الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث
دفاع الصحابة عن أعراض بعضهم البعض
انتصار الصحابة بعضهم لبعض، وذبّهم عن أعراض بعضهم بعضاً، مما عرف واشتهر، فما علم عن أحد منهم خذل مسلماً انتهكت حرمته أو انتقص عرضه، بل كانوا على خلاف ذلك، فشواهد التاريخ الكثيرة التي يطول نقلها - تشير إلى انتفاض الصحابة رضي الله عنهم في الدفاع عن حمى الأصحاب، والذب عن أعراضهم، وحسن الظن بهم، والتماس أجمل الأعذار لهم رضي الله عنهم وأرضاهم، يكفي للدلالة على ذلك ، وجود الحس المرهف تجاه أصحابهم "مات ناس من الصحابة وهم يشربون الخمر، فلما نزل التحريم قال ناس: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها، فنزلت [لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] المائدة 93 (1).
ومن شواهد الدفع والدفاع ما يلي:
(1)
عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين:
أنّه جلد ثلاثين سوطاً من حرّج على أم سلمة. وقال أبو وائل: إن رجلاً حرّج على أم سلمة، فأمر عمر أن يجلد مائتي جلدة.
(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: 2/ 100، المنصوري: المقتطف: 2/ 73
وأن ابنه عبيد الله شتم المقداد، فهمّ بقطع لسانه، فكلمه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقال ذروني أقطع لسان ابني، حتى لا يجترئ أحد من بعدي، فيسب أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (1)
وقال: أبو وائل: إن ابن مسعود رأى رجلاً قد أسبل، فقال: ارفع إزارك فقال: وأنت يا ابن مسعود فارفع إزارك قال: إن بساقي حموشة، وأنا أؤم الناس، فبلغ ذلك عمر، فجعل يضرب الرجل ويقول: أترد على ابن مسعود.
وعن علقمة قال: جاء رجل إلى عمر فقال: إني جئتك من عند رجل يملي المصاحف عن ظهر قلب، ففزع عمر، فقال: ويحك! انظر ما تقول: وغضب، فقال: ما جئتك إلا بالحق، قال: ومن هو؟ قال: عبد الله بن مسعود، فقال: ما أعلم أحدًا أحق بذلك منه، وسأحدثك عن عبد الله، إنا سمرنا ليلة في بيت أبي بكر في بعض ما يكون من حاجة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خرجنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين أبي بكر، فلما انتهينا إلى المسجد ' إذا رجل يقرأ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يستمع إليه، فقلت: يا رسول الله: اعتمت، فغمز لي بيده: اسكت، قال: فقرأ وركع وسجد وجلس يدعو ويستغفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (سل تعطه) ثم قال: من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل، فليقرأ قراءة ابن أم عبد، فعلمت أنا وصاحبي أنّه عبد الله، فلما أصبحت عدوت أبشره،
(1) اللائكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 7/ 1336 وما بعده.
فقال: سبقك بها أبو بكر، وما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه (1)
وعن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر، فقالوا: إنّه لا يحسن أن يصلي، فقال سعد: أما أنا، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاتي العشي، لا أخرم منها، أركد في الأوليين واحذف في الآخرين، فقال عمر ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، فبعث رجالاً يسألون عنه بالكوفة فكانوا لا يأتون مسجداً الكوفة إلا قالوا خيراً، حتى أتوا مسجداً لبني عبس، فقال رجل يقال له: أبو سعدة: أما إذا أنشدتمونا بالله، فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية، فقال: سعد: اللهم إن كان كاذباً فاعم بصره، وأطل عمره، واعرضه للفتن. قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد يتعرض للإماء في السكك، فإذا سئل كيف أنت؟ يقول: كبير مفتون أصابتني دعوة سعد (2)
وجاء في البخاري: وكانوا وشوا به إلى عمر قالوا: لا يحسن يصلي (3)
وشهد له عمر فقال لما عزله: إني لم انزعه - يعني - عن الكوفة من ضعف ولا خيانة (4)
ومن هذا الوجه: ما عرف عن عمر رضي الله عنه من حرصه على التثبت في
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 219
(2)
اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 7/ 1327، الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 47
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب مناقب سعد بن أبي وقاص (3728)
(4)
الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 49، ابن حجر: فتح الباري: 7/ 69
حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءه أبو موسى الأشعري فأستأذن عليه ثلاثاً ثم انصرف، فقال عمر: ردوا عليّ، ردوا علي، فجاء فقال: يا أبا موسى ما ردك كنا في شغل، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع)، قال: لتأتيني على هذا بينة وإلا فعلت وفعلت، فذهب أبو موسى، قال عمر: إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية، وإن لم يجد بينة فلم تجدوه، فلما أن جاء بالعشي وجدوه، قال: يا أبا موسى ما تقول أقد وجدت؟ قال: نعم، أبي بن كعب، قال: عدل، قال يا أبا الطفيل ما يقول هذا، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك، يا ابن الخطاب فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سبحان الله: إنما سمعت شيئاً فأحببت أن أتثبت. وفي رواية قال عمر: خفي عليّ هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألهاني عنه الصفق بالأسواق. قال الإمام النووي: أي التجارة والمعاملة في الأسواق.
قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن العالم المتبحر قد يخفى عليه من العلم ما يعلمه من هو دونه ولا يقدح ذلك في وصفه بالعلم والتبحر فيه. قال ابن بطال: وإذا جاز ذلك على عمر فما ظنك بمن هو دونه.
ويقول الإمام المازري: قول عمر: (سبحان الله، إنما سمعت شيئاً .. ) قيل: إنما ذلك لأنّه صار كالدافع عن نفسه والمعتذر عن فعله فطلب شهادة غيره.
وقال ابن بطال: يؤخذ منه التثبت في خبر الواحد لما يجوز عليه من
السهو وغيره، وقد قبل عمر خبر الواحد بمفرده في توريث المرأة من دية زوجها وأخذ الجزية من المجوس إلى غير ذلك، لكنه كان يستثبت إذا وقع له ما يقتضي ذلك.
