الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ) والمحاجة أن تكون مناظرة، ويقدم كل واحد من المتناظرين حجته ويدلي ببرهانه، وقد عجب إبراهيم - عليه الصلاة السلام - أن يحاجوه في الله تعالى منكرين له، وقال:(أَتُحَاجُّونِّي فِى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ). والاستفهام إنكاري لإنكار الواقعِ، وإنكار الواقع توبيخ، فهو يوبخهم ويؤيسهم من نتيجة المحاجة فيقول (وَقَدْ هَدانِ) أي أنه لَا مطمع لكم في أن أعود إلى عبادة الأصنام وقد هداني الله تعالى ووفقنى لأن أدرك أنه وحده المعبود بحق، ولا معبود سواه.
وتدل الآية الكريمة على أن أوهامهم زينت لهم أن أصنامهم قادرة على إنزال الأذى فخوفوه من الأذى، وقد ذكر سبحانه وتعالى محاجتهم لإبراهيم عليه السلام في مواضع من كتابه العزيز، فقد قال تعالى:(قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56).
وجاء في محاجتهِم: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
(80)
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82).
هذه عبارات من المحاجة التي أثبت بها أنه سبحانه وتعالى هداه، ولا يصح أن يتوهموا أنه يعود إليهم بعد أن هداه الله وقد هددوه بأن تصيبه آلهتهم بأذى رجاء أن يخاف ويسكت عن أصنامهم فحطمها، وجعلها جذاذا إلا كبيرها.
ولكنه قد اعتصم بالله تعالى، وهو يرى أنها لَا تضر ولا تنفع، وهكذا نجد العقل والهدى في صدام مع الوهم والضلال؛ ولذا قال لهم في إدراك عقلي مستقيم:
(وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ) أي إنني لم يستول عليّ الوهم كاستيلائه عليكم، فأخاف مما تشركون عبادته مع الله تعالى، فأنا أعلم أنها لَا تضر ولا تنفع، وهي أحجار صماء، تنقل من مكان إلى مكان فكيف أخاف منها، كيف أخاف من حجر لَا يسمع ولا يبصر، تصنعونها بأيديكم وتعبدونها بأوهامكم.
وقد كان إبراهيم حريصا في إجابته، ويخشى أن يصيبه قدر، فيتوهمون أن ذلك من سر آلهتهم، فقطع عليهم عليه السلام أسباب ذلك، وقال مطمئنا إلى قضاء الله تعالى:(إِلَّا أَن يشَاءَ رَبِّى شَيْئًا) هذا استثناء يدل على أمرين: أولهما - تفويضه لله تعالى في كل أموره، وأنه راض بما يقدره الله تعالى له، يتقبل ما يأتي به، وأنه وحده الذي يفعل ما يشاء.
ثانيهما - الرد عليهم في أن أصنامهم تستطيع أن تفعل شيئا، إنما الأمر كله لله وحده، هو الذي يصيب بالضرر إن شاء وهو الذي ينزل الخير من سحائب رضوانه إن شاء.
وأنه قادر على ذلك، وهو القادر وحده، وهو العليم بكل شيء يضع الأمور في مواضعها، لَا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وكل شيء على مقتضى علمه بما كان، وما سيكون، ولذا قال تعالى:(وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) وهو تمييز محول، ومعناه: وسمع علم ربي كل شيء، وفي تأخير التمييز إيهام مؤقت للتشويق، وبذلك يثبت في النفوس علم الله تعالى فضل ثبوت.
وذكره لله تعالى بوصف " ربي " للدلالة على أنه يستشعر معنى الربوبية دائما، فهو الذي رباه، وهو الذي يحميه ويحفظه من كل ضر وسوء، إلا أن يكون ذلك من حكمة أرادها، وهو العليم الخبير.
ثم قال تعالى: (أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) الهمزة للاستفهام، والفاء للإفصاح، والمعنى إذا كان الأمر كله بيد الله تعالى وأن أحجاركم لَا تنفع ولا تضر، أفلا