرغتمش، كَانَ عنده من عز الدين نفسٌ، فتكلم فِي تولية بهاء الدين ابن عَقِيل، وَكَانَ السبب فِي ذَلِكَ مَا تقدم فِي ترجمة ابن عقيل، فقرر فِي العشر الأخير من جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وسبعمائة، إِلَى أن قبض عَلَى صرغتمش، فصرف ابن عقيل فِي العشر الأخير من شهر رمضان، فكانت ولايته ثمانين يوماً. ثُمَّ أعيد العز ابن جماعة فاستمر إلى أن ولي الوزير فخر الدين ابن قَرَوينة فصار يناكِده فِي الأمور الشرعية، فضجر منه حَتَّى سأل الإِعفاء، فما أجابوه. فمات شخص وَلَهُ وارث ومال، فاحتاط الوزير عَلَى موجوده، فراسله العز بأن هَذَا وارث شرعي. فلم يصغ لقوله فحنق، وعزل نفسه، وأشيع
…
.
عبد العزيز بن محمد بن النُّعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيُّون المغربي القيرواني، إسماعيلي من المائة الرابعة.
ولد فِي أول ربيع الأول سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. وَكَانَتْ ولايته القضاء فِي يوم الخميس السادس عشر من رمضان سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وأضيف إِلَيْهِ
النظر فِي المظالم، وخُلعت عَلَيْهِ الخلع عَلَى العادة، وحمل عَلَى بغلة وقِيدت بَيْنَ يديه ثِنْتان، وحمل بَيْنَ يديه سِفط ثياب، ودخل إِلَى الجامع فحضر فِي موكب حفِل، وقرئ تقليده عَلَى المنبر.
وكان أول أحكامه أنه أوقف جميع الشهود الذين قبلهم عمه الحسن مَا عدا شرف ابن محمد المقرئ، فإنه استكتبه فِي التوقيع والقصص، وكتب لَهُ فِي الإسجال عَلَيْهِ، قاضي القضاة عبد العزيز، قاضي عبد الله ووليه منصور أبي علي، الإِمام الحاكم الأمير المؤمنين - صلوات الله عَلَيْهِ وَعَلَى آبائه الطاهرين - عَلَى القاهرة المُعِزِية ومصر والإِسكندرية والحرمين وأجناد الشام والرحبة والبرقة والمغرب وأعمالها. وَمَا فتحه الله وَمَا يسَّر فتحه لأمير المؤمنين من بلدان المشرق والمغرب.
واستخلف عبدُ العزيز فِي الحكم مالك بن سعيد الفارقي وابن أبي العوام فِي الفرض. ولازم الشهودُ الذين لَمْ يقبلهم بابَه، فأرسل إليهم أنه قَدْ كثر تطارحكم عليَّ وتشفعكم فِي قبول الشهادة، فيلزم كل واحد منكم شغله. فمن احتجت إِلَى شهادته منكم أنفذت إِلَيْهِ، فانصرفوا عنه.
فلما كَانَ فِي السابع عشر من ذي القعدة، طلبهم واستحلفهم أنهم مَا كانوا سَعوا فِي طلب الشهادة عند عمه ولا رشوه ولا غروا لَهُ، فحلفوا عَلَى ذَلِكَ فقبلهم، وأصعد الحاكمُ عبدَ العزيز معه عَلَى المنبر فِي الجمع والأعياد عَلَى عادة من تقدمه، وامتدت يده فِي الأحكام وعلت منزلته. وجلس فِي الجامع وابتدأ فِي كتاب جَده اختلاف أصول المذاهب. وَفِي ولايته فوض الحاكم إِلَيْهِ النظر عَلَى دار العلم الَّتِي أنشأها وَكَانَ الحاكم بناها وأتقنها وجعل فِيهَا من كتب العلوم شيئاً كثيراً، وأباحها للفقهاء
وأن يجلسوا فِيهَا بحسب اختلاف أغراضهم من نسخ ومطالعة وقراءة، بعد أن فُرشت وعلقت الستور عَلَى أبوابها، ورتب فِيهَا الخدام والفَرشة.
وتخصص عبد العزيز هَذَا بمجالسة الحاكم ومسايرته، فاحتاج القاضي إِلَى الإِذن لولده القاسم الأكبر فِي الحكم بالجامع وَكَانَ يجلس فِيهِ لسماع الأحكام، والفصل بَيْنَ الخصوم. وصار الناس يترددون فِي أمورهم منه إِلَى أبيه ومن أبيه إِلَيْهِ، وأمر ولده الأصغر أن يثبت كتب الناس ويفصل بينهم فِي مجلس حكمه بمنزله. وفوض إِلَيْهِ الحاكم أيضاً النظر فِي تركة ابن عمه حسين بن علي بن النعمان بعد قتله، فتسلم جميع مَا وجد لَهُ، وكذا فعل فِي تركة أبي منصور الجودري وهو من كبار دولته، وقدَّمه فِي الصلاة عَلَى جماعة من أوليائه، جرت العادة بأنه لا يصلى عليهم إِلَاّ الخليفة. وأمره فِي يوم عاشوراء أن يمنع النساء والناس من المرور فِي الشوارع، وَكَانَتْ سنتهم أنهم فِي يوم عاشوراء
يخرجون النساء وغيرهن للنَّوْح والبكاء عَلَى الحسين، وينشدون المراثي فِي الشوارع وتمد الغاغة أيديهم إِلَى أمتعة الباعة، فرفعوا ذَلِكَ إِلَى الحاكم، فأمر القاضي أن يمنعهم من المرور فِي الشوارع وأن يختص النوح والنشيد بالصحراء. واتفق أن بعض الكتاميين كَانَ من عنده حق فامتنع من أدائه، وَكَانَ عنده شدة بأس وعجرفة، فرفع أمره إِلَى القاضي، فأنفذ إِلَيْهِ رسولاً فأهانه، فرفع الأمر للحاكم فأمر بإٍِحضار الكتامي مسحوباً إِلَى القاضي بمصر، ثُمَّ أحضر إِلَى القاهرة ماشياً، وألزم بالخروج مما عَلَيْهِ.
وأمره الحاكم بالنظر فِي المساجد وتفقد أوقافها، وجمع الرّيْع وصرفه فِي وجوهه ففعل ذَلِكَ وبالغ فِيهِ، وأفرد لذلك شاهدين يضبطانه.
وزوج القاضي ولديه بابنتي القائد فضل بن صالح، وَكَانَ الإملاك بالقصر عَلَى صداق أربعة آلاف دينار أنعم الحاكم بِهَا من بيت المال، فَخُلع عَلَيْهِ ثوبان مفصلان وست عشرة قطعة من الثياب المكفوفة، وحملا عَلَى بغلتين مسروجتين، وقِيد بَيْنَ يديهما مثل ذَلِكَ.
وتصلب القاضي فِي أحكامه، وارتفعت كلمته وتعزز عَلَى جميع أهل الدولة، وتقدم إِلَى جميع الشهود أن من يتخلف من البكور إِلَى حضور المجلس كل اثنين وخميس ألزم بمغرم ثقيل. وسأله خليفته فِي الحكم مالك بن سعيد، أن يستخلف الخليل بن الحسن عنه إذا طرقه أمر منعه من الركوب أَوْ التوجه إِلَى مجلس الحكم فأذن لَهُ. وَلَمْ يعهد ذَلِكَ لغيره، أن النائب يستنيب عنه فِي المدينة.
وذكر المسبحي فِي تاريخه فِي حوادث سنة سبع وتسعين وثلاثمائة مَا حاصله أن عليّ بن سليمان المنجم، وَكَانَ من خواص قائد القواد الحسين بن جوهر، أخبره أن القاضي زار الحسين بن جوهر القائد فِي داره يوم أحد فِي صيام النصارى، وَكَانَ عنده أبو الحسن الرَّسي والمسبحي ومن يخدمهم. فدخل الغلام، فقال: أبو يعقوب بن نسطاس الطبيب بالباب، فأذن لَهُ، فدخل وهم على المائدة، فأظهر السرور بِهِ وأحضر لَهُ عدة ألوان. ثُمَّ رفعت المائدة وقدم الشراب وَمَا يلائمه من الفاكهة والمشروب. فأقبلوا عَلَى عملهم إِلَى أن سكروا. فأما القاضي فانصرف، ونام القائد والرسي. واستمر أبو يعقوب الطبيب بالطارمة الَّتِي كَانَ بناها فِي ذَلِكَ المكان - وهي تطل عَلَى نهر كبير - يشرب ويطرب، إِلَى أن غلب عَلَيْهِ السكر. فخرج وطلب بغلته، فقدمت له بغلة الرَّسي فامتنع من ركوبها، فسأله الخدم أن يعود إِلَى مكانه إِلَى أن تحضر بغلته،
فرجع
إلى المكان الَّذِي فِيهِ الرسي فنام إِلَى جانبه فقام أحد الفراشين فرفع الستارة يتفقدها فرأى الرسي وَلَمْ ير أبا يعقوب، فدخل وطلبه، فلمح طرف ثوبه فِي الماء فاستدعى فراشاً يعرف السباحة فنزل إِلَى النهر فوجده قَدْ التَّفت ثيابه عَلَى وجهه فغطس فِي الماء، فأعلم الخدم القائد فاستدعى القاضي، وانتبه الرَّسي وشق عليهم ذَلِكَ، لعلمهم بمنزلته من الحاكم. فسألوني أن أَعلم الحاكم بذلك فدخلت إِلَيْهِ فذكرت لَهُ: أن أبا يعقوب قام من الليل وهو دهش فسقط فِي النهر، فإلى أن يصل إِلَيْهِ الفراش وجده قَدْ التف فِي ثيابه فغطس. فشق عَلَيْهِ وأظهر الأسف، وبحث عن الأمر، فعرفوه بصورة الحال، فهز رأسه ونكس، فإِذا بالقاضي والقائد والرسي قَدْ وصلوا إِلَى القصر مشاة بعمائم لطاف. فاستدعاهم فحلفوا وأكدوا لَهُ الأيمان إن كَانَ لَهُم فِي شأنه شيء، واستشهد القائد والقاضي بالرسي فشهد لهما بالبراءة من ذَلِكَ، فأمر بتكفينه ودفنه. وَكَانَ ذَلِكَ فِي أواخر سنة سبع وتسعين وثلاثمائة.
فلما كَانَ فِي يوم الخميس النصف من شهر رجب سنة ثمان وتسعين شاع بَيْنَ الناس أن عبد العزيز القاضي عزل، وقرر خليفته مالك بن سعيد، فارتفع النهار وَلَمْ ينزل إِلَى مجلس الحكم، إلى قرب الظهر، ثُمَّ نزل وحكم وصلى بالناس الظهر إِلَى أن انصرف بمفرده، من غير حاجب ولا رِكَابيّ حَتَّى دخل داره.
فلما كَانَ آخر النهار طاف جماعة عَلَى جميع أولياء الدولة، بأن يجتمعوا بالقصر بكرة، فحضروا. وحضر مالك بن سعيد، فقُلِّد جميع مَا كَانَ بيد عبد العزيز.
وَكَانَتْ مدة ولاية عبد العزيز ثلاث سنين وتسعة أشهر وثمانية وعشرين يوماً.
قال المسبحي: عَزَل عبد العزيز فِي أيام نظره فِي المظالم ثلاثة عشر نفساً وَفِي أيام قضائه نفسين.
واستمر عبد العزيز بعد عزله يتردد إِلَى القصر خائفاً يترقب القتل، إِلَى أن كَانَ الحادي عشر من جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين؛ ركب القائد حسين بن جوهر والقاضي عَلَى عادتهما، فسلما وانصرفا، فأرسل إليهما، فحضر عبد العزيز أولاً فاعتقل، ورجع خادمه ببغلته. واختفى القائد وولده فكسر بابه، وحرّض الحاكم عَلَى تحصيله فتعذر عَلَيْهِ. فأمر بإِطلاق عبد العزيز، فرجع إِلَى منزله وَقَدْ أقاموا عَلَيْهِ العزاء، فسكَّنهم. وَكَانَ الباعة قَدْ أغلقوا حوانيتهم فأمرهم بفتحها. ثُمَّ بعد ثلاثة أيام حضر القائد بالأمان، فخلع عَلَيْهِ وَعَلَى عبد العزيز خلعاً سنية وحملت قدامَهُما ثياب كثيرة،
وحملا عَلَى فرسين وقِيدت بَيْنَ أيديهما عدة خيول، وأعاد الحاكم النظر فِي المظالم إِلَى القاضي عبد العزيز، وقرئ سجله وخلع عَلَيْهِ خلعاً مقطوعة وطيلساناً، وحمل عَلَى بغلته وبين يديه أخرى، وحمل بَيْنَ يديه سفَط ثياب. فاستمر إِلَى تاسع عشر صفر سنة أربعمائة، ثُمَّ قبض عَلَى إقطاعه، وضرب عَلَى باب داره لوح باسم الديوان.
وفي أواخر رمضان أعرس ولدا القاضي بابنتي القائد الَّذِي تقدم عقدهما عليهما.
فلما كَانَ آخر المحرم سنة إحدى وأربعمائة، استشعر القاضي والقائد من الحاكم الغدر بهما. فلما كَانَ فِي التاسع من صفر، هرب القاضي وقائد القواد حسين بن جوهر وأتباعهما وصَحِبَهما جماعة، ومعهما من الأموال شيء كثير. وتوجهوا عَلَى طريق دُجْوة فلما بلغ الحاكم ذَلِكَ، ختم عَلَى دورهما، وأمر مالك ابن سعيد الفارقي بالركوب إِلَى دار القاضي والقائد حسين، وضبط مَا فيهما وحَمْلِه. فلم يزل القاضي والقائد مستترين إِلَى السادس من المحرم سنة إحدى وأربعمائة، فظهرا وكتب
لهما الأمان من الحاكم، وخلع عليهما، فلازما الخدمة، إِلَى أن كَانَ يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الآخرة منها، حضرا الخدمة وانصرفا. فأرسل إليهما فِي الحال فرجعا فقتل كلاًّ منهما جماعة من الأتراك فِي الدهليز، وختم فِي الحال عَلَى دورهما، وذهب دمهما هدراً. وأحيط عَلَى دورهما فِي الوقت، وقبض عَلَى كثير من أتباعهما، وصودروا.
وكان عبد العزيز عالماً بالفقه عَلَى مذهب الإِمامية كآل بيته، ولا سيما جده، وَقَدْ نسب إِلَيْهِ الشيخ عماد الدين ابن كثير، الكتاب المسمى البلاغ الأكبر والناموس الأعظم فِي أصول الدين، ووهم فِي ذَلِكَ. وإنما هو تصنيف عمه عليّ ووالده النعمان.
قال ابن كثير: وَقَدْ رد عَلَى هَذَا الكتاب القاضي أبو بكر الباقلاني. قال ابن كثير: وفيه من الكفر مَا لا يصل إبليس إِلَى مثله. كذا قال.
عبد الغني بن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر بن أبي بكر الحراني، أبو محمد شرف الدين الحنبلي من المائة الثامنة.
ولد فِي شهر رمضان سنة خمس وأربعين وستمائة بحران. وَكَانَ جد أبيه عبد الله قاضياً بِهَا، وقدم الديار المصرية، فسمع بحماة من شيخ الشيوخ عبد العزيز بن محمد الأنصاري عن الحسن بن عرفة، وحدّث بِهِ. وولي القاهرة نظر الخزانة السلطانية ثُمَّ أضيف إِلَيْهِ قضاء الحنابلة، ودرس بالصالحية، وذلك بعد موت عز الدين ابن عوض فِي صفر سنة ست وتسعين فِي سلطنة المنصور لاجين.
وكان مشكور السيرة، حسن الخَلق والخُلق كثير المكارم.
وقال ابن رجب فِي طبقات الحنابلة: كَانَ مزجَى البضاعة فِي العلم. وَلَمْ يزل عَلَى ولايته إِلَى أن مات فِي شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعمائة.
عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد بن سعيد الفارقي، إسماعيلي من المائة الخامسة، ولد سنة
…
وَكَانَ أبوه قاضي طرابلس المغرب وانتقل إِلَى مصر فنشأ ولده واشتغل ومهر.
ثُمَّ ولي القَضَاء فِي خلافة المستنصر بعد صرف عبد الحاكم بن وهيب فِي شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين. ثُمَّ أضيفت إِلَيْهِ الوزارة فاستخلف ولده عبدَ الملك أبا الحسن عَلَى الحكم، فنزل إلى الجامع العتيق، وسمع الشهود، ووقَّع فِي جميع الأمور نيابة عن أبيه، ولقب هو الوزير الأجل عميد الرؤساء مجد المعالي كفيل الدين، صفوة أمير المؤمنين.
وهو أول من ولي الوزارة من أهل بيته، قال أبو القاسم ابن مُنْجِب: كَانَ عبد الكريم فاضلاً موصوفاً بالخير. وَكَانَتْ ولايته وولاية ابنه القضاء فِي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وصرف عن قرب فِي أول المحرم سنة أربع وخمسين ومات هو فِي الرابع من المحرم منها.
عبد المحسن بن محمد المكرمي تقدم فِي الحسين بن علي.
وقيل أنه ولي القضاء بعد أبي الطاهر إسماعيل بن سلامة بعد الأربعين وخمسمائة.
عبد الملك بن عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقي، تقدم ذكره مع أبيه، وهو يكنى أبا الحسن، إسماعيلي من المائة الخامسة.
عبد الملك بن عيسى بن دِرْبَاس بن فِيْر بن جَهْم بن عَبْدُوس الهَذَباني الماراني، نسبة إِلَى قبيلة من الأكراد، يقال لَهَا ماران، بجنب الموصل. أبو القاسم صدر الدين الكردي، شافعي من المائة السادسة.
ولد في أواخر سنة عشر وخمسمائة، وتفقه بأبي سعد بن أبي عصرون، وبأبي الحسن علي بن سليمان المرادي، وسمع منه ومن أبي القاسم الحسن بن الحسين الأسدي
المعروف بابن البُن، ومن أبي القاسم ابن عساكر، ومن علي بن إبراهيم الأنصاري المعروف بابن بنت أبي سعد وغيرهم. وخرّج لَهُ أبو الحسن ابن المفضل أربعين حديثاً، قرأها عَلَيْهِ وأسمعها الناس بقراءته. وسمع هو أيضاً من ابن المفضل.