وقال الإمام النووي: ليس معنى قول عمر: رد خبر الواحد من حيث هو خبر واحد، ولكن خاف عمر مسارعة الناس إلى القول على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقول عليه بعض المبتدعين أو الكاذبين أو المنافقين ونحوهم مالم يقل وأن كل من وقعت له قضية وضع فيها حديثا على النبي صلى الله عليه وسلم فأراد سد الباب خوفاً من غير أبي موسى لا شكا في رواية أبي موسى، فإنه عند عمر أجل من أن يظن به أن يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، بل أراد زجر غيره بطريقه (1).
والشاهد من حديثنا هو قول أبي لعمر: يا ابن الخطاب لا تكون عذاباً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شك أن عمر ليس عذاباً، بل هو رحمة ولكنه رفع ودفع عن نفسه بما قال رضي الله عنهم أجمعين.
(2)
وهذا سعد بن أبي وقاص ينافح عن أصحابه رضي الله عنهم:
فعن مصعب بن سعد: أن رجلاً نال من علي، فنهاه سعد فلم ينته،
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 48، ابن كثير: البداية والنهاية: 7/ 235،والحديث أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الآداب باب الاستئذان (2154)،وانظر: النووي: شرح مسلم: 14/ 380، المازري: العلم: 3/ 26، ابن حجر: فتح الباري: 11/ 32، العيني: عمدة القاري: 15/ 362
فدعا عليه، فما برح حتى جاء بعير ناد، فخبطه حتى مات، قال الإمام الذهبي: ولهذه الواقعة طرق جمة رواها بن أبي الدنيا في: (مجابي الدعوة).
وقال ابن المسيب: أن رجلاً كان يقع في علي وطلحة والزبير، فجعل سعد ينهاه، ويقول: لا تقع في إخواني، فأبى فقام سعد، وصلى ركعتين ودعا، فجاء بختي يشق الناس، فأخذه بالبلاط، فوضعه في كركرته والبلاط حتى سحقه، فأنا رأيت الناس يتبعون سعدا ويقولون: هنيئاً لك يا أبا إسحاق، استجيب دعوتك.
وجاء من وجه آخر: أقبل سعد من أرض له، فإذا الناس عكوفاً على رجل، فاطلع فإذا هو يسب طلحة والزبير وعليا، فنهاه فكأنما زاده إغراء، فقال: ويلك ما تريد إلى أن تسب أقواماً هم خير منك لتنتهين أو لادعون عليك، فقال: هيه فكأنما تخوفني نبيا من الأنبياء، فانطلق فدخل داراً فتوضأ ودخل المسجد ثم قال: اللهم إن كان هذا قد سب أقواماً قد سبق لهم منك خير أسخطك سبه إياهم فأرني اليوم به آية تكون آية للمؤمنين. قال: وتخرج بختية - الأنثى من الجمال - من دار بني فلان، نادّة لا يردها شيء حتى تنتهي إليه، ويتفرق الناس عنه، فتجعله بين قوائمها فتطأه حتى طفئ، قال: فأنا رأيته يتبعه الناس ويقولون: استجاب الله لك أبا إسحاق، استجاب الله لك أبا إسحاق (1).
(3)
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن سعد بن عبيدة قال: جاء
(1) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 7/ 1328
رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان، فذكر عن محاسن عمله، قال: لعل ذلك يسوؤك؟ قال: نعم: قال: فأرغم الله بأنفك، ثم سأله عن علي فذكر محاسن عمله قال: هو ذاك، بيته أوسط بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: لعل ذاك يسوؤك؟ قال: أجل، قال: فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجهد على جهدك (1).
فابن عمر رضي الله عنهما ذكر محاسن عثمان وعلي، ثم قال له:"فأرغم الله بأنفك" أي أوقع الله بك السوء؛ لأن الرجل كان يسوؤه ذكر محاسن عثمان وعلي رضي الله عنهما، ثم قال له ابن عمر، "فاجهد عليّ جهدك": أي أبلغ غايتك في هذا الأمر، واعمل في حقي ما تستطيع وتقدر، فإن الذي قلته لك الحق، وقائل الحق لا يبالي بما قيل في حقه من الباطل.
وجاء في رواية عطاء بن السائب عن سعد بن عبيد في هذا الحديث: فقال الرجل: فإني أبغضه، قال ابن عمر: أبغضك الله تعالى (2).
- وها هو ابن عمر رضي الله عنهما يذب عن عثمان رضي الله عنه:
فعن عثمان هو ابن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت، فرأى قوماً جلوساً فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش، قال فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر، قال يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، فقال: تعلم أنّه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال الرجل: هل تعلم أنّه
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب مناقب علي بن أبي طالب (3704)
(2)
ابن حجر: فتح الباري: 7/ 91، العيني: عمدة القاري:11/ 445
تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، قال ابن عمر: تعال أبيّن لك:
- أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له.
- وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهدا بدراً وسهمه.
- وأما تغيبه عن بيعة الرضوان: فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: هذه يد عثمان، فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك (1).
قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر من سياقه أن السائل كان ممن يتعصب على عثمان فأراد بالمسائل الثلاث أن يقرر معتقده فيه، ولذلك كبّر مستحسناً لما أجابه به ابن عمر.
وقد عاب عثمان بثلاثة أشياء: فأظهر له ابن عمر العذر عن جميعها: أما الفرار فبالعفو، وأما التخلف فبالأمر، وأما البيعة فكان مأذوناً له في ذلك، ويد رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لعثمان من يده، كما ثبت ذلك أيضاً عن عثمان نفسه فيما رواه البزار بإسناد جيد، أنّه عاتب عبد الرحمن بن عوف فقال له: لم ترفع صوتك علي؟ فذكر الأمور الثلاثة، فأجابه عثمان بمثل ما أجاب به
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب مناقب عثمان بن عفان (3698)
ابن عمر، قال في هذه: فشمال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لي من يميني (1).
فقال له ابن عمر: "اذهب بها الآن معك": أي اقرن هذا عذر بالجواب، حتى لا يبقى لك فيما أجبتك به حجة على ما كنت تعتقده من عيبة عثمان. وقال الطيبي: قال له ابن عمر تهكماً به، أي: توجه بما تمسكت به فإنه لا ينفعك بعد ما بينت لك (2).
