الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 -
لوحة شعبية للمجاهدة الجزائرية
(يا نساء ولولوا
…
نحي علينا الغمة!)
ويرتفع صوت امرأة ثانية، يغلفه الانفعال ذاته، فيجب بلهجة نصف آمرة، ونصف متوسلة:
(لا، لا! الدياب يهجموا علينا) الذئاب ستهجم علينا لتأكلنا، لتطردنا من المحكمة!!
يا للحوار العجيب!
كان ذلك يوم 12 كانون الثاني - يناير - 1959. حيث كانت المحكمة العسكرية تعقد جلساتها بشكل استثنائي في قصر العدل في مدينة الجزائر لمحاكمة (الاتحاد العام للعمال الجزائريين). وكان الجو هو الآخر غريبا. الجمهور واقف، كثير العدد، ومعظمه من الجزائريات المحجبات. إن الصورة التي أعطيت عن زمن السلم تذكر بقصيدة الشاعر الفاسي الذي غنى (الجمعة، يوم خروج الريم) الغزلان البيضاء التي تشاهد أيضا في مدينة الجزائر حول الحمامات وقبو القطار، وضريح سيدي ابراهيم - قرب الأميرالية - أو حول جامع سيدي محمد في (البلكور). لكن الصور الخيالية تتلاشى عندما يتجه النظر تحت تأثير قرقعة السلاح، إلى جموع
الجنود والشرطة، اللابسين ثيابا مدنية، يحاصرون جمهور المحكمة النسائي. إنه لمن الأقرب إلى المعقول والواقع أن يتذكر المرء اللوحة الشهيرة التي رسمها مواطننا (الحاج إتيان ديني - الرسام والكاتب) وجد فيها رؤياه السياسية والجمالية لسكان الجزائر الأصليين، فقد صور جزائريا مقيدا يمشي بين فارسين من فرسان الجيش الاستعماري، على طريق النفي إلى سجن في الصحراء.
إنها لوحة حية للجزائر المجاهدة، فالنسوة المجتمعات تراهن حول السجون، وحول الثكنات، وحول مراكز التعذيب وحول معسكرات الاعتقال والمحاكم العسكرية، لذلك كن مرهفات الحساسية إزاء التكريم العلني الذي أداه لهن الجميع. فقد عمدت
(جبهة التحرير) وهي في قفص الاتهام، إلى تمجيد وطنية الجزائريات اللواتي أعطين الثورة - قلبهن وروحهن - مجاهدات وفدائيات، مجندات ومقاتلات.
ذلك هو المنبر التقليدي - الكلاسيكي - للثوريين. إن الاستجواب يستحيل مديحا هجوميا للثورة التي لا تقهر. ولقد لجأت جبهة التحرير إلى استخدام جميع الوسائل لبلوغ غايتها، وهي استقلال الجزائر.
…
مارس الفدائيون في المدن دور قوة مغناطيسية، بصورة طبيعية تماما، وكللتهم نساء بالمجد الصوفي، وهو ذات المجد الذي يكلل هامات المجاهدين المرتدين لثياب الجنود النظامية. إن المحبة الجماعية، الدينية والوطنية، للمجاهد، تتحد بنوع آخر من التقدير، هو الإعجاب بوجه المحرر الذي ضرب في كل يوم موعدا له مع الموت. وتجذرت هذه المشاعر في أعماق قلوب الشعب، وكان
خطوات ثابتة - في موقف يثير الهلع وسط الاستعماريين
التعبير عنها لدى هذا الشعب هو في التضامن العملي مع الأبطال. لقد كان الولاء والشجاعة ونكران الذات من الصفات النادرة جدا في ظهورها سنة 1954، فأصبحت ابتداء من سنة 1956، وعند ولادة فرق الجهاد في المدن عملة رائجة، كثيرة التداول. وللمسلمات حساسية خاصة تجاه القدر الذي رسمته السماء للمحارب الذي جعل منه الإسلام بطلا مثالتيا غير خاضع لعوامل الضعف البشري. وهن يؤوين منقذي الوطن المدنس، ويوفرن لهم الطعام ويخدمنهم، ويعالجن الجرحى، ويخبئن الهاربين والمطاردين - وأصبحت النساء المسلمات بطريقة عفوية، مساعدات ورديفات للفرق المسلحة، يؤمن الاتصال العاجل، بل ينقلن حتى السلاح أو الذخيرة. وهن يعتنين بأيتام الأمة الجريحة، وأبناء الشهداء، الشهداء الناصعي الجبين والقلب، والذين يمكن دفنهم بثيابهم.
