المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ وأخيرا، انتصرت الثورة - سلسلة جهاد شعب الجزائر - جـ ١٤

[بسام العسلي]

الفصل: ‌ وأخيرا، انتصرت الثورة

7 -

‌ وأخيرا، انتصرت الثورة

كان التمرد الذي وقع في كانون الثاني - يناير - 1960، اختبارا لقوة الجنرال (ديغول) اجتازه بنجاح واضح. ولعل مما يدل عليه أن الجمعية الوطنية الفرنسية - البرلمان - وافقت بأغلبية ساحقة على منح الحكومة السلطات الاستثنائية اللازمة - لمدة أربعة عشر شهرا - والتي تجعل في مستطاعها إعادة الأمن والنظام في الجزائر. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الجمعية (إعرابا عن ثقتها في ديغول) قررت أن المراسيم التي تصدر لهذا الغرض، وبمقتضى السلطات الاستثنائية المخولة للحكومة، يجب أيضا أن يوقع عليها هو شخصيا.

ولكن، وبرغم هذا النجاح الذي كان يكفل له حرية التصرف في معالجة المشكلة الجزائرية على النحو الذي يخلص فرنسا من متاعبها التي دامت طويلا، فقد بقي موقفه من مستقبل الجزائر وحقوق أهلها، بل ومن الحل الواجب اتخاذه، موقفا متسما بالغموض، سواء عن عمد لأن رأيه لم يكن قد استقر بعد على منح الجزائريين (حق تقرير المصير) أو لأنه لم يرغب في إثارة العناصر المتطرفة ويؤلف بينها ضده، وإن كان التفسير الأخير أقل احتمالا بعد أن

ص: 206

وضح ضعف هذه العناصر. ومن أمثلة هذا الغموض أنه حين توجه إلى الجزائر في شباط - فبراير من العام نفسه لتفقد حالة الجيش، صرح بأن تسوية المشكلة الجزائرية لا يزال أمامها وقت طويل، كما أن الملاحظات التي أبداها أمام الضباط أكدت الحاجة إلى إحراز نصر عسكري. ورافق ذلك، على ما هو معروف، إقدام فرنسا على تفجير قنبلتها الذرية الأولى في الصحراء الجزائرية (في منتصف شهر شباط - فبراير - 1960) الأمر الذي ترك أثرا سيئا كل السوء لا في الجزائر وحدها فحسب، بل في القارة الأفريقية كلها، وفي جميع بلدان العالم، ثم فجرت قنبلتها الثانية على الرغم من استنكار كافة الدول والشعوب المحبة للسلام، وعلى الرغم من تهديد هذه الشعوب لفرنسا بالمقاطعة وواصل ديغول في غضون ذلك خطبه وبياناته التي أكثر فيها من الحديث عن الجزائر، وعن الحل الذي يراه لمشكلتها؛ فقد ألقى في الثالث من آذار - مارس - أثناء زيارة قام بها للجزائر، خطابا أكد فيه إصراره على الاستفتاء، وتحدث عن القوة، مهددا باستخدامها حتى أقصى الحدود إذا ما فشل في تنفيذ مشروعه وسرعان ما لحق به وزير الأنباء - الإعلام - الفرنسي، يضم صوته إلى صوته، فيعلن في السابع من آذار- مارس - أن الجزائريين إذا اختاروا في الاحفتاء الانفصال عن فرنسا، فلا بد من تقسيم الجزائر إلى قسمين: أحدهما عربي والآخر فرنسي. وهكذا ثارت الشكوك من جديد في صدق نوايا (ديغول) وفي رغبته بالوصول إلى حل للمشكلة من أساسها وفقا لمبادىء الحق والعدل والمنطق.

سارعت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بالرد على (ديغول) فأعلنت عن استعدادها للمضي في القتال ضد الاستعمار

ص: 207

الفرنسي حتى إزالته والقضاء عليه، وأكد رئيسها (فرحات عباس) أن- ديغول- قد أوصد في خطابه هذا، باب الطريق نحو المفاوصات، وأحبط فرص إقرار السلام في الجزائر، ولهذا، فإن الشعب الجزائري، على الرغم من استعداده لاغتنام أية فرصة للوصول إلى حل سلمي عن طريق المفاوضات، إلا أنه سيواصل القتال حتى تظفر البلاد باستقلالها. وبالفعل، فقد شرع جيش التحرير الوطني في السادس عشر من آذار- مارس - بشن هجمات قوية وجريئة على القوات الفرنسية في كل مكان، ثم أعلنت الحكومة المؤقتة عن تصميمها لتنظيم فرق أجنبية في جيش التحرير، تضم إليها المتطوعين من سائر أنحاء العالم.