ولذا ذكر أهل العلم في انتقام الله وانتصاره ممن آذى عثمان عجبا منها:
ما أخرجه الإمام اللالكائي بسنده عن محمد بن سيرين قال: كنت أطوف بالكعبة فإذا رجل يقول: اللهم اغفر لي، وما أظن أن تغفر لي، قلت: يا عبد الله ما سمعت أحداً يقول كما تقول؟ قال: إني كنت قد أعطيت الله عهداً إن قدرت أن ألطم وجه عثمان بن عفان لطمته، فلما قتل ووضع على سرير في البيت، والناس يصلون عليه، دخلت كأني أصلي فوجدت خلوة فرفعت الثوب عن وجهه فلطمته وتنحيت عنه وقد يبست يميني، فإذا هي يابسة سوداء كأنها عود شيز (3).
وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان من الذين قال الله عز وجل: [وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى
(1) ابن حجر: فتح الباري: 7/ 73، العيني: عمدة القاري: 11/ 431
(2)
ابن حجر: فتح الباري:7/ 73، العيني: عمدة القاري: 11/ 431
(3)
اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 7/ 1329، ابن كثير: البداية والنهاية: 7/ 180
سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ].
وري عن علي أنّه لعن قتلة عثمان، بل قال مروان: ما كان في القوم ادفع عن صاحبنا من صاحبكم - يعني علياً - عن عثمان (1).
ومن أوجه الدفاع التي اختلفت بها الأنظار والاجتهادات:
هي مطالبة الزبير وطلحة وعائشة رضي الله عنهم بالقصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه.
ثبت في الصحيح أن عثمان استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت من هذا؟ فقال عثمان بن عفان فقلت: على رسلك، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فجئته قفلت له: ادخل، وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة على بلوى تصيبك (2).
وفي رواية أبي عثمان "فحمد الله ثم قال: الله المستعان"، وفي رواية عند أحمد:" فجعل يقول: اللهم صبراً حتى جلس".
قال الحافظ ابن حجر: وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بالبلوى المذكورة إلى ما أصاب عثمان في أخر حياته من الشهادة يوم الدار، وقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام أصرح من هذا، فروى أحمد من طريق كليب بن وائل عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة، فمر رجل فقال: يقتل فيها هذا يومئذ ظلماً،
(1) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 7/ 1433، الذهبي: سير أعلام النبلاء: 2/
397 -
398
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي صلى الله عليه وسلم " لو كنت متخذا خليلاً "(3674)
قال فنظرت فإذا هو عثمان. إسناده صحيح (1).
فلما قتل عثمان رضي الله عنه بويع لعلي بن أبي طالب بالخلافة وهو أحق بها وأهلها، فقبلها حوطة على الأمة أن تسفك دماؤها بالتهارج والباطل أو ينخرق أمرها إلى مالا يتحصل فربما تغير الدين وانقض عمود الإسلام فلما بويع له، طلب أهل الشام في شرط البيعة التمكن من قتلة عثمان وأخذ القود منهم، فقال لهم علي رضي الله عنه: ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه، فقالوا: لا تستحق بيعة وقتلة عثمان معك تراهم صباحاً ومساءً، فكان علي في ذلك أسد رأيا وأصوب قيلاً؛ لأن علياً لو تعاطى القود منهم لتعصبت لهم قبائل وصارت حرباً ثالثة، فانتظر بهم أن يستوثق الأمر، وتنعقد البيعة، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم، فيجري القضاء بالحق.
ولا خلاف بين الأمة أنّه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدى ذلك إلى إثارة الفتنة، أو تشتيت الكلمة، وكذلك جرى لطلحة والزبير، فإنهما ما خلعا عليا من ولايته، ولا اعترضا عليه في ديانة، وإنما رأيا أن البداءة بقتل أصحاب عثمان أولى.
قلت - القرطبي - فهذا قول في سبب الحرب بينهم، وقال جلة من أهل العلم: إن الوقعة بالبصرة بينهم كانت على غير عزيمة منهم على الحرب بل فجأة، وعلى سبيل دفع كل واحد من الفريقين عن أنفسهم لظنه أن الفريق الآخر قد غدر به، لأن الأمر كان قد انتظم بينهم، وتم الصلح
(1) ابن حجر: فتح الباري: 7/ 46
والتفرق على الرضا، فخاف قتلة عثمان رضي الله عنه من التمكن منهم والإحاطة بهم، فاجتمعوا وتشاوروا واختلفوا، ثم اتفقت آراؤهم على أن يفترقوا فريقين، ويبدؤوا بالحرب سحرة في العسكرين، وتختلف السهام بينهم ويصيح الفريق الذي في عسكر علي: غدر طلحة والزبير، والفريق الذي في عسكر طلحة والزبير: غدر علي، فتم لهم ذلك على ما دبروه، ونشبت الحرب، فكان كل فريق دافعاً لمكرته عند نفسه، ومانعاً من الإشاطة بدمه، وهذا صواب من الفريقين وطاعة لله تعالى، إذ وقع القتال والامتناع منهما على هذا السبيل، وهو الصحيح المشهور والله أعلم (1).
إذن: فجهد طلحة والزبير وعائشة على الأخذ بالقصاص من قتلة عثمان، حتى قال طلحة رضي الله عنه إنا داهنا في أمر عثمان فلا نجد اليوم أمثل من أن نبذل دماءنا فيه، اللهم خذ لعثمان مني حتى ترضى.
وكان الحسن بن علي مبادراً نصرة عثمان كثير الذب عنه. ومع ذلك لم يشارك في القتال لا لطلحة ولا الزبير. لكن قُتل طلحة والزبير، فقال علي رضي الله عنه لما قُتل طلحة وأجلسه ومسح الغبار عن وجهه ولحيته، وهو يترحم عليه، وقال: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. قال الإمام الذهبي: مرسل. ثم قال: بشروا قاتل طلحة بالنار (2). ولما جيء برأس الزبير إلى علي بكى وقال: تبوأ يا أعرابي مقعدك من النار، حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن قاتل
(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 16/ 270
(2)
الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 16، 4/ 134
الزبير في النار (1). وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن قاتل عمار وسالبه في النار (2).
ومع هذا الذي جرى من الفتن نص العلماء على حرمة الوقوع في أعراضهم، بل كان بعضهم يذب عن بعض:
عن أبي حبيبة مولى لطلحة، قال: دخلت على عليّ مع عمران بن طلحة بعد وقعة الجمل، فرحب به وأدناه، ثم قال: إني لأرجو أن يجعلني الله وإياك ممن قال فيهم [وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ] فقال رجلان جالسان، أحدهما الحارث الأعور: الله أعدل من ذلك أن يقبلهم ويكونوا إخواناً في الجنة، قال: قوما أبعد أرض وأسحقها، فمن هو إذا لم أكن أنا وطلحة! يا ابن أخي إذا كانت لك حاجة فأتنا (3).
