الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل [خلط المعترض بين زيارة الأحياء وبين زيارة القبور]
قال المعارض المناقض: وروى مسلم في صحيحه في الذي سافر لزيارة أخ له في الله ولفظ الحديث: «إن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في تلك القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال:
لا؛ إلا أني أحببته في الله. فقال: إني رسول الله إليك فإن الله أحبك كما أحببته فيه» «1» .
وفي موطأ مالك عن معاذ بن جبل في حديث ذكر فيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أي عن الله «وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ والمتزاورين فيّ والمتباذلين فيّ» «2» .
والجواب: أما زيارة الأخ الحيّ في الله كما في الحديث فهذا نظير زيارته في حياته يكون الإنسان بذلك من أصحابه وهم خير القرون، وأما جعل زيارة القبر كزيارته حيا كما قاسه هذا المعترض فهذا قياس ما علمت أحدا من علماء المسلمين قاسه، ولا علمت أحدا منهم احتج في زيارة قبره صلى الله عليه وسلم بالقياس على زيارة الحي المحبوب في الله. وهذا من أفسد القياس. فإنه من المعلوم أنه من زار الحيّ حصل له بمشاهدته وسماع كلامه ومخاطبته وسؤاله وجوابه وغير ذلك ما لا يحصل لمن لم يشاهده ولم يسمع كلامه، وليس رؤية قبره أو رؤية ظاهر الجدار الذي بني على بيته
(1) أخرجه مسلم (2567).
(2)
أخرجه مالك في «الموطأ» (2/ 354) - 51 - كتاب الشعر- (5) باب ما جاء في المتحابين في الله.
وصحّح إسناده الحافظ ابن عبد البر- رحمه الله تعالى-.
بمنزلة رؤيته ومشاهدته ومجالسته وسماع كلامه، ولو كان هذا مثل هذا كان كل من زار قبره مثل واحد من أصحابه، ومعلوم أن هذا من أبطل الباطل.
وأيضا فالسفر إليه في حياته؛ إما أن يكون لما كانت الهجرة إليه واجبة كالسفر قبل الفتح، فيكون المسافر إليه مسافرا للمقام عنده بالمدينة مهاجرا من المهاجرين إليه، وهذا السفر انقطع بفتح مكة قال صلى الله عليه وسلم:«لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» «1» .
ولهذا لما جاء صفوان بن أمية مهاجرا أمره أن يرجع إلى مكة، وكذلك سائر الطّلقاء كانوا بمكة لم يهاجروا. وإما أن يكون المسافر إليه وافدا إليه ليسلّم عليه ويتعلّم منه ما يبلّغه قومه؛ كالوفود الذين كانوا يفدون إليه- لا سيما سنة عشر- سنة الوفود. وقد أوصى في مرضه قبل أن يموت بثلاث فقال:«أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو مما كنت أجيزهم» «2» . ومن الوفود وفد عبد القيس لما قدموا عليه ورجعوا إلى قومهم بالبحرين، لكن هؤلاء أسلموا قديما قبل فتح مكة، وقالوا: لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام لأن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وهم أهل نجد كأسد وغطفان وتميم وغيرهم، فإنهم لم يكونوا قد أسلموا بعد. وكان السفر إليه في حياته لتعلّم الإسلام والدين ولمشاهدته وسماع كلامه، وكان خيرا محضا، لم يكن أحد من الأنبياء والصالحين عبده في حياته بحضرته، فإنه كان ينهى من يفعل ما هو دون ذلك من المعاصي فكيف بالشرك؟ كما نهى الذين سجدوا له، والذين صلّوا خلفه قياما، وقال:«إن كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم، فلا تفعلوا» رواه مسلم «3» .
وفي المسند بإسناد صحيح عن أنس قال: «لم يكن شخص أحبّ إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك» «4» .
وفي الصحيح أن جارية قالت عنده:
وفينا نبي يعلم ما في غد فقال: «دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين» «5» .
(1) أخرجه البخاري (3077) ومسلم (1864) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(2)
أخرجه البخاري (3053، 3168، 4431) ومسلم (1637) من حديث ابن عباس، ضمن حديث طويل وفيه:«أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم» .
(3)
في «صحيحه» برقم (413).
(4)
أخرجه أحمد (3/ 132، 134، 151، 250) والبخاري في «الأدب المفرد» (946) والترمذي (2754).
وهو حديث صحيح: انظر «الصحيحة» (358) و «الأدب المفرد» بتحقيق الشيخ الألباني (ص 334 - 335).
