المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الرابع: حكم الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي، أو قدح في عدالته، أو مضيفة إليه ما لا يليق: - الإصابة في الذب عن الصحابة - رضي الله عنهم -

[عبد الهادي العمري]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع

- ‌الباب الأولفضائل الصحابة، وخطورة سبهم رضي الله عنهم

- ‌الفصل الأولفضل الصحابة رضي الله عنهم

- ‌المبحث الأول: فضائل الصحابة في القرآن الكريم:

- ‌المبحث الثانيفضائل الصحابة رضي الله عنهم في السنة النبوية المطهرة

- ‌الفصل الثانيسبّ الصحابة رضي الله عنهم

- ‌المبحث الأولحكم سب أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أجمعين

- ‌المبحث الثانيسبّ بقية الصحابة رضي الله عنهم

- ‌الفصل الثالثمسائل متممة (شبهات وردود)

- ‌المبحث الأول: في حقيقة مسمى الصحبة:

- ‌المبحث الثاني: عدالة الصحابة:

- ‌المبحث الثالث: التفضيل بين الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم:

- ‌المبحث الرابع: حكم الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي، أو قدح في عدالته، أو مضيفة إليه ما لا يليق:

- ‌الباب الثانيالدفاع عن الصحابة رضي الله عنهم

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: دفاع الله سبحانه وتعالى عن أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الثانيدفاع النبي صلى الله عليه وسلم عن أصحابه رضي الله عنهم

- ‌المبحث الثالثدفاع الصحابة عن أعراض بعضهم البعض

- ‌المبحث الرابعبعض المخلوقات المسخرة للدفاع عن الصحابة رضي الله عنهم

- ‌الخاتمة

- ‌التوصيات:

- ‌المراجع

الفصل: ‌المبحث الرابع: حكم الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي، أو قدح في عدالته، أو مضيفة إليه ما لا يليق:

(خير القرون قرني).

وأما ما قيل عنه: بأنه ليس على عمومه بدليل: ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول، وبأنه قد جمع قرنه جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان، وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود (1)

أجيب عنه: بأن هذا الحديث أصل في تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهو محمول على الغالب والأكثرية (2) إذ لا يخلو قرن ومجتمع من مثل هذه الأفعال ولكنها قليلة بالنسبة لغيرها من القرون.

‌المبحث الرابع: حكم الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي، أو قدح في عدالته، أو مضيفة إليه ما لا يليق:

مما يتمسك به المنتقصون والطاعنون في جناب الصحابة الكرام رضي الله عنهم ظواهر بعض الأحاديث التي يفهم منها ما لا يليق بهم رضي الله عنهم ولذا فإن مذهب الأئمة في هذا الباب ما يلي:

قال الإمام المازري:

مذهب أفاضل العلماء أن ما وقع من الأحاديث القادحة في عدالة بعض الصحابة والمضيفة إليهم ما لا يليق بهم، فإنها ترد ولا تقبل إذا كان

(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 4/ 170

(2)

ابن حجر: مرجع سابق: 7/ 10

ص: 214

رواتها غير ثقات، فإن أحب بعض العلماء تأويلها قطعاً للشغب ترك ورأيه، وإن رواها الثقات تأولت على الوجه اللائق بهم إذا أمكن التأويل، ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله، ولا بدّ أن نتأول قول معاوية حينما قال لسعد كما في صحيح مسلم (ما منعك أن تسب أبا تراب) فنقول: ليس فيه تصريح بأنه أمره بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، وقد يسأل عن مثل هذا السؤال من يستجيز سب المسؤول عنه، ويسأل عنه من لا يستجيزه، وقد يكون معاوية رأى سعداً بين قوم يسبونه ولا يمكن الإنكار عليهم فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب، لتستخرج منه مثل ما استخرج مما حكاه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون له حجة على من يسب، حتى ينضاف إليه من غوغاء عنده فيحصل على المراد على لسان غيره من الصحابة، ولو لم نسلك هذا المسلك وحملنا عليه أنه قصد ضد هذا مما تثيره الموجدة، ويقع في حين الحنق، لأمكن أن يريد السب الذي هو بمعنى التفنيد للمذهب والرأي، وقد يسمى ذلك في العرف سباً، وقال: فمن الممكن أن يريد معاوية من سعد بقوله (ما منعك أن تسب أبا تراب) أي تظهر للناس خطأه في رأيه، وأن رأينا وما نحن عليه أسد وأصوب، هذا مما لا يمكن أحد أن يمنع من احتمال قوله له، وقد ذكرنا ما يمكن أن يحمل عليه قوله ورأيه فيه جميل أو غير جميل في هذين الجوابين بمثل هذا المعنى ينبغي أن يسلك فيما وقع من أمثال هذا (1)

