الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا يرد على هذا الاعتكاف؛ فإن المعتكف عنده لا بد أن يصلي، وكذلك من دخله لتعلّم العلم أو تعليمه فإنه يصلي فيه أولا.
والمقصود أن هذه المسألة مذكورة في المختصرات؛ ذكرها أبو القاسم بن الجلاب في «التفريع» قال: ومن قال عليّ المشي إلى المدينة أو بيت المقدس فإن أراد الصلاة في مسجديهما لزمه إتيانهما راكبا والصلاة فيهما، وإن لم ينو ذلك فلا شيء عليه. ولو قال: لله عليّ المشي إلى مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس لزمه إتيانهما راكبا والصلاة فيهما. وإن نذر السفر إلى مسجد سوى المسجد الحرام أو مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس فإن كان قريبا لا يحتاج إلى راحلة مضى إليه وصلّى فيه، وإن كان بعيدا لا ينال إلا براحلة صلّى في مكانه ولا شيء عليه.
وهذا الفرق الذي ذكره ابن الجلاب في سائر المساجد من القريب والبعيد ذكره قبله محمد بن المواز في الموازية وغيره قال: أما السفر إلى المدينتين؛ مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وبيت المقدس لغير الصلاة في المسجدين فإنه لا يستحبّ عند أحد منهم، بل جمهورهم نهوا عنه وحرّموه موافقة لمالك، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وقد ذكر ذلك ابن بشير في تنبيهه والقيرواني في تقريبه، وغيرهما من أصحاب مالك.
فهذا نصّ مالك الإمام وأصحابه على أن من نذر إتيان المدينة لغير الصلاة في مسجدها ولو أنه لزيارة أهل البقيع وشهداء أحد وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يأتيها ولا يوف بنذره، بل السفر لذلك منهيّ عنه لقوله:«لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» .
بل السفر إلى ما يظن أنه زيارة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم وليس بزيارة لقبره أولى بالنهي عن السفر لزيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد ومسجد قباء. وهذه الأماكن يستحبّ لأهل المدينة إتيانها وإن لم يقدموا من سفر، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يخرج إلى القبور يدعو لهم، وكان يأتي قباء كل سبت راكبا وماشيا «1» .
[التفريق بين الغرباء والمقيمين في المدينة في السلام عليه خارج الحجرة]
وأما ما يظنّ أنه زيارة لقبره مثل الوقوف خارج الحجرة للسلام والدعاء؛ فهذا لا يستحبّ لأهل المدينة بل ينهون عنه، لأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان- الخلفاء الراشدين وغيرهم- كانوا يدخلون إلى مسجده للصلوات الخمس وغير ذلك، والقبر عند جدار المسجد ولم يكونوا يذهبون إليه ولا يقفون عنده، فإذا كان السفر لما شرع لأهل المدينة في غير المساجد منهيا عنه،
(1) أخرجه البخاري (1193) ومسلم (1399) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
فالنهي عن السفر لما ليس بمشروع مما يسمى زيارة لقبره وليس زيارة أولى وأحرى.
وقد ذكر هذا مالك وغيره من العلماء؛ ذكروا أنه لا يستحب بل يكره للمقيمين بالمدينة الوقوف عند القبر للسلام أو غيره، لأن السلف من الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك إذا دخلوا المسجد للصلوات الخمس وغيرها على عهد الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فإنهم كانوا يصلّون بالناس في المسجد؛ أبو بكر وعمر فصليا بالناس إلى حين ماتا، وعثمان إلى أن حصر، وعلي صلّى فيه مدة مقامه بالمدينة إلى أن خرج إلى العراق. وكان الناس يقدمون عليهم من الأمصار يصلّون معهم. ومعلوم أنه لو كان مستحبا لهم أن يقفوا حذاء القبر ويسلّموا أو يدعوا أو يفعلوا غير ذلك لفعلوا ذلك. ولو فعلوه لكثر وظهر واشتهر، لكن مالك وغيره خصّوا سن ذلك عند السفر لما نقل عن ابن عمر.
قال القاضي عياض: قال مالك في «المبسوط» : وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف للقبر. وإنما ذلك للغرباء. وقال فيه أيضا: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلّي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر. قيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر من ذلك عند القبر، يسلّمون ويدعون ساعة. فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك. ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده، وإنما اشتهر هذا عن ابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر أتى القبر فقال:
السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت. وممن رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب «الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» قال: حدّثنا سليمان بن حرب، قال: حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر؛ كان إذا قدم من سفر أتى المسجد ثم أتى القبر فقال:«السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه» «1» .
فإن قيل: مالك وغيره استحبوا للغرباء كلما دخلوا المسجد أن يأتوا القبر، وهذا يناقض ما ذكر عنهم من النهي عن السفر لأجل القبر، فإنهم خصّوا الغرباء المسافرين بقصد القبر، فيكون لهم في المسألة روايتان.