وكان قبل أن يقدم مصر، مشهوراً بالصلاح والخير والغَزْو وطلب العلم، حَتَّى كانوا يتبركون بآثاره للمرضى، ويُقْصَد لذلك.
ثم برع فِي الفقه، وقدم الديار المصرية مع السلطان صلاح الدين، فقرره فِي القضاء بِهَا فِي جمادى الآخرة سنة ست وستين وخمسمائة، وَكَانَ قبل ذَلِكَ ولي قضاء الغربية، وأضاف إِلَيْهِ القضاء بكثير من البلاد الشامية، وقرر فِيهَا النواب. ثُمَّ أضاف إِلَيْهِ الأحباس، فاستخلف عَلَى الحكم أخاه ضياء الدين عثمان، ثُمَّ استنابه عليّ بن يوسف الدمشقي، وَكَانَ قَدْ قدم الديار المصرية واشتهر بِهَا.
واستمر القاضي صدر الدين عَلَى ولايته مدة السلطان صلاح الدين إِلَى أن مات فِي سنة تسع وثمانين. وسلطنوا ولده العزيز، فاستمر بالقضاء عَلَى ولايته إِلَى أن وقع
بينه وبين نائبه علي بن يوسف، وَكَانَ يقول إنه استناب بغير رضاً منه. وذلك أن عليّ بن يوسف، كَانَ يخدم الأتراك الذين فِي خدمة العزيز ابن صلاح الدين، فسألهم أن يتحدثوا لَهُ مع القاضي أن يستنيبه، فلم يسعه مخالفتهم، فاستنابه. ثُمَّ أشهد عَلَى نفسه أنه لَمْ يرضَ بِهِ نائباً عنه، فشق عَلَى عليّ بن يوسف فكثّر عَلَيْهِ الشناعات، وانقطع عن التردد إِلَيْهِ، وصار يستبد بكثير من الأمور إِلَى أن حضر للقاضي عقد امرأة مملوكة، عند سيدها، فشهد عَلَيْهَا أنها أذنت لَهُ فِي تزويجها بعد الإِشهاد عَلَى سيدها بعتقها فعقده القاضي، فقال لَهُ ابن يوسف: قَدْ كَانَتْ أذنت لي بعقد نكاحها قبل هَذَا الإذن، فأجيب بأن العقد لا يصح قبل صحة العتق، فأخرق القاضي بالشهود
الذين شهدوا لابن يوسف بالإِذن الأول، فتعصب الأتراك لابن يوسف، ورفعوا الأمر للسلطان، ورموا القاضي بأنه يسلك مع ابن يوسف حظ نفسه بغير حجة فغضب السلطان، وبعث السري إِلَى القاضي يعتبه عَلَى ذَلِكَ. فأعاد الجواب أنه نقل لَهُ عنه أنه ارتشى فِي الحكم، وأنه راسل فلانة يراودها عن نفسه. فغضب السلطان من هَذَا الجواب، فأغرى الأتراك الذين تعصبوا لابن يوسف، حَتَّى حملوه عَلَى أن أمر بعزله، واستقرار ابن يوسف فِي الحكم بالقاهرة، وأن يستمر نائب الصدر بمصر عل حاله، إِلَى أن يرى السلطان رأيه. فقام جماعة من الأعيان فِي نصرة الصدر، وبالغُوا فِي الثناء عَلَيْهِ، فأجابهم السلطان بأنه رمى نائبه بأمر إن أثبته عَلَيْهِ فهو مستمر ويعزل نائبه، إلا فقد فسق بما قاله فِي حق نائبه.
فلما عجز القاضي عن إثبات مَا قاله فِي حق ابن يوسف، صرح العزيز بعزل الصدر، واستقلال ابن يوسف، وذلك فِي ربيع الأول سنة أربع وتسعين. ثُمَّ أعيد الصدر فِي المحرم سنة خمس وتسعين. ثُمَّ صرف فِي ربيع الآخر سنة خمس وتسعين. وأعيد ابن يوسف، ثُمَّ صرف. وأعيد الصدر، فلم يستنب فِي هَذِهِ الولاية أخاه، وأضيفت إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الولاية الخطابة والأحباس والحسبة ودار الضرب. ووقع بينه وبين أخيه الضياء عثمان شارح (المهذب) ، اختلاف فِي العقيدة فهجره، حَتَّى إنه لما مات لَمْ يُصلّ عَلَيْهِ. وامتنع من دفنه بمقبرته. وَكَانَ إِذَا ذكره تلا قوله تعالى:(لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) الآية. ثُمَّ يقول لَمْ يبق لَهُ الحقُّ أخاً.
وكانت وفاته كما قال المنذري: مات فِي ليلة الخامس من شهر رجب سنة خمس وستمائة، القاضي الأجل قاضي القضاة أبو القاسم ابن دِرْبَاس. ودفن بتربته بسفح المُقطَّم. وشهد دفنه جمع كثير من الأعيان، منهم شرف الدين ابن عين الدولة الَّذِي ولي القضاء من بعد ذَلِكَ؛ فأنشد عند مواراته فِي لحده:
يَا أَيُّها الملأ المجمّع حوله
…
كشيوخه وكهوله وشبابهِ
هل فيكم من مُنْتَمِي إِلَاّ لَهُ
…
أَوْ فيكم من سيد إِلَاّ بِهِ
عبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عَمرو بن حزم الأنصاري المدني الحَزْمِيّ الأعرج، من المائة الثانية يكنى أبا الطاهر. ولد سنة
…
وسمع من أبيه وعمه عبد الله روى عنه المُفضَّل بن فضالة، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وعبد الله بن وهب وعبد الله بن صالح العِجْلِيّ، وسعيد بن عُفَيْر.
قال ابن يونس: ولي القضاء من قبل الهادي موسى بن محمد. وقدم مصر فِي أول سنة سبعين ومائة.
حدثنا أسامة بن أحمد بن يحيى بن الوزير، حدثنا يحيى بن بُكَيْر: قدم علينا عبد الملك بن محمد الحزمي قاضياً، وَكَانَتْ أحكامه عَلَى مذهب أهل المدينة؛ القاسم وسالم، وربيعة، والزهري.
وقال ابن يونس: وَكَانَ متضلعاً بِهَا، حافظاً لَهَا. وَكَانَ شديد التفقد للأيتام والأحباس، منكراً عَلَى من يرى فِيهِ خللاً بالضرب وغيره.
وكان متضلعاً بمذهب أهل المدينة. وَكَانَ يتفقد الأحباس بنفسه ثلاثة أيام من كل شهر، يأمر بمرمتها وإصلاحها وتنظيفها، ومعه طائفة من العمال عليها. ويجلد كل من أخل بشيء من أمرها عشر جلدات.
وكان يقضي بالشاهد واليمين. قال يحيى بن بُكَيْر. وَكَانَ ضَرُوباً لمن يرى فِيهِ خللاً. واستكتب وَرْشاً المُقرئ المشهور، وخلف بن قادم وغيرهما.
وقال عبد الرحمن بن عبد الحكم: حدثني أبي قال: كتاب صاحب البريد واسمه يزيد بن عمرو الطائي إِلَى عبد الملك: إنَّك تُبَطِّئُ بالجلوس للناس، فقال لَهُ: إِذَا كَانَ أمير المؤمنين أمرك بشيء، وإلا ففي أُكُفِك وبراذعك ودَبَرَ دوابك مَا يُشغلك عن أمر العامة، ثُمَّ استعفى.
وذكر أبو عمر الكندي أن يزيد بن عمرو، كتب إِلَيْهِ فِي خصم يوصيه بِهِ، فكتبَ إِلَيْهِ: ما أنت والقضاء، عَلَيْكَ بِدَبَر دوابك وبراذعها وكنس زبولها. فكتب صاحب البريد إِلَى الرشيد يعيبه ويقول: إن الناس قد شَكَوا منه. فأتى كتاب الخليفة إِلَى داود ابن يزيد بن حاتم، وهو يومئذ أمير مصر يأمره أن يوقف الحزمي للناس. فأمر داود بِهِ فأقيم. فانطلقت الألسنة بالثناء عَلَيْهِ بالخير، وركب الليث بن سعد، وعاصم بن العلاء وابن لهيعة، إِلَى الأمير فأثنوا عَلَيْهِ. فقال الزمي لداود: قَدْ جاءني الفرج. وَفِي هَذِهِ الفرصة لتأتين العافية ولست تصل رحمي بمثل إعفائي. فقال لَهُ: فمن يصلح بعدك؟ فقال: رضيت لَكَ المفضَّل بن فضالة فأعفاه.
وإنما كَانَ صاحب البريد يكاتب الخليفة بأخبار القضاة، لأن المنصور كَانَ أول من اتخذ ذَلِكَ مبالغة فِي الاطلاع عَلَى أحوال
الرعية. وكان يقول: أحتاج إِلَى أربعة لا يكون أحد أعف منهم، هم أركان الملك، كما أن السرير لا يستقيم إِلَاّ بأربعة قوائم؛ وهو قاضٍ لا يأخذه فِي الله لومة لائم، وصاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي. وصاحب خراج يستقضي الحق ولا يظلم. ثُمَّ عض إصبعه وقال: آه آه عَلَى الرابع. فقيل: من هو؟ قال: صاحب خبر يكتب إليّ بأخبار الحكام عَلَى الصحة.
وكان يرسل إِلَى كل بلد صاحب خبر يكاتبه بالأسعار وقضاء القاضي، وحكم صاحب الشرطة، وَمَا يرد إِلَى بيت المال إِلَى غير ذَلِكَ من الأحداث.
وكان المنصور إِذَا صلى المغرب قرأ الكتب، ونظر فِي الأسعار، فإن تغير منها شيء، سأل عن السبب. ولا يزال يتلطف حَتَّى يعود إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، ويسأل عما يشك فِيهِ من قضاء القاضي إلى أن يقف عَلَى الصحة فِيهِ، فيكتب إِلَيْهِ بِهِ ويوبخه فيما ينقل إِلَيْهِ عنه، إن كَانَ خالف شيئاً من ذَلِكَ.
وقال أبو القاسم ابن عبد الحكم فِي فتوح مصر: لما صرف أبو الطاهر وتوجه للعراق، سئل عن ذلك فقال: إنما ظننت أتي لا أعفى، ولولا ذَلِكَ مَا استعفيت من مصر، فإنها زاوية صالحة. ولمَّا قدم بغداد ولاّه الرشيد قضاء الجانب الشرقي من بغداد.
وكانت مدة ولايته عَلَى قضاء مصر أربع سنين وأربعة أشهر. وصرف فِي جمادى الأولى سنة أربع وسبعين ومائة ومات ببغداد سنة ست وسبعين. وصلى عَلَيْهِ الرشيد. وفيها أرخه ابن يونس.
عبد الواحد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حُدَيْج السَّكُونِيّ. تقدم نسبه فِي ترجمة أبيه يكنى أبا
…
من المائة الثانية.
ولد سنة أربع وستين ومائة، وولاه عبد الله بن عبد الملك، القضاء بعد صرف عمران بن عبد الرحمن بن شُرَحْبيل، فِي صفر سنة تسع وثمانين. وَقَدْ ذكر ابن يونس، أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً أرسله وهو النهي عن أكل الطعام الحار حَتَّى يبرد. رواه عنه الحسين بن هانئ الحضرمي.
قال أبو عمر: كَانَ عمر لما ولي القضاء خمساً وعشرين سنة. فلم يتعلق عَلَيْهِ بشيء.
وقال ابن يونس: أضاف إِلَيْهِ عبد الله بن عبد الملك الشُّرَط، ثُمَّ صرفه قرة بن شريك عن القضاء فِي ربيع الأول سنة تسعين. فكانت مدة ولايته سنة واحدة. وعاش إِلَى أن توفي سنة ثلاث عشرة ومائة. وقيل سنة خمس عشرة. قال ابن يونس.
عبد الوهاب بن الحُسَيْن المهلبي، وجيه الدين ابن أقضى القضاة سديد الدين أبي علي بن أبي القاسم عبد الوهاب بن بركات بن علي بن غياث بن قاسم بن المهلب بن أبي
صُفرة. كذا نسبه بعض الناس، وَقَدْ سقط بَيْنَ قاسم والمهلب أكثر من ثلاثة عشر أباً، إن كَانَ المهلب المشهور. وإن كَانَ آخر يسمى المهلب فلا سقط.
وقد وجد من يوافق المهلب المشهور فِي اسمه وَفِي كنية والده، وهو شيخ ابن بطال شارح البخاري.
ولد القاضي وجيه الدين فِي
…
واشتغل بمصر عَلَى جماعة، واجتمع بالقاضي عناد الدين السكري فِي أواخر أيامه، وَعَلَى البهاء ابن بنت الجميزي. وأخذ عن الزكي عبد العظيم بمصر، وأخذ بدمشق عن ابن الصلاح، وابن عبد السلام، ثُمَّ رجع إِلَى مصر فدرس بالمجدية، وهو مكان وقفه مجد الدين المهلبي عَلَى من يدرس بمكان معين بجامع عمرو بن العاص. وَكَانَ لَهُ يوم جلوسه محفل عظيم. وَكَانَ يُلقى فِيهِ بعد الدرس العام درساً فِي أصول الدين، اتباعاً لشرط واقفه، وَكَانَ أتقن الأصلين عَلَى طريقتي الإمام فخر الدين والسيف الامدي، أخذهما عن الأفضل الخونجي والحسن وشاهين.
وكان رفيع القدر عند القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز وغيره، مشاراً إِلَيْهِ فِي الأمور، يرجع إلى رأيه فِي النقض والإِبرام فِي المهمات. وَكَانَ مع ذَلِكَ متواضعاً. فباشر أموره بنفسه مع إكبابه عَلَى الاشتغال والمباحثة والاستفادة.
قال: وَكَانَ لا يشق غباره، ولا يتوقع عثاره. وتولى مشيخة ميعاد علاء الدين الضرير بمضر.
ويدل عَلَى جلالة قدره، عظمة من تخرج بِهِ من الفضلاء؛ كالعَلَم العراقي والعلم
السمنودي، والعِزّ ابن السيف، والعلم ابن الصيفي القمني، والكمال عبد الغني والظهير يحيى، وابن الرفعة، والطبقة الَّتِي بعد هؤلاء كالزين ابن البياع والفلك ابن بن السكري، والعماد المهلبي والقطب البياني وغيرهم والطبقة الأخيرة. وَلَمْ يكن أحد ممن يوازيه فِي السن أكثر اشتغالاً منه. قطع عمره بَيْنَ قراءة وإقراء.
وولي الحكم فِي هر رمضان سنة ثمانين وستمائة، أَوْ فِي أواخر شعبان بعد وفاة ابن رزين مباشرة دون سنة. ثُمَّ استعفى من قضاء القاهرة وَمَا معها فِي رجب سنة إحدى وثمانين لسكناه بمصر ومشقة الركوب عَلَيْهِ، واستمر عَلَى قضاء مصر إِلَى أن مات فِي جمادى الآخرة سنة خمس وثمانين وستمائة.
عبد الوهاب بن أبي القاسم خلف بن أبي الثنا محمود بن بدر العَلَامِيّ، بمهملة وتخفيف اللام، وهي قبيلة من لَخْم، تاج الدين المعروف بابن بنت الأعز.
ولد سنة أربع وستمائة، ومات أبوه وهو صغير فِي ذي القعدة سنة اثنتي عشرة. وَكَانَ عظيم القدر فِي الدين والورع والصيانة، فسكن دَمِيرَى بالغربية، فربى فِي حجر جَده لأمه الصاحب فخر الدين مِقْدَام بن الكمال ابن شُكر. وَكَانَتْ أم والده تاج الدين بنت أبي المنصور بن ظافر شيخ المالكية. وَكَانَتْ النجابة لائحة عَلَى التاج من صغره. فنشأ ذكياً قوي الحافظة. انقطع للاشتغال مدة طويلة بمدرسة زين التجار. وأخذ
عن فضلاء عصره كالشيخ شرف الدين ابن اللبيب، والضياء ابن الوراق، وابن السكري، والأفضل الخونجي والمجد ابن دقيق العيد، وأذن لَهُ بالإفتاء والتدريس. وأخذ الحديث عن جعفر بن علي الهمذاني، وأخذ أيضاً عن ابن عبد السلام، وابن الجميزي، والمنذري، والشريف الأرموي قاضي العسكر فِي آخرين. وأعاد بالمدرسة المذكورة عنده، وولي نظرها.
ويقال إنه لَمْ تعرف لَهُ صبوة حَتَّى كَانَ الطلبة إِذَا فرغوا من الاشتغال يتمازحون ويمزحون، وهو لا يخالطهم حَتَّى كانوا إِذَا رأوه سكتوا عما هم فِيهِ هيبة لَهُ. ثُمَّ إن الكامل طلب رجلاً يكون أميناً عاقلاً عارفاً بالحساب، فدله عَلَيْهِ الشريف فولاه شاهد بيت المال، فجهد عَلَى أن يعفيه من ذَلِكَ فأبي عَلَيْهِ.
وكان التاج توجه صحبة جده الصاحب الأعز ابن شكر إِلَى الإسكندرية، فتعلم بِهَا الكتابة والحساب فمهر فِيهِ لفرط ذكائه، حَتَّى كَانَ يضرب بِهِ المثل فِي معرفته. ثُمَّ اتسعت معارفه وكثرت فضائله، وضرب فِي كل فن بسهم. قال مؤتمن الدين الحارث بن الحسن بن مسكين فِي السيرة الَّتِي جمعها لَهُ: حضر يوماً مجلس ابن عبد السلام، فجاءت إِلَيْهِ فتياً، فأمر القاضي تاج الدين أن يكتب عَلَيْهَا بحضرته فكتب واستحسن ذَلِكَ الشيخ، ثُمَّ ولاه الصالح أيوب نظر الدواوين. ثُمَّ فوض إِلَيْهِ النظر فِي التواقيع فوقع عنه، فصارت تعرض عَلَيْهِ ويكتب بخطه
ويجعلها فِي كيس، ويختم عَلَيْهَا. فلا يكتب السلطان عَلَى شيء منها، حَتَّى يرى خطه.