ولذا قال الإمام الشعبي: أدركت خمس مائة أو أكثر من الصحابة يقولون: علي وعثمان وطلحة والزبير في الجنة.
قال الإمام الذهبي: لأنهم من العشرة المبشرين المشهود لهم بالجنة، ومن البدريين، ومن أهل بيعة الرضوان، ومن السابقين الأوليين الذين أخبر تعالى أنّه رضي عنهم ورضوا عنه، ولأن الأربعة قتلوا ورزقوا
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 26
(2)
الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 187
(3)
الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 16
الشهادة، فنحن محبون لهم، باغضون للأربعة الذين قتلوا الأربعة (1).
ومن جميل ما قاله رحمه الله: فمعاذ الله أن نشهد على اتباع الزبير، أو جند معاوية أو علي بأنهم في النار، بل نفوّض أمرهم إلى الله ونستغفر لهم، بل الخوارج كلاب النار، وشر قتلى تحت أديم السماء لأنهم مرقوا من الإسلام، ثم لا ندري مصيرهم إلى ماذا؟ ولا نحكم عليهم بخلود النار بل نقف (2).
وقال الإمام القرطبي: لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر؛ لحرمة الصحبة، ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم، وأن الله غفر لهم وأخبر بالرضا عنهم.
ثم قال: وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} . البقرة 134
وسئل بعضهم عنها أيضاً، فقال: تلك دماء قد طهر الله منها يدي، فلا أخضب بها لساني. يعني: في التحرز من الوقوع في خطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيباً فيه.
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء:3/ 26
(2)
الذهبي: سير أعلام النبلاء:3/ 27
وقال ابن فورك: ومن أصحابنا من قال: إن سبيل ما جرت بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين أخوة يوسف مع يوسف، ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حد الولاية والنبوة فكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة.
وقال المحاسبي: فأما الدماء فقد أشكل علينا القول فيها باختلافهم، وقد سئل الحسن البصري عن قتالهم فقال: قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا. قال المحاسبي: فنحن نقول كما قال الحسن ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عندما اختلفوا فيه ولا نبتدع رأياً منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل، إذ كانوا غير متهمين في الدين (1)
قلت: ونحن نقف حيث وقف القوم، ونسأل الله العظيم أن يرزقنا احترامهم وإجلالهم وإكرامهم وتوقيرهم والتماس الأعذار لهم، وأن يجمعنا بهم في جنات النعيم.
ولكن الشاهد من حديثنا: الدفاع والمنافحة عن عثمان رضي الله عنه.
قال الإمام ابن كثير: لما بلغ الزبير مقتل عثمان - وكان قد خرج من المدينة - قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم ترحم على عثمان، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تباً لهم، ثم تلا قوله تعالى [مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً
(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 16/ 274، ابن كثير: البداية والنهاية: 8/ 124
تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ] يس 49.
وبلغ عليّاً قتله فترحم عليه، وسمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله تعالى [كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ] الحشر 16
ولما بلغ سعد بن أبي وقاص قتل عثمان، استغفر له وترحم عليه، وتلا في حق الذين قتلوه [قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً] الكهف 103 - 104 ثم قال سعد: اللهم أندمهم ثم خذهم.
وقد أقسم بعض السلف بالله: إنّه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولاً، رواه ابن جرير.
وهكذا ينبغي أن يكون لوجوه منها: دعوة سعد المستجابة كما ثبت في الحديث الصحيح.
وقال بعضهم: ما مات أحد منهم حتى جن (1).
وقال أبو عمر بن عبد البر: ولقد أحسن بعض السلف إذ يقول، وقد سئل عن عثمان: هو أمير البررة، وقتيل الفجرة، مخذول من خذله، منصور
(1) ابن كثير: البداية والنهاية: 13/ 178
من نصره (1).
ومما يُكذب في هذا المقام: ما يُذكر من أن بعض الصحابة أسلم عثمان ورضي بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة، أنّه رضي بقتل عثمان رضي الله عنه بل كلهم كرهه ومقته وسب من فعله - أي قتل عثمان رضي الله عنهم أجمعين (2)
قال طلق بن حسان: قتل عثمان فتفرقنا في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نسألهم عن قتله، فسمعت عائشة تقول: قتل مظلوماً لعن الله قتلته. وقال جعفر الباقر: كان قتل عثمان على غير وجه الحق (3)
وعن قيس بن عباد: قال سمعت علياً يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاءوا للبيعة، فقلت: والله إني لأستحي من الله أن أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأستحي من رجل تستحي منه الملائكة). وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل لم يدفن بعد، فانصرفوا فلما دفن رجع الناس يسألوني البيعة فقلت: إني أشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزمة فبايعت، فلما قالوا: أمير المؤمنين كان صدع قلبي، وأسكت نفرة من ذلك.
قال الحافظ ابن كثير: وقد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر بجمع الطرق الواردة عن علي أنّه تبرأ من دم عثمان، وكان يقسم على ذلك
(1) ابن كثير: البداية والنهاية: 13/ 188
(2)
ابن كثير: البداية والنهاية: 13/ 186
(3)
ابن كثير: البداية والنهاية: 13/ 184
في خطبة، وغيرها: أنّه لم يقتله ولا أمر بقتله ولا مالأ ولا رضي به، ولقد نهى عنه فلم يسمعوا منه، ثبت ذلك عنه من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، ولله الحمد والمنة (1).
قلت: ولم يكن بين الصحابة إلا الود والوفاء:
ولذا لما كان اليوم الذي ارتحلت فيه أم المؤمنين عائشة من العراق إلى المدينة، جاء علي رضي الله عنه فوقف على الباب وحضر الناس وخرجت من الدار في الهودج وودعت الناس ودعت لهم، وقالت: يا بني، لا يعتب بعضنا على بعض، إنّه والله ما كان بيني وبين علي في القوم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على معتبتي لمن الأخيار، فقال علي: صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، وسار معها مودعاً ومشيعا أميالاً، وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم، وقصدت في مسيرها ذلك إلى مكة فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك ثم رجعت إلى المدينة رضي الله عنها (2).
