الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل [بداية الرد على المعترض]
فيقال: هذا الكلام مع قلته فيه من الكذب الباطل، والافتراء ما يلحق صاحبه بالكذّابين المردودي الشهادة، أو الجهال البالغين في نقص الفهم والبلادة. وكان ينبغي له أن يحكي لفظ المجيب بعينه ويبين ما فيه من الفساد، وإن ذكر معناه فيسلك طريق الهدى والسداد. فأما أن يذكر عنه ما ليس فيه ولا يذكر ما فيه فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم. وذلك أن الجواب ليس فيه تحريم زيارة القبور البتة، لا قبور الأنبياء والصالحين ولا غيرهم، ولا كان السؤال عن هذا، وإنما فيه الجواب عن السفر إلى القبور، وذكر قوليّ العلماء في ذلك.
والمجيب قد عرفت كتبه، وفتاويه مشحونة باستحباب زيارة القبور، وفي جميع مناسكه، يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد، ويذكر زيارة قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا دخل مسجده، والأدب في ذلك، وما قاله العلماء، وفي نفس الجواب قد ذكر ذلك ولم يذكر قط أن زيارة القبور معصية، ولا حكاه عن أحد، بل كان يعتقد حين كتب هذا الجواب؛ أن زيارة القبور مستحبّة بالإجماع، ثم رأى بعد ذلك فيها نزاعا وهو نزاع مرجوح، والصحيح أنها مستحبة، وهو في هذا الجواب إنما ذكر القولين في السفر إلى القبور، وذكر أحد القولين أن ذلك معصية، ولم يقل إن هذا معصية محرمة مجمع عليها، لكن قال: إذا كان السفر إليها ليس للعلماء فيه إلا قولان: قول من يقول إنه معصية، وقول من يقول إنه ليس بمحرّم؛ بل لا فضيلة فيه وليس بمستحب، فإذن من اعتقد أن السفر لزيارة قبورهم أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أن ذلك طاعة كان ذلك محرما بالإجماع. فهذا الإجماع حكاه لأن علماء المسلمين الذين رأينا أقوالهم اختلفوا في قوله: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام،
ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» «1» . هل هو تحريم لذلك أو نفي لفضيلته على قولين، وعامة المتقدمين على الأول مع اتفاقهم على أن هذا يتناول السفر إلى القبور.
فإن الصحابة والتابعين والأئمة لم يعرف عنهم نزاع في أن السفر إلى القبور وآثار الأنبياء داخل في النهي، كالسفر إلى الطور الذي كلّم الله عليه موسى وغيره، وإن كان الله سمّاه الوادي المقدّس وسمّاه البقعة المباركة ونحو ذلك، فلم يعرف عن الصحابة نزاع أن هذا وأمثاله داخل في نهي النبيّ صلى الله عليه وسلم عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، كما لم يعرف عنهم نزاع أن ذلك منهيّ عنه، وأن قوله:«لا تشدّ الرحال» نهي بصيغة الخبر، كما قد جاء في الصحيح بصيغة النهي، من حديث أبي سعيد الخدريّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا تشدّوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» «2» . فالصحابة ومن تبعهم لم يعرف عنهم نزاع أن هذا نهي منه، فإن لفظه صلى الله عليه وسلم صريح في النهي، ولم يعرف عنهم نزاع أن النهي متناول للسفر إلى البقاع المعظمة غير المساجد، سواء كان النهي عنها بطريق فحوى الخطاب، وأنه إذا نهى عن السفر إلى مسجد غير الثلاثة؛ فالنهي عن السفر إلى ما ليس بمسجد أولى، أو كان بطريق شمول اللفظ، فالصحابة الذين رووا هذا الحديث بينوا عمومه لغير المساجد، كما في الموطأ والمسند والسنن عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة:
من أين أقبلت؟ قال: من الطّور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج لما خرجت.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تعمل المطيّ إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، وإلى مسجد إيليا» ، أو قال:«بيت المقدس» «3» . وقال أبو زيد عمر بن شبّة النميري «4» ، في كتاب «أخبار المدينة النبوية» «5»: حدّثنا هشام بن عبد الملك، حدّثنا عبد الحميد بن بهرام، حدّثنا شهر بن حوشب، سمعت أبا سعيد
(1) حديث صحيح متواتر، مروي عن جمع من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وغيرهم.
وانظر تخريج الحديث في «إرواء الغليل» (773).
(2)
أخرجه البخاري (1188، 1197، 1864، 1995) ومسلم (827) من حديث أبي سعيد الخدري.
(3)
أخرجه مالك في «الموطأ» 5 - كتاب الجمعة. (7) باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة (1/ 68/ 16) وأحمد (6/ 7) والنسائي (3/ 114) بإسناد صحيح.
(4)
هو: عمر بن شبّة بن زيد النميري البصري، نزيل بغداد، ولد سنة ثلاث وسبعين ومائة، وتوفي سنة اثنتين وستين ومائتين.
كان من رواة التاريخ والحفاظ للحديث. انظر «تاريخ بغداد» (11/ 208) و «سير أعلام النبلاء» (12/ 369).