قال الشيخ شمس الدين ابن القماح: قال لي ابن دقيق العيد: قلت للقاضي تاج الدين: لو تفرغت للعلم لكنت أعظم من ابن عبد السلام!. وقال القاضي نور الدين ابن الصائغ: كَانَ حجة الله عَلَى قضاة عصره.
وكانت أول ولايته للقضاء فِي سنة أربع وخمسين بعد عزل بدر الدين السنجاري. ثُمَّ صرف فِي سنة خمس وخمسين بالبدر. واستقر هو فِي الوزارة عوضاً عن البدر، ولك فِي ربيع الأول منها. ثُمَّ صرف عن الوزارة بيعقوب بن الزبير، فِي سلطنة المظفر قُطز، وذلك فِي عاشر ذي القعدة سنة سبع وخمسين. وأعيد التاج إِلَى القضاء فِي عاشر جمادى الأولى سنة تسع وخمسين، وذلك فِي سلطنة الظاهر بيبرس. ثُمَّ فِي ثالث شوال منها، أفردت مصر لبرهان الدين الخضر ابن علي السنجاري. فاستمر فِيهِ إِلَى أن مات.
ويقال إنه أول مَا ولي القضاء، أفردت لَهُ مصر عن القاهرة، واستمر البدر السنجاري فِي قضاء القاهرة. فاتفق أن الركن والي مصر، ركب مع المعز أيبك فسأله عن أحوال مصر فقال لَهُ: يَا مولانا، مصر سعدت بالقاضي تاج الدين. فقال لَهُ: فالقاهرة؟ قال: فِيهَا القاضي بدر الدين. فقال المعز: يضاف للقاضي تاج الدين جميع الأعمال. فكتب لَهُ تقليد عظيم بذلك. فسار فِي ذَلِكَ سيرة عظيمة شهيرة. فإنه بسط العدل، ورفع قدر الشرع، وتصرف تصرفات استحسنها كل من عرف بِهَا. وتفقد أحوال الشهود، واستفسر عن أحوالهم وأسقط جماعة وأذن لمن ارتضاه.
وكان من أول مهاباً، فازدادت هيبته مع الحِلم والعفو عمن يسيء إِلَيْهِ.
ومن آثاره المستحسنة فِي الوزارة، أنه لما وليها كَانَتْ العادة قَدْ جرت من عهد طروق الططر البلاد، أنه يؤخذ من أملاك الناس فِي كل سنة أجرة شهرين. فقام القاضي تاج الدين فِي ذَلِكَ بأمور القضاء والوزارة، لا يكاد يخفى عَلَيْهِ شيء من الأمور المتعلقة بِهِ، حَتَّى حكى المؤتمن المذكور، أنه أمر بشراء دواب لنقل آلات العمارة فِي الأوقاف، فلما استغنوا عنها استأذنوه فِي بيعها بعد مدة طويلة فأذن. فأخبره المأذون أنه باع منها الشيء الفلاني بكذا. فقال لَهُ: استفدت فِيهِ كذا، فكشف عن أصل
المشتري منه، فوجد كما قال. وعمر فِي أيامه الجامع العتيق بمصر ونمَّى أمواله، وكذلك أموال الأوقاف والأحباس.
ومما حكاه المؤتمن فِي قيامه فِي الحق، أن تاجراً بمصر كَانَ يقال لَهُ ابن الأخرم كَانَتْ لَهُ جارية جميلة فأحبها حباً شديداً حَتَّى أنه أعتقها وتزوجها. تمادت الأيام فانكسر هو وأبوه وأحيط بهما، وحبسا، وبيع موجودهما. فبلغ الأمير ركن الدين المَشْطوبي، وَكَانَ من الأكابر فِي عصره، وَكَانَ القاضي يصحبه، وهو أكبر من سعي لَهُ فِي ولاية قضاء القاهرة، من أول مرة، حَتَّى كمل لَهُ العمل. فبلغ الركن جمال الجارية المذكورة. فراسل سيدها، فاعتذر لَهُ بعتقها، فما قبل منه وألزمه بيعها، فأشهد عَلَيْهِ بأنه باعها وانتقلها الركن. فأقامت عنده مدة، حَتَّى ولدت لَهُ. فلما ظهر قيام القاضي فِي الحق، وأنه لا يحابي فِيهِ أحداً، حضر عنده التاجر وشكا إِلَيْهِ حاله، فطلب الركن فادعى عَلَيْهِ التاجر بأنه اغتصب منه امرأته، فأخرج العهدة ببيعها، فأجاب بأنه أفلس فباعها. فقال لَهُ القاضي لا يصح البيع فِيهَا. فقال:
أَيُّها القاضي إنها قَدْ ولدت مني فلم يلتفت لقوله وألزمه بإِحضارها وأحضر التاجر البينة الشاهدة لَهَا بالعتق والتزويج. فحكم عَلَيْهِ بتسليمها لزوجها. وَلَمْ يلتف إِلَى مَا تقدم لَهُ عَلَيْهِ من المساعدة، وأنفذ فِي حكم الشرع بعد عدة سنين.
وكان إِذَا ظهر لَهُ الحق لا يحابي فِيهِ صاحباً ولا أحداً من الأكابر.
قال: وَكَانَ كثير الحلم قليل الغضب، وربما غلب عَلَيْهِ فيقهر نفسه بالسكوت، قليل المؤاخذة.
قال: ولما مات البدر السنجاري حضر الصلاة عَلَيْهِ فقيل لَهُ: تقدم. فوقف طويلاً بك كبّر، فسئل عن ذَلِكَ فقال: كَانَ قَدْ بلغني عنه أشياء كَانَتْ فِي نفسي عَلَيْهِ، فَرَضَّيت نفسي حَتَّى حالته ثُمَّ صليت عَلَيْهِ.
وكان عند الأمير جمال الدين أَيْدُغْدِي العَزِيزيّ فقيه يعلم أولاده، فسأله أن يكلم القاضي فِي تعديله، فراسله فِي ذَلِكَ، فامتنع. فأرسل إِلَيْهِ جماعة زكُّوه فلم يتجه لَهُ قبولهم. فراسله مع عجمي يقول لَهُ: كَيْفَ ترد شهادة هؤلاء مع أن عدالتهم مشهورة، ويشهد عندك الأتابك، وهو يفعل بمماليكه كذا، وتقبل شهادته فأجابه بأن حلف بأنه مَا عرف بهذا. وقال للعجمي، قل لَهُ: إن شهدت عندي باشتهار الأتابك بهذا، أسقط شهادته، فتحير الأمير العزيزي لما سمع الجواب، وبقي فِي خشية أن يبلغ ذَلِكَ الأتابك. فبلغ ذَلِكَ القاضي فراسله بأنه لا يفشى ذَلِكَ عنه.
قال: وَكَانَ من تصميمه عَلَى الق، لا يصل أحد من الأكابر لا من الأمراء ولا من غيرهم لشيء يريده، إِلَاّ إن وافق الشرع.
ودخل عَلَى الملك الظاهر يوماً وَقَدْ أشهد عَلَى نفسه فِي مكتوب حبس فِيهِ داراً عَلَى جهة من جهات البر، وجعل النظر فِيهِ للقاضي تاج الدين. فقال: يَا مولانا السلطان، أَوْ بطريق النظر الخاص؟ فقال لَهُ: أنت لا تروح من الحكم حَتَّى أموت أنا أَوْ تموت أنت. وَكَانَ كذلك، مات القاضي وهو عَلَى حالته، وَقَدْ عجز كل كبير فِي الدولة عن إزالته.
قال ومن أعجب أمره أنه كَانَ لَهُ أربعة أولاد نجباء، حَتَّى كَانَ أكبرهم يقاربه فِي المنزلة، مَا سمع أحدٌ يقول فِي مدة ولايته، قال ابن القاضي ولا فعل ابن القاضي، حَتَّى إن من لا يعرف أنهم أولاد القاضي يظنهم أجانب عنه.
وقال الشيخ أبو عبد الله ابن النعمان: دخلت يوماً إِلَى القاضي تاج الدين فقلت لَهُ: أنت تكثر الركوب مع السلطان، وَكَانَ القاضي عز الدين ابن عبد السلام لا يركب معه. فقال: مَا أركب معه إِلَاّ لأجل الأمراء، ليوهمهم قربه معه وخصوصيته بِهِ.
وكان من أثبت الناش جأشاً، لا يخلو من ورود أمر يهتم بِهِ، فلا يَتَضَعْضَعْ لشيء، ولا يخضع.
قال: ومن حسن تصرفه أنه كَانَ لبعض المحاجير حصة فِي بستان، فِيهِ نخل كثير، فاحتيج لبيعها، فسويت ثمناً كبيراً، لأن الشريك كَانَ شديد الوطأة، وقال بعض مَن يعرف قيمة الأشياء: إن قسن البستان بلغت حصة اليتيم ضعفي الثمن المذكور. فأرسل القاضي من لَهُ خبرة، فكشف عنه، فعاد وأخبره أنه
لا تتأتى فِيهِ القسمة إِلَاّ عن تَراض. وَكَانَ الشريك يُعرف بالشريف زين الدين ابن قميحة، فاستحضره القاضي، وألَانَ لَهُ القول وباسَطه، وكلّمه فِي ذَلِكَ وهو يتوقف. فزاد القاضي فِي التلطف معه إِلَى أن قال لَهُ: أنت نائبي. فانخدع بذلك ومضى مع الشهود حَتَّى قسم البستان، وأفردت حصة اليتيم، فبيعت بأضعاف ثمنها. وكثر دعاء الناس للقاضي لعلمهم بشدة بأس ذَلِكَ الشريك وشدة لَدَدِهِ.
ومن تحرّيه أنه أرسل بعض التجار ليشتري لَهُ خادماً بثلاثين ديناراً من اليمن، فأخذها واشترى بِهَا خادماً وأحضره فأقام فِي جهته مدة. وَكَانَ بَيْنَ القاضي والتاجر حساب، فحاسبه بِهِ مدة، ونسي القاضي أن يذكر المبلغ الَّذِي دفعه فِي ثمن الخادم، واستحيا التاجر أن يُذكِّره بِهِ. فلما انتهى الحساب، أخرج القاضي صرة فِيهَا مائة وعشرة دنانير، فدفعها للتاجر وقال: هَذِهِ ثمن الخادم الَّذِي أحضرته لي، فإنه مَا وافقني فبعته لَكَ وهذا ثمنه، فعدّ هَذَا فِي عظيم أمانته.
وكان للقاضي تاج الدين أربع نواب من المذاهب الأربعة، واستنابهم بإذن السلطان لَهُ فِي ذَلِكَ توسعة عَلَى الناس فِي أحكامهم. فاتفق لَهُ مع الجمال أَيْدُغْدِي منازعة، فحسّن للسلطان أن يكون النواب الثلاثة الذين من غير مذهب القاضي نواباً عن السلطان، مع بقاء القاضي الكبير ونائبه، ويكون ذَلِكَ أعظم فِي حق السلطان. ففعل ذَلِكَ، وجعل لكل واحد منهم مجلساً فِي يوم معين بمصر، وشاركوا القاضي فِي استنابة النواب فِي البلاد، لكن اختص بديوان الأحباس، والنظر فِي الأموال عَلَى اختلاف جهاتها، وإثبات الوقفيان والورثة.
وكان القضاة مع ذَلِكَ يترددون إِلَيْهِ ويعظمونه، ولا يتكلمن فِي مجلس السلطان أحد غيره. ويذكر أن القاضي صدر الدين الحنفي، أول من أفرد بالحكم مستقلاً فِي هَذِهِ
الكائنة لما مات القاضي. قال: والله لقد عدمناه ونقصت حرمتنا بكوته. وَكَانَتْ رياستنا قائمة بوجوده.
ويحكى أنه قال يوماً: مَا رأيت أعجب من القاضي المالكي، إِذَا وقعت لَهُ قضية يحضر عندي ويقول: وقعت واقعة كذا، والحكم فِيهَا فِي مذهبي كذا، فلا أجيبه بكلمة. فيخرج من عندي ويحكم فِيهَا. فإِذا عوتب بعد ذَلِكَ قال: مَا حكمت حَتَّى عرضت ذَلِكَ عَلَى القاضي تاج الدين.
ولم يزل القاضي بعد تجديد الثلاثة القضاة معه، يتعب نفسه فيما يسد بِهِ الخلل، إِلَى أن أتاه مَا قدر لَهُ من الأجل. ومات فِي ليلة الثامن والعشرين من شهر رجب سنة خمس وستين وستمائة. وَكَانَتْ جنازته حافلة جداً.
ورثاه جماعة؛ منهم الشيخ أبو عبد الله ابن النعمان بقوله:
نعى الناس تاجَ الدين قاضي قضاتنا
…
وَمَا النعي فِي التحقيق إِلَاّ عَلَى الشرعِ
لقد عز حكم الشرع فِي وقت حكمه
…
لأن التقي كَانَ الأمين عَلَى الطبع
ومع هَذِهِ الأوصاف الجيدة فما سَلِمَ من قول عائب ولَوْم غائب. أنشدنا أبو حيان ابن أبي حيان إجازة عن جّده، أنشدنا شرف الدين محمد البوصيري الأديب فِي الصاحب تاج الدين لما جعلت القضاة أربعة وَكَانَ بمصر راهب يقال لَهُ الحبيش كثير البذل للفقراء، وَكَانَ القاضي تاج الدين بضد ذَلِكَ فعمل فِيهِ البوصيري:
انظر إِلَى هَذِهِ الدنيا تجِد عَجَباً
…
لله فِي كل مرئي ومسموع
تاهَ النصارى علينا بالحُبيش وَقَدْ
…
أباحهم منه خيراً غير ممنوع
فالجودُ أسعد بالتثليث صاحبهم
…
والبخلُ أنحس قاضينا بتربيع
وأنشد فِيهِ يمدحه ويغبطه بذلك، ويصوب رأي من فعله:
لقد سَرَّنا أن القضاة ثلاثة
…
لأنك تاج الدين للقوم رابعُ
بهم بنية الإِسلام صحت وكيف لا
…
تصح وهم أركانها والطبائع
فكم رُخَصٍ أبدوا لَنَا وعزائمٍ
…
هُدينا بِهَا فهي النجوم الطوالع
فلا تيأسن إذ وسع الله فِي الهدى
…
مذاهبنا بالعلم، والله واسع
تفرقت الآراء والدين واحد
…
وكل إِلَى رأي من الحق راجع
فهذا اختلاف جَرَّ للناس راحةً
…
كما اختلفت فِي الراحتين الأصابع
عبد الوهاب بن محمد بن أحمد بن أبي بكر الطرابلسي، أمين الدين أبو اليمن. ولد فِي يوم الثلاثاء ثامن عشرين شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة وحفظ القرآن، واشتغل فِي الفقه وتعلم الخط وجَوَّده. ونشأ فِي صيانة ونزاهة إِلَى أن ولي قضاء العسكر. وولي الحكم عقب موت جمال الدين المَلَطِيّ فِي يوم الخميس ثالث عشر شهر رجب سنة ثلاث وثمانمائة، فباشر مباشرة حسنة.
وكان شكلاً حسناً بهيَّ المنظر، كثير السؤدد، وقوراً مهاباً، كثير الصيانة، وَكَانَ لذلك ينسب إِلَى زهو.
وكان قد اشتغل كثيراً، وسمع الحديث معنا من بعض شيوخنا. وَكَانَتْ ولايته الأولى سنتين وثلاثة عشر يوماً. فإنه صُرِف فِي سادس عشرين رجب سنة خمس
وثمانمائة بالقاضي كمال الدين ابن العديم قاضي حلب - وَكَانَ قَدْ قدم فِي الجفل من وقعة اللَّنك وسط سنة أربع، فاستوطن القاهرة وحضر مجلس
القاضي أمين الدين فِي قراءة البخاري، وبحث معهم، وتردد إلى الكبار. وَكَانَ من العارفين بطرق السعي. فلم يزل يسعى إِلَى أن استقر فِي هَذِهِ السنة فباشرها، وانقطع القاضي أمين الدين إِلَى أن أعيد فِي شهر رجب سنة إحدى عشرة.
فلما أراد الناصر الخروج إِلَى حلب، لطلب شيخ ونيروز ومن معهما من الخارجين عَلَيْهِ، سعى ناصر الدين أن يتولى القضاء، ويسافر مع العسكر، وتوسل بالمال، وبأن أمين الدين يشق عَلَيْهِ السفر فخلع عَلَيْهِ فِي المحرم سنة اثنتي عشرة.
ولما شرعوا فِي السفر اعتنى الأمير جمال الدين الأستادار، بالقاضي أمين الدين فانتزع لَهُ مشيخة الشيخونية من ابن العديم فباشرها إِلَى رجب سنة ثمان عشرة، فانتزعها منه ابن العديم بمال، واستمر الأمين منفصلاً عنها وعن القضاء حَتَّى مات بالطاعون فِي ربيع الأول سنة تسع عشرة وثمانمائة.
عبد الوهاب بن محمد بن محمد بن عيسى بن أبي بكر بن عيسى ابن مروان بن أحمد الإِخنائي، بدر الدين ابن علم الدين ابن سيف الدين المالكي من المائة الثامنة.
ولد فِي حدود سنة عشرين، واشتغل ومهر. وأول مَا ولي نظر خزانة الخاص الَّتِي كَانَتْ بالقلعة، ثُمَّ ولي القضاء فِي العشر الأخير من رجب سنة سبع وسبعين، عوضاً عن ابن عمه برهان الدين. وصرف لما قتل الأشرف شعبان فِي ذي القعدة سنة ثمان وسبعين. وَكَانَ لما ولي ضعيفاً، فأرسل إِلَيْهِ التشريف فتدثر بِهِ. ثُمَّ استقل وباشر مباشرة حسنة. وَكَانَ كثير التلاوة والحج والمجاورة، وحسن المحاضرة، وحج مع الأشرف، ثُمَّ رجع من عقبة أيلة، واستقر عوضه علم الدين البساطي.