(1) المازري: المعلم بفوائد مسلم: 3/ 141

ص: 215

وقال الإمام النووي: قال العلماء: الأحاديث الواردة التي ظاهرها دخل على صحابي، يجب تأويلها، قالوا: ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله، فقول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعداً بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السبّ، كأنه يقول له: هل امتنعت تورعاً أو خوفاً أو غير ذلك، فإن كان تورعاً وإجلالاً له عن السب فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر. ولعل سعداً قد كان في طائفة يسبونه فلم يسب معهم وعجز عن الإنكار، وأنكر عليهم فسأله هذا لسؤال.

قالوا: ويحتمل تأويلاً آخر: أن معناه ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنه خطأ (1)

قلت: وعلى هذا يجب تنزيل الأحاديث التي ظاهرها قدح في الصحابة رضي الله عنهم حتى تتوافق مع ما زكاهم به ربهم جل وعلا.

وقد أشار الإمام أبو نعيم الأصبهاني إلى دفع شبهة فقال: عن عياض الأنصاري - وله صحبه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احفظوني في أصحابي وأصهاري، فمن حفظني فيهم حفظه الله في الدنيا والآخرة، ومن لم يحفظني في أصحابي وأصهاري تخلى الله عنه، ومن تخلى الله عنه أو شك أن يأخذه).

قال: فإن قال قائل: فقد نازع علياً غير طلحة والزبير وعائشة، فما

(1) النووي: شرح مسلم: 15/ 186، ابن حجر: فتح الباري:7/ 92

ص: 216

الذي دعاه لمنازعته ولم يكن له من السوابق ما لطلحة والزبير، ولم يكن من أهل الشورى والمناقب الشريفة؟

قيل له: كل من صحب الرسول صلى الله عليه وسلم أو نزل منه منزلة قرب أو سبب، ولو كان دون أولئك في السابقة والهجرة والمناقب الشريفة، فالأسلم أن نحفظ فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم (أوصيكم في أصحابي خيراً) لاسيما إذا كان متأولاً، وإن كان في تأويله غير مصيب، فاقتدي بذلك بكبار الصحابة الذين شاهدوا حربهم، فكفوا وقعدوا لاشكال ذلك عليهم، فإذا كان لهم في قربهم منهم ومشاهدتهم لهم أن يكفوا ويقعدوا فنحن في تأخرنا منهم، وتباعدنا عنهم أولى أن نسكت عنهم، ونكف المسبة التي تعرض لهم في ذلك.

وقال في موضع آخر: وسب الصحابة بعضهم لبعض، فإن ذلك على حد غضب وموجدة، قد عفا الله عنهم أكثر من ذلك، أخذهم بالفداء يوم بدر، وتوليهم عن الرسول يوم أحد، وأمر الرسول بالعفو عنهم (1)

علماً: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنزه الناس ألسناً، وأطيبهم قولاً، وأحسنهم منطقاً.

قال الشيخ صالح آل الشيخ: ما سب صحابي صحابيا مطلقاً، وإنما قد يتسابون يعني مثل ما يحصل للبشر، يترادون في موقف، لكن لا يسبهم

(1) أبو نعيم الأصبهاني: الإمامة والرد على الرافضة: 380 - 378

ص: 217

مطلقاً أو يذم صحابياً مطلقاً، لكن يكون بينهم تراد في مجلس لأجل ما يحصل بين البشر مقاتلة مؤقتة تحصل بينهم، لكن سب الساب المطلق وانتقاص قدر فلان من الصحابة مطلقاً هذا لم يحصل عند الصحابة (1)

ومما يجب التنبيه عليه في هذا المقام: ما وقع للصحابي الجليل: معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه خصوصاً من ازدراء وتنقص بل وحتى تشكيك في إسلامه، أو حسن إسلامه.