قيل: ليس الأمر كذلك؛ بل هم استحبوا للغرباء الذين قدموا لأجل الصلاة في المسجد أن يقفوا بالقبر ويسلّموا، كما استحبوا لهم أن يأتوا مسجد قباء، وأن يزوروا
(1) تقدم تخريجه.
أهل البقيع وشهداء أحد، وهم لو قصدوا السفر لأجل أهل البقيع والشهداء أو لموضع غير مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم كان ذلك منهيا عنه عندهم، لكن إذا سافروا لأجل المسجد والصلاة فيه أتوا القبر وزاروا قبور الشهداء وأهل البقيع ومسجد قباء ضمنا وتبعا، كما أن الرجل ينهى أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة، فلو سافر إلى بلد لتجارة أو طلب علم أو نحو ذلك كان يأتي مسجده ويزور قبره، وإن كان لم يسافر لأجل ذلك، وإنما الرخصة في هذا للغرباء دون أهل المدينة، فأهل المدينة يفعلون ذلك عند السفر فيحصل مقصودهم، والغرباء إنما يقيمون بالمدينة أياما. وصار هذا مثل صلاة التطوع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي المسجد الحرام، فإنهم يستحبون للغرباء أن يتطوعوا فيه. وأما أهل البلد فتطوعهم في البيوت أفضل. قال مالك: التنفل فيه للغرباء أحبّ إليّ من التنفل في البيوت.
وحجتهم في ذلك أن الصلاة فيه بألف صلاة في غيره من المساجد، وأهل البلد يصلّون فيه دائما الفرض، فيحصل مقصودهم بذلك، وتطوعهم في البيوت أفضل لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«أيها الناس؛ أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» «1» . وقال صلى الله عليه وسلم في النساء: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن» «2» .
وأما الغرباء فلا يمكنهم أن يصلّوا الفرض فيه دائما، لأن الفرائض لها أوقات محدودة، فيستكثروا من التنفل فيه، وكذلك المسجد الحرام. ولهذا استحبّوا في المسجد الحرام الطواف للغرباء وفضّلوه على الصلاة. قال ابن القاسم:«الطواف بالبيت للغرباء أحب إليّ من الصلاة» «3» . وذلك لأن الغرباء لا يمكنهم الطواف كل وقت، بخلاف أهل البلد فإنه يمكنهم ذلك في جميع الأوقات. وإذا خرجوا من البلد ثم رجعوا اعتمروا. ولهذا قال ابن عباس: يا أهل مكة؛ لا عمرة عليكم، إنما عمرتكم الطواف بالبيت.
وقد نص أحمد على مثل ما قال ابن عباس مع قوله بوجوب العمرة على غيرهم في المشهور عنه. ومن أصحابه من جعل الفرق رواية ثالثة، ومنهم من تأولها، ولكن المنصوص عنه الفرق كقول ابن عباس. ولكن الأثر المنقول عن ابن عمر ليس فيه أنه كان يفعل ذلك إلا إذا قدم من سفر ليس فيه أنه كان يفعل ذلك عند إرادة السفر.
(1) أخرجه البخاري (731، 6113، 7290) ومسلم (781) وأحمد (5/ 182، 186) وأبو داود (1044) والنسائي (3/ 197 - 198) وفي «الكبرى» (1/ رقم: 1291) والترمذي (450) وغيرهم.
من طريق: بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت مرفوعا.
(2)
أخرجه بهذا اللفظ أحمد (2/ 76، 77) وأبو داود (567) والحاكم (1/ 209) والبيهقي (3/ 131) وغيرهم. من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر مرفوعا.
وهو حديث صحيح؛ انظر «إرواء الغليل» للمحدث الألباني (2/ 293/ 515).
وأصل الحديث في «الصحيحين» لكن دون لفظ: «وبيوتهن خير لهن» .
(3)
«المدونة» (1/ 407).
وقد يستحبّ للقادم من السفر ما لا يستحب لغيره، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين. ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يودّعه. وكذلك طواف القدوم الذي يطوفه القادم إلى مكة يستحب فيه الرمل أولا لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلوا ذلك في عمرتهم، وفي حجة الوداع، ولا يستحبّ ذلك لأهل مكة لأنه لا قدوم عليهم. وكذلك الاضطباع يستحب فيه عند الجمهور؛ أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وقال مالك: ليس بسنة.
فما نقل عن ابن عمر من تخصيصه الوقوف عند القبر والسلام بما إذا قدم من سفر هو- والله أعلم- لكون ذلك تحية مجيئه إذا قدم من السفر، كما أن طواف القدوم يسمى طواف التحية وفيه الرمل والاضطباع، وليس ذلك مشروعا لأهل مكة، وكذلك طواف الوداع لا يشرع لأهل مكة، إذ لا وداع في حقهم.
فتفريقهم بين الغرباء وبين المقيمين له نظير في الشرع، لكن أصل استحبابهم ما استحبوه من فعل ابن عمر. وقد احتجّ أحمد وغيره مع ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم:«ما من رجل يسلم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام» رواه أبو داود وغيره، وهو على شرط مسلم، وفي رواته أبو صخر حميد بن زياد وهو مختلف فيه، ضعّفه ابن معين، ووافقه النسائي، ومرة وثقه، ووافقه أحمد «1» .