وكان قَدْ سمع عَلَى عم أبيه القاضي تقي الدين الإِخنائي، وسمع أيضاً عَلَى عبد
الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي صحيح مسلم، والدعاء المحاملي. ثُمَّ أعيد إِلَى القضاء فِي صفر سنة تسع وسبعين.
وكانت مدة صرفه بعلم الدين البساطي نحو ثمانين يوماً. ثُمَّ صرف الإِخنائي فِي ثالث عشر رجب منها، وأعيد العَلَم فلزم الإِخنائي داره، إِلَى أن مات فِي شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين، وَقَدْ حج فِي غضون ذَلِكَ وجازر سنة ثلاث وثمانين.
عبيد الله بن نائل بن نَجيح. ولَاّه المهتدي بالله قضاء القضاة ببغداد، بعد صرف الحسن بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب. فلما قتل المهتدي، أعيد الحسن. ذكر ذَلِكَ ابن الجوزي فِي المنتظم.
وكان من يتولى قضاء القضاة فِي ذَلِكَ الزمان، هو الَّذِي تولى القضاء فِي الآفاق وذلك فِي سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
وكان قاضي مصر يومئذ محمد بن عبدة وَكَانَتْ ولايته من قبل خمارويه بن أحمد بن طولون. ويقال إنه تولى من قبل المعتمد. حكاه ابن زولاق، فكتبت ترجمة هَذَا احتياطاً.
عتيق بن الحسن الصباغ المعروف ببكران، وَكَانَ من العدول بمصر. فلما ولي الحسن بن عبد الرحمن الجوهري القضاء بمصر بعد محمد بن بدر، خليفةً عن الحسين بن عيسى بن هَرَوان، وقع بَيْنَ بكران وبين القاضي شر. فخرج إِلَى الإِخشيد بالشام، فالتمس من الحسين أن يستخلفه عَلَى الأحباس، ففوض نظرها لَهُ. وجعل لَهُ أمر قضاة البلاد بنواحي مصر. وصرف ابن عبد الرحمن عن خلافته، وأرسل عوضه مع بكران، أحمد بن عبد الله الكشِّي كما تقدم فِي ترجمته.
وكان بكران ينظر فِي الأحباس عَلَى مَا يعمله الكشي، وكل منهما يخاطَب بالقاضي. وأمر بكران الشهود بحضور مجلسه، والشهادة عَلَى حكمه فحضروا، وأراد أن يقضُّوه فِي الإِشهاد عليه، فامتنعوا من ذَلِكَ. واضطرب أمر البلد وتظلم جماعة إِلَى الإِخشيد فساءه ذَلِكَ. وأمر بإحضار بكران، فناله منه مكروه، وأمر بالبطش بِهِ، ومنعه ومنع الكشي من الحكم. ثُمَّ جمع وجوه الناس واستشارهم فيمن
يصلح للحكم، فأشاروا عَلَيْهِ بابن أخت وليد، فولاّه خلافةً للحسين بن عيسى.
فكانت مدة بكران بمشاركة الكشي ثلاثة أشهر. وتوجه بكران إِلَى الرملة فتاب عن ابن هَرَوان بِهَا عَلَى عادته.
عثمان بن قيس بن أبي العاص بن قيس بن عدي بن سعد بن سَهْم بن عَمرو بن هُصَيْض بن كعب بن لؤي القرشي السَّهمي. ذكر أبو عمر الكندي من طريق علي بن الحارث بن عثمان بن قيس بن أبي العاص السهمي، أن جده عثمان ولي
قضاء مصر سنة ثلاث وعشرين. سنةَ مات عمر بن الخطاب. فأقره عثمان عَلَى القضاء طول خلافته، واستقر بعد قتل عثمان فِي الفتنة.
ومن طريق ابن لَهِيعة قال: قتل عثمان بن عفان، وعثمان بن قيس قاض، فلم يكن بمصر قاضٍ حَتَّى قام معاوية، كذا قال: وهذا لا يتَّجه، لأن قيس بن سعد بن عبادة، كَانَ أمير مصر لعليّ، وكان فِي غاية المعرفة والحزم. فيبعد أن لا يقرر فِي البلد قاضياً. لكن لا يمتنع أنه كَانَ يباشر ذلك بنفسه.
وقد أخرج أبو عمر أيضاً من طريق عبد العزيز بن أبي مَيْسرة قال: لَمْ يكن بمصر قاض بعد قتل عثمان إِلَى سنة الجماعة.
قال: وَكَانَتْ مدة ولاية عثمان بن قيس فِي القضاء اثنتي عشرة سنة، ويقال أكثر من ذَلِكَ. وأنه صرف عن القضاء فِي خلافة معاوية سنة اثنتين وأربعين.
قالوا: وَكَانَ فصيحاً عابداً مجتهداً غَزِير الدمعة. يقضى وهو يبكي، ويقول ويل لمن حكم فَجَارَ.
قلت: لو كَانَ هَذَا ثابتاً، لبطل قول أبي عمر الكندي أنه مات بعد عثمان فِي الفتنة. وأبو عمر أيقن من غيره فِي ذَلِكَ.
وأخرج الطبراني من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب قال: كتب عمر ابن الخطاب إِلَى عمرو بن العاص، أن افْرِضْ لكلِّ مَن قِبَلك ممّن بايع تَحْتَ الشجرة فِي
مائتين من العطاء، وأبلغ ذَلِكَ بنفسك. وافرض لعثمان بن قيس لضيافته ولخارجة بن حذافة لشجاعته.
وقال ابن يونس: كَانَ صاحب ضيافة قريش يعني وهو بمكة.
وقال أبو عمر: اختصم نفر من جذام إِلَى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، يعني وهو أمر مصر فِي خلافة عثمان، فقال: ارتفعوا إِلَى عثمان بن قيس، فَلَتَجِدُنَّه مُسْتَضْلِعاً يحمل أثقالكم.
عَطَّاف بن غَزْوان أذن لَهُ عبد الله بن طاهر، أمير مصر إذ ذَاكَ، لما منع إبراهيم بن الجراح، فاستمر. فلما ولي عيسى المنكدري صرف عن النظر فِي المظالم. قاله أبو عمر الكندي.
علي بن أحمد بن إسحاق أبو الحسن. باشر قضاء مصر نيابة عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن زَبْر فِي ولايته الثالثة، وَلَمْ يقدم ابن زَبر مصر، وكَاتَبَ علي بن أحمد بن إسحاق ليتسلم لَهُ هو ويحيى بن الحسن، فوصل الكتاب إليهما فباشر شهرين. ثُمَّ صرف بصرف ابن زبر.
علي بن أحمد بن عَمَّالا أبو القاسم جلال الدولة ابن هلال الدولة. ويقال هو قاسم بن أحمد بن عمار، وبالأول جزم ابن ميسر.
قال أبو الحسين التَّرُوجِيّ فِي كتاب بلغة الظرفاء: كَانَ ابن عَمَّار من حسنات الدهر، وولي قضاء مصر فِي أوائل سنة أربع وسبعين وصرف فِي شعبان سنة
خمس وسبعين، ثُمَّ نقل إِلَى قضاء الإِسكندرية. فلما ثار نزار بن المستنصر بالإِسكندرية
وادعى الخلافة، ونهض الأفضل أمير الجيوش ابن بدر إِلَى قتاله، كَانَ القاضي ممن عاونه، وكذا الأمير أفتكين والي الإسكندرية، والرئيس محمود بن مصال، فقبض الأفضل عَلَى نزار فأعدمه، وقتل أفتكين، وهرب محمود بن مصال. وقبض الأفضل عَلَى جماعة من رؤساء الإِسكندرية من جملتهم القاضي، فاعتقله ثُمَّ قتله، وذلك فِي سن ثمان وثمانين وأربعمائة.
علي بن الحسين بن حرب، ويقال حَرْبُويَه بن عيسى البغدادي، الفقيه الشافعي من أهل المائة الرابعة يكنى أبا عبيد، ويقال لَهُ ابن حربويه، وهو بِهَا أشهر.
ولد سنة سبع وثلاثين ومائتين وسمع الكثير من لأبي الأشعث العجلي أحمد بن المقدام البصري وحفص بن عَمْرو الرَّبَالي، والحسن بن محمد الزَّعْفَراني، والحسن بن عرفة، وزيد بن أخزم الطائي، وأبي السُّكَين زكريا ين يحيى، ويوسف بن موسى القطان وحسين بن أبي يزيد الدباغ. وتفقه عَلَى داود بن علي، ثُمَّ افقه عَلَى مذهب أبي ثَور صاحب الشافعي، وقرأ الكلام عَلَى أبي محمد العباسي.
وحكى ابن زولاق عم ابن الحداد قال: قلت لأبي عبيد: هل سمعت من يعقوب ابن إبراهيم الدورقي؟ قال: لا. منعني أبي من سماع الحديث قبل أن أستظهر القرآن حفظاً. فلما حفظته قال لي: خذ المحفظة واذهب إِلَى يعقوب بن إبراهيم الدورقي فاكتب عنه. فتوجهت فإذا الناس يقولون مات يعقوب الدورقي.
وسمع من الزعفراني كتاب الحجة للشافعي. وحدث بِهِ عنه.
قال ابن زولاق: ورأيت أبي عبيد تصنيفاً فِي إثبات القياس والرد عَلَى منكريه. روى عنه النسائي فِي الصحيح.
قال المزِّي فِي التهذيب: وَلَمْ أر ذَلِكَ فِي سنن النسائي، فلعله روى عنه شيئاً فِي تصانيفه ككتاب الكنى.
وقال قال ابن زولاق: حدث عنه النسائي سنة ثلاثمائة، وعاش النسائي بعد ذَلِكَ ثلاث سنين.
قلت: وَكَانَ سماع النسائي منه بعد أن قدم أبو عبيد مصر.
وقال البرقاني فِي أسئلته للدارقطني: سألته عن أبي عبيد فقال: كَانَ فاضلاً حليلاً، حدث عنه أبو عبد الرحمن النسائي ومات قبله.
وقال أبو سعيد ابن يونس: قدم مصر قاضياً بعد صرف أبي عُبَيد الله محمد بن عَبْدَة بن حرب. وشغور المنصب مدة فِي يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان ويقال لليلتين بقيتا من رجب سنة ثلاث وتسعين ومائتين. وَكَانَ شيئاً عجباً مَا رأيننا قبله ولا بعده مثله. وَكَانَ يتفقه عَلَى مذهب أبي ثور صاحب الشافعي، وحدَّث فِي زمن ولايته الدولابي، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو حفص ابن شاهين، وأبو بكر ابن المقرئ، وأبو عمر بن حيويه، وأبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى بن الجراح، ووقع لي حديثه بعلو من جهته.
قال ابن يونس: كَانَ ثقة ثَبتاً.
وقال ابن حيويه: توفي الثقة الأمين أبو عبيد فِي صفر. وقال ابن زولاق: كَانَ فقيهاً عالماً بالاختلاف فصيحاً عاقلاً، عفيفاً منقبضاً، قوَّالاً بالحق، جواداً. وقال أيضاً: حدثني محمد بن أحمد بن ورقاء البغدادي، قال: كَانَ أبو عبيد
من أهل الستر. وَكَانَ أبوه من شهود إسماعيل القاضي.
وقال أبو بكر بن الحداد: قرأت عَلَيْهِ جزءاً من حديث يوسف بن موسى. فلما قرأت قلت: كما قرأت عَلَيْكَ. قال: نعم، إِلَاّ الإِعراب، فإِنك تُعرب، وَمَا كَانَ
قال: وقال لي بعض شيوخ الرَّمْلة: قدم علينا أبو عبيد متوجهاً إِلَى قضاء مصر، فصادف ابن الخلنجي، فكان جماعة من أهل العلم ينقطعون إِلَيْهِ، فكلموه فِي أن يسلم عَلَى أحمد بن محمد بن بسطام عامل الشام، وَكَانَ عظيم الرياسة، يقوم عن يمينه وعن شماله نحو مائة حاجب. فقال أبو عبيد: مَا لي عنده حاجة!. فقالوا لَهُ: إن محمد بن العباس الجمحي قاضي الرملة، يركب إِلَيْهِ فِي كل يوم. فلم يزالوا بِهِ حَتَّى ركب إِلَيْهِ متخففاً، فدخل إِلَيْهِ فِي هيئة بذة، وَلَمْ يكن وجهه حسناً، بل كَانَ كثير الجدري. فرأى الجمحي جالساً عَلَى يمين ابن بسطام فِي هيئة حسنة، فسلم أبو عبيد وجلس عن يساره وابن بسطام يكتب فِي رقعة. فلم يزد ابن بسطام أبا عبيد عَلَى قوله، وعليكم السلام، بل استمر في كتابته. فجلس أبو عبيد جلسة خفيفة ثُمَّ نهض. فقال ابن بسطام للجمحي: من هَذَا؟ قال هَذَا قاضي مصر. فقال ابن بسطام والله مَا يدري هَذَا (أَيْشٍ تولى، ولا يَدري من ولاّه أَيْشٍ ولاّه!) .
فبلغ ذَلِكَ أبا عبيد فعاد فِي يوم آخر إِلَى مجلس ابن بسطام. فلما دخل وجد ابن بسطام يكتب. فسلم وجلس أيضاً فأخذ أبو عبيد فِي الكلام، فسمع ابن بسطام مَا أدهشه، فأغلق الدواة واستدار إليه، وبادر الغلمان بمخدة فوضعوها خلفه، وصار الجمحي خلف ابن بسطام.
واستمر أبو عبيد فِي الخوض فِي كثير من العلوم والفنون، حَتَّى قال لَهُ ابن بسطام: أيد الله القاضي. أقل استحقاق القاضي أن يكون قاضي الدنيا كلها، ولقد ظلمه من وَلَّى معه غيره. فلما عزم القاضي عَلَى القيام، قام ابن بسطام فأخذ بيده ومشي معه حَتَّى ركب. واستمر قائماً حَتَّى غاب القاضي عن عينه. ثُمَّ كَانَ ابن بسطام يصنع بِهِ ذَلِكَ.
فلما دخل مصر عاملَه بذلك. وإذا اتفق أن يحضر ابن بسطام
مجلس القاضي، يرسل أحد حجابه فيضع يديه عَلَى ركبتي القاضي يمنعه من القيام فإذا رمقه القاضي قال لَهُ: مَا أستطيع مخالفة الأمر. فيدخل ابن بسطام ويجلس بجانب القاضي من غير أن يتمكن من القيام لَهُ، وتبعه عَلَى هذا الفعل تَكِين أمير مصر. حَتَّى كَانَ إِذَا جاء إِلَى مجلس القاضي فلم يجده فِي مجلسه، يجلس دون مرتبته حَتَّى يجيءَ القاضي فيقوم لَهُ.
ذكر شيء من خبر ابن بسطام هَذَا، قال عليّ بن الفتح المطوّق فِي كتاب الوزراء لَهُ: اعتقل القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب أبا العباس أحمد بن محمد بن بسطام فِي داره أياماً، لأشياء كَانَتْ فِي نفسه عَلَيْهِ، وأراد أن يُوقع بِهِ. فلم يزل ابن بسطام يداريه ويتلطف بِهِ إِلَى أن أطلقه وقلده آمد وَمَا يتصل بِهَا من الأعمال، وأخرجه إليها وَفِي نفسه مَا فِيهَا. ثُمَّ ندم، فوجه إِلَيْهِ فِي آخر وزارته بعامل يقال لَهُ علي بن حسن، ووكله بِهِ. فكان يأمر وينهي فِي عمله، وهو موكل بداره. وخائف عَلَى نفسه، لما ظهر من إقدام القاسم عَلَى القتل.
قال ابن بسطام: فأخوف ما كنت عَلَى نفسي وحالي، وردَ عليَّ كتاب عنوانه لأبي العباس بن الحسن أن القاسم مات، فلم أملك نفسي فرحاً وسروراً بالسلامة، وإذا فِي الكتاب أني تقلدت الوزارة وأمرني بالخروج إِلَى مصر للإِشراف عَلَى الحسين بن أحمد المَاذَرَائي، فخرجت إِلَى مصر وَلَمْ أزل أتقلد الأمانة بِهَا، إِلَى أن تقلد عَلي بن محمد بن الفرات، فقلَّدني مصر وأعمالها. فلم يزل بِهَا إِلَى أن توفي. وسيأتي لَهُ ذكر فِي قصة منصور الفقيه من هَذِهِ الترجمة.
ويقال إن إسماعيل القاضي كَانَ فِي جنازة، فمرَّ عَلَى أبي عبيد وهو فِي دكان إسكاف وَفِي يده دفتر ينظر فِيهِ، فلم يقم القاضي فلاموه بعد ذَلِكَ، فاعتذر بأنه كَانَ شرط عَلَى الخفاف أن لا يخرز الخف إِلَاّ بليف حذراً أن يخرزه بشعر الخنزير. فما وثق بالخفاف حَتَّى جلس عنده، وأمر الخفاف فغسل يديه بحضرته.
قال ابن زولاق: وَكَانَ ابن الحداد يفعل ذَلِكَ.
قال: وقلت لَهُ لَما رأيت تقشفه وزهادته، لم دخلت فِي القضاء؟ فقال: تقربوا إِلي بإقامة الحق، ورأيت من لا يصلح يطلبه، فدخلت فِيهِ.
قال ابن زولاق: وسكن أبو عبيد أول مَا دخل مصر، دارَ إسماعيل بن إسحاق ترنجة عند مسجد ابن عمروس، ثُمَّ انتقل عنها إِلَى دار المدائني.