ولما ضربت لها القبة بعد الجمل، جاء إليها علي رضي الله عنه مسلماً فقال: كيف أنت يا أمه؟ قالت: بخير فقال: يغفر الله لك (3).
وقد سأل بعض أصحابه أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة
(1) ابن كثير: البداية والنهاية: 7/ 182
(2)
ابن كثير: البداية والنهاية: 7/ 233
(3)
ابن كثير: البداية والنهاية: 7/ 231
والزبير، فأبى عليهم فطعن فيه السبائية، وقالوا: كيف يحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا أموالهم؟ فبلغ ذلك عليا فقال: أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه؟ فسكت القوم، ولهذا لما دخل البصرة فرق في أصحابه أموال بيت المال، فنال كل رجل منهم خمسمائة، وقال: لكم مثلها في الشام، فتكلم فيه السبئية أيضاً ونالوا منه من وراء وراء (1).
وقد انتقم الله تعالى ممن تنقص أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، يُقال إن أعين المجاشعي اطلع في الهودج فقالت: إليك لعنة الله، فقال: والله ما أرى إلا حميراء، فقالت: هتك الله سترك وقطع يدك وأبدى عورتك. فقتل بالبصرة وسلب وقطعت يده، ورمي عرياناً في خرابة من خرابات الأزد (2).
4 -
وفي الدفاع عن الإمام علي بن أبي طالب: (قال علي رضي الله عنه: يهلك فيّ رجلان: مبغض نقر، ومحب مطر (3).
عن شداد بن أبي عمار قال: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع رضي الله عنه إذ ذكروا عليا رضي الله عنه فشتموه فلما قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموه، إني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء علي وفاطمة وحسن وحسين رضي الله عنهم، فألقى صلى الله عليه وسلم عليهم كساء له ثم قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم اذهب
(1) ابن كثير: البداية والنهاية: 7/ 232
(2)
ابن كثير: البداية والنهاية: 7/ 231
(3)
الذهبي: سير أعلام النبلاء: 2/ 461
عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) قلت: يا رسول الله وأنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: وأنت، قال فوالله إنّها لأوثق عمل عندي.
وعن الحسن: أن رجلاً أتى الزبير وهو بالبصرة فقال: ألا أقتل علياً؟ قال: كيف تقتله ومعه الجنود؟ قال: ألحق به فأكون معه: ثم أفتك به، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن) هذا في المسند وفي الجعديات (1).
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سهل بن سعد قال: استعمل على المدينة رجل من آل مروان قال: فدعا سهل بن سعد فأمره أن يشتم علياً، قال: فأبى سهل، فقال له: أما إن أبيت فقل: لعن الله أبا التراب، فقال: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب، وإن كان ليفرح إذا دعي بها، فقال له: أخبرنا عن قصته لم سمي أبا تراب؟ قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة فلم يجد عليا في البيت فقال: أين ابن عمك؟ فقالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج، فلم يقل عندي، فقال رسول لله صلى الله عليه وسلم لإنسان انظر أين هو؟ فجاء فقال يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب، قم أبا تراب (2).
قال الإمام النووي: وفيه: استحباب ملاطفة الغضبان وممازحته
(1) انظر: ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: 3/ 492، الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 25
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل علي بن أبي طالب (2409)
والمشي إليه لاسترضائه (1).
وأخرج الإمام أبو داود في سننه عن رياح بن الحارث: قال كنت قاعداً عند فلان في مسجد الكوفة، وعنده أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فرحب به وحياه، وأقعده عند رجله، على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة، يقال له: قيس بن علقمة، فاستقبله، فسب وسب، فقال سعيد: من يسب هذا الرجل؟ قال: يسب عليا، قال ألا أرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبون عندك ثم لا تنكر ولا تغير، أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وإني لغني أن أقول عليه ما لم يقل، فليسألني عنه غداً إذا لقيته، أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة .. وساق معناه، ثم قال: لمشهد رجل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم عمره، ولو عُمِّر عُمْر نوح (2).
والعشرة قد ساقهم في حديث، وذلك أن رجلاً ذكر عليا عليه السلام فقام سعيد بن زيد فقال: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أني سمعته وهو يقول: عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت
(1) النووي: شرح مسلم: 15/ 191
(2)
أخرجه أبو داود في سننه كتاب السنة باب في الخلفاء (4638)، انظر: الذهبي: سير أعلام النبلاء: أعلام النبلاء: 3/ 44
العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت قال: فقالوا: من هو؟ فقال: هو سعيد بن زيد (1).
وكذا أنكر رضي الله عنه على الخطيب الظالم الذي عرض بعلي رضي الله عنه فقال: ألا ترى إلى هذا الظالم، فأشهد على التسعة إنهم في الجنة، ولو شهدت على العاشر لم أيثم، وجاء عند الترمذي: أن منهم أبو عبيدة بن الجراح (2).
قال العلامة المناوي: تبشير العشرة لا ينافي تبشير غيرهم أيضاً في غير ما خبر، لأن العدد لا ينافي الزائد. وقال سويد بن غفلة: كانت الخثعمية تحت الحسن، فلما قتل علي وبويع الحسن، دخل عليها، فقالت: لتهنك الخلافة، فقال: أظهرت الشماتة بقتل علي، أنت طالق ثلاثاً، فقالت: والله ما أردت هذا، ثم بعث إليها بعشرين ألفاً فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق (3).
ولما كان ما كان بين علي ومعاوية رضي الله عنهما من الحروب والفتن تطول عليهما بعض الجهلة وبعض من لا علم عنده، وإلا فإن معاوية رضي الله عنه كان يعترف بالفضل لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه. وذلك أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال: والله إني لأعلم أنّه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني، ولكن
(1) أخرجه أبو داود في سننه كتاب السنة باب في الخلفاء: (4637)
(2)
أخرجه الترمذي في جامعه كتاب المناقب باب مناقب عبد الرحمن بن عوف (3756)
(3)
المباركفوري: تحفة الأحوذي: 10/ 233، الذهبيِ: سير أعلام النبلاء: 4/ 135
ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما وأنا ابن عمه وأنا أطلب بدمه وأمره إلي؟ فقولوا له: فليسلم إليّ قتلة عثمان وأن أسلم له أمره، فأتوا علياً فكلموه في ذلك، فلم يدفع إليهم أحداً، فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع معاوية (1) ولذا قال رجل لأبي زرعة الرازي: إني أبغض معاوية، فقال له: ولم؟ قال: لأنه قاتل علياً، فقال أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فإيش دخولك أنت بينهما؟ رضي الله عنهما.