قام رئيس وزراء فرنسا (ميشيل دوبريه) بزيارة للجزائر في الحادي عشر من نيسان - أبريل- 1960، واكتشفت السلطات الفرنسية محاولة لاغتياله، وتوترت العلاقات أشد التوتر بين تونس وفرنسا، فقد طلبت فرنسا من تونس، إجلاء المجاهدين الجزائريين عن منطقة الحدود، ولكن الرئيس (الحبيب بورقيبة) رفض ذلك، وأنذر فرنسا بالقتال، إذا ما حاولت قواتها اجتياز الحدود التونسية في عملياتها ضد المجاهدين، وبالفعل، قامت مدافع الفرنسيين وصواريحهم بقصف بعض القرى الواقعة على حدود تونس، مما حمل هذه على التقدم بالشكوى إلى مجلس الأمن.

وسعت الحكومة الجزارية في غضون ذلك نشاطها في مجال العمل الديبلوماسي على المستوى العربي والدولي، وقام وفد منها يضم (كريم بلقاسم، وأحمد فرنسيس، وعبد الحفيظ وصوف) بجولة في عدد من البلاد العربية شملت مصر والعراق والمملكة العربية السعودية ولبنان بهدف الحصول على دعم عاجل لجيش

ص: 208

ورجع احفاد الغزاة الى بلادهم، وتحرر التراب الطهور للجزائر

ص: 209

التحرير الوطني، كما سافر الوفد ذاته (في أوائل أيار- مايو) إلى الصين الشعبية، حيث أجرى محادثات مع (ماوتسي تونغ) و (شو اين لاي) أعلن الرئيس (فرحات عباس) على أثرها:(بأن جبهة التحرير الوطني سوف تتلقى مساعدات من الصين الشعبية والاتحاد السوفييتي، وقال، بأنهم سيدافعون عن أنفسهم بأسلحة صينية بدلا من أن يسمحوا لأسلحة الغرب بابادتهم).

عقدت الحكومة المؤقتة مؤتمرا لها في العاشر من حزيران - يونيو- بحضور القادة العسكريين طوال أربعة أيام، أعلنت في نهايتها أنها تطلب تشكيل لجنة مشتركة (جزائرية - فرنسية) للإشراف على الاستفتاء الذي كان (ديغول) قد اقترحه، وأكدت (الحكومة الجزائرية) أن الاعتراف بحق تقرير المصير هو السبيل الوحيد لحل قضية الجزائر، وأن فرنسا برفضها دراسة وسائل وأساليب ممارسة هذا الحق، تتحمل وحدها عقابيل استمرار الحرب الجزائرية. وراح (ديغول) بعد يومين، يكرر في خطاب ألقاه:(الدعوة إلى زعماء الثورة للمجيء إلى باريس، والتفاوض على إنهاء القتال بصورة شريفة، مؤكدا أنه متى توقف القتال، فستتاح للجزائريين فرصة تقرير مصيرهم بأنفسهم، عن طريق الاستفتاء، الذي يضمن هو شخصيا حريته. وأضاف أنه (واثق) من أن الشعب الجزائري سيختار طريق العقل والمنطق، وهو الطريق الذي يقضي بتحويل الجزائر إلى بلد حديث تسوده الأخوة بفضل التعاون بين فرنسا وبين مختلف الفئات).