وكان إِذَا سمع الأَذَان، خرج إِلَى الصلاة، فربما وجد الإِمام صلى أَوْ سبقه بشيء من الصلاة، فكان يرسل إِلَيْهِ أن ينتظره. فلما تكرر ذَلِكَ قال لَهُ الإِمام:
الصلاة تُنْتَظر ولا تَنْتَظِر. فبحث القاضي عنه فأثنوا عَلَيْهِ خيراً، فَقَرَّبَهُ وأدناه وصيره من شهوده. وَكَانَ القاضي يكثر الصلاة فِي المسجد المجاور لَهُ، وربما أمَّ هو بنفسه.
وقال إبراهيم بن أحمد الأندلسي: كَانَ أبو عبيد فِي دار المدائني وبجواره كاتب يسمى طاهر بن علي، وَكَانَ كثير السخف والمجون والتخليط، فكان إِذَا صُلِّيت العشاء، نَصَب الملاهي واستمر فِي الشرب والقصف إِلَى السَّحَر. فشغل سرّ القاضي ومنعه من اشتغاله بصلاة أَوْ بقراءة أَوْ مطالعة. فراسله وهدده، فأجاب قاصده بقوله وَمَا عِلْم القاضي بذلك. شهد عنده شاهدان بهذا؟ أنا أسمع كل مَا سمعه القاضي. فأظن أن ذَلِكَ عنده، فكنت أحتمل. وأما الآن فأنا أشد إنكاراً لهذا منه. فعاد قاصده إِلَيْهِ بذلك. فقال: اطلبْ لي داراً غير هَذِهِ، فتحول عنها.
وقال ابن زولاق: حضر الأمر تكين مرة والقاضي أبو عبيد وصحبتهما محمد بن عَلَى الماذَرَائي فِي مهم عند أبي زنبور. فلما فرغوا صاح أبو زنبور: بغلة القاضي. فجيء بِهَا، فذهب ليركب فلم تصل رجله للركاب فطلب كرسي البواب، فطلع فوقه
فركب، وأبو زنبور يسوي عَلَيْهِ ثيابه إِلَى أن توجه، وَلَمْ يصنع أبو زنبور ذَلِكَ بمحمد ابن علي الماذَرَائي ولا بأمير البلد. وَكَانَ محمد بن علي هو أمير البلد فِي الحقيقة.
وقال أبو بكر ابن الحداد: دخل القاضي أبو عبيد مصر، فما أعجبني منظره، فبينا نحن عند أبي القاسم بشر بن نصر الفقيه، غلام عوف، إذ دخل منصور بن إسماعيل الفقيه فقال: كنت عند القاضي، فقلت لَهُ: كَيْفَ رأيت؟ قال: يَا أبا بكر، رأيت رجلاً عالماً بالقرآن، والحديث، والاختلاف، ووجوه المناظرة، عالماً باللغة والعربية عاقلاً، ورعا متمكناً. قال: فقلت لَهُ: هَذَا يحيى بن أكثم. قال: قلت الَّذِي عندي فِيهِ. قال ابن الحداد: ثُمَّ دخلت عَلَى أبي عبيد بعد ذَلِكَ وخالطته، فإذا منصور قَدْ قصر فِي صفته.
وأفرد أبو سعد ابن السمعاني فِي الذيل فِي ترجمة إبراهيم بن علي، بسنده إِلَى أبي القاسم سعد بن علي الزنجاني، أخبرنا محمد بن جعفر الساحلي، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن حدثنا أبو الميمون محمد بن أحمد بن مطرف، حدثنا أبو بكر ابن الحداد قال: كنت فِي مجلس أبي عبيد القاضي بمصر، إذ أقبل خادم حسن الصورة، جميل الهيئة، طيب الرائحة مسرعاً، فوقف عَلَى رأسه، وطرح فِي حجره رقعة ثُمَّ أنشأ يقول:
أنكرت حبي وأيُّ شيء
…
أبين من ذِلّة المُحِبِّ
أليس شوقي وفيض دمعي
…
وضعف جسمي شهود حُبّي
فقال أبو عبيد: هؤلاء شهود ثقات. ثُمَّ قرأ الرقعة وقال: اللهم اجمع بينهما عَلَى رضاك، ثُمَّ رمى إليّ الرقعة فإذا فِيهَا:
عَفَا الله عن عبد أعان بدعوة
…
خليلين كانا دائمين عَلَى الودِّ
إِلَى أن وشي واشي الهوى بنميمة
…
إِلَى ذَاكَ من هَذَا فحال عن العهد
ويقال: كَانَ بمصر أخوان توأمان تَكهَّلَا، ولا يُفرِّق بينهما من يراهما من قوة الشبه بينهما. فوجب عَلَى أحدهما دَين فحبسه القاضي، وَكَانَ أخوه يجيء إِلَيْهِ زائراً فيجلس فِي الحبس عوضه ويتوجه ذَلِكَ. فاشتهر هَذَا حَتَّى بلغ أبا عبيد فأحضرهما فقال لهما أيكما المحبوس؟ فبادر كل منهما فقال: أنا هو. فأطرق ثُمَّ طلب الغريم، ودفع إِلَيْهِ الدَّين الَّذِي ثبت لَهُ، فراراً من الشّنعة والغلط فِي الحكم.
وقيل لأبي عبيد: إن فِي حُبس الوليد بن رفاعة شرطاً، وهو أن يُجعل فِي وجوه البرِّ وَلَمْ يعين شيئاً. فسأل أبو عبيد عن ترجمته، فقيل لَهُ: كَانَ عامل مصر. وَكَانَ يلعن علي بن أبي طالب على المنبر فقال: اجعلوا حُبسه للمنبوذين، فثبت إِلَى الساعة. وأراد أبو عبيد التلميح بالحديث الوارد، إن من يبغض علياً لغير رِشْدَةٍ.
وقال الطحاوي: كَانَ أبو عبيد يذاكرني بالمسائل، فأجبته يوماً فِي مسألة، فقال لي مَا هَذَا قول أبي حنيفة. فقلت لَهُ: أَيُّها القاضي أوَ كل مَا قاله أبو حنيفة أقول بِهِ. قال: مَا ظننتك إِلَاّ مقلِّداً. فقلت لَهُ: وهل يقلد إِلَاّ عَصَبِي فقال لي أَوْ غبي. فطارت هَذِهِ الكلمة بمصر حَتَّى صارت مَثَلَا.
وكان أبو عبيد يذهب إِلَى قول أبي ثور، ثُمَّ صار يختار، فجميع أحكامه بمصر باختياره. وحَكَم بما لو حَكَم بِهِ غيره مَا سكتوا عنه. فلم ينكر عَلَيْهِ أحد، لأن أبا عبيد كَانَ لا يُطعن عَلَيْهِ فِي علم، ولا تلحقه تهمة فِي رشوة، ولا يحيف فِي حكم، وَكَانَ يُورِّث ذوي الأرحام.
قال ابن زولاق: سمعت أبا الطاهر الذُّهلي يقول: كَانَ أبو عبيد بالعراق مشهوراً بالعلم والسَّتر والتعفف. وَكَانَ يلي قضاء واسط قبل أن يلي القضاء بمصر. وهو آخر قاض ركب إِلَيْهِ الأمراء بمصر.
قال ابن الحداد: مَا كَانَ يُؤَمِّر أحداً من ولاة مصر. كَانَ إِذَا أرسلني فِي حاجة إِلَى تكين يقول: كَيْفَ أبو منصور؟ وإذا ذكر هلال بن بدر قال: هلال بن بدر.
وكان ماضي الأحكام والعزيمة، وإذا ركب لا يلتفت ولا يتحدث مع أحد ولا يصلح رداءه.
قال ابن الحداد: ولقد ركبتُ معه يوماً فِي طريق الحمراء، فمر بسوق الخشّابين فلما نزل فِي داره قال لي: مَا شارع فِيهِ خشب قيام، فقلت لَهُ: سوق الخشابين.
وركب إِلَى تكين وهو بالجيزة عقب وقعة حباسة، فمشى عَلَى الجسر فقيل لَهُ: رأى القاضي النيل؟ فقال: سمعت خرير الماء. وَكَانَ سبب ذَلِكَ أن حباسة لما انهزم. كَانَ قَدْ قُتل فِي الوقعة خلق من المصريين، فأراد تكين أن يحفر خندقاً ويلقيهم فِيهِ لكثرتهم، فركب القاضي إِلَيْهِ وقال: لا تفعل تتلف المواريث. ولكن ناد فِي الناس بالخروج، فمن عرف قتيله أخذه، ففعل مَا قال فتوزعوهم.
وبلغ من ورعه أنه لما ركب إِلَى الجيزة أخذه البول، فعدل إِلَى بستان فبال فِيهِ وتوضأ من مائه، ثُمَّ لن تطب نفسه حَتَّى سأل عمَّن يملكه، فعرّف بامرأة، فركب إِلَى منزلها حَتَّى استحلها، وعرض عَلَيْهَا مالاً فِي مقابل ذَلِكَ، فامتنعت وبكت. ورأى غلامه يُدخل إِلَى منزله النار، فسأله ممن يأخذ النار، فقال من الفرّان، فقال: لا تأخذ منه شيئاً إِلَاّ بثمن. ثُمَّ اشترى لَمَّا شاع بَيْنَ الناس أن القاضي يشتري النار.
قال ابن زولاق: وَكَانَ يشتري لَهُ اللحم من جزّار يعطيه الثمن سَلماً، ثُمَّ يأخذ منه فِي كل يوم برقعة بخطه. وأقام بمصر نحو عشرين سنة مَا رئِي يأكل ولا يغسل يده ولا يتوضأ.
قال ابن الحداد: وسألت عن ذَلِكَ أهل منزله، فقالوا: كَانَ لَهُ كُمّ عَلَيْهِ ستر فيوضع فِيهِ مَا يأكل وما يشرب، فإذا فرغ يأكل، نقر المائدة بإصبعه، فيدخل الغلام فيرفع المائدة ويأتيْه بالطشت، ويخرج فيغسل يده، ثُمَّ ينقر الطشت فيدخل الغلام، فيحمل الطشت، وكذا يصنع فِي الوضوء.
وَكَانَتْ توقيعاته تخرج معنونة مختومة. وكتبت بمصر ألفاظَه، وجمعت توقيعاته، فكانت محشوة فقهاً وبلاغة.
وقال الطحاوي: كنت أذكر عنده ابن أبي عمران فقال لي: إِلَى كم تقول ابن أبي عمران. قَدْ رأيت هَذَا الرجل بالعراق. إن البغاث بأرضكم يستنسر قال: فصارت هَذِهِ الكلمة بمصر مثلاً.
وقال ابن الحداد: تظلمت امرأة من محمد بن علي الماذَرَائي فِي مطالبته بشفعة، فأرسل إِلَيْهِ أبو عبيد فدافع وَلَمْ يحضر. واتفق أنه حج فِي تِلْكَ السنة فما ودعه أبو عبيد ولا تلقاه. وماتت أمه فما ركب إِلَيْهِ ولا عزاه. فرفعت إِلَيْهِ المرأةُ قصةً فِيهَا أن تردادها قَدْ كثر، وأن أمرها قَدْ طال. فوقع القاضي عَلَى ظهرها، أيتها المرأة المتظلمة من محمد بن علي، إن خصمك رجل مترف عجول، قَدْ غلبت عَلَيْهِ الأهواء وأنا مرسل إِلَيْهِ برجلين فظَّين غليظين، يقيمانه من مجلسه، ويجيئان بِهِ، فإن خرج من الحق الَّذِي عَلَيْهِ، وإلا أغلقت بابي، واستعفيت إِلَى السلطان من عمله والسلام.
فبلغ ذَلِكَ محمد بن علي فاغتاظ. فأرسل إسحاق بن إبراهيم الرازي إِلَيْهِ فِي فصل القضية أو الحضور، فأجابه بأن لي باب القاضي وكيلين، فأعاد إِلَيْهِ أن الوكيل لا يحلف عنك. فقال: إِذَا وجبت اليمين يُرسل إليَّ شاهدين فأحلف أَوْ أرد اليمين.
فقال: لا سبيل إِلَى إرسال الشاهدين. فقال قَدْ أرسلت إِلَى غيري بشاهدين. فقال: مَا صنعت هَذَا إِلَاّ برجل واحد، وهو زيادة الله بن الأغلب. أمرت بإحضاره مع خصمه، فجاءني أبو منصور تكين فقال: إن هَذَا فِي صورة الخوارج، وإني أخشى أن تغلظ عَلَيْهِ فيمتنع أَوْ يختفي أَوْ يهر أَوْ تلحقه آفة، فنقع فِي العتب مع السلطان ويقال لَنَا مَا كَانَتْ لكما سياسة، فإن تقمصت بقميص زيادة الله، وخيف منك مَا خيف منه، أرسلت إِلَيْكَ بشاهدين.
وكان الطحاوي هو الَّذِي يلقن محمد بن علي الأجوبة، فالتمس منه جواباً عن هَذَا الأخير.
وَكَانَ الطحاوي بلغه أن أبا عبيد أرسل إِلَى محمد بن علي يقول لَهُ: تَعِس من لقَّنك. فامتنع الطحاوي بعد ذَلِكَ من الكلام، فقال محمد بن علي قل لَهُ: مَا أحضر فليصنع مَا شاء. فأمر القاضي المرأة أن تأخذ بلجام محمد بن علي، ففعلت بِهِ ذَلِكَ فتوسط أحمد بن محمد الماذَرائي بَيْنَ المرأة وبين محمد بن علي، حَتَّى اشترى حصتها بألف دينار. وَكَانَ قد اشترى قدرها بثلاثمائة وأنقدها الثمن. وأشهد عَلَيْهَا حسين بن محمد بن مأمون، ومحمد بن الربيع الجيزي. فشهدا عند القاضي بذلك بحضرة المرأة، ومعها المال. فلما علم القاضي بذلك ركب فِي الحال إلى محمد بن علي فهنأه بالحج وعزاه بأمّه.
قال ابن زولاق: وحدثني أبو علي بن أبي جبلة كاتب تكين قال: ارتد نصراني فاستتيب فلم يرجع. فشاور تكين القاضي فِي قتله، فركب القاضي إِلَى تكين هو
وجماعته فعرضوا عَلَيْهِ التوبة، فلم يرجع. فعاودوه فأصر. فأشار القاضي بقتله فقتل. فقال تكين للقاضي: اكتبْ إِلَى السلطان بهذه القصة. فقال: أفعلُ. قال: وأمرني أن
أكتب محضراً بذلك فكتبت: حضر مجلس الأمير أبي منصور تكين من يشهد فِيهِ، فلمح القاضي الكتابة فصاح: قطع الله يدك. اكتب، حضر تكينُ مولى أمير المؤمنين مجلسَ القاضي عليّ بن الحسين. فقال تكين صدق القاضي، المجلس لَهُ حَيْثُ حلَّ. اكتب بما قال: وصرف عن القضاء فِي ذي الحجة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وَكَانَتْ ولايته ثماني عشرة سنة وخمسة شهور وقيل ستة شهور وقرر بعده فِي القضاء أبو الذكر محمد بن يحيى الأسواني خلافة لأبي يحيى عبد الله بن مكرم. وَكَانَتْ وفاته ببغداد فِي سنة تسع عشرة وثلاثمائة رحمه الله تعالى.
علي بن خليل بن أحمد بن عبد الله بن محمد الحُكْرِيّ الحنبليّ، نور الدين أبو الحسن. ولد سنة تسع وعشرين وسبعمائة واشتغل بالفقه وعدة فنون، وتكلم عَلَى الناس بالجامع الأزهر، وكان لَهُ قبول وزَبُون. فلما مات القاضي ناصر الدين نصر الله الحنبلي سعى فِي المنصب فلم يتم لَهُ. ثُمَّ سهى ثانياً بعد موت برهان الدين ابن ناصر الدين، فلم يتم لَهُ.
واستقر موفق الدين أحمد بعد أخيه برهان الدين فِي سابع عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانمائة، فسعى عَلَيْهِ الحكري، حَتَّى صرف فِي ثاني جمادى الآخرة من السنة. واستقر الحكري فباشر سنة أخرى وبعض أشهر، وصرف فِي سابع عشرين ذي الحجة، وأعيد موفق الدين، فعاد الحكري إِلَى حالته الأولى. وحصل لَهُ إملاق وركبته ديون. وَكَانَ أكثر أيامه إما فِي الترسيم، وإما فِي الاعتقال. وقاسى أنواعاً من الشدة، وأرفده من كَانَ يعرفه من الرؤساء، فما استدت خلته وصار يستمنح بعض الناس ليحصل لَهُ مَا يسد بِهِ بعض ذَلِكَ، إِلَى أن مات عَلَى ذلك فِي ثامن المحرم سنة ست وثمانمائة.
وهو والد صاحبنا بدر الدين الَّذِي ناب فِي الحكم عن المنابلة وعَنِّي. ومات فِي سنة سبع وثلاثين وَلَهُ نحو الخمسين.
علي بن سعيد الجَلْجُولي، ذكر ابن زولاق فِي ترجمة علي بن
النعمان، أن الوزير يعقوب بن كِلَّس فوض إِلَيْهِ فِي سنة تسع وستين وثلاثمائة، الشرطة السفلى فنظر فِيهَا وَفِي الأحكام.
وتظلم رجل إِلَى الوزير بأن عليّ بن سعيد نظر فِي أمره وحكم لَهُ، وأن القاضي علي بن النعمان أنكر ذَلِكَ، واعترض فِيهِ. فوقَّع الوزير: من حكم بحكم من سائر المستخلفين، فليس للقاضي ولا لغيره الاعتراض كما أنه لَيْسَ لأحد منهم الاعتراض عَلَى القاضي فيما حكم فِيهِ.
علي بن عبد الحاكم بن سعيد الفارقي، الإِسماعيلي، من المائة الخامسة. ولي القضاء فِي تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وأربعمائة، وصرف فِي خامس جمادى الأولى منها.
علي بن عبد النصير بن علي السخاوي، نور الدين المالكي، من المائة الثامنة. كَانَ فقيهاً عارفاً بمذهبه، حَتَّى كَانَ أهل عصره يعترفون لَهُ بالتقدم فِي ذَلِكَ، ويصفونه بأنه أحفظ أهل زمانه لمذهب مالك مع الدين المتين؛ والعقل الرصين، والأمانة والصيانة. وقدم إِلَى دمشق فناب فِي الحكم عن جمال الدين ابن المسَلَاّتي.