وها هي أقوال العلماء في معاوية رضي الله عنه:

هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان، صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي، الصحابي ابن الصحابي، رضي الله عنهما.

أسلم هو وأبوه - أبو سفيان - وأخوه يزيد بن أبي سفيان، وأمه - هند بنت عتبة بن ربيعة، في فتح مكة (2)

ومعاوية ممن أسلم عام الفتح، وقيل: إنه أسلم قبل أبيه، وقت عمرة القضاء، وبقي يخاف من اللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم من أبيه، ولكن ما ظهر إسلامه إلا يوم الفتح (3)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد روي أن معاوية أسلم قبل ذلك

(1) صالح آل الشيخ: شرح العقيدة الطحاوي (قسم الأسئلة): 2/ 1601

(2)

النووي: تهذيب الأسماء واللغات: 1/ 494

(3)

الذهبي: سير أعلام النبلاء: 4/ 63

ص: 218

وهاجر قبل فتح مكة، وهاجر إلى المدينة، فإن كان هذا صحيحاً فهذا من المهاجرين (1)

وقال رحمه الله: فالطلقاء الذين أسلموا عام الفتح مثل: معاوية وأخيه يزيد وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أميه والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو، وقد ثبت بالتواتر عند الخاصة إسلامهم وبقاؤهم على الإسلام إلى حين الموت، ومعاوية أظهر إسلاماً من غيره.

وقال: فلما أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على الحسن بالإصلاح وترك القتال، دل على أن الإصلاح بين تلك الطائفتين كان أحب إلى الله تعالى من فعله، فدل على أن الاقتتال لم يكن مأموراً به، ولو كان معاوية كافراً لم تكن تولية كافر، وتسليم الأمر إليه مما يحبه الله ورسوله، بل دل الحديث على أن معاوية وأصحابه كانوا مؤمنين كما كان الحسن وأصحابه مؤمنين، وأن الذي فعله الحسن كان محموداً عند الله تعالى محبوباً مرضيا له ولرسوله (2)

وقال: ومعاوية خير من أبيه وأحسن إسلاماً من أبيه باتفاق المسلمين، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ولّى أباه فلأن تجوز ولايته بطريق الأولى والأحرى، ولم يكن من أهل الردة قط، ولا نسبه أحد من أهل العلم إلى الردة، فالذين ينسبون هؤلاء إلى الردة، هم الذي ينسبون أبا بكر وعمر وعثمان، وعامة أهل بدر وأهل بيعة الرضوان وغيرهم من السابقين الأولين

(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 453

(2)

ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 467

ص: 219

من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى مالا يليق بهم، والذين نسبوا هؤلاء إلى الردة يقول بعضهم: أنه مات ووجهه إلى الشرق، والصليب على وجهه، وهذا مما يعلم كل عاقل أنه من أعظم الكذب والفرية عليه (1)

وقال أيضاً: وأما إسلام معاوية، وولايته على المسلمين والإمارة والخلافة فأمر يعرفه جماهير الخلق.

وأما قول القائل: إيمان معاوية كان نفاقاً، فهو أيضاً من الكذب المختلق، فإنه ليس في علماء المسلمين من اتهم معاوية بالنفاق، بل العلماء متفقون على حسن إسلامه (2)

ثم قال: واتفق العلماء على أن معاوية: أفضل ملوك هذه الأمة، فإن الأربعة كانوا قبله خلفاء نبوة وهو أول الملوك، وكان ملكه ملكاً ورحمة، وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين ما يعلم أنه كان خيراً من ملك غيره (3)

ولذا قد أخذ الإمام الحبر ابن عباس رضي الله عنهما من عموم قوله تعالى {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل

(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 472

(2)

ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 476

(3)

ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 478

ص: 220

إنه كان منصورا} (الإسراء: 33) ولاية معاوية، وأنه سيملك؛ لأنه كان ولي عثمان، وقد قتل مظلوما. وكان معاوية يطلب عليا أن يسلمه قتلته حتى يقتص منهم؛ لأنه أموي، وكان علي يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطلب علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى معاوية وذلك حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع عليا هو وأهل الشام، ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه، كما قال ابن عباس، استنبطه من هذه الآية الكريمة. (1)

