الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4 -
الحرب الجزائرية تدمر فرنسا
خاضت فرنسا حرب الجزائر للمحافظة على بقايا امبراطوريتها الممزقة، ووضعت المخططات العسكرية على أمل تحقيق نصر سريع وحاسم، وبذل كبار قادة الجيش الفرنسي (المارشالات والجنرالات) قصارى جهودهم من أجل إخماذ لهيب الثورة المتوهج، فعجزوا عن ذلك. وانعكس ذلك على فرنسا، فأصيب اقتصادها بالانهيار، ونزل التمزق بالمجتمع الفرنسي، وانهارت الجمهورية الرابعة (يوم 13 - أيار - مايو - 1958) وقامت على أنقاضها الجمهورية الخامسة برئاسة (ديغول) وذلك على أمل إخراج فرنسا من الوحل - على حد تعبير ديغول ذاته - غير أن (ديغول) مضى على سياسة أسلافه، فعمل على تصعيد الصراع المسلح، وزاد من شدة الإرهاب، وسار على دروب ملتوية في مجال الصراع السياسي ضد الجزائر، وزاد ذلك كله من موقف فرنسا سوءا وارتباكا، وتعاظم غرقها في مستنقع الوحل. وقد يكون من المناسب التوقف عند بعض المقولات التي صدرت في تلك الفترة والى تصور الموقف الفرنسي، والعلاقات الجدلية بين الحرب الجزائرية وانعكاساتها على فرنسا.
لقد تعرضت صحيفة (أوبسرفاتور) الفرنسية (1) للموقف بقولها:
(وإذن فكل شيء باق على ما كان عليه، بعد عام من تولي (ديغول) مقاليد الحكم، ولم يتغير أدنى شيء .. أما مهزلة التآخي فقد افتضحت
…
والعمليات العسكرية ما تزال مستمرة بالعنف ذاته، والشدة ذاتها، على نحو ما كانت عليه في الماضي، ولماذا يحدث إذن أدنى تغيير؟ .. 0 فاليوم مثل الأمس
…
إن الجزائر لا تريد أن تكون فرنسية
…
فإما أن نعترف بهذه الجزائر، وإما أن نتجاهلها، إما أن نتفاوض معها، وإما أن نبقى معها في حرب إلى الأبد).
وهذا ما أكده النائب العمالي البريطاني - ريتشارد كروسمان - بقوله: (لقد جاء ديغول ومعه خطرين: أولهما أنه حطم أمل الرجوع إلى الديموقراطية، إذ لو فشلت ديكتاتوريته الشخصية، أو توفي، فإن فرنسا ستواجه حربا أهلية يقف فيها الفاشيستيون والشيوعيون وجها لوجه، أما الخطر الثاني فهو فشل ديغول في إيجاد حل للقضية الجزائرية). وكذلك أيضا ما كتبته صحيفة (الأوبسرفاتور): (
…
إن الحقيقة بسيطة وواضحة لمن يريد أن يراها، فالسلم لم يكن في وقت من الأوقات أبعد مما هو الآن، ومحاولة إقناع الناس بوجود السلم تزوير جاءت به حكومة - ديغول - ولا يغفره لها أحد. إن الحرب لم تنته إلا في البلاغات الفرنسية، وحتى في هذه البلاغات، فقد استؤنفت كأعنف ما تكون حرب، ونستطيع ان نتبين الواقع المفجع من خلال أكاذيب وصمت البلاغات الفرنسية التي
(1) سقوط ديغول (كتب سياسية - 142) السيد الشوربجي - الدار القومية للطباعة والنشر - 1960 ص40 - 67.
تزعم أن (71) من الثوار قد قتلوا في هذا اليوم و (123) قد قتلوا في اليوم الآخر الخ
…
فمن هو الذي يصدق أن معارك في مثل هذا العنف لم يخسر الفرنسيون فيها شيئا؟ إنه لا يكفي لتزوير الحقاثق أن نسكت عن ذكر الخسائر. إنني عندما رجعت هذه الأيام من الإجازة وجدت رسالة وجهتها لي أرملة جنرال كان يعمل بالجيش الفرنسي في أفريقيا، وهي نفسها كانت تعمل في المقاومة الفرنسية، وأحرزت وسام المقاومة، وقد جاء في رسالتها: أعلن لكم بألم كبير مقتل ابني الوحيد - وهو ضابط - في كمين (ببلاد القبائل)، إن هذه الحرب الوحشية التي لا فائدة منها تحصد زهرة الشباب الفرنسي، وقد تكبدت كتيبة ابني خسائر فادحة، وقد كان ابني نفسه متعبا منهوكا، ومع ذلك، أرسل في مهمة كان الموت ينتظره فيها. إن صعوبة الانتقال واستحالة حمل ابني الى الجزائر، وانتظار قافلة تذهب إلى (تيزي أوزو) إن كل ذلك قضى على رجل بلغت قواه نهاية ضعفها، وهكذا تلقت تابوتا يحمل ابني الوحيد الذي كان يرغب مثلي في تآخي الشعوب).