لقيت دعوة (ديغول) الجديدة استجابة مناسبة عند جارتي الجزائر، فأخذت تونس والمغرب في ممارسة ضغط على الحكومة الجزائرية لقبول فكرة الذهاب إلى (باريس) ومفاوضة الجنرال

ص: 210

(ديغول)، وقضت الحكومة الجزائرية زهاء أسبوع وهي تدرس الموقف، وأعلنت في النهاية موافقتها على دعوة (ديغول) وعزمها على إرسال وفد إلى باريس، برئاسة رئيس الحكومة (فرحات عباس) على أن يسبق ذلك، إيفاد مبعوث جزائري الى العاصمة الفرنسية حتى يقوم بمحادثات تمهيدية. وكانت الحكومة الفرنسية قد أعلنت في غضون ذلك أن المحادثات لن تتعدى معالجة قضية وقف القتال، ومصير المقاتلين والأسلحة، أما المحادثات السياسية (فلا يمكن) أن تجري إلا مع ممثلي جميع الفئات الجزائرية، كما أنه من المحال البحث في ترتيبات الاستفتاء إلا بعد وقف القتال.

كان هذا الإعلان الفرنسي الجديد بمثابة أول عقبة وضعتها فرنسا على طريق المفاوضات، ولكن الحكومة الجزائرية آثرت، تحت ضغط الرئيس التونسي (الحبيب بورقيبة) وأربع عشرة دولة أفريقية أخرى، تقدمت في هذه الآونة بطلب إلى فرنسا لحل قضية الجزائر، أن تسير في الشوط حتى نهايته فبعثت في (25 حزيران - يونيو -1960) بمبعوثها (أحمد بو منجل) الى فرنسا، حيث بدأت المباحثات في (ميلان) مع المبعوثين الفرنسيين، واستمرت حتى يوم (4 تموز - يوليو) حيث توقفت لأن فرنسا أرادت، كما ذكرت الحكومة الجزائرية، أن تفرض شروطها من جانب واحد لمحادثات وقف إطلاق النار، ورفضت جميع شروط الحكومة الجزائرية.

انتقل الصراع عندئذ إلى المجالين الداخلي والدولي، فطلبت كتلة الدول الأفريقية - الآسيوية يوم (30 تموز - يوليو) من الأمانة العامة لهيئة الأمم المتحدة، إدراج قضية الجزائر في جدول أعمالها للدورة القادمة - للجمعية العامة - بينما أعلن الرئيس (فرحات عباس) أن جيش التحرير الوطني سيتابع الحرب حتى إحراز النصر

ص: 211

النهائي، وبالفعل، شدد جيش التحرير هجماته على الفرنسيين في النصف الأول من شهر آب - أغسطس -.

تقدمت الحكومة الجزائرية بطلب إلى هيئة الأمم المتحدة (يوم 22 آب - أغسطس) تحثها فيه على إجراء استفتاء عام في الجزائر تحت إشرافها، ليقرر الشعب الجزائري مصيره، وكان هذا الطلب بمثابة قطع لكل أمل في التفاهم مع (ديغول).

بحثت الجامعة العربية في دورتها التي عقدتها في الثلث الأخير من شهر آب (أغسطس) في بلدة (شتورة - لبنان) قضية الجزائر، واتخذت عدة قرارات منها: حث العرب في جميع أرجاء وطنهم الكبير على التطوع في جيش التحرير، والعمل بمختلف الوسائل الديبلوماسية، لإقناع الدول الأجنبية من أجل الاعتراف بحكومة الجزائر، والاتصال بدول حلف الأطلسي لتحذيرها من النتائج المترتبة على استخدام فرنسا لأسلحة الحلف في حربها ضد الجزائر، وإبادتها للشعب الجزائري بواسطتها.

شهد شهر أيلول (سبتمبر) نشاطأ في الأفق الدولي، فقد بعث ملك المغرب الراحل محمد الخامس مذكرة إلى الأمم المتحدة، يطلب تدخلها لحل قضية الجزائر، بينما سافر وفد جزائري (برئاسة الرئيس فرحات عباس) إلى الصين الشعبية، حيث قام بمباحثات هامة مع حكومتها، وتضمن البلاغ المشترك الذي صدر في نهايتها، وعد حكومة الصين ببذل كل مساعدة وتأييد للجزائر في نضالها الشريف العادل، وانتقل الوفد بعد ذلك من (بكين) إلى (موسكو) حيث قام بمحادثات مهمة أخرى مع المسؤولين فيها، أسفرت عن تقرير العون المادي والمعنوي لثورة الجزائر.