(5)
أخرجه البخاري (5147).
ومثل هذا كثير من نهيه عن المنكر بحضرته، فكل من رآه في حياته لم يتمكن أن يفعل بحضرته منكرا يقر عليه.
وأما الذين يزورون القبور فيفعلون عندها من أنواع المنكرات ما لا يضبط، كما يفعل المشركون والنصارى وأهل البدع عند قبر من يعظّمونه من أنواع الشرك والغلو، وبحسبك أنه صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى لأجل اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، فإذا اتّخذ القبر مسجدا فقد لعن صاحبه.
ومعلوم أنه لو كان حيا في المسجد لكان قصده في المسجد من أفضل العبادات، وقصد القبر الذي اتخذ مسجدا مما نهى عنه ولعن أهل الكتاب على فعله، وأيضا فليس عند قبره مصلحة من مصالح الدين وقربة إلى رب العالمين إلا وهي مشروعة في جميع البقاع، فلا ينبغي أن يكون صاحبها غير معظّم للرسول التعظيم التام والمحبة التامة إلا عند قبره، بل هو مأمور بهذا في كل مكان. فكانت زيارته في حياته مصلحة راجحة لا مفسدة فيها، والسفر إلى القبر لمجرده بالعكس مفسدة راجحة لا مصلحة فيها، بخلاف السفر إلى مسجده فإنه مصلحة راجحة وهناك يفعل من حقوقه ما يشرع كما في سائر المساجد. وهذا مما يبين به كذب الحديث الذي فيه:«من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي» «1» . وهذا الحديث معروف من رواية حفص بن سليمان الغاضري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حجّ فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي» . وقد رواه عنه غير واحد، وهو عندهم معروف من طريقه، وهو عندهم ضعيف في الحديث إلى الغاية حجة في القراءة.
قال يحيى بن معين: حفص ليس بثقة. وقال الجوزجاني: قد فرغ منه منذ دهر «2» . وقال البخاري: تركوه. وقال مسلم بن الحجاج: متروك. وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث، وتركته على عمد. وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وقال مرة: متروك. وقال صالح بن محمد: لا يكتب حديثه، وأحاديثه كلها مناكير. وقال زكريا الساجي: يحدث عن سماك وغيره، أحاديثه بواطيل. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: لا يكتب حديثه، هو ضعيف لا يصدق متروك الحديث. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. وقال الدارقطني ضعيف.
وقال ابن عدي: وعامة أحاديثه عمن يروي عنه غير محفوظة.
وقد رواه الطبراني في «المعجم» من حديث الليث بن بنت ليث بن أبي سليم،
(1) تقدم تخريجه والكلام عليه.
(2)
«أحوال الرجال» ترجمة رقم (174).
عن زوجة جده عائشة، عن ليث. وهذا الليث وزوجة جده مجهولان لأن ليثا غير معروف بضبط ولا عدالة مع غرابتهما، ونفس المتن باطل.
فإن الأعمال التي فرضها الله ورسوله لا يكون الرجل بها مثل الواحد من الصحابة. بل في الصحيحين عنه أنه قال: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» «1» . فالجهاد والحج ونحوهما أفضل من زيارة قبره باتفاق المسلمين، ولا يكون الرجل بهما كمن سافر إليه في حياته ورآه، كيف وذاك إما أن يكون مهاجرا إليه كما كانت الهجرة قبل الفتح، أو من الوفود الذين كانوا يفدون إليه يتعلّمون الإسلام ويبلّغونه عنه إلى قومهم، وهذا عمل لا يمكن أحدا بعدهم أن يفعل مثله.
ومن شبّه من زار قبر شخص بمن كان يزوره في حياته فهو مصاب في عقله ودينه.
والزيارة الشرعية لقبر الميت مقصودها الدعاء له والاستغفار كالصلاة على جنازته، والدعاء المشروع المأمور به في حق نبينا- كالصلاة عليه والسلام عليه وطلب الوسيلة له- مشروع في جميع الأمكنة لا يختصّ بقبره، فليس عند قبره عمل صالح تمتاز به تلك البقعة، بل كل عمل صالح يمكن فعله هناك يمكن فعله في سائر البقاع، لكن مسجده أفضل من غيره. فللعبادة فيه فضيلة بكونها في مسجده، كما قال:«صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» «2» .