فقد رأى عمر بن عبد العزيز رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأبو بكر وعمر جالسان عنده: قال: فسلمت عليه وجلست، فبينما أنا جالس إذ أتى بعلي ومعاوية، فأدخلا بيتاً وأجيف الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج علي وهو يقول: قضى لي ورب الكعبة، ثم ما كان بأسرع من أخرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة.
ولذا لما سئل الإمام أحمد عما جرى بين علي ومعاوية قرأ {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} البقرة 134. قال ابن كثير: وكذا قال غير واحد من السلف.
ولما جاء خبر قتل علي رضي الله عنه إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم (2).
(1) ابن كثير: البداية والنهاية: 8/ 123
(2)
ابن كثير: البداية والنهاية: 8/ 142 - 125
قال ابن وهب عن مالك عن الزهري قال: سألت سعيد بن المسيب عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: اسمع يا زهري، من مات محباً لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وشهد للعشرة بالجنة، وترحم على معاوية كان حقاً على الله أن لا يناقشه الحساب.
وقال أبو توبة الربيع نافع الحلبي، معاوية ستر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه (1).
5 -
ومن النماذج الشريفة التي تدل على الدفاع والمنافحة وحسن الظن بالصحابة رضي الله عنهم:
ما أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث كعب بن مالك وفيه: وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة - تبوك - حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أعدو لكي أتجهز معهم، فارجع ولم أقض شيئاً، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً، فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئاً ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً
(1) ابن كثير: البداية والنهاية: 8/ 132 - 133
مغموصاً عليه النفاق، أو رجلاً من عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك، ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه، نظره في عطفه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
قوله "حبسه برداه نظره في عطفه": أي وحبسه النظر في عطفيه، أي جانبيه، وهو إشارة إلى أعجابه بنفسه ولباسه، وقيل: كنى بذلك عن حسنه وبهجته، والعرب تصف الرداء بصفة الحسن وتسميه عطفاً لوقوعه على عطفي الرجل. "برداه ": بضم الباء، يعني: الرداء والإزار، أو الرداء والقميص، وسماهما بردين؛ لأن الإزار والقميص قد يكونان من برد، والبرود: ثياب من اليمن فيها خطوط، ويحتمل أن أحدهما كان برداً، وتسميتهما بردين على طريقة العمرية والقمرين (2).
وفي الحديث: رد الغيبة: وفيه: جواز الرد على الطاعن إذا غلب على ظن الراد وهم الطاعن أو غلطه (3).
نسب كعب بن مالك رضي الله عنه إلى الزهو والكبر، وكانت نسبةً باطلة،
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المغازي باب حديث كعب بن مالك (4418)
(2)
العيني: عمدة القاري: 12/ 375، ابن حجر: فتح الباري: 7/ 723، النووي: شرح مسلم: 17/ 95، بن علان: دليل الفالحين: 1/ 96
(3)
ابن حجر: مرجع سابق: 7/ 730، النووي: شرح مسلم: 17/ 105،
بدليل رد العدل الفاضل معاذ بن جبل عليه كما قال "بئس ما قلت ": أي بئس هو قولاً قلت والله يا رسول الله ما علمت عليه إلا خيراً، وفيه جواز ذم المتكلم بالعيب والقبيح في حق المسلم ونصرة المسلم في غيبته والرد على عرضه، وما زعم من احتمال نافق القائل فيه نظر، لأن عبد الله أنيس لم يتهم بذلك، والأولى حمله على أنّه صدر منه ذلك من غير فكر وروية وقصد إلى معايبة القبيحة الردية، والله أعلم بحقيقة الحال (1).
(6)
ومن شواهد الدفاع:
عن أبي قزعة قال: بينما عبد الملك يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين - فذكر الحديث - وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين باباً شرقياً وباباً غربياً فبلغت به أساس إبراهيم (2) فقال له الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث بهذا، فقال: لو كنت سمعته قبل أن هدمه لتركته على بناء ابن الزبير (3).
- وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها صدقت أبا هريرة رضي الله عنه فيما بلغه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: من تبع الجنازة فله قيراط، فقال ابن
(1) ابن علان: دليل الفالحين: 1/ 97، الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 486
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الحج باب فضل مكة وبنيانها (1586)
(3)
ابن حجر: فتح الباري: 3/ 522
عمر رضي الله عنهما: أكثر أبو هريرة علينا (1).
ابن عمر لم يتهمه، بل خشي عليه السهو، ولذا لما بلغه ذلك تعاظمه، وقال لأبي هريرة: انظر ما تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى عائشة يسألها فصدقت أبا هريرة. وقالت في رواية " صدق أبو هريرة ". وفي رواية: فقام أبو هريرة فأخذ بيده فانطلقا حتى أتيا عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " فذكره " فقالت: اللهم نعم.
قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بينهما: بأن الرسول لما رجع إلى ابن عمر بخبر عائشة بلغ ذلك أبا هريرة فمشى إلى ابن عمر فأسمعه ذلك من عائشة مشافهة (2).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره؟ وأبو هريرة أحفظ منه، بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درساً، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ، وتبليغ ما حفظه كما سمعه، وهمة ابن عباس مصروفه إلى التفقة والاستنباط، وتفجير النصوص وشق الأنهار منها واستخراج كنوزها (3).
ولذا جاء في رواية الوليد، فقال أبو هريرة: لم يشغلني عن رسول الله
(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجنائز باب فضل إتباع الجنائز 3/ 233
(2)
ابن حجر: فتح الباري: 3/ 232
(3)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 94
صلى الله عليه وسلم غرس الودي ولا صفق الأسواق، وإنما كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلة يطعمنيها أو كلمة يعلمنيها، قال ابن عمر: كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمنا بحديثه (1).
ولقد شغب كثير من المتأخرين على الصحابي الجليل - أبي هريرة رضي الله عنه وذموه واتهموه؛ لأنه من حملة الحديث وحفاظه، بل هو أعظمهم.