قال الصفدي: كَانَ قَيِّماً بمذهب مالك، عارفاً بما فِيهِ من الدقائق والمسالك. حج مرات، وحاجَّ من ناظره كَرّات. وَكَانَ متقشفاً متقللاً من الدنيا، كثير التواضع
والتودد لأصحابه، والتفقد لهم، وتصدر بالجامع، ثُمَّ قدم الديار المصرية فتعرف بالأمير شيخون، فراج عَلَيْهِ بكثرة علومه، وحسن محادثته، وطيب محاضرته، فَقرَّبه وعظمه، وولاه القضاء فباشره مباشرة حسنة نيفاً وسبعين يوماً، كَانَ فِي أكثرها ضعيفاً، وأدركه الأجل، فمات فِي جمادى الأولى سنة ست وخمسين وسبعمائة.
علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى بن سليمان المَارِدِيني، علاء الدين المعروف بابن التُّركماني الحنفي، من المائة الثامنة.
ولد سنة ثلاث وثمانين وستمائة. وولي الحكم بعد أن أسَنَّ فِي شوال سنة ثمان وأربعين فِي سلطنة المظفر حاجي ابن الناصر. أرسل إِلَيْهِ فألبس الخلعة من غير أن يتقدم لذلك إشاعة. فدخل الصالحية عَلَى الزين البسطامي، فلما عرف الزين بأنه قرر موضعه، خرج من مكانه. وباشر أحسن مباشرة.
وكان كثير الإفضال، مع مشاركة فِي علم الحديث. واختصر كتاب ابن الصلاح اختصاراً حسناً. سمعت شيخنا العراقي يقول: إنه أوفى بمقصوده. قال: ولا نعلم أحداً ساواه فِي ذَلِكَ.
وله شرح عَلَى الهداية، والكفاية مختصر الهداية، وبهجة الأديب فِي معرفة الغريب الواقع فِي القرآن. واختصر المحصل فِي الأصول، والدر النقي فِي الرد عَلَى البيهقي، ومقدمة فِي أصول الفقه، وعدة مقدمات.
وكانت وفاته بالطاعون العام بعد ارتفاعه فِي عاشر المحرم سنة خمسين وسبعمائة.
علي بن علي بن محمد بن محمد بن أبي العزيز صالح بن أبي الأعز الأذرعي الحنفي، صدر الدين ابن العز.
طلبه الأشرف شعبان نقلاً من قضاء دمشق، فقدم القاهرة فِي رجب سنة سبع وسبعين، فاستقر في القضاء بالديار المصرية، ثُمَّ استعفى ورجع إِلَى دمشق، وَكَانَ من الفضلاء الأذكياء.
ولد فِي ثاني عشر ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة وجرت لَهُ محنة كَانَ سببها أن عليّ بن أيبك الشاعر نظم قصيدة نبوية عارض بِهَا
…
علي بن قاسم بن محمد بن قاسم علي بن محمد بن إسحاق بن يزيد الحلبي المحدث المشهور. كَانَ ينوب
فِي الحكم عن محمد بن النعمان القيرواني، قاضي مصر فِي أيام العزيز، لما مرض القاضي وعجز عن الركوب. فلما كبر سنه وعجز عن الحركة، استخلف الحسين بن محمد بن ظاهر بن نقيب الأشراف كما تقدم فِي ترجمته.
علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي البصري، يقال إن عبد الملك كنيته أبو الشوارب، وَلَيْسَ أبو الشوارب أباه. ولي القضاء بعد أخيه الحسن فِي إحدى وستين فِي خلافة المهتدي.
قال ابن الجوزي فِي المنتظم: جمع لإِسماعيل بن إسحاق القضاء عَلَى الجانب الغربي والجانب الشرقي، ثُمَّ جمعت لَهُ بغاد بأسرها، وَكَانَ هو المقدم عَلَى جميع القضاة ومع ذَلِكَ لَمْ يقلّد قضاء القضاة حَتَّى توفي علي بن أبي الشوارب قاضي القضاة. وَكَانَ من الخيار.
سمع الحديث من أبي الوليد الطيالسي، وأبي عمر الحوضي، وغيرهما.
روى عنه أبو محمد بن صاعد، وأبو بكر النّجاد، وأبو الحسين بن قانع وآخرون.
قال الخطيب: حدثنا علي بن المحسّن، حدثنا طلحة بن محمد قال: لما مات إسماعيل بن إسحاق، أقامت بغداد بغير قاض ثلاثة أشهر وسبعة عشر يوماً، ثُمَّ وليه علي بن محمد بن أبي الشوارب. مضافاً إِلَى مَا بيده من قضاء القضاة بِسَامَرَّاء.
وقيل: تولى القضاء مكان أخيه الحسن، تقلد قضاء القضاة، ومكث يدعى بذلك حَتَّى مات.
وهو رجل صالح ثقة أمين، عَلَى طريقة السلف، حمل الناس عنه حديثاً كثيراً. ومات فِي شوال سنة ثلاث وثمانين ومائتين.
علي بن مخلوف بن ناهض النُّويري، زين الدين ابن رضي الدين أبي القاسم ابن تاج الدين أبي المعالي، المالكي من المائة الثامنة.
ولد سنة أربع وثلاثين وستمائة بالنويرة من أعمال البهنسا. ورأيت بخط البشبيشي أن صاحب حماة ذكر أن مولده سنة عشرين. قلت: وهو غلط.
وسمع الحديث من ابن أبي الفضل المرسي، ومن الشيخ عز الدين بن عبد السلام وغيرهما. واشتغل قليلاً، واتصل بالملك المنصور قلاوون، وصيَّره وصياً عَلَى ولده محمد. وذكر المؤيد صاحب حماة، أن المنصور عرض عَلَيْهِ الوزارة، فامتنع منها.
وولي القضاء فِي ذي الحجة سنة خمس وثمانين. وَكَانَ قبل ذَلِكَ أمين الحكم. ثُمَّ ولي نظر الخزانة، واستقر بعد موت تقي الدين بن شأس، فباشره نحواً من ثلاثين سنة، ولكنه عزل فِي طول هَذِهِ المدة مراراً.
وكان يقول للناصر، أنا وصي عَلَيْكَ فيقول: بل عَلَى إخوتي، فيقول: وعليك فيغضب، ويعزله، ثُمَّ يسرع بإعادته، ولا يرجع هو عن دعواه.
وكان كثير الإفضال، حسن المودة، كثير المروءة، عزيز الفتوة، وافر الاحتمال، عظيم البر لأهل العلم والاشتغال، عارفاً بالأحكام من جهة الدُّرْبة والتجربة.
قال الصفدي: كَانَ لمصر بِهِ فاختار، وللمنصب بِهِ اشتهار، وَكَانَ لا يعاب إِلَاّ بشراسة خلق، وقصور فِي العلم.
ونسبة الصدر ابن الوكيل إِلَى المجازفة فِي القول فِي قصيدة قال فِيهَا:
إِلَى مالك يعزونه ونويرة
…
فلا عجب أن كَانَ يدعى متمما
وَكَانَ ممن عزله الناصر لما عاد من الكرك هو والبدر ابن جماعة. ثُمَّ أعادهما بعد سنة. ثُمَّ أراد الناصر إثبات مكتوب فتوقف فِيهِ ابن مخلوف فعزله فِي سنة إحدى عشرة. ثُمَّ أعاده بعد أيام قلائل.
وكان لما عزله، أمر القاضي الشافعي وهو ابن جماعة، أن يستنيب قاضياً مالكياً، فاستناب واحداً عنه إِلَى أن عاد ابن مخلوف، وهو الَّذِي قام فِي قضية فتح الدين ابن الثقفي حَتَّى أثبت زندقته، وضُربت عنقه بَيْنَ القصرين وهو يصيح (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ) .
وَكَانَ الفتح يكثر الوقيعة فِي ابن مخلوف، فاتفق أن أشيع عنه أمر يقتضي الانحلال، فأمر ابن مخلوف أن يكتب عَلَيْهِ مَا يضبط. فكتبوا محضراً وسألوا ابن دقيق العيد أن يثبته. فقال: لا أثبت عَلَى رجل يشهد أن لا إله إِلَاّ الله، وأن محمداً رسول الله، كفراً، ورماه من يده. فتعصب جماعة من الدولة للفتح، فأصر ابن مخلوف، فكتبوا محضراً شهد فِيهِ جماعة بأنه مجنون، فتوقف عَلَيْهِ ابن دقيق العيد أيضاً وقال: مَا نعرفه إِلَاّ رجلاً عاقلاً.
وأشاع ابن مخلوف أنه رأى مناماً يقتضي قتله، فاتهمه الناس فِي ذَلِكَ. فلم يول إِلَى أن استأذن السلطان فِي أمره، فأذن فِي عقد مجلس فعقد بالصالحية وضربت عنقه فِي سنة إحدى عشرة.
علي بن النُّعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حَيُّون المغربي، القيرواني، الإِسماعيلي، من المائة الرابعة.
ولد فِي رجب سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. وقدم مع المعز من المغرب، فأمره بالنظر فِي الحكم، فكان يحكم هو وأبو الطاهر، والشهود يشهدون عليهما جميعاً وعندهما، والاجتماع عند أبي الطاهر. فلما مات المعز، رد أمر الجَامِعَيْن ودار الضرب لعليّ بن النعمان. فحضر إِلَى الجامع العتيق وحكم. ثُمَّ واظب أبو الطاهر عَلَى الحكم فِي الجامع، وعدل جماعة. ثُمَّ عرض لَهُ الفالج، ففوض المعز الحكم إِلَى علي بن النعمان، وذلك لليلتين خلتا من صفر سنة ست وستين وثلاثمائة، فركب إِلَى الجامع الأزهر فِي جمع كثير، وعليه خلعة مُقلَّداً سيفاً، وبيد يديه خلع فِي مناديل عدتا سبعة عشر، وقرئ سجله بالجامع وهو قائم عَلَى قدميه. فكلما مر ذكر المعز أَوْ أحد من أهله أومأ بالسجود. ثُمَّ توجه إِلَى الجامع
العتيق بمصر فوجد الخطيب عبد السميع ينتظره بالجامع، وَقَدْ كاد الوقت أن يخرج، فصلى الجمعة وقرأ أخوه محمد عهده، وفيه أنه ولي القضاء عَلَى مصر وأعمالها، والخطابة والإِمامة والقيام فِي الذهب والفضة، والموازين والمكاييل. ثُمَّ انصرف إِلَى داره فركب إِلَيْهِ جماعة الشهود والأمناء، والتجار ووجوه البلد، وَلَمْ يتأخر عنه أحد.
وكان فِي سجله: إِذَا دعي أحد الخصمين إِلَيْكَ ودعي الآخر إِلَى غيرك، رُدا جميعاً إِلَيْكَ، فعرف أن ذَلِكَ إشارة إِلَى منع أبي الطاهر. فامتنع من يومئذ حين بلغه. فلما كَانَ اليوم الثالث من ولايته، ركب علي بن النعمان إِلَى الجامع العتيق، وبين يديه سلة حمراء، وجلس فِي مجلس الصيف عند حلقة الزوال. وركب معه الشهود والأمناء، والفقهاء والتجار، فكان الجمع وافراً جداً. فنظر بَيْنَ الناس، ودعا بالوكلاء، وقرأ عليهم سورة (والعصر) وحضهم عَلَى تقوى الله. ثُمَّ طلب الشهود، وسأل عن القاضي أبي طاهر، فقال لَهُ الحسين بن كهمش - وَكَانَ وجه الشهود حينئذ - هو عَلَى حاله. فقال: ينظر فِي الحكم فِي داره دون الجلوس فِي الجامع؟ فبلغ ذَلِكَ أبا طاهر فصرف الوكلاء وانقطع عن الحكم. وعني بعض أهل البلد بأبي الطاهر فتنجز لَهُ توقيعاً، بأن ينظر فِي الحكم عَلَى حاله. وجمع الشهود وقرأ عليهم، بلغ ذَلِكَ أبا الطاهر فامتنع وقال: مَا أفعل، وَمَا بي طاقة. فقال لَهُ الحسين بن كهمش: جازى الله القاضي، وسكت علي بن النعمان عن طلب ديوان الحكم، فلم يسأل عنه ولا طلبه
…
حسن عشرة وجميل فعل.
ولما امتنع أبو الطاهر، انبسطت يد عليّ بن النعمان فِي الأحكام، واستخلف عليّ أخاه محمداً، والحسن بن خليل الفقيه الشافعي، وشُرط عَلَيْهِ أن يحكم بمذهب الإسماعيلية لا بمذهب الشافعي. وَكَانَ يحكم إِذَا اشتغل محمد.
واستخلف عليّ أخاه محمداً عَلَى تنيس ودمياط والفرما وغيرها. فخرج إِلَيْهَا وقرر فِيهَا نواباً ثُمَّ عاد واتخذ علي فِي داره سجفاً.
ولما سافر العزيز سنة ثمان وستين لحرب القرامطة، سافر صحبته، واستخلف أخاه محمداً. وأشاع جماعة أن العزيز عزل عليّ بن النعمان، وكاتَب محمداً أخاه بذلك. فتنجز توقيع العزيز إِلَى مُتَولي الشرطة، وهو حسن بن القاسم، بالكشف عن ذَلِكَ، وتقدم إِلَيْهِ بعدم الخوض فِي ذَلِكَ، وتقوية يد محمد بن النعمان. وَكَانَت الشهود تجلس فِي الجامع عَلَى رسم القضاة قبله، فِي الشتاء فِي المقصورة، وَفِي الصيف عند الشباك. ثُمَّ وقع الإنفاذ أن يجلس معه فِي مجلسه أربعة عن يمينه وعن يساره، يشاهدون مَا يقع من أحكامه، وَكَانَ الَّذِي يكتب عنه التواقيع يأخذ عَلَيْهَا رسماً. فأنكر ذلك عَلَى بن النعمان بعد سنة من ولايته ومنَعه.
وارتد فِي أيامه رجل، فاستأذن العزيز وضرب عنقه.
واختص ابن النعمان بالعزيز كاختصاص أبيه المعز، وَكَانَ يجالسه ويؤاكله، ويركب معه ويسايره وَكَانَ الوزير يعقوب بن كلس يعارضه، وهو يتغافل عنه. وزاد بِهِ الأمر إِلَى أن كَانَ لا ينفذ حكماً، ولا يعدِّل شاهداً، ولا يقلِّد نائباً إِلَاّ بعد مطالعة الوزير بذلك، وأبطل القاضي الجلوس لمبالغة الوزير فِي إضعاف يده، إِلَى أن قبض عَلَى الوزير فعاد علي بن النعمان إِلَى حالته.
علي بن يوسف بن رافع الكحال النابلسي. ولي فِي خلافة المستنصر بعد أبي الفضل ابن عتيق ولقب المؤيد بنصر الإِمام.
علي بن يوسف بن عبد الله بن بُنْدار، أبو الحسن بن أبي المحاسن الدمشقي، لقبه زين الدين، شافعي من المائة السابعة.
ولد فِي سابع عشرين شهر رجب سنة خمسين وخمسمائة ببغداد. وسمع
بِهَا من أبي زُرعة طاهر بن أبي الفضل بن طاهر مسند الشافعي وتفقه عَلَى أبيه. وَكَانَ قَدْ درس بالنظامية. وهو ممن أخذ عن أسعد الميهني، ثُمَّ قدم الشام ثُمَّ مصر. ثُمَّ ولي القضاء بِهَا نيابة عن الصدر ابن درباس وخالط الجند وخدمهم فِي أشغالهم، فخف عليهم وتعصبوا لَهُ، حَتَّى ألزم الملك العزيز ابن السلطان صلاح الدين القاضي صدر الدين باستخلافه عنه، فاستخلفه. ثُمَّ أشهد سراً عَلَى نفسه أه ولاّه كرهاً. وأنه لا يرضى بِهِ نائباً وأكثر زين الدين من السعي بالأمراء عند القاضي فِي تقوية يده، وانقطع هو عن الوصول للقاضي، واستبد بكثير من الأمور.
فاتفق أن حضر القاضي لعقد نكاح امرأة مملوكة عند سيدها، وحضر زين الدين ابن يوسف المذكور، فأرسل إِلَيْهَا من يشهد عَلَيْهَا بأنها أذنت لَهُ فِي تزويجها، بعد الإِشهاد عَلَى سيدها بعتقها. ففعل الشهود ذَلِكَ. فلما أدوا شهادتهم بذلك، قال ابن يوسف: قَدْ أذنت لي بعقد نكاحها قبل هَذَا الإِذن، فأجابوه بأن العقد لا يصح قبل صحة العتق. وكثر النزاع فأخرق القاضي بمن شهد لابن يوسف بالإِذن وانفضوا. فتعصب الأتراك لابن يوسف، فبعث السلطان بالشيزري موسى الشافعي إِلَى القاضي بسببه. فأعاد الجواب بأن قال: إنه ارتشى وإنه راسل فلانة يُراودها، فغضب السلطان من
جوابه وأمر بعزل القاضي. وأمر ابن يوسف أن ينفذ الحكم بمصر نائب ابن درباس. فقام جماعة من الأعيان فشفعوا فِي القاضي وأثنوا عَلَيْهِ. فقال لهم السلطان: إنه رمى نائبه بالفسق، فإن أثبت ذَلِكَ فهو مستمر، وإلا فقد فسق بقذف نائبه. وَكَانَ ذَلِكَ فِي ربيع الأول سنة تسعين وخمسمائة.
فاستمر إِلَى أن صرف لخمس من جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين بأبي حامد ابن أبي عصرون، ثُمَّ أعيد ابن يوسف فِي ثالث المحرم سنة أربع وتسعين، فصرف بابن درباس ثُمَّ أعيد ابن يوسف، إِلَى أن صرف فِي تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة فلم يزل مصروفاً إِلَى أن مات فِي الثالث عشر من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وستمائة، واستقر الصدر ابن درباس بعد صرف ابن يوسف إِلَى أن مات وهو قاض.