والخلاصة: فإن إيمان معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ثابت بالنقل المتواتر، وإجماع أهل العلم على ذلك (1)

ومما يدل على فضله: قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (اللهم اجعله هاديا مهتديا ً، واهده واهد به)(3)

وقال عبد الله بن عمر: ما رأيت رجلا ًبعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أسود من معاوية، فقال له رجل: ولا عمر؟ فقال: عمر كان خيراً منه، وكان هو

(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: 3/ 42

(2)

انظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 478، الذهبي: سير أعلام النبلاء: 4/ 80، ابن كثير: البداية والنهاية: 8/ 112، ابن الجوزي: تلقيح فهوم أهل الأثر: 112

(3)

أخرجه الترمذي في جامعه كتاب المناقب باب مناقب معاوية: (3851) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

ص: 221

أسود منه. وكان الحسن والحسين رضي الله عنهما يقبلان جوائزه رضي الله عنه.

قال الدراوردي: رأيت جعفر بن محمد، جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انثنى فسلم على أبي بكر وعمر، فرآني كأني تعجبت أو قال: سرني، قال: فقال: والله إن هذا الدين الذي أدين الله به، والله ما يسرني أني قلت لمعاوية: أخزاه الله أو فعل الله به وإن لي الدنيا.

وعن رباح الموصلي قال: سمعت رجلاً يسأل المعافا بن عمران، فقال: يا أبا مسعود: أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟ فغضب من ذلك غضباً شديداً، وقال: لا يقاس بأصحاب رسول الله أحد، معاوية صاحبه وصهره وكاتبه، وأمينه على وحي الله تعالى (1)

ويقول الإمام عبد الله بن المبارك: تراب في أنف معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز.

وسئل عن معاوية فقال: ما أقول في رجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، فقال خلفه: ربنا ولك الحمد، فقيل له: أيهما أفضل هو أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله خير وأفضل من عمر.

وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله أيما أفضل: معاوية أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 8/ 1524 وما بعده.

ص: 222

أحدا، قال النبي صلى الله عليه وسلم:(خير الناس قرني الذي بعثت فيه).

ولما قيل له: هل يقاس أحد بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ معاذ الله، قيل: فمعاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز؟ قال: أي لعمري قال النبي صلى الله عليه وسلم (خير الناس قرني).

وقال بشر الحافي: سئل المعافى وأنا أسمع أو سألته: معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز. ولذا قال أحمد: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدانيهم أحد، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاربهم أحد.

ولو كان عمر بن عبد العزيز مشتهرا بفضله وعدله، فمعاوية رضي الله عنه أكثر شهرة بفضله وعدله وقربه وعلمه، قال الإمام الزهري: عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئا.

وكان قوم عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال الأعمش: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قال يا أبا محمد: يعني في حلمه؟ قال: لا والله، ألا بل في عدله.

ولذا لما سأل رجل الإمام أحمد عن خال له كان ينتقص معاوية فقال: وربما أكلت معه؟ فقال أبو عبد الله مبادرا: لا تأكل معه. (1)

وقال الفضل بن زياد: سمعت أحمد يسأل عن رجل تنقص معاوية

(1) الخلال: السنة 2/ 434، 436/ 437، 444/ 448

ص: 223

وعمرو بن العاص أيقال له رافضي؟ فقال: إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحداً من الصحابة إلا وله داخلة سوء (1)

قال الإمام المازري: ومعاوية من عدول الصحابة وأفاضلهم، وما وقع من الحروب بينه وبين علي، وما جرى بين الصحابة من الدماء، فعلى التأويل والاجتهاد، وكل يعتقد أن فعله صواب وسداد (2)

وقال الإمام النووي: وأما معاوية فهو من العدول الفضلاء، والصحابة النجباء، وأما الحروب التي جرت، فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها لسببها، وكلهم عدول ومتأولون في حروبهم وغيرها ولم يخرج شيء من ذلك أحداً منهم عن العدالة (3)

وقد أثنى عليه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: فقال لما قيل له: هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟ ما أوتر إلا واحدة: أصاب، إنه فقيه.