فقد كان رضي الله عنه يجلس إلى حجرة عائشة فيحدث، ثم يقول: يا صاحبة الحجرة أتنكرين شيئاً مما أقول؟ فلما قضت صلاتها لم تنكر ما رواه لكن قالت: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث سردكم.
وكذلك قيل لابن عمر: هل تنكر بما يحدث به أبو هريرة شيئاً؟ فقال: لا، ولكنه اجترأ وجبنا، فقال أبو هريرة: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا (2).
ولما قال يزيد بن هارون: سمعت الشعبي يقول: كان أبو هريرة يدلس، قال الإمام الذهبي: تدليس الصحابة كثير، ولا عيب فيه، فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدول (3).
وقال العلامة محمد أبو شهبة: إن الكثرة الكاثرة من العلماء على خلاف هذا، وأن أبا هريرة بريء من وصمة التدليس بجميع أنواعه، وإنما قال هذا فئة قليلة جداً منهم: شعبة، والذين ذهبوا إلى هذا لم يريدوا
(1) ابن حجر: فتح الباري: 3/ 233
(2)
الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 252
(3)
الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 252
التدليس بالمعنى عند المحدثين، وهو المذموم، وإنما أرادوا معنى آخر، وإليك مقالة شعبة، قال يزيد بن هارون سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس، أي يروي ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يميز بين هذا وهذا (1).
وقال إبراهيم النخعي: كان أصحابنا يدعون من حديث أبي هريرة، وقال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة وقال: كانوا يرون في حديث أبي هريرة شيئاً، وما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار، أو حث على عمل صالح، أو نهي عن شر جاء القرآن به (2).
وقد قال الإمام الذهبي: هذا لا شيء، بل احتج المسلمون قديماً وحديثاً بحديثه؛ لحفظه وجلالته وإتقانه، وفقهه وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه، ويقول: أفت يا أبا هريرة.
وقال الإمام ابن كثير: وقد انتصر ابن عساكر لأبي هريرة، ورد هذا الذي قاله إبراهيم النخعي، وقد قال ما قاله إبراهيم لطائفة من الكوفيين والجمهور على خلافهم (3).
قال أبو صالح: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن بأفضلهم.
(1) أبو شهبة: دفاع عن السنة: 110
(2)
الذهبي: مرجع سابق: 3/ 525، ابن كثير: البداية والنهاية: 8/ 105
(3)
مراجع سابقة.
وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره (1).
وقد ذكر المفترون جملة من المطاعن على الصحابي الجليل أبي هريرة، تصدى لها العلماء في القديم والحديث، ففندوها وبينوا زيفها، (فإن أبا هريرة كان ثبتا راوياً حافظاً أميناً والذين تولوا كبر هذا الإثم لم يكونوا على شيء من العلم والإنصاف، وإنما يريدون من وراء ذلك الطعن في الإسلام من طريق تجريح رواة الحديث وحملته)(2).
والطاعنون في أبي هريرة رضي الله عنه لم يسلموا غالباً من شر أقوالهم:
قال القاضي أبو الطيب: كنا في مجلس النظر بجامع المنصور، فجاء شاب خراساني فسأل عن مسألة المصراة، فطالب بالدليل، حتى استدل بحديث أبي هريرة الوارد فيها، فقال - وكان حنفيا - أبو هريرة غير مقبول الحديث، فما استتم كلامه حتى سقط عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فوثب الناس من أجلها، وهرب الشاب منها وهي تتبعه، فقل له: تب، تب، فقال: تبت، فغابت الحية فلم ير لها أثر.
قال الإمام الذهبي: إسنادها أئمة، وأبو هريرة إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول عليه الصلاة والسلام، وأدائه بحروفه، وقد أدى حديث المصرّاة بألفاظه، فوجب علينا العمل به، وهو أصل برأسه (3).
(1) ابن كثير: البداية والنهاية: 8/ 102، النووي: تهذيب الأسماء واللغات: 2/ 145
(2)
انظر: البنا: الفتح الرباني: 22/ 412، أبو شهبة: دفاع عن السنة: 94
(3)
الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 529
وقد أفاض شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على من ادعى أن أبا هريرة لم يكن من فقهاء الصحابة (1).
وقد ذكر الإمام ابن تيمية القصة السابقة وذكر فيها: فطعن في أبي هريرة، فوقعت حية من السقف وجاءت حتى دخلت الحلقة وذهبت إلى ذلك الأعجمي فضربته فقتلته.
ثم قال: ونظير هذا ما ذكره الطبراني في كتاب السنة عن زكريا بن يحي الساجي قال: كنا نختلف إلى بعض الشيوخ لسماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسترعنا في المشي ومعنا شاب ماجن، فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة، لا تكسروها، قال: فما زال حتى جفت رجلاه، ولهذا نظائر (2).
وعن عمر بن حبيب قال: حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة تنازعها الحضور وعلت أصواتهم، فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع بعضهم الحديث وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم: لا يقبل هذا الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن أبا هريرة متهم فيما يرويه، وصرّحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم، ونصر قولهم، فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو هريرة صحيح النقل، صدوق فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن غيره، فنظر إليّ الرشيد نظر مغضب، وقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل:
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 532
(2)
ابن تيمية: مجموع الفتاوى: 4/ 538
صاحب البريد بالباب، فدخل فقال: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنط وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك، وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه، فسلّمني منه، فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب، حاسر عن ذراعيه بيده السيف وبين يديه النطع، فلما بصر بي قال لي: يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد من الرد والدفع لقولي بمثل ما تلقيتني به، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الذي قلته وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما جاء به، إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول، فرجع إلى نفسه ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله، وأمر لي بعشرة آلاف درهم.
وعن مالك بن أبي عامر قال: جاء رجل إلى طلحة فقال: أرأيتك هذا اليماني: هو أعلم بحديث رسول الله منكم - يعني: أبا هريرة - نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم؟ قال: أما أن قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع فلا أشك وسأخبرك: إنا كنا أهل بيوت، وكنا إنما نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم غدوة وعشية، وكان مسكيناً لا مال له، إنما هو على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا أشك أنّه قد سمع ما لم نسمع، وهل تجد أحداً فيه خير يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله (1).
