الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 -
معاناة الإرهاب
دعت جبهة التحرير الوطني، جماهير الشعب الجزائري لإضراب (الأيام الثمانية) الشهير (في كانون الأول - ديسمبر - 1960) ونقلت وكالة أنباء أمريكية مشاهداتها بقولها:
(لقد جبنا حي القصبة هذا الصباح بصحبة نفر من الصحافيين الأجانب. وبدلالة فتى مسلم. فكنا فيه شهود غليان لا يوصف: الشرفات والأسطحة سوداء بما عليها من النساء اللائي يمزقن الجو بصيحات النخوة التقليدية. الرجال في الشارع يهتفون: (فرحات عباس في الحكم) و (الجزائر إسلامية!) ويلوحون بعلم جبهة التحرير الوطني. الجدران كانت مغطاة بشعارات الولاء للجبهة، سطرت حديثا بمداد أحمر.
بعد أن اجتزنا نطاق الشرطة - البوليس -. صرحنا بأننا صحفيون أجانب. وسرعان ما تواثب رهط من الأدلاء، ليطوفوا بنا حي القصبة بتعاريح أزقته الكثيفة البنيان. لم تحدث أبدا من قبل مظاهرة بهذا الشمول في حي القصبة. (إنها الثورة). كانوا يصرخون في وجوهنا (سنقاتل حتى النهاية).
حدث في يوم الأحد ما لم يكن في الحسبان، بسبب رسوخ خرافة (الجزائر المستكينة). حدث اليوم: تحركت القصبة. هبطت إلى باب العويد. وعلى مسافة سبعة أو ثمانية كيلومترات كان مسلمو غربي الجزائر يحذون حذوهم: سكان بلكور، وحارة الساقية الذين كانوا يسدون الطريق دائما على القوات الخاصة والمظليين، حاملين ذات الشعارات، والأعلام، وصور فرحات عباس.
(منذ ستة أعوام ونحن ننتظر هذا اليوم) هذا ما كان يقوله فتى عربي، لم يلبث وابل من الرصاص أن أرداه قتيلا) (1).
وكتب جندي عن الإرهاب، ومعاناته:
اليوم هو (11 آذار - مارس - 1956) ولدي بعض التفاصيل عن العملية الشهيرة التي وقعت ذات ليلة، فقد حاول جندي استجواب النساء، متهددا إياهن بذبح طفل صغير عمره خمسة أعوام. وعندما كانت عملية التعذيب تجري مع قائد من قادة الثوار، كان باب الغرفة مفتوحا لتشاهد النساء من خلاله كل ما يجري. إن هذه الطريقة من التعذيب تتلخص في ربط الإنسان، ووضع عصا تحت ركبتيه، ثم رفعه وتركه ملقى على ظهره. وهناك أحواض الماء يغمس فيها رأس المشبوه حتى يختنق، وهناك الطريقة العادية، وهي الجوع والعطش.
دخلت في أحد الأيام إلى المطبخ، أبحث عن أكل أقدمه لسجين، بقي مهملا في خيمة منزلة عن غيرها. فناولني الطباخ بعضا من الخبز. وعندما طلبت منه قطعة لحم، وقال: إن في هذا
(1) فرانس - أو بسرفاتور 15 كانون الأول - ديسمبر - 1960.
ما يكفي لسد رمقه، إنها أوامر، فذهبت لأخذ اللحم والخبز من بيتي. لقد تجلدت قدما هذا السجين منذ ثمانية أيام. ففي إحدى الليالي، شددت القيود التي أوثقت بها قدماه. ولم يصبح الصباح حتى تجمدت رجلاه لشدة البرد وقسوته. رأيته في هذه الحالة، .. جروح ضخمة حمراء،
…
تقشر بالجلد
…
سواد في الأذنين، إن الطبيب عاجز عن معالجته، فقد أخذ التعفن في الانتشار، فلماذا لم يأخذوه إلى مدينة (خنشلة) لإسعافه؟ الظاهر أن ضابط الشؤون الأهلية (الساس) يريد أن يتولاه بنفسه، لأنه ثائر ألقي القبض عليه والسلاح في يده. وقد يكون هلاكه بالقروح والجوع. وبالأمس، رجعت إلى السجن، فوجدت السجين الذي قدمت له الخبز أنا و (ط) قد اختفى) (1).