فهم - وفقا لما سنه الشرع - في غنى عن مراسم دفن الموتى - التقليدية، ولا حاجة لتكفينهم بالأكفان البيضاء الناصعة.
وهكذا فإن إرهاب المدن لم يتدخل بشكل كيفي في عملية تطوير المقاومة الإجماعية للشعب، وإنما هو انطلق من قلب الجماعة، ووفق التأييد الجماعي، حيث الظروف الموروثة مباشرة من المجتمع الإسلامي، تتيح المجال أمام المساعدة المتبادلة. ويمكن إيضاح هذه العلاقة الجدلية المتبادلة من خلال مثلين عكسيين:
في الحالة الاولى: يظهر إرهاب المدن وهو يمارس دور الوازن السياسي للقوى الشعبية.
في حزيران - يونيو - 1956، حدثت الاعتداءات الأولى على الأوروبيين، وكانت أعمالا انتقامية مشروعة. فلقد كانت جبهة
التحرير الجزائرية قد أعلنت في بياناتها أنها ستثأر للمجاهدين (زيانان) و (فراج) جنديي جيش التحرير اللذين وقعا في الأسر وهما في ثيابهما العسكرية، وأعدما بالمقصطة، خلافا للأعراف الدولية في ما يتعلق بأسرى الحرب.
وفي تموز - يوليو - 1956، حدث أول اعتداء غاشم! جريمة رهيبة! أول قنبلة استعمارية! فقد وضعت ليلا في شارع (طيبة) ولما انفجرت دمرت بضعة منازل عربية وذهب ضحيتها (53) شخصا وسقط مئات من الجرحى. وثارت ثائرة (حي القصبة) وعم السخط ورغبة الانتقام كل السكان. ولم يهدىء هؤلاء غير التدخل المباشر، التدخل الجسدي والسياسي للفدائيين والفدائيات. وجاء كاتب فرنسي ليعالج الموهف:(حيال اللامبالاة العامة - ظاهريا - في موقف الرأي العام الفرنسي، والسلطات العامة الفرنسية، نجد أن المسلمين في اضطراب شديد: لقد دب فيهم الشعور بأنهم أسلموا، دون حماية ولا سلاح ولا عون شرعي من أي نوع كان، إلى الجريمة بكل معنى الكلمة، إلى التقتيل، وعندما انفجرت بدورها، بعد ذلك بشهرين، القنابل الأولى لجيش التحرير الوطني الجزائري، استقبلت بالترحاب الحار في أوساط أكثر فأكثر أهمية بين أوساط الرأي العام عندهم، ولا غرابة بعد هذا أن يظهر واضعو القنابل بمظهر - حماة الشعب - و - الأبطال الوطنيين (1) -).
لا شك مطلقا في أن ذلك الاتصال الحميم مع الجماهير، أو بالأحرى تلك الحياة داخل الشعب هي التي جعلت جبهة التحرير
(1) جرمين تيون (الأعداء الإضافيون) باريس 1960 ص 176 - 177
.
الوطني قادرة على تجنب الموجة الحيوانية التي أطلقتها منظمة الجيش السري الفرنسي. ولقد عمل إرهاب المدن، إرهابنا المحرر، كصمام الأمان. وأتاح للمواطنين الذين أرهقهم الصراع غير المتكافىء، وأثارهم الظلم الفرنسي الذي استمر يمارس ضغطه على الأفريقيين دون الأوروبيين، أن يفجروا كبتهم، وأن يحتفظوا برباطة جأشهم، وأن يتقيدوا بالانضباط الثوري. أجل! لقد تصرفت (فرق الموت) في كل من (الجزائر ووهران وقسنطينة وتيزي أوزو وسطيف الخ
…
) تصرف القوى السياسية حتى تحول دون وقوع مجازر طائفية. واعترفت بذلك صحيفة فرنسية، ولو أن الاعتراف بهذه المأثرة قد تأخر كثيرا، حيث ذكرت ما يلي:
(لا ريب في أن الانضباط الصارم الذي تتحلى به جبهة التحرير الوطني هو الذي كبح جماح المسلمين عن القيام بعملية انتقام من الأوروبيين. حيث كان تأثير الجبهة أقوى بكثير من عامل الخوف من الجيش الفرنسي (1)).