فمالك وأحمد وغيرهما احتجوا بفعل ابن عمر. وقد احتجّ أحمد وأبو داود وابن حبيب وغيرهم بحديث أبي هريرة هذا. وفي هذا نزاع مذكور في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا بيان قول مالك وغيره من أهل العلم، وأنهم لم يتناقضوا حيث منعوا من السفر إلى غير المساجد الثلاثة، وأنه لا يسافر إلى المدينة إلى غير المسجد، لا للقبر وغيره. وأن السفر إلى غير الثلاثة منهيّ عنه، وإن كان قد نذره، فإن قوله:
«لا تشدّ الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة» إذا كان متناولا بالإجماع السفر إلى سائر المساجد، مع أنها أحبّ البقاع إلى الله، فالسفر إلى المقابر أولى بالنهي أو بعدم الفضيلة. وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يأتي المدينة لزيارة قبور أهل البقيع أو الشهداء أو غيرهم لم يوف بنذره. وقال مالك والأكثرون؛ قالوا: لا يجوز أن يوفي بنذره فإنه معصية. ولو نذر السفر إلى نفس المسجد للصلاة فيه لم يحرم عليه الوفاء بالإجماع، بل يستحب الوفاء «2». وقيل: يجب على قولين للشافعي، والوجوب مذهب مالك وأحمد، ونفي الوجوب مذهب أبي حنيفة.
(1) وقد تقدم تخريج الحديث، وانظر للكلام عليه «السلسلة الصحيحة» رقم (2266).
(2)
انظر: «موسوعة الإجماع لشيخ الإسلام ابن تيمية» جمع وترتيب: عبد الله بن مبارك البوصي. ص 640 - وما بعدها.
فظهر أن أقوال أئمة المسلمين موافقة لما دلّت عليه السنة من الفرق بين السفر إلى المدينة لأجل مسجد الرسول والصلاة فيه، والسفر إليها لغير مسجده؛ كالسفر لأجل مسجد قباء، أو لزيارة القبور التي فيها؛ قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وقبور من فيها من السابقين الأوّلين وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين.
وظهر أنه إذا نهي عن السفر إلى ما يستحبّ لأهل المدينة إتيانه بلا سفر كزيارة مسجد قباء وشهداء أحد والبقيع؛ فالنهي عما يكره لأهل المدينة إتيانه أولى وأحرى.
والله سبحانه خصّ رسوله بما خصّه به تفضيلا له وتكريما لما يجب من حقّه على كل مسلم في كل موضع، فإن الله أوجب الإيمان به ومحبته وموالاته ونصره وطاعته واتباعه على كل أحد في كل مكان، وأمر من الصلاة عليه والسلام عليه في كل مكان، ومن سؤال الوسيلة له عند كل أذان، ومن ذكر فضائله ومناقبه وما يعرف به قدر نعمة الله به على أهل الأرض، وأن الله لم ينعم على أهل الأرض نعمة أعظم من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، وأنه هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأنه لا يؤمن العبد حتى يكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين «1» ، بل حتى يكون أحب إليه من نفسه «2» . إلى غير ذلك من حقوقه المبسوطة في غير هذا الموضع «3» .
وكل هذه مشروعة في جميع البقاع ليس منها شيء يختصّ بالقبر ولا بما هو قريب من القبر. ولا شرع للناس أن يكون قيامهم بهذه الحقوق عند القبر أفضل من قيامهم بها في بلادهم، بل المشروع أن يقوموا بها في كل مكان. ومن قام بها عند القبر وفتر عن القيام بها في بلده، كما يوجد في بعض الناس يوجد من محبته وتعظيمه وثنائه ودعائه للرسول عند قبره أعظم مما يوجد في بلده وطريقه. وهذه حالة منقوصة غير محمودة، وصاحبها منحوس الحظ، ناقص النصيب، وهو ناقص الدين والإيمان؛ إما بترك واجب يأثم بتركه، وإما بترك مستحبّ تنقص درجته بتركه، بخلاف من منّ الله عليه فجعل محبته وثناءه وتعظيمه ودعاءه للرسول في بلده مثل ما إذا كان بالمدينة عند قبره أو أعظم. فهذه هي الحالة المحمودة المشروعة وهي حال الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة، ولا يعرف عن أحد منهم أنه كان يزيد حبه وتعظيمه
(1) كما في «صحيح البخاري» (15) ومسلم (44) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(2)
كما في «البخاري» (6632) من حديث عبد الله بن هشام، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله؛ لأنت أحبّ إليّ من كل شيء إلا نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا والذي نفسي بيده؛ حتى أكون أحبّ إليك من نفسك» . فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحبّ إليّ من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر» .
قال الحافظ في «فتح الباري» (11/ 536): «أي الآن عرفت فنطقت بما يجب» .
(3)
انظر في ذلك «حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته» للدكتور محمد بن خليفة التميمي. طبع دار أضواء السلف بالرياض.