وكتب مجند آخر:
(كنت أقوم بدور (عامل اتصال) في قرية مرتفعة، يوم بدأت القوات بتنفيذ ما أطلقت عليه اسم (مناورة التطويق) فشاهدت إحدى عشرة قرية تحترق، ويتصاعد الدخان إلى السماء من جميع (المشاتي)(2) وكنت أستطيع متابعة حركة القوات من خلال مشاهدة تأجج النار في الطواحين والبيوت المتواضعة (الأكواخ) والممتدة تحت بصري. وتبع ذلك في الأيام التالية، قيام الجنود بأعمال النهب والسلب في جميع القرى، حتى أصبحت كافة المحلات التجارية خالية خاوية، فالأموال سرقت، والبضائع اتلفت
…
أما
(1) المجندون يشهدون 2/ 27 - حرب الإبادة في الجزائر (مصلحة الدعاية والاستعلامات لجبهة التحرير الوطني) ص 13.
(2)
المشاتي (جمع مشتى) ويطلق هذا اللفظ في الجزائر على القرية الصغيرة في الريف.
النساء فقد جمعن في مكان منعزل للتأثير على رجالهن، ومنعن من الخروج حتى لقضاء احتياجاتهن الضرورية. وبدأ الاستجواب والتحقيق أثناء ذلك مع الرجال حتى ينتزعوا منهم الاعترافات التي يريدونها. وكان من بين المحققين (رجال الاستنطاق) ثلاثة من كتاب البولس الشرعي، جاؤوا بهم للاستعانة (بخبراتهم). وأخبروني بعد انتهاء التحقيق أنهم حصلوا على نتائح أفضل من تلك التي حصل عليها (رجال الجيش الأغرار). ثم أخذوا يتهامسون بأن مائة وخمسين رجلا على الأقل قد اعترفوا بأنهم شاركوا، أو علموا، بالكمين الذي نصب ضد الملازم (ن) وتقرر إعدام هؤلاء الرجال، رميا بالرصاص، بعد الانتهاء من العملية، في الساحة العامة، سواء منهم من كان ينتسب لمنظمة القرية العسكرية أو السياسية، ولا أعلم ما حدث بعد ذلك، لأني ذهبت) (1).
(لقد ألقي القبض في - المشتى - وهو لا يزال مسكونا، على ابنتين لرجل غائب ومعروف بانتمائه لجبهة التحرير الوطني. وقد سار الجند بالبنتين، وعمر أولاهما (18 سنة) والثانية (16 سنة) وقاموا بتسليمهما إلى جند اللفيف الأجنبي، فقضى الجند ليلة في الاستمتاع بهما، ثم عملوا على إعدامهما في الصباح، إخفاء للجريمة) (2) وقيل إن عامل العمالة (الولاية) قد أصدر أمره بتدمير هذه القرية وإبادة أهلها غير أن القائد العسكري، أصدر أمره بإخلاء القرية من مكانها قبل تسليط المدافع عليها وتدميرها. ولقد وقعت أثناء عملية إخلاء القرية عمليات (اغتصاب شنيعة) ذهجت ضحيتها
(1) المجندون يشهدون. ص (82).
(2)
المجندون يشهدون. ص (34).
كثيرات من البنات الأبكار، وكانت هذه الفرقة العسكرية قد اشتهرت شهرة واسعة بممارسة هذه الأعمال، يتقدمها في ذلك قائدها) (1).