امتاز مطلع الخريف، بتوسع الحركات الحربية التي كان يقوم

ص: 212

بتنفيذها جيش التحرير الوطني على أرض الجزائر ذاتها، وشمولها لعمليات واسعة قام بها الفدائيون في باريس وفي غيرها من المدن الفرنسية.

حاولت الدول الأفريقية، التي استقلت حديثا، والتي عقدت مؤتمرا لها في نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) التوسط بين فرنسا والجزائر، واختارت بعثة رسمية للقيام بهذه الوساطة التي لم يقدر لها النجاح.

أعلن الرئيس ديغول (في يوم 5 تشرين الثاني - نوفمبر - 1960) عن عزمه بإجراء استفتاء عام في فرنسا ذاتها وفي الجزائر لحل القضية الجزائرية، على أساس قيام الجمهورية الجزائرية. وقام في مطلع كانون الأول- ديسمبر- بزيارة للجزائر، قابلها المستوطنون بمظاهرات العنف، التي أسفرت عن اشتباكات عنيفة وقعت في مدينة الجزائر، وغيرها من المدن، بين المستوطنين والجزائريين، سقط فيها الكثيرون من القتلى والجرحى.

بدأت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة بمناقشة القضية الجزائرية في شهر كانون الأول - ديسمبر -. وفي العشرين منه، اتخذت قرارا قضى برفض قيام الأمم المتحدة باجراء استفتاء في الجزائر، وبإقرار البنود الاخرى من المشروع الأفريقي - الآسيوي التي تنص على اعتبار:(استمرار الحرب في الجزائر خطرا على الأمن والسلام الدوليين، وعلى تأكيد حق الشعب الجزائري في حريته وممارسة سيادته ووحدته)، وقد رحب (كريم بلقاسم) بهذا القرار، واعتبره نصرا دوليا عظيما لقضية الجزائر.

استهل العام 1961 بإجراء الاستفتاء في فرنسا والجزائر، وفاز

ص: 213

ديغول بتخويل من الشعب الفرنسي له من أجل حل قضية الجزائر؛ وقد اقترع (15،198،714) بكلمة (نعم) مقابل (4،996،507) بكلمة (لا) من مجموع (20،809،029) من المقترعين، أما استفتاء الجزائر فقد وصفته الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بأنه (استفتاء مزور - زائف) نظرا لاستخدام كافة وسائل التزوير لتزييف إرادة الشعب الجزائري، ولكن الشعب الجزائري المجاهد قاطع المهزلة استجابة لنداء حكومته بمقاطعتها. وتتابعت الأحداث متلاحقة، ففي يوم 21 كانون الثاني - يناير - 1961، أصدرت حكومة (ديغول) خمسة مراسيم تعتبر في جوهرها خروجا على مبدأ تقرير المصير، وتهدف إلى تجزئة الجزائر.

وتقضي المراسيم المشار اليها بالأمور التالية:

1 -

إنشاء مجالس إقليمية في مدن (الجزائر ووهران وقسنطينة) وتتكون من مندوبين عن رؤوساء الإدارات المحلية.

2 -

توسيع مسؤوليات الإدارة المحلية.

3 -

إنشاء مجالس مركزية لإسداء المشورة إلى المجالس الإقليمية.

4 -

تعيين ثلاثة مديرين بالمناطق، بوصفهم ممثلين لمندوب الحكومة الفرنسية.

5 -

تخويل مجلس الوزراء الفرنسي، وممثل الحكومة الفرنسية في الجزائر، سلطة نقل بعض الاختصاصات إلى رؤوساء الادارات والمديرين.

بينما كان (ديغول) يمضي في سياسته، كانت حكومة الجزائر تمضي بدورها لتنفيذ سياستها الخاصة، مستفيدة من تعاظم هيبتها الدولية. ففي كانون الثانى - يناير - 1961، قرر مجلس تضامن