قال ابن النجار فِي ذيل تاريخ بغداد: ولد زين الدين هَذَا ببغداد، وخرج منها
إِلَى الشام وهو شاب فاستوطنها إِلَى أن عرف بالدمشقي. ثُمَّ توجه إِلَى مصر فأقام بِهَا وولي القضاء بِهَا مرتين، ثُمَّ عزل.
وكان شيخاً حسن الأخلاق محباً للعلم وأهله، متواضعاً لطلابه. كريم الأخلاق كيساً متواضعاً. وكانت بضاعته فِي العلم مُزْجَاة. لقيته بمصر وقرأت عَلَيْهِ مسند الشافعي بمصر، وذكر لي أن خروجه من بغداد سنة سبع وسبعين.
عِمْران بن عبد الرحمن بن شُرَحْبِيل بن حَسَنَة (*) ، وَحَسَنَةُ هي أم شُرَحْبِيل، وأبوه عبد الله بن المطاع ولشُرَحْبِيل صحبة. وهو كندي حالف بني زهرة، وَكَانَ يقال لعمران: الحَسَنِيّ، نسبة إِلَى حَسَنَة جدّته العليا، ويكنى أبا شُرَحْبِيل.
قال أبو عمر الكندي: ولي عمران بن عبد الرحمن من قِبَل عبد الله بن عبد الملك بن مَرْوان، وجمع لَهُ القضاء والشُّرَط. قال: وَكَانَ من أهل العلم والفضل. وَكَانَ ذَلِكَ فِي سنة ست وثمانين، ثُمَّ ولي بحر مصر بعد ذَلِكَ بمدة سنة ثلاث ومائة وتوفي بعد ذَلِكَ وهو من التابعين.
سمع من أبي خراش المُدلّى الصحابي وهو من بتي مُدِلّ بن زيد بطن من رُعين. روى عنه عَيَّاش بن عَبّاس القِتْبَانيّ وموسى بن أيوب الغافقي.
وفي ولايته أتى بمولى لعبد الله بن عبد الملك من خواصه وهو سكران فجلده الحد، فقيل لعمران: إنه من خواص الأمير، فقال: لو كَانَ ابنه لحددته وَكَانَ الأمير يومئذ بالإسكندرية فبلغه ذَلِكَ فكتب بعزله ثُمَّ سجنه وضيق عَلَيْهِ.
واتفق أن الغلاء وقع بمصر فتشاءموا بإمرة عبد الله بن عبد الملك وَكَانَتْ أول سنة حصلت لمصر فهجاه ابن أبي بدر الحسني بأبيات منها:
إِذَا سار عبد الله عن مصر خارجاً
…
فلا روجعت تِلْكَ البغال الخوارجُ
أتى مصر والكيال وافٍ مغربل
…
فما سار حَتَّى صار والمد فالج
فأهدر دمه فهرب فبلغ الأمير أن عمران القاضي أواه فازداد عَلَيْهِ حنقاً وقال عمران فِي الأمير المذكور:
أنا ابنُ أبي بَدْرِ بِهِجْرَةِ يَثْرِبٍ
…
وهِجْرَة أرضٍ للنَّجَاشِي أَفْخَرُ
أَمِثْلِي عَلَى سِنِّيِ وَفَضْلَ أُبُوَّتِي
…
نسيت وهذا نَجْلُ مَرْوَانَ يُذْكَرُ
ولما صرف عمران استقر بعده عبد الواحد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج وهو يومئذ غلام حدث فقال عمران:
لَحَى اللهُ قَوْماً أَمَّرُوكَ أَلَمْ يَرَوْابِأَعْطَافِكَ التَّخْنِيثَ كَيْفَ يَرِيبُ؟
أَتَصْرِفُني جَهْلاً عن الحُكْمِ ظَالِماً
…
وَوَلَّيْتَه عَجْزاً فَتاةً تخيبُ؟
قال أبو عمر فأمر عبد الله بن عبد الملك بقميص عمل من قراطيس ويكتب فِيهِ عيوب عمران فاتفق عزل الأمير قبل أن يُوقَف القاضي.
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: من هنا إلى آخر الكتاب، الترقيم غير موافق للمطبوع
وقال أبو عمر بينا عمران جالس فِي المسجد يرهب أن يوقف للناس فِي ذَلِكَ القميص إذ هبت الريح فألقت سِحاءة فطرحتها فِي حجره فقرأها فإذا فِيهَا: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) .
فاتفق أن خرج الأمير إِلَى نزهة بالجيزة لِمَدْعَاةٍ عند يحيى بن حنظلة الكاتب مولي بني فهم فاستخلف عبد الأعلى بن خالد بن ثابت الفهمي عَلَى الفسطاط فلما تعالى النهار أقبل قرة بن شريك العبسي من قبل الوليد أميراً عَلَى مصر عَلَى أربعة من دواب البريد. فنزل عند المسجد فدخل المسجد فصلى فِي القبلة ثُمَّ تحول وجلس صاحباه عن يمينه ويساره فأتاهم الحرس فقالوا: إن هَذَا مجلس الوالي، ولكم فِي المسجد سعة. قال: فأين هو؟ قال: فِي نزهة. فقال فادعوا خليفته. فانطلق واحد منهم إِلَى عبد الأعلى فبلغوه فقال أسرجوا إلي، فركب حَتَّى أتاه فسلم، فقال لَهُ: انطلق فاطبع عَلَى الديوان قال إن كنت والي خراج فلسنا أصحابك. قال: ممن أنت؟ قال من فهم. فتمثل قرة بن شريك يقول:
لَنْ تَجِدَ الفَهْمِيّ إِلَاّ مُحَافِظاً
…
عَلَى الخُلُق الأَعْلَى وَبِالْحَقِّ عَالِما
انطلق كما تؤمر فقال السلام عَلَيْكَ أَيُّها الأمير ورحمة الله فبلغ عبد الله بن عبد الملك الخبر وَقَدْ أهديت لَهُ جارية فقال بيعوها، وبكى ولبس خفيه قبل سراويله وقال مات عبد الملك.
وكان عزل عمران فِي صفر سنة تسع وثمانين وَكَانَتْ مدة ولايته سنتين وخمسة أشهر.
عمر بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عامر بن أبي جرادة الصاحب كمال الدين أبو القاسم ابن العَديم قاضي القضاة بحلب ثُمَّ بالديار المصرية.
ولد سنة إحدى وستين وسبعمائة واشتغل وتمهر وناب عن أبيه فِي الحكم وولي بعده وتنازع مع القاضي محب الدين ابن الشّحْنَة إِلَى أن استقرت قدمه.
وكان عارفاً بطرق السعي فلما كَانَتْ واقعة اللّنك أصيب مع أصيب ثُمَّ خلص وقدم الديار المصرية فِي خلال سنة أربع، فلم يزل حَتَّى استقر فِي قضاء الحنفية، وصرف القاضي أمين الدين ابن الطرابلسي، واستمر حَتَّى مات فِي ليلة السبت ثالث عشر جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وهو عَلَى القضاء.
وكان شهماً فصيحاً مقداماً، وَكَانَ يعاب بأشياء ويحمد بأشياء كثيرة من التعصب لمن يقصده والقيام مع من يلوذ بِهِ.
قرأت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي: كَانَ من شَرّ القضاة جرأة وجمعاً وحِدة وبادرة ووثوباً على الدنيا وتهافتاً عَلَى جمع المال من غير حِله وتظاهراً بالربا، وأفرط فِي استبدال الأوقاف، وكان يفرط فِي التواضع حَتَّى كَانَ يمشي عَلَى قدميه من منزله إِلَى من يقصده من الأكابر. قال: وَفِي الجملة كَانَ من رجال الدنيا.
عمر بن إسحاق بن أحمد بن محمد بن إسحاق بن أحمد بن محمود الغَزْنَوِيّ الأصل القاضي سراج الدين الهندي.
ولد سنة أربع أَوْ خمس وسبعمائة تقريباً، واشتغل فِي بلاده وتجرد وساح فِي البلاد. وأخذ عن جماعة من الفضلاء. وقدم إِلَى مصر فِي سنة أربعين ونزل فِي مدارس الحنفية. واشتهرت فضائله. وسمع الحديث ورواه وصنف عدة تصانيف.
وناب فِي الحكم عن جمال الدين التركماني، ثُمَّ عزله عن النيابة فِي سنة تسع وخمسين بإشارة قطب الدين ابن الهِرْماس، فتوصل السراج بأبي أمامة ابن النقاش حتى اجتمع بالسلطان حسن ولازمه فراج عَلَيْهِ إِلَى أن غضب السلطان عَلَى القطب الهرماس وطرده، ثُمَّ استقر السراج قاضي العسكر بعناية يلبغا، وهو أول من وليها من الحنفية. ثُمَّ لما مات الجمال ابن التركماني استقر فِي القضاء استقلالاً، وذلك فِي شعبان سنة تسع وستين، إِلَى أن مات فِي سابع رجب سنة ثلاث وسبعين.
وكان من أئمة الحنفية. صنف الشامل فِي الفقه، وشرح الهداية شرحين كبير وصغير، وشرح البديع فِي الأصول، والمغني، وشرح الزيادات، وشرح الجامع، وشرح عقيدة الطحاوي. وَلَهُ الغرة المنيفة فِي ترجيح مذهب أبي حنيفة، وشرح التائية فِي نظم السلوك لابن الفارض. وَكَانَ يتعصب لَهُ.
ومن مناقبه أن الأمير الكبير أُلْجَاي تولى نظر الأوقاف فاشتد عَلَى الفقهاء وقطع رواتبهم. فكلّمه السراج فِي ذَلِكَ فلم يقبل فأغلظ لَهُ بأن قال: أنت إقطاعك ألف ألف، تستكثر عَلَى فقيه خمسة أَوْ عشرة! فقال: أنا لا آخذ هَذَا إِلَاّ من أجل الجهاد فقال لَهُ: لولا الفقهاء مَا كنت مسلماً، فأطرق ورجع عما كَانَ فِيهِ.
وكان فِي لسانه لثغة تجعل العين ياء، وَكَانَ دمث الأخلاق متواضعاً، كثير التودد، منتصباً لقضاء حوائج الناس. وَكَانَ يتعصب لمن يخدمه ويقصده، حَتَّى
أن كاتباً عَلَى الغزل انقطع إِلَيْهِ وخدمه فلما أن ولي القضاء استنابه، فهجاه الشيخ شمس الدين ابن الصائغ بقوله:
ولما رأينا كاتب المكس قاضياً
…
علمنا بأن الدهر يمشي إِلَى وَرَا
فقلت لصحبي لَيْسَ فِي ذا تعجب
…
وهل يجلب الهندي شيئاً سوى الخرا
وكانت ولايته القضاء استقلالاً فِي رابع عشري شعبان سنة تسع وستين، وتعصب فِي زمن حكمه لابن الفارض، حَتَّى إنه عزّر الشيخ شهاب الدين ابن أبي حَجلة لكونه كَانَ كثير الوقيعة فِيهِ، فقال فِيهِ ابن العطار:
ضياء سراج الدين قاضي قضاتنا
…
كَسَى مذهب النُّعمان توشيحه الدررْ
وعاقب لابن الفارض ابن حجيلة
…
كفى عُمراً أن قام لله فِي عُمَرْ
وأشار بقوله: توشيحه إِلَى شرح الهداية، فإنه سماه التوشيح، ومات السراج فِي رجب سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة.
عمر بن الحسن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي.
ولد سنة أربع وثمانين ومائتين، واشتغل بالفقه، وعرف بمذهب الشافعي.
وكان إِلَيْهِ إمامة الجامع العتيق، إقامة الحج، وإمامة الحرمين. وولي القضاء نيابة عن أخيه محمد لما ولي قضاء بغداد والممالك. وَكَانَ ذَلِكَ بعد صرف ابن ولي فِي شهر رجب سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، فركب إِلَى الجامع بالسواد ومعه القضاة والشهود والأمناء والأشراف ووجوه أهل البلد.
واستخلف عَلَى الأحكام أبا بكر الحداد فقرئ عهده فِي الجامع من قبل أخيه محمد بن الحسن وعَهد أخيه من قبل الخليفة المطيع. وأضيف إِلَيْهِ قضاء الإِسكندرية والرملة وطبرية وأعمالها. فكان ابن الحداد يقضي فِي دار عمر بن الحسن يَوْمَي السبت والخميس، وَفِي منزله يوم الاثنين وإذا حج ركب ابن الحدَّاد إِلَى الجامع بطيلسان أسود، ويشهد عنده الشهود، وَكَانَ وجه الشهود يومئذ
يحيى بن مَكِّيّ بن رجاء، فاتفق أنه شهد عنده فِي شهادة فِي كتاب فقال لَهُ قرأت هَذَا الكتاب من أوله إِلَى آخره أَوْ قرئ عَلَيْكَ؟ فقال لا: وقال لرفيقه وهو الحسين بن أيوب: فما تقول أنت؟ قال: مثله فقال اشهد بهذه الشهادة عند أصحاب الجُمَّيز.
وجرى بَيْنَ ابن وليد وبين الشهود وغيرهم فِي ولاية عمر هَذَا أمور كثيرة، وترافعوا إِلَى أمير البلد أبي القاسم ابن الإِخشيد والأستاذ كافور. وادعى ابن وليد أن تَحْتَ يد ابن رجاء أموالاً كثيرة لا أصحاب لَهَا، فاعتقله كافور، فقام الهاشمي وسائر وجوه الناس فشفعوا فِيهِ حَتَّى أطلق.
واستقامت أمور الهاشمي وعدّل جماعة ورد شهادة آخرين، وتصلّب فِي الأحكام، وعَفَّ عن أموال الناس فلم يقبل لأحد هدية، ولا وجد أحد عَلَيْهِ مطعناً، بل أتلف مالاً كثيراً لنفسه فِي أمور القضاء حَتَّى استقام لَهُ ثُمَّ مَلَّ مِنه واستعفى.
وفي أثناء ذَلِكَ تولى محمد بن صالح ابن أم قضاة القضاة ببغداد فاستخلف ابن وليد، ووصل كتابه إِلَيْهِ بذلك، وركب جماعة من الشهود الذين أوقفهم العباسي فشهدوا عند كافور بصلاحية ابن وليد، وصحبوا معهم أبا الطاهر أحمد بن محمد بن عمرو المديني صاحب يونس بن عبد الأعلى. وَكَانَ مولده سنة ثمان وأربعين ومائتين فقال لكافور: أَيُّها الأستاذ حدثنا يونس، حدثنا ابن عُيينة عن الزهري عن أنَس رفعه (لا تَحاسدوا ولا تَقَاطعوا ولا تَدَابر وكُونُوا عِباد الله إخواناً) وهؤلاء القوم قَدْ عَصوا رسوله عليه السلام، وقاطعونا، فلا تقبل شهادتهم. فقام بعض من حضر فقال: إن هَذَا الحديث الَّذِي حدث بِهِ لا يوجد اليوم فِي شرقي الأرض وغربها من يرويه بأعلى من هَذَا الإِسناد. فأعجب كافور، ووعدهم بخير.
ثم ركب الهاشمي، وابن الحداد، وأبو جعفر مسلم العلوي، وأبو الذكر، وغيرهم من الأكابر إِلَى كافور. فأطلقوا القول فِي ابن وليد بكل سوء. قال قائلهم: إن رأى الأستاذ أن يصون هَذِهِ الشيبات ويقبل شفاعتهم فليفعل، فوقف حال ابن وليد وأرسل يحيى بن رجاء قاصداً إِلَى بغداد يخطب قضاء مصر فما أُجيب.
وحج عمر بن الحسن عَلَى عادته، فصرفه كافور عن الحكم فِي ذي الحجة
سنة تسع وثلاثين، وقرر الخَصِيبيّ. وَكَانَ عزل العباسي وهو راجع من الحجاز فقيل لولده عبد السميع أن يسعى فِي إفساد ذَلِكَ، فتوانى وفتر وحضر والده فلم يحدث فِيهِ أمراً، وَمَا كَانَ لَهُ إِلَيْهِ ميل ولا شهوة وتأخرت وفاة العباسي وهو عَلَى رياسته إِلَى سنة ست وأربعين وثلاثمائة فمات فِيهَا.
عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض بن خلف بن راجح بن بلال بن هلال ابن عيسى بن موسى بن الفتح بن زريق المقدسي عز الدين الحنبلي من المائة السابعة ولد سنة إحدى وثلاثين وستمائة.
وسمع الحديث من جعفر الهَمْداني والضياء المقدسي والحافظ أبي علي البكري، وابن رواج، والسبط وغيرهم. وأحضر قبل ذَلِكَ عَلَى أبي المنجَّا ابن اللَّتِّي، وتفقه عَلَى العماد المقدسي، وهو الَّذِي تولى بعد موته، فإنه كَانَ ينوب عنه، فلما حبس أذن لنائبه المذكور أن يستمر فِي الحكم بغير ولاية، فاستمر من سنة اثنتين وسبعين إِلَى أن مات العماد فِي المحرم سنة ست وسبعين، فاستقر عز الدين عمر هَذَا قاضياً مستقلاً إِلَى أن صرف فِي جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين بالحرّاني، ثُمَّ أعيد فِي سنة تسع وسبعين، فاستمر إِلَى أن مات فِي صفر سنة ست وتسعين وستمائة، واستقر بعده الحرّاني وهو عبد الغني ابن يحيى.
وله أخ اسمه محمد، تفقه بالشيخ العماد وغيره، وولي الحسبة، وعاش إِلَى ربيع الأول، سنة تسع عشرة وسبعمائة.
عمر بن عبد الله بن صالح بن عيسى السُّبْكي شرف الدين المالكي من المائة السابعة.
ولد فِي ذي الحجة سنة خمس وثمانين وخمسمائة وتفقه عَلَى جماعة، وسمع من أبي الحسن ابن المفضل وغيره. وحدث.