والعبادات المشروعة فيه بعد دفنه مشروعة فيه قبل أن يدفن النبي صلى الله عليه وسلم في حجرته، وقبل أن تدخل حجرته في المسجد، ولم يتجدد بعد ذلك فيه عبادة غير العبادات التي كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وغير ما شرعه هو لأمته ورغّبهم فيه ودعاهم إليه، وما يشرع للزائر من صلاة وسلام ودعاء له وثناء عليه كل ذلك مشروع في مسجده في حياته، وهي مشروعة في سائر المساجد، بل وفي سائر البقاع التي تجوز فيها الصلاة، وهو صلى الله عليه وسلم قد جعلت له ولأمته الأرض مسجدا وطهورا، فحيثما أدركت أحدا الصلاة فليصلّ فإنه مسجد، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم «3» .
ومن ظن زيارة القبر تختص بجنس من العبادة لم تكن مشروعة في المسجد، وإنما شرعت لأجل القبر فقد أخطأ، لم يقل هذا أحد من الصحابة والتابعين، وإنما غلط في بعض هذا بعض المتأخرين، وغاية ما نقل عن بعض الصحابة- كابن عمر- أنه كان إذا قدم من سفر يقف عند القبر ويسلم، وجنس السلام عليه مشروع في
(1) أخرجه البخاري (3673) ومسلم (2540) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري (1190) ومسلم (1394) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
انظر البخاري (335، 438، 3122) ومسلم (521).
المسجد وغير المسجد قبل السفر وبعده، وأما كونه عند القبر فهذا كان يفعله ابن عمر إذا قدم من سفر.
وكذلك الذين استحبوه من العلماء استحبوه للصادر والوارد من المدينة وإليها من أهلها، أو الوارد والصادر من المسجد من الغرباء، مع أن أكثر الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك، ولا فرّق أكثر السلف بين الصادر والوارد، بل كلهم ينهون عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال أبو الوليد الباجي: إنما فرّق بين أهل المدينة وغيرها لأن الغرباء قصدوا لذلك وأهل المدينة يقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم.
وقال: قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وقال: «لا تجعلوا قبري عيدا» ، وهذا الذي ذكره من أوله سواء في النهي. فإن قوله:«لا تجعلوا- أو: لا تتخذوا- بيتي عيدا» نهي لكل أمته؛ أهل المدينة والقادمين إليها، وكذلك نهيه عن اتخاذ القبور مساجد وخبره بأن غضب الله اشتدّ على من فعل ذلك هو متناول للجميع، وكذلك دعاؤه بأن لا يتّخذ قبره وثنا عام. وما ذكره من أن الغرباء قصدوا لذلك تعليقا على العلة ضد مقتضاها، فإن القصد لذلك منهيّ عنه، كما صرّح به مالك وجمهور أصحابه، وكما نهى عنه وليس بقربة وإذا كان منهيا عنه لم يشرع الإعانة عليه، وكذلك إذا لم يكن قربة.
وابن عمر رضي الله عنهما لم يكن يسافر إلى المدينة لأجل القبر بل المدينة وطنه، وكان يخرج عنها لبعض الأمور ثم يرجع إلى وطنه، فيأتي المسجد فيصلي فيه ويسلّم، فأما السفر لأجل القبور فلم يعرف عن أحد من الصحابة؛ بل ابن عمر كان يقدم إلى بيت المقدس فلا يزور قبر الخليل. وكذلك أبوه عمر ومن معه من المهاجرين والأنصار قدموا إلى بيت المقدس ولم يذهبوا إلى قبر الخليل، وسائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس لم يعرف عن أحد منهم أنه سافر إلى قبر الخليل ولا غيره، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر كما تقدم.
وما كان قربة للغرباء فهو قربة لأهل المدينة كإتيان قبور الشهداء وأهل البقيع، وما لم يكن قربة لأهل المدينة لم يكن لغيرهم؛ كاتخاذ بيته عيدا واتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا، وكالصلاة إلى الحجرة والتمسح بها وإلصاق البطن بها والطواف بها، وغير ذلك مما يفعله جهال القادمين فإن هذا بإجماع المسلمين ينهى عنه الغرباء كما نهي عنه أهل المدينة، ينهون عنه صادرين وواردين باتفاق المسلمين، وبالجملة فجنس الصلاة والسلام عليه والثناء عليه ونحو ذلك مما استحبه بعض العلماء عند القبر الواردين أو الصادرين هو مشروع في مسجده وسائر المساجد.