وكتب (راهب) يحمل رتبة ضابط، في مذكراته اليومية: (لا أتحدث كثيرا عن القسوة البالغة، والتعذيب الوحشي، وإلقاء القنابل على الدواوير والمشاتي بما فيها من نساء وأطفال ومواشي. ولا أتكلم عن أقصوصة التقتيل التي قام بها جنود المظلات. إذ من السهل على كل مسافر بالقطار الحديدي أن يشاهد على طول الطريق آثار دمار الحرب بادية في جميع المشاتي التي يمر بها، كما يشاهد حطام دور المساكن الأهلية التي أشعلت فيها أسلحتنا النيران
…
إن كثيرا منا يؤيدون (الانتقام) وقلة هم الذين يستنكرون هذه الطريقة التي تحرمها كل المبادىء الإنسانية. وكثيرا ما يغمر الفرح والسرور أولئك الجنود عندما يقومون بأعمال التعذيب والتنكيل، لقد شاهدت ملازما يعتز بصورة أخذت له، وهو يجر محراث المزرعة التي حطم بها المباني، وأطبق تحتها جثث السكان. ومن أجل هذه الأعمال الإجرامية، أصبح الأهالي يهجرون مساكنهم فرارا من الهلاك المحقق. إن الجيوش الفرنسية تقوم غالبا بتهديم المنازل وإحراقها دون شفقة ولا رحمة بساكنيها. ولقد أفضى إلي أحد الجنود بقوله:(هذا جميل جدا، يجب إحراقهم في مساكنهم الحقيرة بلا شفقة لأنهم لا يفهمون إلا بهذه الطريقة لسفالتهم)(2).
وقع كمين قرب مدينة (باتنه) في أوائل شهر أيار - مايو - 1956
(1) المجندون يشهدون. ص (82).
(2)
ضد أعمال التعذيب (بيير هنري سيمون) ص 83.
وسقط فيه اثنان من رجالنا - الفرنسيين - فألقي القبض على (15) رجلا من الذين اشتبه بأمرهم، واستجوبوا، وعذبوا، ثم أعدم (14) منهم رميا بالرصاص.
ووقع اعتداء على أحد الجنود الفرنسيين قرب مدينة (تبسة) في أوائل شهر أيار (مايو) أيضا. فجمع رفاقه أمرهم، وهاجموا المقاهي العربية، وأطلقوا الرصاص على كل من كان فيها من المدنيين، ثم ألقوا القنابل على المساكن. ومن الغد، سمح الرائد - الكومندان - لجنوده باستباحة المدينة ساعة كاملة، وأن يفعلوا فيها ما يشاؤون، وذلك في حالة وقوع اعتداء عليهم أثناء دفن رفيقهم. ولكن لم يقع أي اعتداء لحسن الحظ.
وفي اليوم الحادي عشر من شهر أيار (مايو)1956. كانت فرقة من جنودنا تجتاز مضيقا قرن مشتى بجهة (هلنسور). وأطلقت طلقتان أو ثلاث ضد جنودنا، فصدرت الأوامر بإزالة كل أثر للحياة من المشتى. فقتلنا على الأقل (79) رجلا وامرأة وصبيا.
وفي يوم 28 نيسان (أبريل) 1956، كان قد وقع اعتداء بمدينة قسنطينة على أحد جنود المظلات، فأردي قتيلا، فتجمع رفاقه وساروا إلى ثكناتهم، وحملوا بنادقهم، وهاجموا المدينة، وشنوا حملة انتقامية ضد السكان المدنيين. وقد وقعت عملية من النوع ذاته في مدينة (بسكرة) عند نهاية شهر تموز (يوليو) ونجم عنها قتل ما بين (26) و (31) من المدنيين، وجرح أربعين منهم (1).
…
(1) المجندون يشهدون. ص 32 و 33.
ذكر يوم 15 آب - أغسطس - 1956 أن السلطات الإفرنسية أعدمت (95) ثائرا جزائريا - رميا بالرصاص - واستطاع الفرنسيون بعد هذه العملية أن يصادروا ثلاث بنادق صيد من السكان - الأهلين -ونظرا لانعدام النسبة بين عدد الضحايا وعدد البنادق التي أمكن مصادرتها، نفقد خفض البلاغ الرسمي عدد القتلى من (95) الى (45). ويشير كشف الأسماء على أن هؤلاء القتلى، يضمون بينهم نساء وأطفالا، من بينهم طفل عمره ثلاث سنوات، كما جاء في محضر الشرطة - البوليس - ذاته.