روى عنه القاضي بدر الدين ابن جماعة فِي مشيخته، وولي القضاء بالديار المصرية لما صارت القضاة أربعة فِي أيام الظاهر بيبرس. وهو أول من وليه من المالكية رابع أربعة بعد الذين كانوا فِي أيام ابن الأفضل أمير الجيوش. وَكَانَتْ ولايته فِي ذي الحجة سنة ثلاث وستين وستمائة، واستمر إِلَى أن مات فِي ذي القعدة سنة تسع وستين.
قال الشريف عز الدين الحسيني فِي الوفيات: تفقه بمصر، وولي الحسبة ثُمَّ الحكم، ودرس بالصالحية، وأفتى وحدث، وكان أحد المشايخ المشهورين بالخير والدين، والفضل. ويقال: إنه من ذرية إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وقرأت بخط من ساق نسبه بعد عيسى فقال: ابن عبد الملك بن موسى بن خالد بن علي بن عمر بن عبد الله بن إدريس.
ومن مفاخره أنه لما ولي كتب إِلَى الشيخ مجد الدين القُشيري والد الإِمام أبي الفتح ابن دقيق العيد، وَكَانَتْ إقامته بقوص يستنيبه عنه هناك. وَكَانَ رفيقه فِي الاشتغال عند ابن المفضل، فناب عنه بِهَا. وَقَدْ سمع الحديث من جماعة، وخرج لَهُ ولده أبو بكر محمد مشيخة، وذكر فِيهَا لَهُ قصته مع الشيخ مجد الدين ابن دقيق العيد.
عمر بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن محمود البِسطامي زين الدين الحنفي من المائة الثامنة.
ولد سنة سبع وتسعين وستمائة. واشتغل بالفقه ومهر فِيهِ إِلَى أن اشتهر. وولي القضاء بعد حسام الدين الغُوري، وباشر مباشرة حسنة.
وكان كثير الإفضال، حسن العشرة، جميل الأخلاق، عارفاً بمذهبه. وهو جد قاضي القضاة صدر الدين المناوي لأمه، وصُرف زين الدين عن القضاء بغتة بالشيخ علاء الدين التُّركُمانيّ فِي شوال سنة ثمان وأربعين فِي سلطن المظفر حاجي بن الناصر. واستمر زين الدين عاطلاً إِلَى أن مات فِي رابع عشري ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين وسبعمائة.
عياض بن عبيد الله بن ماجد بن مسعود بن عمرو بن الأعرج بن عوف ابن كَثير بن عبد الأزدي ثُمَّ السلاماني يكنى أبا إسماعيل من المائة الثانية.
سمع من عبد الله بن عمر. روى عنه عبد الله بن هبيرة السَّبَاني، وتَوبة بن نَمِر، وغيرهما.
ولاه قُرة بن شريك القضاء فِي جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين، فأقام أربع سنين ثُمَّ صرف فِي شهر رجب سنة سبع وتسعين، وأعيد بعده عبد الله بن عبد الرحمن بن حُجَيرة. ثُمَّ ورد كتاب سليمان بن عبد الملك بعود أبي إسماعيل فِي العزيز. ويقال إنه أول من ولي من قبل الخليفة من بني مروان.
وذكر أبو عمر الكندي أن أبا إسماعيل كَانَ عاملاً لأسامة بن زيد علي الهُرْي فلما أتته ولايته عَلَى القضاء من قبل سليمان قال لَهُ أسامة بن زيد: أنت عليهما جميعاً، وَكَانَ يجري عَلَيْهِ رزقهما.
وأسند أبو عمر من طريق تَوبة بن نَمِر أن أبا إسماعيل كتب إِلَى عمر بن عبد العزيز أن صبياً افترع صبية بإصبعه فكتب إِلَيْهِ عمر: لَمْ يبلغني فِي ذَلِكَ شيء وَقَدْ جعلتُ ذَلِكَ إِلَيْكَ فاقض فِيهِ برأيك. فقضى عَلَى الغلام للصبية بخمسين ديناراً.
وأسند أبو عمر من طريق ابن وهب أخبرنا ابن وهب ابن لَهِيعَة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أن عمر بن عبد العزيز كتاب إِلَيْهِ عياض فِي رجل خرج راكباً فرساً فصدم امرأة عَلَى الطريق فقتلها فأبى مواليه أن يعقلوا عنه قال ولو أنه المقتول لطلب مواليه عقله. فكتب إِلَيْهِ عمر: اعلم أن عامة هَذِهِ الموالي لا تحفظ أنسابها فعاقلها فاجعل ذَلِكَ عَلَى مواليه قال ابن وهب أخبرني بذلك الليث بن سعد.
وأورد لَهُ أبو عمر عدة مكاتبات إِلَى عمر بن عبد العزيز يسأله عن قضايا أشكلت عَلَيْهِ. وصرف أبو إسماعيل فِي خلافة عمر بن عبد العزيز فِي العشر الأخير من شهر رجب سنة مائة وولي بعده عبد الله بن يزيد بن خُذَامِر.
عيسى بن محمد بن عيسى الهَكَّرِيّ الموصلي المعروف بالفقيه عيسى الأمير الكبير المجاهد العالم أول من ولي القضاء بالديار المصرية فِي الدولة الأيوبية ولد فِي سنة
…
وتفقه بأبي القاسم ابن البِزْرِي بجزيرة ابن عمر.
قال ابن ميسر فِي تاريخه: كَانَ فقيهاً عالماً شجاعاً كريماً لَهُ عصبية وكان فِي أول أمره استقر يؤم بأسد الدين شِيرَكُوه فلما ولي الوزارة بمصر قدمه إِلَى الإِمْرَة لما كَانَ يعرف من شهامته وشجاعته.
فلما استقر صلاح الدين بعد عمه، وأعيد المفضل بن هبد الله بن كامل إِلَى القضاء، وذلك فِي ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسمائة، أذن السلطان صلاح الدين للفقيه عيسى أن يحكم بَيْنَ الناس بالقاهرة رفيقاً لابن كامل، وأفرد مصر لابن كامل، فاستمر الحال عَلَى ذَلِكَ إِلَى أن أمر السلطان بإحضار القاضي صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس وَكَانَ ممن قدم مع صلاح الدين إِلَى مصر، فولاه قضاء الغربية بالمحلة وَمَا معها، فحضر فِي جمادى الأولى سنة ست وستين، ففوض إِلَيْهِ القضاء بالقاهرة ومصر والوجهين القبلي والبحري مستقلاً بغير مشارك.
واستقر الفقيه عيسى فِي الإِمْرَة، وَكَانَ وجيهاً فِي الدولة مسموع الكلمة، ولع مواقف فِي القتال مشهورة، ومات فِي ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمسمائة.
عيسى بن المُنْكَدِر بن محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن محرز ابن عبد العزي بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة بن كلاب بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي المنكدري المدني الأصل، نزيل مصر، أبو محمد.
ولد بقصر عمران بن النعمان المعافري بالفسطاط. وكانت ولايته من قبل عبد الله ابن طاهر لما أمره المأمون على مصر.
قال أبو يعقوب البُويطي: لما ولي أبو طاره إمْرَةَ مصر أَمَرَ بإحضار أهل مصر، فحضر الناس، وحضر عبد الله بن الحكم. فقال ابن طاهر: إن جمعي لكم لترتادوا لأنفسكم قاضياً فكان أول من تكلم يحيى بن عبد الله بن بكير. فقال: أيها الأمير ولّ قضاءنا من رأيت، وجنبنا رَجْلَين. لا تولِّ قضاءنا غريباً لا زرَّاعاً. يعني بالغريب إبراهيم بن الجراح، وبالزرَّاح عيسى بن فُليح. فنهض إبراهيم بن الجراح فقال: اصلح الله الأمير، رجل من أبناء الدولة قديم الحرمة. فلم يستمع ابن طاهر له. ثم تكلم أبو ضَمْرَة الزُّهري فقال: أيها الأمير، الفقيه العالم أَصْبَغ بن الفرج، واصبغ حاضر، فعارضه سعيد بن كثير بن عُفَيْر. فقال: ما بال أبناء الصبَّاغين والمقامص يُذكرون في المواضع التي لم يجعلهم الله لها أهلاً! قال: فقام أصبغ فأخذ بمجامع ثوب سعيد بن غُفَيْر وقال: أنت شيطان. ومن أين علمت أني من أبناء الصباغين! وارتفع الأمر بينهما حتى كادت تكون فتنة. فذكر عبدُ الله بن عبد الحكم، عيسى بن المنكدر، فأثنى عليه بخير. فقلده عبد الله بن طاهر وذلك لعشر خلون من رجب سنة اثنتي عشرة.
قاله الكندي.
وقال ابن يونس سنة إحدى عشرة. قال البويطي وقال سعيد بن عفير في أصبغ: ليس هذا الرجل كما وصفت. هذا رجل بذي طويل اللسان وسجع في كلامه فقام أصبغ فقال: إن الأمير أمر أن يحضر مجلسه الفقهاء وأهل العلم لا الشعراء ولا الكهنة فقال البويطي أنا أذكر للأمير ستة يجعل هذا الأمر فيمن رأى منهم. قال: من هم؟ قال قلت: عبد الله بن الحكم وسعيد بن هاشم وعيسى بن المنكدر وابنا مَعْبَد وجعفر بن هارون. فأثنى ابن عبد الحكم علي عيسى فولاه فقال ابن عبد الحكم: إنه مُقِلُّ فأجرى عليه سبعة دنانير في كل يوم فاستمرت للقضاة، وأجرى عليه أربعة آلاف درهم في كل شهر ووصله بألف دينار.
واستكتب عيسى إبراهيم بن أبي أيوب قليلاً. ثم كتب له أبو الأسود النَّضْر بن عبد الجبار وداود ابن أبي طَيْبة فتنازعا. فقال النضر: لا أكتب لك حتى تنحي داود،
فامتنع من تنحيته، فانصرف النضر وثبت داود، وكان محتاجاً إليه فانقطع عنه النظر. وكان القائم بأمر عيسى كله سليمان بن بُرْد، وكان مِقْدام بن داود يقول: ما رأيت أحداً أعلم بالقضاء وآلاته من سليمان، ولم يضطرب أمر عيسى حتى مات سليمان آخر سنة اثنتي عشرة ومائتين.
وقال عيسى بن لَهِيعَة: كان سعيد بن عيسى بن تَلِي على مسائل عيسى، ثم ضم إليه عبد الله بن عبد الحكم. فذكر يحيى بن عثمان أن ابن عبد الحكم أدخل في العدالة من لا قَدْرَ له ولا بيت، مثل فلان الحائك وفلان المُسِلماني، وفلان البياع. فيقال: إن أبا خليفة حُميد بن هشام الرّعَيني لقيه فقال له: يا ابن عبد الحكم، كان الأمر مستوراً فهتكته، وأدخلت في الشهادة من ليس لها أهلاً. فقال له ابن عبد الحكم: إن هذا الأمر دِينٌ، وإنما فعلت ما يجب عليّ. فقال أبو خليفة: اسألُ الله ألا يبلغك الشهادة أنت ولا أحداً من ولدك.
حكى ذلك ابن قُدَيْد، وزاد فكان الأمر كذلك، لقد بلغ هو وولَده بالبلَد ما لم يبلغه أحد ما قُبلت لأحد منهم شهادة قط.
قال أبو سعيد ابن يونس: وكان حميد بن هشام عبداً صالحاً، وهو ابن هشام بن حميد بن خليفة بن زرعة، شهد جده الأعلى زُرعة فَتْحَ مصر. وحدّث حميد عن الليث، وابن لَهيعة. وعُمِرّ طويلاً إلى أن مات في شوال سنة تسع وأربعين ومائة، ويقال مات قبل ذلك.
وقال ابن يونس ومحمد بن محمد بن الأشعث: ذُكر عيسى بن المُنْكَدر عنده أبي شَرِيك المُراديّ فقيل كان لا يحسن القضاء، فقال: معاذ الله، بل كان رجلاً صالحاً. ولقد كانت فيه خصلة حسنة نافعة للمسلمين لما ولي القضاء جعل له صاحب مسائل يسال له عن الشهود، ولم يقنع بذلك حتى يتنكَّر بالليل ويغطي رأسه ويمشي في السِكك يسأل عن الشهود. وقد رآه غير واحد من الثقات كذلك.
وكان يَضَعُ قمطره في حانوت في دار عمرو بن خالد ففسدت قضية منها، فامتنع عمرو بن خالد من أدخال القمطرة داره فاكترى منزلاً في دار عمرو بن العاص، فكان عيسى إذا انصرف وضع القِمَطْر فيها. وخُتم على الباب.
وقال ابن عبدن الحكم: أشار وَالدي على عيسى بوجوب اليمين للمدعي على المدعي عليه بالمال - يعني يمين الاستظهار - ولو لم تقم بينهما بينة بخلطة. فأخذ بذلك لأن الناس فسدوا. وذكر نحوه عن أصْبَغ في الغرباء الذين يضربون في الأرض ولا يشترون ولا يبيعون إلا ممن لا يعرفونه ولا يخالطونه.
وقال محمد بن عيسى بن فليح: اختصم رجلان إلى عيسى بن المنكدر وكان ربما حان منه خفة في الحكم، فقضى لأحدهما على الآخر، وقال للمحكوم له: أَضجعْ خصمك. فأضجعَهُ فقلت في نفيس: تُرى يريد ذبحه! ثم قال له: قُمْ فاجعل رجلك على خدّه حتى يذل للحق. فلما خرجا قيل له خالفت الناس في هذا. فقال: فإني لا أعود.
وقال أبو مسعود عن أبيه: خاصمت إلى عيسى فصال علي خصمي، فقال لي: ابصق في وجهه. فتوقفت فقال: والله لا أحكم لك حتى تبصق في وجهه، ففعلت فقال له: أذلّك الحق فقم فادفع إليه حقه.
وقال أبو الرقراق: جاء عبد الحكم بن عبد الله بن عبد الحكم إلى عيسى برسالة أبيه في شيء فقال: لا والله لا فعلت. فلما خرج ابن عبد الحكم قال عيسى: إنهّ أباه يدلّ عَلي كأنه ألحقني بالمنكدر.
وقال أحمد بن عبد الرحمن بن وهب: سمعت الشافعي يقول لعيسى بن المنكدر: أشكر الله وعائشة، فهي جَعَلَتْ لكم قُرْطَيْن من ذهب.
وكان عيسى قد صاح بالشافعي فقال له: يا كذا يا كذا، دَخَلْتَ هذه البلدة وأمرها واحد ورأيها واحد ففرقت بينهم، وألقيت الشر، فرّق الله بين روحك وجسدك.
وكان ذلك قبل أن يلي عيسى بن المنكدر، وأشار بالتفرقة إلى ما وقع من
الاختلاف بين الشافعي وأهل مصر، وكانوا لا يعرفون إلا رأي مالك، فلما خالفه الشافعي وافقه جماعة كثيرة منهم فصار يقع بينهم الجدال والمنازعة. وإنما ولي عيسى القضاء بعد موت الشافعي بمدة طويلة.
وقال ابن قُدَيْد: قرأت من رقاع يحيى بن عثمان: سمع عيسى بن المُنْكَدِر رَجلاً ينشد وهو على القضاء يومئذ:
لَقَدْ عَجِبْتُ وَرَيْبُ الدَّهْرِ ذُو عَجَبِأَنَّ الهُدَيْرِيَّ وَسْط السُّوق يَنْتَسِبُ
وَمَالهُ نَسَبٌ في النَّاسِ نَعْلَمُهُ
…
إلا الحمارُ وَهَلْ للْعَيْر يُنْتَسَبُ
إني لأخْشَى عَلى تَيْمٍ مَعَرَّتُهُ
…
كما يُخَافُ على ذي الصحة الجُرَبُ
قال وقرأت بخط يحيى بن عثمان: خاصم محمد بن أبي المّضاء إلى عيسى فحكم عليه فعرض لابن المنكدر بشيء فبقح، فأمر به فسُجن فلم يخرج من السجن حتى عزل عيسى. وكان عيسى يُنفق على عيال ابن أبي المضاء طول حبسه.
ورفع شخص إليه في ابن عبد ربه أن له عليه حقاً فلم يحضر، فأمر عيسى بإحضاره وضربه في المسجد عشرين سوطاً. وكان يجلس في المسجد غُدْوَةً ثم يروح ويعود لمجلس القضاء آخر النهار.
وخاصم إليه ابن يحيى بن حسان، فاتفق أنه ضحك في حال الخصومة فأمر به فلُطم.
وكان سبب عزله أنه كان بمصر جماعة من الصوفية وكانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. كان عيسى معهم. فلما ولي القضاء كانوا يأتونه فيقولون: جرى كذا وكذا فينهض معهم، فإذا لامه إخوانه قال: لا بد من القيام بحق الله. فاتفق أن المأمون ولي أخاه أبا إسحاق إِمْرَة مصر فخافوا من سطوته، فسألوا القاضي أن يكتب إلى المأمون أنهم لا يرضون بولاية أبي إسحاق. فأقرأه المأمون الكتاب فغضب وقال: لأفعلن بعيسى كذا وكذا، وأمر بعزله، فلما دخل مصر
أمر بحبسه وحُبس ابن عبد الحكم لكونه من جهته فمات، وأقام ابن المنكدر للناس فخاصموه وادعوا عليه دعاوي، فاستمر محبوساً حتى خرج أبو إسحاق من مصر. وكان عزله في رمضان سنة أربع عشرة، ثم أمر أبو إسحاق بإحضاره إلى العراق، فاخرج في ذي القعدة سنة خمس عشرة فسجنه حتى مات هناك.
قال ابن يونس: وكانت وفاته قبيل العشرين، ولم يول أبو إسحاق على مصر بعد عيسى أحداً فبقيت مصر بغير قاض إلى أن ولي هارون بن عبد الله الزهري سنة سبع عشرة، ولكن أقام كيدرُ أمير مصر محمد بن مُكْنِف بن عبًّاد ينظر في المظالم ويحكم بين الناس.
وقال يحيى بن عثمان: بقيت مصر بغير قاض سنة خمس عشرة وسنة ست عشرة، فلما قدم المأمون مصر أمر يحيى بن أَكْثَم أن يقضي بين الناس.