وأما ما كان سؤالا له فهذا لم يستحبه أحد من السلف لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم. ثم بعض من يستحب هذا من المتأخرين يدعونه مع الغيب، فلا يختص هذا
عندهم بالقبر، وأما نفس داخل بيته عند قبره فلا يمكن أحدا الوصول إلى هناك، ولم يشرع هناك عمل يكون هناك أفضل منه في غيره، ولو شرع لفتح باب الحجرة للأمة، بل قد قال:«لا تتخذوا بيتي عيدا وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» . وقد تقدم ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن عبد العزيز الدراوردي، عن سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فناداني فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلّمت على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: إذا دخل المسجد فسلّم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا ولا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلّوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» . ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء.
وكذلك سائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس وغيرها من الشام؛ مثل معاذ بن جبل، وأبي عبيدة بن الجراح، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء. وغيرهم لم يعرف عن أحد منهم أنه سافر لقبر من القبور التي بالشام لا قبر الخليل ولا غيره، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر، وكذلك الصحابة الذين كانوا بالحجاز والعراق وسائر البلاد كما قد بسط في غير هذا الموضع. وروى سعيد بن منصور في سننه أن رجلا كان ينتاب قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب: يا هذا؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا قبري عيدا وصلّوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني» . فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء.
فإن قيل: الزائر في الحياة إنما أحبه الله لكونه يحبه في الله، والمؤمنون يحبون الرسول أعظم، وكذلك يحبون سائر الأنبياء والصالحين، فإذا زاروهم أثيبوا على هذه المحبة.
قيل: حب الرسول من أعظم واجبات الدين. وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان؛ من كان الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، ومن كان يحبّ المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» «1» .
وفي الحديث الصحيح، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» «2» . وفي البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر فقال: يا رسول الله؛ لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا والذي نفسي بيده؛ حتى أكون أحبّ إليك من نفسك» . فقال له عمر: إنه الآن والله لأنت إليّ أحب من نفسي. قال: «الآن يا عمر» «3» . وتصديق هذا في القرآن في قوله: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ
(1) تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجهما.
(3)
تقدم تخريجهما.
مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب: 6] وفي قوله: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ [التوبة: 24] الآية. وقال: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: 22] إلى قوله: بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: 22].
وفي صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب: 6] وأما من مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه» «1» . وفي حديث آخر: «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به» «2» .
لكن حبّه وطاعته وتعزيره وتوقيره، وسائر ما أمر الله به من حقوقه؛ مأمور به في كل مكان، لا يختص بمكان دون مكان، وليس من كان في المسجد عند القبر بأولى بهذه الحقوق ووجوبها عليه ممن كان في موضع آخر.
ومعلوم أن زيارة قبره كالزيارة المعروفة للقبور غير مشروعة ولا ممكنة. ولو كان في زيارة قبره عبادة زائدة للأمة لفتح باب الحجرة ومكّنوا من فعل تلك العبادة عند قبره، وهم لم يمكّنوا إلا من الدخول إلى مسجده. والذي يشرع في مسجده
(1) أخرجه البخاري (2399، 4781).
(2)
أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخه» (4/ 369) والبغوي في «شرح السنة» (1/ 212 - 213/ 104) وابن أبي عاصم في «السنة» (15) وابن بطة في «الإبانة» - الكتاب الأول- (1/ 387 - 388/ 279) وأبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام وأهله» (2/ 254 - 255/ 320) والحسن بن سفيان النسوي في «الأربعين» رقم (9) وأبو القاسم الأصبهاني في «الحجة في بيان المحجة» (1/ 251/ 103) والبيهقي في «المدخل» (209) والسّلفي في «معجم السفر» (1265) - الفكر- وابن الجوزي في «ذم الهوى» (ص 22 - 23) - العلمية-.
من طريق: نعيم بن حماد، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص به مرفوعا. وإسناده ضعيف.
نعيم بن حماد: «صدوق يخطئ كثيرا» وقد تفرّد به، واختلف فيه عليه؛ فمرة يرويه عبد الوهاب عن هشام. ومرة يقول: حدّثنا بعض مشايخنا أو مشيختنا- هشام أو غيره .. وعبد الوهاب الثقفي؛ قال ابن سعد: «كان ثقة، وفيه ضعف» . ووثقه ابن حبان وغيره. قلت: والحديث صحّحه الحافظ النووي في «الأربعين النووية» .
وقال الحافظ في «الفتح» (13/ 302): «أخرجه الحسن بن سفيان، ورجاله ثقات، وقد صحّحه النووي في آخر الأربعين» .