…
خرجت قوة فرنسية على شكل مجموعتين تضم كل مجموعة مائتي رجل يومي 3 و4 - أيلول - سبتمبر - 1956 ولما وصلت إلى (دوار مزرنا) في غرب (سرياط) تحت قيادة النقيب (س) والملازم (ر) في الساعة السادسة صباحا. قتلت (5) رجال من العرب، على بعد (200 - م) من المعسكر. وذلك بعدما رفض الملازم الذي كان يقود إحدى المجموعتين القيام بهذا العمل. ثم أخدت القوات بإطلاق النار على السكان الذين أخذوا في الفرار على أثر وصول القوة الإفرنسية، وأصيب صبي برصاصة اخترقت فخذه. ثم بدأت عملية إلقاء القبض على الرجال الأشداء، وسوقهم الى قرية (تابلاط). فيما كانت إحدى الجماعات توقد النيران في الجبال. وعندما اقتربت القوة الفرنسية من القرية - تابلاط - أصاب الهلع نفوس النساء والأطفال .. بمجرد رؤيتهم للقوات الفرنسية (1).
…
(1) ملف الجندي (جان ميلير) ص 14.
جاءنا تقريران من ناحية (عنابة) في شهر نيسان - أبريل - 1956، وقد أفاد أحدهما بأن فرقة من المدفعية صوبت سلاحها في المساء نحو جملة (مشاتي) مجاورة. حتى إذا ما انتصف الليل، وصدرت بعض الطلقات المزعجة - من جانب الثوار، أفرغت المدفعية حممها على المشاتي ودمرتها، على رؤوس سكانها، من غير اهتمام لمعرفة ما إذا كان هؤلاء الأهالي مسؤولين أو غير مسؤولين عن طلقات النار التي أزعجتهم. وقد علمنا أنه تم تنفيذ عمليات مماثلة مرات عديدة في ناحية (سطيف) وعدد من النواحي الأخرى في شهر آب - أغسطس - 1956. أما التقرير الآخر، فيشير إلى أنه حدث في أوائل شهر تشرين الأول - أكتوبر - أن وقعت ثلاث عربات في كمين ليلي، وكانت هذه العربات تابعة للإدارة البلدية وتسير على طريق جبلي. وقد أطلق أفراد الكمين سراح السائقين، وقذفت العربات من أعالي الجبل - وفي اليوم التالي، أصدر الملازم قائد الرتل أمرا بالرمي على أية قرية، من غير تحديد، فنصبت مدافع الهاون (60 مم) في اتجاه قرية قيل أنها لم تستقبل القوات الإفرنسية استقبالا حسنا. وقذفت بعدد من القنابل لم تعرف نتائجها. ولكن ذكر بأن إحدى هذه القنابل أصابت امرأة وشطرتها إلى قسمين. أما الخسائر المادية فهي غير مهمة (1).
ووقعت قوة فرنسية في كمين بالقرب من (سانتونج) في أوائل شهر تشرين الأول - أكتوبر - 1956. فقتل عدد من الجنود الإفرنسيين كما جرح آخرون. وعلى الأثر أصدر الملازم أمره بتهديم ثلاثة قرى وإبادة جميع الرجال بحجة الانتقام لقتلى الفرنسيين
(1) المجندون يشهدون. ص 34 و 41.
والثأر لهم. غير أن عملية الانتقام لم تقتصر على الرجال، فقد تمت إبادة جميع السكان، بمن فيهم من النساء والأطفال الذين قتلوا عن آخرهم (1).
هذا، وقد استمرت عمليات تدمير العشائر بصورة متواصلة، ورجع قادة طائرات الاستطلاع، وأفادوا بأنهم لاحظوا من طائراتهم عدة قرى مدمرة تدميرا تاما، وهناك وحدات من الجيش قد تعودت على تدمير الديار المجاورة عقب كل كمين يقع لها. وأصبحت هذه العادة معمولا بها في سائر أنحاء القطر الجزائري (2). وهذا ما أكده (الملازم س) الذي قال:(كلما وقع كمين ومات فيه رجل من رجالي، أعمد إلى أول قرية أجدها في طريقي، ثم أجمع كل رجالها، وأعدم نصفهم بدعوى أنهم لم يخبروا الجند الفرنسي بوجود كمين في ذلك المكان)(3).