(5)
هذا هو الصواب في اسم الكتاب، لا كما جاء على لوحة الكتاب المطبوع «تاريخ المدينة» وقد حقّق هذا الشيخ بكر أبو زيد في «طبقات النسابين» ص 66. والشيخ مشهور بن حسن آل سلمان في «كتب حذر منها العلماء» (1/ 57).
الخدريّ؛ وذكر عنده الصلاة في الطول فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينبغي للمطيّ أن تشدّ رحالها إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» «1» . فهذا فيه أنه رواه بلفظ مسجد، وبيّن أن النهي متناول للطور وإن لم يكن مسجدا بطريق الأولى، فإن الذين يقصدون الطور ومثله لا يقصدونه لأنه مسجد، بل ولم يكن هناك قرية يتخذ المسلمون فيها مسجدا، وبناء المسجد حيث لا يصلّى فيه بدعة، وإنما يقصدونه لشرف البقعة، فعلم أن النهي عن المساجد نهي عن غيرها بطريق الأولى. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«أحبّ البقاع إلى الله المساجد» «2» . فإذا كان قد حرم السفر إلى أحبّ البقاع إلى الله، غير الثلاثة؛ فما دونها في الفضيلة أولى أن ينهى عنه كما قال الصحابة، ومنهم أيضا ابن عمر.
قال أبو زيد: حدّثنا ابن أبي الوزير، حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق، عن قزعة قال: أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور. فقال: «إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى، فدع عنك الطور فلا تأته» .
لكن طائفة من المتأخرين قالوا: ليس هذا نهيا بل هو نفي لاستحباب السفر إلى غير الثلاثة ونفي لوجوب السفر بالنذر إلى غير الثلاثة. وهؤلاء يقولون: إن الحديث عام في السفر إلى قبور الأنبياء وآثارهم وغير ذلك.
وقال ابن حزم الظاهري: السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة حرام. وأما السفر إلى آثار الأنبياء فذلك مستحبّ، ولأنه ظاهريّ لا يقول بفحوى الخطاب وهو إحدى الروايتين عن داود الظاهري؛ فلا يقول إن قوله: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ [الإسراء: 23] يدل على النهي عن الضرب والشتم، ولا أن قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء: 31]. يدل على تحريم القتل مع الغنى واليسار، وأمثال ذلك مما يخالفه فيه عامة علماء المسلمين، ويقطعون بخطإ من قال مثل ذلك، فينسبونه إلى عدم الفهم ونقص العقل، ومع هذا فلم أجده ذكر ذلك إلا في آثار الأنبياء لا في القبور.
وأما السفر إلى مجرد زيارة القبور؛ فما رأيت أحدا من علماء المسلمين قال إنه مستحب، وإنما تنازعوا هل هو منهي عنه أو مباح، وهذا الإجماع والنزاع لم يتناول المعنى الذي أراده العلماء بقولهم: يستحبّ زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا إطلاق القول بأنه
(1) الحديث أخرجه أحمد (3/ 64، 93) من طريق: عبد الحميد بن بهرام الحماني، حدّثني شهر بن حوشب، قال: سمعت أبا سعيد الخدري .. وذكره.
وإسناده ضعيف، عبد الحميد الحماني وشهر بن حوشب فيهما كلام. لكن الحديث له شواهد يصحّ بها، انظرها في «إرواء الغليل» (773).
(2)
أخرجه مسلم (671) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» .
يستحب السفر لزيارة قبره كما هو موجود في كلام كثير منهم، فإنهم يذكرون الحج ويقولون يستحب للحاج أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
ومعلوم أن هذا إنما يمكن مع السفر، لم يريدوا بذلك زيارة القريب، بل أرادوا زيارة البعيد، فعلم أنهم قالوا يستحب السفر إلى زيارة قبره؛ لكن مرادهم بذلك هو السفر إلى مسجده، إذ كان المصلون والزوار لا يصلون إلا إلى مسجده لا يصل أحد إلى قبره ولا يدخل إلى حجرته.
ولكن قد يقال: هذا في الحقيقة ليس زيارة لقبره، ولهذا كره من كره من العلماء أن يقال زرت قبره، ومنهم من لم يكرهه. والطائفتان متّفقون على أنه لا يزار قبره كما تزار القبور بل إنما يدخل إلى مسجده. وأيضا فالنية في السفر إلى مسجده وزيارة قبره مختلفة. فمن قصد السفر إلى مسجده للصلاة فيه فهذا مشروع بالنص والإجماع، وإن كان لم يقصد إلا القبر، لم يقصد المسجد فهذا مورد النزاع، فمالك والأكثرون يحرمون هذا السفر، وكثير من الذين يحرمونه لا يجوّزون قصر الصلاة فيه. وآخرون يجعلونه سفرا جائزا وإن كان غير مستحب ولا واجب بالنذر.
