الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا إخبار بأنَّ بين الأرواح تارة تناسبا باطنيا يوجب الالتئام والتوافق وتارة تباينا يوجب الوحشة والاختلاف بإذن الله تعالى وهو مشاهد مجرب. ومن ثم قال أبو الطيب:
أصدق نفس المرء من قبل جسمه
…
وأعرفها في فعله والتكلم
وقال الآخر:
وقائل لي: لم تفارقتما؟
…
فقلت قولاً فيه إنصافُ
لم يك من شكلي ففارقته
…
والناس أشكالٌ وآلافُ
وقال طرفة في أبيات:
وأنت امرؤ منا ولست بخيرنا
…
جوادٌ على الأقصى وأنت بخيلُ
وأنت على الأدنى شمالٌ عريةٌ
…
شآميةٌ تزوي الوجوه بليل
وأنت على الأقصى صبا غير قرةٍ
…
تذاءب منها ومرزغٌ ومسيلُ
وأعلم علماً ليس بالظن أنه
…
إذا ذل مولى المرء فهو ذليلُ
وأنَّ لسان المرء ما لم يكن له
…
حصاةٌ على عوراته لدليلُ
وأنَّ امرءاً لم يعف يوما فكاهةً
…
لمن لم يرد سوءاً بها لجهولُ
تعارف أرواح الرجال إذا التقت: فمنهم عدوٌ يتقى وخليلُ
وقال المجنون:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا
…
ومن بعدها كنا نطافاً وفي المهدِ
وقال أبن الرومي:
ذو الود مني وذو القربى بمنزلةٍ
…
وأخوتي أسوةٌ عندي لخلانُ
أحبةٌ جاورت آدابهم أدبي
…
فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني
أرواحنا في مكانٍ واحدٍ وغدت
…
أجسامنا بعاقٍ أو خراسانِ
والشعر في هذا المعنى لا يحصى. ومثله المثل الآتي: وافق شنٌ طبقة.
استراح من لا عقل له
.
الاستراحة ضد التعب. تقول: أرحت الرجل فاستراح؛ وإنّما استراح الذي
لا عقل له لأنَّ النفس إذا خليت أخلدت إلى الشهوات الحاضرة ولا تبالي بعزمة وتستنكف عن منقصة كالبهيمة والعقل ينزع بها إلى طلب الكمال والتحلي بالحمد والتخلي عما يذم. وفي ذلك أتعابهاً لجسمها عن مألوفها المستذل واقتحام الأخطاء بها لاكتساب الثناء والفضل وإطالة الهموم والأفكار عليها نظراً في عواقب الأمور واحترازا عما يشين ويضير. وليس قال الحماسي:
يا بؤس للحرب التي
…
وضعت أراهط فاستراحوا!
وقال الآخر:
وقائلةٍ: لم عركت الهموم
…
وأمرك ممتثل في الأمم؟
فقلت: ذريني على حالتي
…
فإنَّ الهموم بقدر الهمم!
وسمع الأحنف رجلا يقول: ما أبالي أمدحت أم هجيت! فقال: استرحت من حيث تعب الكرام! ومما ورد في العقل وفضله أنَّ أدم لمّا أهبط إلى الأرض خير في ثلاث: الحياء والدين والعقل. فاختار العقل: الحياء والدين أمران أن لا تفارق العقل.
وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ثلاث من حرمهن فقد حرم خير الدنيا والآخرة: عقل يداري به الناس وحلم يداري به السفيه وورع يحجزه عن المحارم.
وفي حكمة داود عليه السلام: على العقل أن يكون عارفا بزمانه مالكا للسانه مقبلا على شأنه.
وقال علي رضي الله عنه: لا مال أعود من العقل ولا فقر أشد من الجهل ولا وحدة أوحش من الجهل ولا مظاهر أحسن من المشاورة ولا حسب كحسب الخلق.
وقال مطرف بن الشخير: عقول الناس على قدر أزمانهم.
ويقول: ثلاثة تدل على عقول أهلها: الكتاب والرسول والهدية.
وذكر المغيرة يوما عمر فقال: كان والله أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع.
وفي كتاب كلية ودمنة: رأس العقل التمييز بين الكائن والممتنع.
وقال الحجاج يوما: العاقل من يعرف عيبه. فقال له عبد الملك بن مروان: فما عيبك يا حجاج؟ قال: حسود حقود. فقال عبد الملك: ما في إبليس شر من هاتين! ويقال: لا دين لمن لا عقل له.
وقال علي رضي الله عنه: لا تؤاخ الأحمق ولا الفاجر. أما الأحمق فدخوله عليك وخروجه من عندك شين، وأما الفاجر فيزين لك فعله ويود أنَّ تكون مثله.
وقال أيوب بن القرية إنَّ نطق أصاب، وإنَّ سئل أجاب؛ والأحمق إنَّ تكلم عجل، وإنَّ سئل ذهل. والفاجر إنَّ ائتمنته خانك، وإنَّ صحبته شانك.
وقال عمر بن عبد العزيز: لا يعدم الأحمق خصلتين: كثرة الالتفات وسرعة الجواب. وقال الحسن: هجر الأحمق قربة. وقال: لا يتم دين امرئ حتى يتم عقله. وفي الحكمة: ينبغي للعاقل أنَّ يتمسك بست خصال: أن يحوط دينه، ويصون عرضه، ويصل رحمه، ويحفظ جاره، ويرعى إخوانه، ويخزن عن البذاء لسانه. ويقال: الفقر بالعقل، والرزق بالجهل.
ويحكى إنّه قيل لعيسى عليه السلام: يا روح الله، تبرئ ألاكمه والأبرص وتحيي الموتى، فما دواء الأحمق؟ قال: ذلك أعياني! وكان كسرى إذا غضب على عاقل سجنه مع جاهل.
وقال سهل بن هارون: ثلاثة من المجانين، وإنَّ كانوا عقلاء: الغضبان، والغرثان والسكران. وفي الخبر: العاقل إنَّ تكلم غنم، وإنَّ سكت سلم.
ومما ينسب لعلي رضي الله عنه:
يقاس المرء بالمرء
…
إذا المرء ما شانه
فلا تصحب أخا الجاهل
…
وإياك وإياه
فكم من جاهلٍ أردى
…
حليما حين أخاه
وللشيء على الشيء
…
نظائر وأشباه
وللقلب على القلب
…
دليل حين يلقاه