نصل الآن إلى الحالة المعاكسة، وهي أن القوى الشعبية بالمقابل، تؤمن إيمانا مطلقا بالقوة غير المحدودة لإرهاب المدن.
وإذا كان واضعو القنابل يظهرون بمظهر (حماة الشعب) فإن الطاقة البشرية ستكون، بالتالي، دائمة التفجر، ولن تنضب. إنه (الاختيار) الذي يلغي الذريعة السخيفة التي يتذرع بها العقداء السافلين - الكولونيلات - وهم يحاولون تفسير التجدد الدائم للباحثين عن الخطر والعذاب والاستشهاد، بأنه نتيجة الإكراه لا الاندفاع. إن تجميع الفدائيات يتم وفقا لاختيارهن المطلق الحرية. ويمكن في
(1) صحيفة (الإكبرس) الفرنسية 8/ 1962/3.
هذا المجال ذكر أسماء الفتيات (ملقيات أو قاذفات القنابل) اللواتي نجون من الموت، واللواتي رفضن العودة إلى العمل حيث فقدن القدرة على المجازفة بحياتهن من جديد، أو القيام بتنفيذ الواجبات بما يتطلبه تنفيذها من الشجاعة إنه مثل بين الأمثلة عن المشاركة النسائية في انطلاقة الثورة العملاقة. وفوج المجاهدات من بنات المدينة هو على صورة الإجماع الشعبي كله. وبالإضافة إلى تنوع أصولهن أو طوائفهن، هناك التنوع الإجماعي (فبين المجاهدات الفتاة والأم) أو المهني (طالبات حقوق أو طب، موظفات، عاملات في المنازل، خادمات أو ممرضات طالبات، معلمات بالفرنسية أو بالعربية، عالمة، مذيعة وممثلة، مولدة، طبيبة ..) هذه ثروة ساحرة من إنكار الذات على الصعيدين الشخصي والعام. إن الجزائريات، كل الجزائريات، قد انتزعن حقهن بالمواطنة الكاملة غير المنقوصة. وسيكملن ذكرى الشهيدات الخالدة ذكرى الشقيقات الشهيدات في قلب المعركة التحريرية. وهذه بعض الأسماء في قائمة طويلة ومقدسة.
زاهية، سقطت شهيدة وسلاحها في يدها إلى جانب رامل. حسيبة بن بوعلي، دفنت حية مع علي لا بوانت (عمر علي) ومحمود، 17 سنة، وعمر 13 سنة.
ورويدة مداد، ألقيت من الطابق الثاني من مركز التعذيب في مدرسة ساروي.
بهية، بترت ذراعاها، وأحرقت ساقاها بلهيب الغاز المذيب للمعادن.
أما الناجيات من الموت، اللواتي سبق أن أصدرت المحاكم العسكرية الاستعمارية أحكاما بإعدامهن، فقد كن يعرفن كيف يؤثرن فينا، كأن يروين لنا، بمنتهى التواضع، قصص نشاطهن المحفوف بالمخاطر. إننا سنعود - في الفصل الثاني - لنكتشف مرة أخرى في أدب المقاومة شهاداتهن المباشرة حيث الكلمات العادية، البسيطة، تتحول في روايات (سجن فرين) وسواه من المعتقلات الى قصائد شعرية تعجز عن بلوغها كلمات الشعراء، وتصوراتهم المبدعة المجنحة.
لقد كان إرهاب المدن هو الخميرة المولدة للبطولة الثورية التي تفتحت على تحولات اجتماعية مذهلة.
…
يختلف الواقع النفسي - السياسي اختلافا تاما عن الفكرة التي يكونها عنها (الشيوعي الفرنسي) أو (الجزائري المهاجر المتفرنس) حين يتحدث عن جزائر يجهلها.