(1) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 16/ 253، الذهبي: سير أعلام النبلاء: أعلام النبلاء: 3/ 17
قلت: ولقد سمعت الشيخ العلامة: محمد بن محمد المختار الشنقيطي، في أحد دروسه بجدة، يحكي عن أحد العلماء المعاصرين، ذهب إلى بلد، كان فيها رجل قد سلط قلمه ولسانه في الطعن على أبي هريرة رضي الله عنه فذهب إليه كي ينصحه ويعظه ويحاوره، فلقيه وهو في ساعاته الأخيرة يحتضر، فقال: فبدأ وجهه بالتغير، ثم تلفظ وقال: آه آه أبو هريرة، أبو هريرة ثم مات على ذلك، نعوذ بالله من الخذلان.
(7)
ومن الشواهد:
قال إسماعيل بن قيس: بلغ بلالاً رضي الله عنه أن ناساً يفضلونه على أبي بكر! فقال: كيف يفضلوني عليه، وإنما أنا حسنة من حسناته!. وعن سالم: أن شاعراً مدح بلال بن عبد الله بن عمر، فقال: وبلال عبد الله خير بلال، فقال ابن عمر: كذبت، بل وبلال رسول الله خير بلال (1).
قال أبو عبد الرحمن الطائي: قدم أسامة على معاوية، فأجلسه معه، وألطفه، فمد رجله، فقال معاوية: يرحم الله أم أيمن، كأني أنظر إلى ظنبوب ساقها بمكة، كأنه ظنبوب نعامة خرجاء، فقال: فعل بك يا معاوية، هي - والله - خير منك، قال: يقول معاوية: اللهم غفراً، والظنبوب: هو العظم الظاهر، والخرجاء: فيها بياض وسواد (2).
وسبق أن ذكرنا: أن رجلاً نال من عائشة رضي الله عنها عند عمار بن
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 158 - 155
(2)
الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 476
ياسر فقال: اغرب مقبوحاً منبوحاً، أتؤذي حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الترمذي: هذا حديث حسن (1).
وقوله: " اغرب مقبوحاً منبوحاً ": أي: أبعد، كأنه أمره بالغروب والاختفاء، والمنبوح: من يطرد ويرد (2).
وعن أبي قتادة قال: كنا مع عمران بن حصين وثَمّ بشير بن كعب، فحدث عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(الحياء كله خير) أو قال (الحياء كله خير) فقال بشير بن كعب: إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقاراً، ومنه ضعفاً فأعاد عمران الحديث، وعاد بشير الكلام، قال: فغضب عمران حتى احمرت عيناه، وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن كتبك، قال: قلنا: يا أبا نجيد، إيهٍ إيهٍ (3).
وجاء في صحيح الإمام مسلم، قال: فما زلنا نقول فيه: إنّه منا يا أبا نجيد، إنّه لا بأس به (4).
قال الإمام القرطبي: معنى قول بشير: أن من الحياء ما يحمل من حبه على الوقار، بأن يوقر غيره ويتوقر هو في نفسه، ومنه ما يحمله على أن يسكن
(1) أخرجه الترمذي في جامعه كتاب المناقب باب فضل عائشة رضي الله عنها (3897)
(2)
المباركفوري: تحفة الأحوذي: 10/ 357
(3)
أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب باب في الحياء (4788)
(4)
أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب بيان عدد شعب الِإيمان (37)
عن كثير مما يتحرك الناس فيه من الأمور التي لا تليق بذوي المروءة (1).
وقال الإمام النووي: وأما إنكار عمران رضي الله عنه فلكونه قال منه ضعف، بعد سماعه قول النبي صلى الله عليه وسلم: أنّه خير كله، ومعنى: تعارض: تأتي بكلام في مقابلته وتعترض بما يخالفه (2).
وقيل: إنما أنكره عليه من حيث أنّه ساقه في معرض من يعارض كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام غيره (3).
والشاهد من الحديث، قولهم: إنّه منا لا بأس: معناه: ليس هو ممن يتهم بنفاق أو زندقة، أو بدعة أو غيرها مما يخالف به أهل الاستقامة.
ومعنى: " إيهٍ إيهٍ ": أي حسبك، والمعنى والله أعلم: يا أبا نجيد حسبك ما صدر منك من الغضب والإنكار على بشير، فإنه منا ولا بأس به، فاسكت ولا تزدد غضباً وإنكاراً (4).
قلت: غضب عمران رضي الله عنه غضباً على السنة، ودفاع من كان معه عن بشير وهو تابعي جليل، دفاع إحسان ظن، وهو تابعي، فكيف إذا اتهم صحابي عندهم.
ومن الشواهد:
(1) انظر: العظيم آبادي: عون المعبود: 8/ 194
(2)
النووي: شرح مسلم: 2/ 366
(3)
العظيم أبادي: مرجع سابق
(4)
مراجع سابقة.
أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استخلف، فعزل خالد بن الوليد، وولي أبا عبيدة بن الجراح، فبلغ عمر أن أبا عبيدة حُصر بالشام، ونال منه العدو، قال زيد عن أبيه: بلغني أن معاذاً سمع رجلاً يقول: لو كان خالد بن الوليد، ما كان بالناس دونك، وذلك في حصر أبي عبيدة، فقال معاذ: فإلى أبي عبيدة تضطر المعجزة لا أبا لك، والله إنّه لخير من بقي على الأرض (1).
ولما قالوا لعثمان استخلف، أي للحج؛ لأنه أصابه رعاف سنة الرعاف، حتى تخلف عن الحج وأوصى، فقالوا له: استخلف، فقال عثمان: قالوا: الزبير؟ قالوا: نعم، قال: أما والذي نفسي بيده إن كان لأخيرهم ما علمت، وأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (2).
وأختم بما أورده ضياء الدين المقدسي بسنده قال: بلغ ابن عمر أن رجلاً نال من عثمان، فدعاه فأقعده بين يديه فقرأ عليه [لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] قال: من هؤلاء أنت؟ قال: لا، ثم قال:[وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ] أمن هؤلاء أنت؟ قال: لا، ثم قال: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3/ 7
(2)
الذهبي: سير أعلام النبلاء: 4/ 24
تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ
…
] أمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: لا والله، ما يكون منهم من يتناولهم في قلبه الغل عليهم (1).
ونحن نقول دعاء المؤمنين، ونسأل الله تعالى أن يحشرنا معهم أجمعين [رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ
…
].
(1) ضياء الدين المقدسي: النهي عن سب الأصحاب: 9