وليس كما قالا؛ فالحديث معلّ.
وقد تكلم الحافظ النقّاد ابن رجب الحنبلي- رحمه الله على علل الحديث بما فيه الكفاية في «جامع العلوم والحكم» (ص 724 - 725) - ابن الجوزي- و (2/ 394 - 395) - الرسالة-. وقال: «صحيح هذا الحديث بعيد جدا في وجوه .. » ثم ذكرها، فانظره لزاما. والحديث ضعفه المحدث الألباني في «المشكاة» (167) وفي «ظلال الجنة» (15).
يشرع في سائر المساجد، لكن مسجده أفضل من سائرها غير المسجد الحرام على نزاع في ذلك، وما يجده المسلم في قلبه من محبّته والشوق إليه، والأنس بذكره، وذكر أحواله، فهو مشروع له في كل مكان، وليس في مجرد زيارة ظاهر الحجرة ما يوجب عبادة لا تفعل بدون ذلك، بل نهى عن أن يتّخذ ذلك المكان عيدا وأن يصلّى عليه حيث كان العبد، ويسلّم عليه، فلا يخصّ بيته وقبره لا بصلاة عليه ولا بسلام عليه، فكيف بما ليس كذلك؟ وإذا خصّ قبره بذلك صار ذلك في سائر الأمكنة دون ما هو عند قبره ينقص حبه وتعظيمه وتعزيره وموالاته والثناء عليه عند غير قبره، كما يفعل عند قبره كما يجده الناس في قلوبهم إذا رأوا من يحبونه ويعظّمونه يجدون في قلوبهم عند قبره مودة له ورحمة ومحبة أعظم مما يكونون بخلاف ذلك.
والرسول هو الواسطة بينهم وبين الله في كل مكان وزمان، فلا يؤمرون بما يوجب نقص محبتهم وإيمانهم في عامة البقاع والأزمنة، مع أن ذلك لو شرع لهم لأشغلوا بحقوقهم عن حقّه، واشتغلوا بطلب الحوائج منه كما هو الواقع، فيدخلون في الشرك بالخالق وفي ترك حق المخلوق. فينقض تحقيق الشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وأما ما شرعه لهم من الصلاة والسلام عليه في كل مكان، وأن لا يتخذوا بيته عيدا ولا مسجدا، ومنعهم من أن يدخلوا إليه ويزوروه كما تزار القبور؛ فهذا يوجب كمال توحيدهم للرب، وكمال إيمانهم بالرسول ومحبته وتعظيمه، حيث كانوا واهتمامهم بما أمروا به من طاعته، فإن طاعته هي مدار السعادة وهي الفارقة بين أولياء الله وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار، فأهل طاعته هم أولياء الله المتقون وجنده المفلحون وحزبه الغالبون، وأهل مخالفته ومعصيته بخلاف ذلك «1» . والذين يقصدون الحج إلى قبره وقبر غيره ويدعونهم ويتخذونهم أندادا؛ هم من أهل معصيته ومخالفته، لا من أهل طاعته وموافقته، فهم في هذا الفعل من جنس أعدائه لا من جنس أوليائه. وإن ظنوا أن هذا من موالاته ومحبته، كما يظن النصارى أن ما هم عليه من الغلوّ في المسيح والشّرك به من جنس محبته وموالاته.
وكذلك دعاؤهم للأنبياء والموتى؛ كإبراهيم وموسى وغيرهما، ويظنون أن هذا من محبتهم وموالاتهم، وإنما هو من جنس معاداتهم. ولهذا يتبرّءون منهم يوم القيامة، وكذلك الرسول يتبرأ ممن عصاه، وإن كان قصده تعظيمه والغلو فيه. قال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214] إلى قوله: تَعْمَلُونَ [الشعراء: 216].
(1) وانظر في ذلك «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» للمصنف- رحمه الله تعالى-.
فقد أمر الله المؤمنين أن يتبرءوا من كل معبود غير الله ومن كل من عبده، قال تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: 4].