وأخرج المروزي عن طريق علي بن عبد الله بن عباس قال: بت مع أبي عند معاوية، فرأيته أوتر بركعة، فذكرت ذلك لأبي، فقال: يا بني: هو أعلم.

وفي البخاري: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن

(1) ابن كثير: البداية والنهاية: 2/ 132

(2)

المازري: المعلم بفوائد مسلم: 3/ 139

(3)

النووي: شرح مسلم: 15/ 158

ص: 224

عباس، فأتى ابن عباس فقال: دعه - أي اترك القول فيه والإنكار عليه - فإنه صحب رسول لله صلى الله عليه وسلم. أي: فلم يفعل شيئاً إلا بمستند (1)

قلت: ومر بنا منهج العلماء العاملين في التعامل مع الأحاديث التي ظاهرها دخل على صحابي، ومن الأحاديث التي يحتج بِها الطاعنون في معاوية رضي الله عنه وهي ليست كذلك:

ما أخرجه الإمام مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فتواريت خلف باب، قال: فجاء فحطأني حطأة وقال: اذهب وادع لي معاوية، قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: اذهب فادع لي معاوية، قال: فجئت فقلت: هو يأكل فقال: لا أشبع الله بطنه.

قال ابن المثنى: قلت لأمية: ما حطأني، قال: قفدني قفدة (2)

قال الإمام النووي: وهو الضرب باليد مبسوطة بين الكتفين، وإنما فعل هذا بابن عباس ملاطفة وتأنيساً (3)

(1) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب ذكر معاوية (1764 - 3765)، وانظر: ابن حجر: فتح الباري: 7/ 130، العيني: عمدة القارئ: 11/ 487، النووي: تهذيب الأسماء واللغات: 1/ 495.

(2)

أخرجه مسلم في صحيحه: في كتاب البر والصلة والآداب، باب من لعنه النبي صلى الله عليه وسلم أو سبه. (2604)

(3)

النووي شرح مسلم: 16/ 393

ص: 225

وقد بيّن العلماء وجه قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية (لا أشبع الله بطنه): وأنه إما:

- أن يكون من باب القول السابق على اللسان من غير قصد إلى وقوعه، ولا رغبة إلى الله سبحانه في استجابته، فيكون مما جرى على اللسان بلا قصد، كقوله: تربت يمينك، وعقرى ، وحلقى، ومثله: لا أشبع الله بطنك.

- وإما أن تكون عقوبة له لتأخره عن الاستجابة. قال الإمام النووي: وقد فهم مسلم من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقاً للدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وفيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه:(اللهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة).

- وبعض العلماء جعل هذا الحديث من مناقب معاوية رضي الله عنه؛ لأنه في الحقيقة يصير دعاء له (1)

قال الإمام الذهبي: وفسره بعض المحبين قال: (لا أشبع الله بطنه)، حتى لا يكون ممن يجوع يوم القيامة؛ لأن الخبر عنه أنه قال:(أطول الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة) لكن رده الذهبي رحمه الله (2)

فمعاوية رضي الله عنه من فقهاء الصحابة وفضلاؤهم، وقد شهد له ابن عم

(1) النووي: مرجع سابق، المازري: المعلم بفوائد مسلم: 3/ 168

(2)

الذهبي: سير أعلام النبلاء: 4/ 65

ص: 226

رسول الله صلى الله عليه وسلم حبر الأمة وترجمان القرآن بذلك، ولكن لا يلزم من ذلك موافقة رأيه رأي جميع الصحابة أو بعضهم، فقد يجتهد في أمر، ويكون الصواب معه أو مع غيره فيكون بين الأجر والأجرين، كما جاء عنه رضي الله عنه أنه كان يستلم أركان البيت الأربعة. وكان ينهى عن التلبية بعرفة، إلى غير ذلك من مسائل الاجتهاد، فهو كغيره من المجتهدين رضي الله عنه وأرضاه (1)

وأختم هذا المبحث بما يبين فضل علم السلف:

مما يدل على فضل علم السلف، وأخص منهم الصحابة رضي الله عنهم أنه لم يُعرف فيهم من تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: والكذب كان قليلاً في السلف، أما الصحابة فلم يعرف فيهم - ولله الحمد - من تعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، كما لم يعرف فيهم من كان من أهل البدع المعروفة كبدع الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة، فلم يعرف فيهم أحد من هؤلاء الفرق.