وكتبت (صحيفة أمريكية)(1) ما يلي: (لا أعتقد أن هناك أيا من المسؤولين الأمريكيين يعتقد بأن الثورة الجزائرية يمكن إخمادها بنصر عسكري. إنهم يعتقدون أن الثورة في الجزائر، مثلها كمثل جميع الثورات المشابهة التي اندلعت في النصف الأول من هذا القرن، سوف تنتهي فقط عندما تفعل الحكومة الفرنسية ما تعلمت الحكومة البريطانية فعله، وهو الاعتراف بصدق عزم الثوار على طلب قيام وضع جديد في بلادهم. إننا لا نعتقد بأن فرنسا قادرة على تهدئة
(1) وولتر ليبمان (هيرالد تريبيون) 23/ 8 / 1959.
الجزائر والاحتفاظ بها عن طريق سياسة القوة العسكرية).
وفي الموضوع ذاته كتبت (صحيفة فرنسية) ما يلي (1): (بعد خمس سنوات من الحرب المستمرة في الجزائر، وبعد سنة من (عمليات التآخي) التي بدأت يوم 13 أيار - مايو - 1958، يسقط الآن كل أسبوع مئات من القتلى، إذا صدقنا البلاغات العسكرية، وهناك ربع مليون جزائري بعيدين عن منازلهم، مما يدل دلالة قاطعة على تعاظم مقاومة المسلمين، وهذا يعني أنه ليس بالمستطاع إيجاد حل عسكري دائم. إن الشعب الجزائري لن يبقى مرتبطا في نهاية الأمر بفرنسا، إلا إذا أراد هو ذلك، مهما بلغت المحاولات الخيالية المبذولة لتنفيذ (سياسة الدمج) وإذن، فكل شيء متوقف على إرادة الشعب الجزائري.
لقد أصبح من الواضح الجلي بعد خمس سنوات من الحرب، أنه من المحال إيجاد حل للمشكلة عن طريق إبادة أحد الطرفين المتصارعين، فلا أعمال الإرهاب، ولا القمع، ولا العمليات العسكرية، استطاعت كلها ان تفتح الطريق نحو الحل الممكن، ولن تستطيع المكاسب الاقتصادية - هذا إذا ما أمكن تنفيذ بعض المشاريع المدروسة - ولا بعث أسلوب العطف الأبوي الاستعماري القديم، أن تخنق إرادة الاستقلال الموافقة لتطور العالم الحديث ولتقاليدنا القومية ذاتها. إن الواجب يفرض علينا أن نثق بهذه القوى الجديدة، وأن نؤمن بمستقبلها الخاص، وأن نترك الشعب الجزائري ذاته حتى يحل قضيته التي لم تستطع الحرب، ولا الددبلوماسية، ولا الحوادث، ولا المشاريع الاقتصادية أن تصل أبدا
(1) جاك بيرك (لوموند) 16/ 5 / 1
959.
إلى حلها) وكانت هذه (الصحيفة الفرنسية)(1) قد عالجت الموقف بقولها: (كذا نعتقد أن عبارة، الربع الساعة الأخيرة - في حياة الثورة الجزائرية - قد انتهت واختفت تماما من مصطلحات المسؤولين، ولكنها عادت إلى الظهور من جديد، بعد أن اجتازت السخرية على شفاه الناطق الرسمي لمصلحة الاستعلامات بالمندوبية العامة للحكومة بالجزائر الذي قال: إن جبهة التحرير الوطني قد أصبحت مرة أخرى في ربع ساعتها الأخيرة. وقد كان يقصد بذلك الانتخابات البلدية التي سيقضى بها نهائيا على المنظمة السياسية والعسكرية لجبهة التحرير الوطني. وقد أضيف إلى الذرائع التي كانت سببا في إطالة أمد الحرب الجزائرية، أمام الرأي العام المصاب بالذهول، سبب آخر هو: انتخابات جديدة لم يحدد موعدها. وهذا ما حملته الأخبار في هذه الأيام، بعد أن كانت تتعلل أحيانا بمناقشات هيئة الأمم المتحدة واقتراحاتها، وأحيانا أخرى باجتماعات وزراء الحكومة الجزائرية في القاهرة، أو مؤتمرات تونس او الرباط.
لقد كان وقع تلك الكمائن التي نصبها المجاهدون الجزائريون ذا أثر بالغ في الرأي العام، مما يكذب التأكيدات المتفائلة المروجة، فالحال لم تتغير عن كانون الثاني - يناير - 1957، وقد مضى عامان، فغير صحيح أننا في الربع الساعة الأخيرة. ولنتساءل عن أهمية وقيمة تلك العبارات التي تقال اليوم، فقد سبق أن أكدها منذ شهرين تقريبا أكبر سلطة عسكرية، فقال أن هناك أعمالا إرهابية وخلايا للثوار سيستطيع الجيش الفرنسي قهرها فلديه ما يلزمه للقيام
(1) صحيفة (لوموند) 27 كانون الثاني - يناير - 1959.