ذكر جندي ما يلي: قام أحد الفدائيين بقتل (الكوميسار المركزي سنمارسلي) في الساعة التاسعة والنصف من يوم 29 آذار - مارس - 1956، وعلى الأثر، حمل ابن القتيل السلاح، وأخذ يتصيد كل عربي يصادفه، فقتل اثنين على الفور، وأصاب ستة آخرين بجراح خطيرة، لم يلبث أن مات اثنين منهم. وفي المساء، وقعت عملية تفتيش ضخمة، حشد فيها خمسة عشر ألفا من سكان المدينة، وسيقوا إلى (الكدية) حيث توجد (الكوميسارية المركزية). وقد اغتنم بعض الرجال معاوني الشرطة - البوليس -
(1) المصدر السابق. ص 32.
(2)
المصدر السابق. ص 65.
(3)
المصدر السابق. ص 27.
هذه الفرصة فانطلقوا لتدمير واجهات المخازن التجارية، وحطموا (300) متجرا منها، ونهبوا منها كل ما اعتقدوا أنه ثمين. وقد انتهكت أثناء هذه العملية حرمة مسجدي (سيدي عبد الرحيم) و (سيدي بو مغرف). وتم إعدام (13) رجلا. خمسة منهم تحت جسر (سيدي راشد) وثمانية منهم على طريق (الخروب). ولم يظهر أبدا أن واحدا من هؤلاء الذين تم إعدامهم قد قام بنشاط إرهابي. وهم (رابح - منتج ألبان) و (بودور - وهو موظف شيوعي يعمل بالخط الحديدي) و (نزار - مثل السابق، وقيل إنه شيوعي أيضا) و (عجابي محمد الطاهر - موظف بالمستشفى الوطني بقسنطينة - وكانت نقابات جامعة العمال) و (أحمد رضا حوحو - كاتب معهد عبد الحميد بن باديس ورئيس جمعية أحباب الفن والموسيقى) و (بو علاق - وهو تاجر ومن أعضاء حزب البيان سابقا) و (بوزو - وهو موظف بإدارة المنح العائلية) و (رنارمي - الموظف بشركة الكهرباء والغاز)(1).
وقال مجند: خرجت الفرقة الثانية التي أنتمي إليها بقيادة الملازم (س) في ليل 7 - 8 آذار - مارس - 1956 وهي تحمل معها جهازا لاسلكيا ووسائط دعم مختلفة. وذلك لتنفيذ مهمة البحث عن الأسلحة وكان معنا بعض جنود المظلات. وقمنا على الفور بمحاصرة (مشتى) من المشاتي. واقتحم رجالنا بيوته. وألقوا القبض على جماعة من أهله. وأخذوا بضربهم ضربا مبرحا بالأيدي، ثم بالسكاكين، حتى غرقت أيدي رجالنا بالذماء، وكان بعضهم فخورا بذلك. واستخدم قائد فصيلتنا قدميه لرفس (لبط)
(1) المصدر السابق. ص 5.