ص: 214

الشعوب الأفريقية والآسوية بالإجماع مطالبة جميع الشعوب والحكومات المستقلة في أفريقيا وآسيا، بفرض المقاطعة الاقتصادية ضد فرنسا، وبالاعتراف بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية عرضت (القضية الجزائرية) على مجلس وزراء الخارجية العرب الذي عقد في بغداد يوم (31 كانون الثاني - يناير - 1961) وبعد دراسة الموقف من مختلف نواحيه، اتخذ المؤتمر العربي قرارات على جانب كبير من الأهمية، أكدت وقوف الشعب العربي كله من جديد إلى جانب الجزائر، في صراعها ضد الاستعمار الفرنسي. وفيما يلي بعض ما تضمنه القرار العربي:

أولا: قيام الوفود العربية لدى الأمم المتحدة، وبالتعاون مع الدول الأفريقية - الآسيوية والدول الصديقة، بمتابعة تنفيذ القرار الصادر من قبل المنظمة الدولية بشأن الجزائر.

ثانيا: تقديم المزيد من العون المالي والمادي ومن السلاح إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية حتى تتمكن من متابعة

النضال.

ثالثا: إعادة تأكيد الدول العربية لوحدة الجزائر وسلامة أراضيها، وهو قرار يقطع السبيل على أية محاولات تهدف إلى اقتطاع الصحراء من البلاد.

رابعا: إعادة النظر في العلاقات السياسية والاقتصادية مع فرنسا، إذا ما استمرت هذه الدولة في حربها ضد شعب الجزائر.

خامسا: على الدول العربية التي تقوم في أراضيها قواعد أجنبية، أن تواصل العمل بكافة الوسائل للحيلولة دون استخدام هذه القواعد لتزويد العمليات العسكرية التي تقوم بها فرنسا في الجزائر.

ص: 215

سادسا: تشديد الحملة إزاء الدول والمنظمات العسكرية والسياسية التي تؤيد فرنسا تأيدا سياسيا أو عسكريا أو ماليا.

لقد كانت هذه القرارات في حقيقتها وسيلة للضغط لا على فرنسا وحدها، بل وعلى الدول الغربية التي ظلت تساندها، وتجدر الإشارة إلى ما تبع ذلك من تحول على المستوى الدولي. ففي هيئة الأمم المتحدة - الجمعية العامة - قدم اقتراح:(بإدانة أعمال فرنسا في الحرب الجزائرية)، وصحيح أنه لم يقدر لهذا الاقتراح أن يأخذ طريقه على شكل إدانة رسمية حيث لم تتوافر لتأييده أغلبية الثلثين اللازمة لإنجاحه، غير أن نقص عدد الموافقين بصوت واحد أظهر بشكل واضح الاتجاه العام لعدد كبير من أعضاء هيئة الأمم المتحدة نحو دعم قضية الجزائر، وقد كان ذلك تأكيدا لذلك الضغط المعنوي الهائل الذي لم يعد بالإمكان تجاهله.

وعقد في (الدار البيضاء) مؤتمر لرؤوساء الدول الأفريقية، وحققت القضية الجزائرية نصرا آخر، حيث أعلن المجتمعون تأييدهم الكامل لجهاد الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي.

بدأت في نهاية شهر كانون الثاني - يناير - عام 1961، اتصالات غير مباشرة بين الجزائريين والفرنسيين، مثل فيها (بو منجل) الجانب الجزائري، كما مثل فيها (بو مبيدو) الجانب الفرنسي. وكان ذلك بوساطة تونس، حيث سافر الرئيس التونسي (الحبيب بورقيبة) إلى سويسرا، بينما كان وزيره (المصمودي) يتنقل بين جنيف وباريس وتونس، مما مهد للاجتماع الذي عقد بين الرئيسين التونسي والفرنسي (يوم 27 شباط - فبراير - 1961) وأعقبه اجتماعات (الدار البيضاء) و (الرباط) بين الملك (الحسن الثاني - الذي خلف والده بعد وفاته) وبين (الحبيب بورقيبة) و (فرحات عباس)

ص: 216

حيث تم الاتفاق على النقاط التمهيدية لمفاوضات الصلح.

أعلنت الحكومة الفرنسية في الأول من آذار - مارس - استعدادها لمفاوضة الجزائريين دون قيود أو شروط. وأثناء ذلك كانت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تعقد اجتماعاتها المستمرة في تونس، وطار (كريم بلقاسم) نائب رئيسها إلى القاهرة ودمشق، حيث اجتمع إلى الرئيس (جمال عبد الناصر)، ثم عاد إلى تونس، حيث واصلت الحكومة اجتماعاتها لتعلن في يوم (17 - أذار - مارس) استعدادها للمفاوضة مع فرنسا دون شروط.