وأما من كان قصده السفر إلى مسجده وقبره معا فهذا قد قصد مستحبا مشروعا بالإجماع، وهذا لم يكن في الجواب تعرض لهذا والجواب في السؤال كان عمن سافر لا يقصد إلا زيارة القبور لا يقصد سفرا شرعيا كالسفر إلى مكة وإلى مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى. ولم يكن السؤال ولا الجواب عمّن سافر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وإن قصد مع ذلك السفر إلى قبره، فإن هذا لم تجمع العلماء على أنه سفر غير مستحب، بل أصحاب أحمد لهم في- المسافر إلى القبور هل يقصر الصلاة- أربعة أوجه: قيل: يقصر مطلقا، وقيل: لا يقصر مطلقا، وقيل: لا يقصر إلا إلى قبر نبينا صلى الله عليه وسلم، وقيل: إلى قبور الأنبياء مطلقا.
فهذان الوجهان من لم يعرفهما تخبّط في هذه المسائل، فيعرف العمل الممكن المشروع والقصد في ذلك ليظهر له الفرق بين الرسول وبين غيره من جهة الفعل والقصد، فإن السفر المسمى زيارة له إنما هو سفر إلى مسجده.
وقد ثبت بالنص والإجماع أن المسافر ينبغي له أن يقصد السفر إلى مسجده والصلاة فيه، وعلى هذا قد يقال: نهيه عن شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة لا يتناول شدها إلى قبره، فإن ذلك غير ممكن، فلم يبق إلا شدها إلى مسجده، وذلك مشروع بخلاف غيره، فإنه يمكن زيارته فيمكن شد الرحل إليه، لكن يبقى قصد المسافر ونيته ومسمى الزيارة في لغته، هل قصده مجرد القبر أو المسجد أو كلاهما؟
كما قال مالك لمن سأله عمن نذر أن يأتي إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إن كان أراد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فليأته وليصلّ فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء:
«لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد» . فهذا السائل من عرفه أن لفظ زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم يتناول من أتى المسجد وكان قصده القبر ومن أتاه وقصده المسجد، وهذا عرف عامة الناس المتأخرين يسمون هذا كله زيارة لقبره، ولم يكن هذا لغة السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، بل تغير الاصطلاح في مسمى اللفظ والمقصود به، وهو صلى الله عليه وسلم لا يشرع للقريب من زيارته ما نهى عنه المسافر الذي يشدّ الرحل بخلاف غيره، فلا يقال: إن زيارته بلا شدّ رحل مشروعة ومع شد الرحل منهي عنها، كما يقال في سائر المشاهد وفي قبور الشهداء وغيرهم من أموات المسلمين، إذ لم يشرع للمقيمين بالمدينة من زيارته ما ينهى عنها المسافرون، بل جميع الأمة مشتركون فيما يؤمرون به من حقوقه حيث كانوا، بل قد قيل: إن الأمر بالعكس، وإنه يستحب للمسافر من السلام عليه والوقوف على قبره ما لا يستحب لأهل البلد، وإذا كان لا يمكن إلا العبادة في مسجده، فهذا مشروع لمن شدّ الرحل، ومن لم يشده تبقى النية كما ذكر مالك، وهذه النية التي يقصد صاحبها القبر دون المسجد قد نص مالك وغيره على أنها مكروهة لأهل المدينة قصدا وفعلا فيكره لهم كلما دخلوا المسجد أو خرجوا منه أن يأتوا القبر. وقد ذكر مالك أن هذا بدعة لم يبلغه عن أحد من السلف ونهى عنها، وقال:«لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها» . فالذي يقصد مجرد القبر ولا يقصد المسجد خالف الحديث والإجماع، فإنه قد ثبت عنه في الصحيح أن السفر إلى مسجده مستحب وأن الصلاة فيه بألف صلاة «1» . واتّفق المسلمون على ذلك وعلى أن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام. وقال بعضهم إنه أفضل من المسجد الحرام، ومسجده يستحب السفر إليه، والصلاة فيه مفضّلة لخصوص كونه مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بناه هو وأصحابه وكان يصلّي فيه هو وأصحابه، فهذه الفضيلة ثابتة للمسجد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يدفن في حجرة عائشة، وكذلك هي ثابتة بعد موته، ليست فضيلة المسجد لأجل مجاورة القبر، كما أن المسجد الحرام مفضّل لا لأجل قبر؛ وكذلك المسجد الأقصى مفضّل لا لأجل قبر؛ فكيف لا يكون مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم مفضّل لا لأجل قبر؟
فمن ظنّ أن فضيلته لأجل القبر أو أنه إنما يستحب السفر إليه لأجل القبر، فهو جاهل مفرط في الجهل مخالف لإجماع المسلمين، ولما علم من سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وهذا تنقّص بالرسول وبقوله ودينه، مكذب له فيما قاله، مبطل لما شرعه وإن ظن أنه يعظمه، كما أن النصارى يكذبون كثيرا مما أخبر به المسيح عن ربه عز وجل ودينه، ويظنون أن ذلك تعظيما له ولدينه، وإنما تعظيم الرسل بتصديقهم فيما أخبروا
(1) انظر «صحيح مسلم» رقم (1394).