من كان يقال أنهم من (المشتبه بهم) حتى أنه بقي يومين وهو يشكو من الألم. وكان الملازم الآخر يكتفي باستعمال قدميه لضرب الرجال على خصيتيهم. واستمرت العملية على هذا الشكل ثلاث ساعات متوالية. ثم جمعنا كل النساء والرجال في جهة واحدة، وجمعنا في الجهة المقابلة أفراد قوتنا. إننا نستعد للانتقام لقتلانا. فأطلق جماعة منا النار على ثلاثة من القرويين وراء ظهورهم فسقطوا أمواتا في الحين. ثم ألقينا على المشنى قنبلة مما يستعمل ضد المصفحات (بازوكا). ولم نجد خلال هذه العملية أي أثر للأسلحة التي زعمنا أننا قد خرجنا للبحث عنها. وقد عدنا ببعض الرجال. وقد عذب واحد منهم إلى درجة أن معالم وجهه تغيرت وبات من الصعب التعرف عليه. ثم أجهز عليه رجالنا بعد يومين، وتطوع بعض رجالنا بدفنه في المرحاض. أما الآخر فقد شد من كتفيه بقيود وذلك بعد تهشيمه، فأصاب التعفن كثيرا من أعضاء جسمه. وكان رجالنا رغم ذلك يذهبون إليه، ويتبارون في تعذيبه إلى أن مات من جراء التعفن رغم الجهود التي بذلها أحد معاوني الأطباء.
مات عندنا رجل آخر من المشتبه بأمرهم وذلك قبل رحيل فرقتنا بيومين، من جراء تجمد أعضائه. فدفناه في المرحاض أيضا. وأكد لي (م) أن الحادث وقع فعلا. كما أكد لي (ل) أنه كان لدينا ستة رجال بصفة رهائن، يوم وقع الكمين الذي أودى بحياة ستة من رجالنا. فجاء جماعة منا وأخذوا الرهائن الستة وذهبوا بهم بحجة استخدامهم في (سخرة الحطب). وقد قص علي (ب) قصة قائد الفصيلة الذي كان يعدم الرجل منهم بأن يرغمه على الجثو على ركبتيه، ثم يطلق رصاصة على كبده، ولا يكاد يسقط على الأرض حتى يذبحه بسكينه. وينتظر فراغه من الدم، ثم يطلق عليه رصاصة
في أم رأسه. وعندما كنت عائدا، لاحظت فيما بين بلدتي (قابس) و (خنشلة) عددا من القرى المحترقة. وبحثت عن سبب ذلك، فتبين لي أن قوة من جنود المظلات قد وقعت في كمين بهذه الناحية منذ أسبوع. وخسرت اثنين من رجالها. ثم جاءت قوات الدعم فأطلقت عليها رصاصة من إحدى الديار، فبادر المظليون إلى إحراق دور القرية جميعها.
انطلقت في الساعة الحادية عشرة صباحا (1100) من يوم 7 آذار - مارس. نيران مدفع رشاش. ورأيت على بعد جماعة من العرب يفرون، ثم سقط أحدهم على الثرى. فجرى الجند نحوه. وكان الرجل يتخبط بدمه ويحاول النهوض، فضربه أحدهم برصاصة اخترقت صدره، واستطاع مع ذلك أن يسير مسافة كيلومتر كامل. وهو يعالج الآن في مستشفى (خنشلة) وقد تبين فيما بعد أن هذا الرجل كان قادما من عند ضابط المخابرات. وفي المساء، عمل الملازم (س) ورجاله من المظليين على تعذيب الجماعة المأسورة
من العرب. وبدؤوا عملهم بضرب الأرجل على الخصيتين، والصفع بالأيدي على الوجوه والصلب من الأيدي ومن الأرجل. وكان رفاقنا يمرون وينظرون ويسمعون صراخ المعذبين. وقيل أنهم اعترفوا بأشياء كثيرة. وعندما شاهد الملازم جنوده وهم يتابعون أعماله، سألهم: لماذا تنظرون هكذا؟ فأجابوه: نحن نتلقى عنك الدروس الصالحة أيها الملازم. فقال لهم: هذا حسن. لكن لا تبقوا هنا وسأتولى بنفسي تعليمكم هذه الأعمال في فرصة أخرى (1).
كانت الحركة عظيمة في معسكرنا بالأمس (بداية آذار - مارس -
(1) المجندون يشهدون. ص 26 - 27 و 29.