لقد نصبت الثورة نفسها، بمراقبة جبهة التحرير الوطني، مدافعة عن ذاتها، لتنقذ كرامة المجموع وكرامة الفرد. وكل جزائري، وكل جزائرية، واعيان إلى ضرورة التنكب عن العفونة للوصول إلى التقدم والنهضة. ليس صحيحا أن الفعالتية هي بالضرورة غير صافية. إن السلوك الجماعي والفردي للمجاهدين يثبت على الضد، أن الصفاء هو الفعال. وكيف يمكن الشك في هذه الحقيقة عندما لا تكون أعمال الفداء والجهاد والقتال المسلح امتيازا خاصا بالرجال؟
النساء حاضرات في كل مكان من الثورة الوطنية. لحسن الحظ! ذلك أنه إذا ما أريد تقدير المقاومة الإنسانية الخارقة حق قدرها. فإنه لا بد من التذكر أبدا تلك المخططات الرهيبة التي وضعها (لاكوست) و (غي موليه). والتي أشارت إليها كاتبة فرنسية - بموضوعية ووضوح في صحيفة شيوعية:
(الخلاصة: تلقى الجيش الفرنسي أمرا في أيلول - سبتمبر - من العام 1956 يقضي بإبادة العناصر القيادية السياسية - العسكرية للثورة - العصيان - وبكل الوسائل. والترجمة العملية لمضمون العناصر السياسية - العسكرية المقصودة، هو جميع شخصيات المدن وصفوتها ونخبتها، وجميع الشباب المتعلم (1)). ودعمت الصحيفة الشيوعية المشار إليها وجهة نظرها على (جريمة الحرب). وأبرزت الاستنتاجات الخاطئة التي استخلصها الضباط الفرنسيون أثناء إبادتهم للمواطنين الرجال إبادة منهجية منتظمة. حيث أخذ هؤلاء الضباط ينبشون شعرهم - كعادتهم - كلما باغتتهم المفاجآت غير السارة، وكان نوع المباغتة في هذه المرة جديدا عليهم. وهو كما ورد في المصدر الفرنسي:(من الممكن أن يكون هؤلاء المحاربين نساء. ففي يوم 8 أيار - مايو - 1960 - نشبت معركة ضارية في - ميديا (2) - وكان عدد من النساء المسلمات يقاتلن جنبا إلى جنب مع فرقة من فرق جيش التحرير الوطني الجزائري (3)).
(1) السيدة جرمين تيون (لانوفيل كريتيك) النقد الجديد - كانون الثاني - يناير - 1961 ص 18.
(2)
تقع مدينة (ميديا) على بعد ثمانين كيلومترا إلى الجنوب الغربي من مدينة الجزائر.
(3)
لانوفيل كريتيك - الجيش الفرنسي واستراتيجية جبهة التحرير الوطني سنة 1960.
وهذا مثل آخر غير معروف. عثر الجيش الفرنسي على وثيقة نادرة في حقيبة أحد المحافظين السياسيين (الموجهين) الذي وقع شهيدا في أحد الكمائن التي نصبها الجيش الفرنسي لرجال المقاومة في (تابلات) وكانت هذه الوثيقة النادرة تتضمن خطة العمل السياسي العسكري المتعلقة بمنطقة الجزائر العاصمة حيث أعلنت وفاة (جبهة التحرير الوطني - في العاصمة) مرات عديدة، ثم لا تلبث أن تبعث من مرقدها. ولكن ما أثار فضول ضباط (الحرب النفسية) هو أن الوثيقة كانت مكتوبة بخط امرأة. وهذا لمما يدعو إلى العجب مرتين، فحتى الآن لم يعط جيش التحرير الوطني دليلا بمثل هذا الوضوح على قبوله الجناح النسائي بين صفوفه. إنه يقبل المعونة النسائية كقوة دعم إضافية، ثانوية، ولبثت هذه - الترقية أو الترفيع للمرأة - تشغل بال (العارفين العالمين) بشؤون (النفسية البربرية - الإسلامي). ثم من تكون هذه المرأة. أتكون - فاطمة ما - رئيسة للشبكة؟.
تم اعتقال (الزعماء الإرهابيين) دون سواهم - في الليل - وسط تحركات للقوى العسكرية نظمت بدقة ونفذت بمهارة. وأخضعت الموقوفة للتعذيب طوال اثنين وعشرين يوما. لكن المرأة لم تغير حرفا واحدا مما قالته في البداية. إنها لم تحاول أبدا أن تمثل دور (جان دارك) بحسب تعبير أحد الجلادين الذين عذبوها. ولم تكن سوى ضابطة ارتباط. ولم يجدوا في بيتها قطعة سلاح أو قنبلة أو منشورا أو شيئا من ملفات - أرشيف - جبهة التحرير الوطني. أما فيما يتعلق بخطة العمل التي عثر عليها في الجبل، فإن دورها فيها كان مقتصرا على (إعادة نسخ) نص تم إتلافه فيما بعد لتضييع كل أثر من آثار واضعه. واعترفت بأنها سبق لها أن أمضت في السجن عاما كاملا.