وكذلك سائر الموتى ليس في مجرد رؤية قبورهم ما يوجب لهم زيادة المحبة إلا لمن عرف أحوالهم بدون ذلك فيتذكر أحوالهم فيحبهم، والرسول يذكر المسلمون أحواله ومحاسنه وفضائله وما منّ الله به عليه ومنّ به على أمته، فبذلك يزداد حبهم له وتعظيمهم له لا بنفس رؤية القبر، ولهذا تجد العاكفين على قبور الأنبياء والصالحين من أبعد الناس عن سيرتهم ومتابعتهم. وإنما قصد جمهورهم التأكّل والترؤس بهم، فيذكرون فضائلهم ليحصل لهم بذلك رئاسة أو مأكلة، لا ليزدادوا لهم حبا وخيرا. وفي مسند الإمام أحمد وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن من شرار النّاس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتّخذون القبور مساجد» «1» .
وما ذكره هذا من فضائله فبعض ما يستحقه صلى الله عليه وسلم، والأمر فوق ما ذكره أضعافا مضاعفة، لكن هذا يوجب إيماننا به، وطاعتنا له، واتباع سنته، والتأسي به والاقتداء،
(1) أخرجه أحمد (1/ 405، 435) وابن أبي شيبة في «مصنفه» (4/ 140) وابن حبان في «صحيحه» (15/ 260 - 261/ 6847) والطبراني في «المعجم الكبير» (10/ رقم: 10413) والبزار (4/ 151/ 3420) - كشف- وابن خزيمة في «صحيحه» (789) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (1/ 142).
من طريق: زائدة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود مرفوعا. وإسناده حسن.
عاصم بن أبي النجود؛ روى له البخاري ومسلم مقرونا، فحديثه حسن.
وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين.
والحديث علّقه البخاري في «صحيحه» رقم (7067) قال: «وقال أبو عوانة: عن عاصم
…
» فذكره.
وأخرجه أحمد (1/ 454) والبزار (4/ 151/ 2421) من طريق: قيس بن الربيع الأسدي، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن عبيدة السلماني، عن ابن مسعود به. وهو حسن بما قبله كما قال الشيخ الألباني.
والحديث قال عنه الهيثمي في «المجمع» (2/ 27): «رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن» .
وقال أيضا (8/ 13): «رواه البزار بإسنادين في أحدهما عاصم بن بهدلة، وهو ثقة وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح» .
وفاته عزو الحديث لأحمد في الموضعين.
وقال شيخ الإسلام في «اقتضاء الصراط المستقيم» (2/ 674): «إسناده جيد» .
وقال المحدث أحمد شاكر- رحمه الله في تحقيقه على «المسند» (3844): «إسناده صحيح» !
وإنما هو حسن الإسناد.
وحسن إسناده الألباني في «تحذير الساجد» (ص 19) و «أحكام الجنائز» (ص 278).
ومحبتنا له، وتعظيمنا له، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، ومتابعة سنته، فإذا هذا هو طريق النجاة والسعادة، وهو سبيل الخلق ووسيلتهم إلى الله تعالى. ليس في هذا ما يوجب معصيته ومخالفة أمره، والشرك بالله، واتباع غير سبيل المؤمنين السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان. وهو قد قال:«لا تشد الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد» .
وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، يحذّر ما فعلوا. وقال:
«لا تتخذوا قبري عيدا وصلّوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني» . وقال: «خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ بدعة ضلالة» رواه مسلم «1» . وقال: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كلّ بدعة ضلالة» «2» رواه أهل السنن، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. إلى غير ذلك من الأدلة التي تبين أن الحجّاج إلى قبورهم من المخالفين للرسول صلى الله عليه وسلم الخارجين عن شريعته وسنته، لا من الموافقين له المطيعين له، كما بسط في غير هذا الموضع.
(1) في «صحيحه» رقم (868).
(2)
أخرجه أحمد (4/ 126 - 127) وأبو داود (4607) وابن بطة في «الإبانة» (1/ 305/ 142) وابن حبان (1/ 187/ 5) والدارمي في «سننه» (1/ 57/ 95) والآجري في «الشريعة» (1/ 171/ 92، 93) وابن أبي عاصم في «السنة» (32).
من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عمر السّلمي وحجر بن حجر الكلاعي، عن العرباض بن سارية مرفوعا.
وأخرجه أحمد (4/ 126) والترمذي (2678) وابن ماجه (43) والطبراني في «المعجم الكبير» (18/ رقم: 617) والحاكم (1/ 96) والآجري في «الشريعة» (1/ 172/ 94) وابن أبي عاصم في «السنة» (33).
من طريق: معاوية بن صالح، عن صخرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السّلمي، عن العرباض بن سارية به مرفوعا.
والحديث صحيح كما قال الحاكم، ووافقه عليه الذهبي. وصححه الألباني في «الصحيحة» رقم (937).