1956) فقد وقعت عربتا نقل تابعتان لقوة المظلات في كمين نصبه الثائرون. وكانت نتيجة الكمين أن قتل ضابط صغير وجندي فأخذت فرقتنا تستعد للرد، والانتقام، وتحركت راجلة نحو السهل في الساعة الرابعة صباحا. وبدل أن تذهب لإمداد القوة التي وقعت في الكمين. توجهت قوتنا نحو قريتين من القرى المجاورة لنا. وهناك بدأت عملية التفتيش واعتقال الرجال، وضربهم المبرح. وكانت القريتان على بعد خمسمائة متر من معسكرنا، وعلى بعد ثمانية أو تسعة كيلومترات من مكان الكمين. ولكن رجالنا وقع اختيارهم على القريتين لصب جام الانتقام عليهما. وباشرت الفرقة الأولى عملية السلب والنهب، فلم تترك شيئا إلا أخذته. أما قوتنا فقد كان سلوكها أفضل، وبعد هذه العملية صعدنا فوق هضبة وأخذنا نشاهد هجوم الطائرات المقاتلة على القرى وتدميرها لها، وكأننا على مسرح.
وخلال هذه الفترة، من شهر آذار - مارس - ألقى أحد الفدائيين في (وادي الزناتي) قنبلة على جندي فرنسي، فأصابه بجرح خطير، وجاء رد الفعل الفرنسي سريعا جدا. إذ وقع الهجوم على الحي المجاور للمنطقة التي وقع فيها الاعتداء. وسيق كل المسلمين الذين يسكنونه إلى مركز الدرك - الجندرمة - حيث قضوا كامل الليل، ثم وقع اختيار الدرك على ستة من الرجال أعدموا فورا. وأذيع بيان على الأهلين بأنه سيعدم من بينهم ثلاثون رجلا كلما وقع اعتداء على أحد الجنود الفرنسيين. وفي اليوم التالي. أطلق رجال
الشرطة - البوليس - سراح ستة من المسلمين، كان قد ألقي القبض عليهم منذ أسبوع، ولم تثبت إدانتهم بشيء، فتسلم العسكريون فورا هؤلاء الستة وذهبوا بهم. وفي صبيحة يوم الاثنين (26 - آذار - مارس) اكتشف الناس جثث هؤلاء الستة في المكان المعروف باسم
(منجم أ. أ.) وصدرت الصحف يوم الثلاثاء، وهي تحمل بلاغا عسكريا يقول:(إنه قد وقعت معركة قرب (منجم أ. أ.) أسفرت عن مقتل ستة من الثائرين.
يمكن هنا الإشارة الى تلك الرسالة التي تحمل تاريخ 30 نيسان - أبريل - 1956. والتي تضمنت ما يلي:
(أطلق أحد الفدائيين النار على أحد حراسنا منذ (12) يوما، فأصابه بجراح. وذلك على مقربة من إحدى القرى. فهاجم جندنا القرية، وأخرج سكانها. واختار من بينهم عشرة رجال تم إعدامهم فورا.
وكانوا من العمال في المنجم المشهور. وارتاع سكان القرى، فأخلوها والتجأوا جميعا إلى القرى المجاورة. وكان السكان الأوروبيون يرون هذه الحادثة، وهم يذرفون الدموع لأن هؤلاء العمال الذين أعدموهم كانوا رفاقا لهم، وكانوا يعملون معهم جنبا إلى جنب في المنجم المذكور).
لقد تم إعدام هؤلاء الرجال، وسواهم، من غير محاكمة، ومن غير تحقيق حقيقي. وقد تم في يوم 28 آذار - مارس - 1956 إعدام (32) رجلا بطريقة مريعة، فيما بين الظهر والغروب بدوار قرية (أولاد الباشا) وذلك بعد أن عذبوا بقسوة ووحشية حتى اختفت صور وجوههم، ولم يعد بالإمكان معرفتها لكثرة ما لحق بها من التورم والكسور. ولم يكن هؤلاء الرجال قد حملوا السلاح، أو شاركوا في الثورة، وإنما كانوا يعيشون في مشاتيهم ويمارسون أعمال الزراعة - الفلاحة - وهم آمنين وادعين فحملوا على المكاره حملا (1).
(1) ضد أعمال التعذيب (بيير هنري سيمون) ص 85 - 87.