لكن ألم تعلن المحكمة العسكرية الفرنسية براءتها؟ إنها أم لأربعة أولاد، تعمل خياطة، درست المرحلة الابتدائية ولكنها لم تحصل على الشهادة الابتدائية (السرتفيكا).
ووقع ضباط (الحرب النفسية) الفرنسيين ضحية تخيلاتهم المريضة وافتراضاتهم الخاطئة. إنه لم يكن باستطاعتهم تصور ارتقاء المقاومة الجزائرية وارتفاعها إلى مرتبة سامية. إذ كان مثل هذا الارتقاء في اعتبارهم هو امتياز لحضارة متفوقة: كالمقاومة الفرنسية هي عهد إحتلال النازية لفرسا، أو مثل المقاومة الصينية أو حتى الفييتنامية؟ وأخذوا يعيبون على أنفسهم أنهم اعتقدوا إلى حين بأنه من المحال على مسلمة مغربية، حتى لو كانت تمتلك ثقافة جامعية، أن تبرهن على قوة عقلية تجمع إلى إرهاب المدن النشاط النقابي المنظم، كنجدة عائلات المعتقلين الذين عاقبوا جنديا حاول تلطيخ ذكرى المجاهد الشهيد (عيسات ايدير) النقابي الذي مات ضحية الغدر. وكتأليف جميعة لتظاهرات النسوة مطالبات بحماية الفتيات ضد وقاحة الأرزال والزعران - من الفرنسيين ..
كان ذلك في كانون الأول - ديسمبر - 1959. وإن قبول امرأة في مركز مسؤول، تحتل فيه المبادرة محل المشورة، إنما هو اختيار أكثر مما هو رمز. إنه برهان على النضج الاجتماعي، وتهديم لأسطورة - تخلف - الجنس الضعيف. وإعلان عن مدى مشاركة الجزائريات في إرهاب المدن والأعمال الجماعية.
حدث في كانون الأول - ديسمبر - 1960. حادث (عجائبي) باغت الأعداء والانهزاميين الذين كانوا قد اعتقدوا بنصر المظليين نصرا نهائيا إبان معركة الجزائر العاصمة. حتى أن بعض العقول الكبيرة كانت قد بدأت اعتقادها بفشل إضراب الثمانية الأيام، فيما
كان نجاح ذلك الإضراب العام يبلغ غايته: وهي إظهار جبهة التحرير الوطني أمام الامم المتحدة بأنها الممثلة الحقيقية والوحيدة للشعب الجزائري (1).
وظلت روح الثورة الجزائرية تشع بالأمل، على الرغم من الوحشية الرهيبة الفظيعة. وظهرت حيويتها المتجددة أبدا، في الشوارع تحت أشكال مراكب وطنية تلوح فيها النساء بعشرات الأعلام الخضراء والبيضاء
…
هذا الانبعاث الذي تم لجبهة التحرير الوطني بفضل التعبئة الشعبية، ولم يتردد ضباط (الحرب النفسية) بإصدار بيانات تزعم أن سبب بروز هذه الظاهرة هو دعم الحزب الشيوعي الجزائري للثورة. بالرغم من معرفة هؤلاء الضباط لما كان يقدمه الشيوعيون من مقاومة للثورة. وكان الضباط في حاجة (لمشجب) يعلقون عليه أسباب فشلهم، على أن يكون لهذا المشجب هيبة دولية، حتى يعطوا فشلهم طابعا بطوليا، فلم يجدوا غير مشجب الشيوعية الذي يعطي العمل الثوري طابعه الدولي (2).
(1) جاء فى صحيفة (لوموند) 21/ 2/ 1962 للكاتب (روبير غوتيه): (يستطيع زعماء الجبهة المباهاة بمالهم من تأييد شعبي واسع. وقد أثبتت إضرابات كانون الأول - ديسمبر - 1956 وإضرابات كانون الثاني - يناير - 1960. أن أوامر الزعماء تلقى أكبر عدد من الآذان الصاغية. وقد ذهبت كل المحاولات التي بدلت لتكوين قوة ثالثة إدراج الرياح).
(2)
تم في هذه الفقرة، والفقرة التالتية، الاعتماد بصورة أساسية على كتاب (الجهاد الأفضل - عمار أوزيغان) دار الطليعة - بيروت - الطبعة الثانية - نيسان - 1964 ص 205 - 234.