ثم قال: وأما الغلط فلم يسلم منه أكثر الناس، بل في الصحابة من قد يغلط أحياناً وفيمن بعدهم (2) ولهذا قال رحمه الله: ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خيراً وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين، وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله، كالتفسير وأصول الدين، وفروعه، والزهد

(1) انظر: أبو الضياء الحنفي: البحر العميق: 3/ 1540، ابن كثير: البداية والنهاية: والنهاية: 8/ 124، 132

(2)

ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 1/ 250

ص: 227

والعبادة، والأخلاق والجهاد وغير ذلك. فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم، وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوماً، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه.

وقال رحمه الله: في معرض حديثه عن تحليل النكاح: وبكل حال فالصحابة أفضل هذه الأمة وبعدهم التابعون، كما ثبت فيهم .. فنكاح تنازع السلف في جوازه أقرب من نكاح أجمع السلف على تحريمه، وإذا تنازع فيه الخلف فإن أولئك أعظم علماً وديناً، وما أجمعوا على تعظيم تحريمه كان أمره أحق مما اتفقوا على تحريمه، وإن اشتبه تحريمه على من بعدهم (1)

وقال رحمه الله: وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا - مع أنّهم أكمل الناس علماً نافعاً وعملاً صالحاً - أقل الناس تكلفاً، يصدر عن أحدهم الكلمة والكلمتان من الحكمة أو من المعارف، ما يهدي به الله بِها أمة وهذا من منن الله على هذه الأمة، ثم قال: فهذا الكلام تنبيه على ما يظن أهل الجهالة والضلالة من نقص الصحابة في العلم والبيان، أو اليد والسنان (2)

وقال الإمام ابن الوزير لما تحدث عن مراتب المفسرين: فخيرهم

(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 32/ 97

(2)

ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 138 - 140

ص: 228

الصحابة رضي الله عنهم لما ثبت من الثناء عليهم في الكتاب والسنة؛ لأن القرآن أنزل على لغتهم، فالغلط أبعد عنهم من غيرهم؛ ولأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أشكل عليهم ، وأكثرهم تفسيراً، حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس.

ثم ذكر خمسة أوجه لتقديم ما صح من تفسير ابن عباس على غيره (1). وقال الإمام ابن القيم: ولهذا كان الصحابة أعرف الأمة بالإسلام وتفاصيله وأبوابه وطرقه، وأرشد الناس رغبة فيه، ومحبة له، وجهاداً لأعدائه، وتكلماً بأعلامه بالأمة، وتحذيراً من خلافه لكمال علمهم بضده، فجاءهم الإسلام وكل خصلة منه مضادة لكل خصلة مما كانوا عليه فازدادوا له معرفة وحباً وفيه جهاداً بمعرفتهم بضده، وقال: والصحابة أفضل الناس في الرأي، والمقصود أن أحداً ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف يساويهم وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته، ففهمهم أولى من فهم غيرهم (2)

قلت: ولقد تعامل العلماء العاملون بما جرى من الفتن بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمنهج المعتدل، الذي يزن الأمور بميزان الشرع، ويضع الأمور في نصابها.

يقول الإمام الطحاوي: ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) ابن الوزير: إيثار الحق على الخلق: 370

(2)

ابن القيم: مفتاح دار السعادة: 1/ 295، ابن القيم: إعلام الموقعين: 1/ 81، ابن حجر: فتح الباري: 2/ 40

ص: 229

وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق، وعلماء السلف السابقين ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل (1)

ويقول الإمام ابن تيمية: وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم، ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب، وهم كانوا مجتهدين، إما مصيبة لهم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم خطؤهم، وما كان لهم من السيئات

- وقد سبق لهم من الله الحسنى - فإن الله يغفرها لهم، إما

بتوبة أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو غير ذلك فإنّهم خير

قرون هذه الأمة (2)

ويقول: ومن أصول السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: ويتبرؤون من طريق الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، ومن طريقة النواصب، الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة (3).

(1) الطحاوي: العقيدة الطحاوي: من شرح ابن أبي العز: 490

(2)

ابن تيمية: مجموع الفتاوى:3/ 406 - 432

(3)

ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 3/ 152

ص: 230