بتلك المهمة، وأن الحرب كادت تنتهي. ولكن النشرة الأسبوعية للمندوبية العامة بالجزائر اعترفت هذا الأسبوع أن عدد الجنود غير كاف في بعض القطاعات، كما أن قادة القطاعات لم تكن لديهم الوسائل الضرورية، مما أدى إلى عجزهم عن القيام بمهامهم المتعددة، ولا يكفي إخفاء أرقام الخسائر حتى نحمي جيشنا منها، وإن الاحصاءات المتوافرة تؤكد للأسف أن الجيش الفرنسي يعاني من تدهور كبير لم يتعرض له من قبل).
أما صحيفة - المجاهد - لسان حال الثورة الجزائرية، فقد كتبت ما يلي:(بوغت المراقبون للأعمال العسكرية، بالحملة الإعلامية الساذجة التي رافقت حركة (13 أيار - مايو) والتي زعمت أن هذه الحركة قد نجحت في وضع حد نهائي للثورة. ولم يتمكن أولئك المراقبون من أن يفهموا كيف أن مجرد قيام الأوروبيين بمظاهراتهم واحتفالاتهم كاف للقضاء على الثورة. والواقع أن جماعة حركة 13 أيار - مايو - كان أملهم في إنهاء الثورة هو في اتفاق الشعب الجزائري معهم وتنكره لثورته، ولذلك رفعوا أسطورة (الأخوة الاسلامية - الفرنسية) إذ ذاك، ثم تولى - جاك سوستيل -وزارة الإعلام في فرنسا فأصدر تعليماته إلى الصحف بأن تصمت نهائيا عن نشر أنباء المعارك التي لم تتوقف، وتوهم الفرنسيون فعلا أن الثورة إذا لم تنته فعلا فقد ضعفت، وأنها على أبواب التلاشي والاضمحلال. ثم دخل - ديغول - ذاته في هذه الحملة الدعائية المخجلة فزعم في (قسنطينة) أن صفحة الحرب قد انتهت، وأننا الآن سنشرع في كتابة صفحة الاقتصاد. ثم تذكر ماريشال فرنسا - جوان - من ناحيته أن الفرصة قد سنحت له مرة أخرى ليظهر عبقريته العسكرية، ويؤكد وطنيته في الوقت ذاته، فزعم بعد ديغول بأيام:
أن الثورة تعتبر منتهية من الناحية العملية. ولكن دهشة المراقبين الجديين، كانت أعظم من دهشتهم الأولى عندما رأوا الفرنسيين في الأسابيع الأخيرة يتحدثون فجأة عن خطورة الموقف العسكري الفرنسي في الجزائر، وعن فساد العتاد الفرسي بجملته وعدم صلاحيته للاستعمال، وعن قلة الجنود الفرنسيين الأمر الذي تسبب لهم في حدوث خسائر فادحة لهم في المعارك الأخيرة.
…
الخ
…
وجاء وزير القوات المسلحة إلى الجزائر ليبحث (هذا الوضع الخطير) على الطبيعة فوجد كلمة واحدة تتردد على ألسنة جميع الضباط: إننا نريد المزيد من القوات، ووجد المقيم الفرنسي الجديد ذاته وهو يطالب بإرسال المزيد من القوات ويقول: إن المشروع الاقتصادي الذي كلفني ديغول بتنفيذه في الجزائر، لا يمكن أن أحققه، ولو جزئيا، إلا إذا وصلت قوات دعم جديدة) وعادت صحيفة (لوموند) المعروفة بتأييدها للجنرال - ديغول - فقالت:(تعتبر الفترة الواقعة بين 20 و24 كانون الثاني - يناير - 1959، من أبرز الفترات التي أصيبت فيها قوات الأمن بخسائر فادحة منذ بداية الثورة وحتى اليوم، ولهذا فإن القوات الفرنسية ستجد نفسها مرغمة على مواجهة العودة المباغتة لأسلوب من أساليب الصراع هو أشد فتكا وقتلا، وتدل جميع الظواهر على أن قادة الوحدات الفرنسية قد اطلعوا (السيد جيوم) على النقص الموجود في عتادهم الحربي، وعلى قدم ذلك العتاد وعدم صلاحيته للحرب (؟). وفعلا فالأسلحة والسيارات وأجهزة الراديو وجميع الأعتدة الحربية قد استنفذت المدة التي كانت مقررة لاستعمالها العادي، خصوصا وأن قسما من هذا العتاد قد استعمل في الهند الصينية من قبل - فييتنام - ولا يمكن ترقيعه إلى ما لا نهاية
…
هذا وإن الخسائر
التي تتكبدها قوات الأمن تؤكد أن جبهة التحرير الوطني ما تزال قادرة على القيام بعمليات مباغتة تلحق بالقوات الفرنسية أفدح الخسائر وهذا يناقض ما كانت تأمله أو تقوله القيادة الفرنسية عن قرب انتهاء الحرب).