وأخذت الاستعدادت طريقها لإجراء المفاوضات في (أيفيان) على الحدود الفرنسية - السويسرية، وكان من المقرر البدء بهذه المفاوضات - وفقا لما أعلنه الجانب الفرنسي - في يوم (7 نيسان - إبريل - 1961). وهنا حاول المستوطنون في الجزائر ومن يؤيدهم من الرجعيين الفرنسيين إحباط هذه المفاوضات قبل وقوعها؛ فقاموا بسلسلة من الأعمال الارهابية - في فرنسا والجزائر - توجوها بقتل عمدة (إيفيان).

لم تبدأ المفاوضات في موعدها كما كان مقررا، وتقع المسؤولية الكاملة هنا على الجانب الفرنسي، ويعود السبب في ذلك إلى ما أعلنه وزير شؤون الجزائر (المسيو جوكس):(من أن الحكومة الفرنسية تعتزم إجراء المباحثات مع الاتجاهات الأخرى). وكان هذا الإعلان بمثابة القنبلة الموقوته لتفجير الموقف، إذ كان من المعروف أن فرنسا تقصد بذلك التفاومض مع (الحركة الوطنية الجزائرية التي يمثلها مصالي الحاج) والتي فقدت رصيدها الجماهيري بسبب تخلفها عن ركب الثورة، الأمر الذي أدى إلى اتهامها بالتعاون مع الفرنسيين والتواطؤ معهم على حرية الجزائر

ص: 217

واستقلالها. وعلى إثر ذلك، أعلن وزير الاستعلامات الجزائري (محمد يزيد) يوم (5 نيسان - إبريل) أنه من المتعذر على حكومة الجزائر إرسال وفدها إلى المفاوضات، ما لم تبدل الحكومة الفرنسية موقفها بعد تصريح وزيرها (المسيو جوكس) وجرت محاولات عديدة، توسطت فيها أكثر من دولة، وأكثر من جهة، لتذليل هذه العقبة، وكان في مقدمتها المحاولة التي قام بها الرئيس (بورقيبة) لإقناع (مصالي الحاج) بالانسحاب من الحياة السياسية ولكن جميع هذه الجهود لم تؤد إلى نتيجة إزاء إصرار الحكومة الجزائرية على التمسك بموقفها العادل والمشروع.

عاد الرئيس (ديغول) فألقى خطابا يوم (11 نيسان - ابريل -1961) أعلن فيه: (بأن فرنسا لن تتمسك بجزائر لا تريد الارتباط بها، وأكد أن فرنسا ستجري تبادلا في السكان إذا اختار الجزائريون عدم الارتباط، فبعد الأربعمائة ألف جزائري من بلادها مقابل سحب مليون ومائة ألف فرنسي من الجزائر).

وكان هذا الخطاب، بمثابة عود الثقاب الذي أشعل فتيل حركات التمرد، التي طالما مارسها المستوطنون في كل مرة شعروا

فيها بالخطر يتهدد وجودهم على أرض الجزائر، وزاد من مرارتهم شعورهم بأن الرأي العام في فرنسا أصبح يؤيد تأييدا تاما حل (قضية الجزائر)، وأن هذا الرأي المعام هو الذي يمارس الضغط على ديغول لإنهائها بأي ثمن، وعن أي طريق، وأدركوا أن (ديغول) سينصاع في النهاية لهذا الضغظ الداخلي من شعبه، وأن محاولاته لا تعدو أن تكون محاولات لكسب أكثر ما يمكن كسبه من الجزائر، وتحقيق أكبر قدر من المغانم والامتيازات. وأدرك المستوطنون ومن يؤيدهم من الرجعيين أن عليهم القيام بالمحاولة الأخيرة لوقف هذا التيار،

ص: 218

وفرض إرادتهم عن طريق التمرد والثورة ضد حكومة (ديغول) للاحتفاظ (بفرنسية الجزائر التي لا يرضون عنها بديلا). وتمكن المستوطنون عن طريق جنرالاتهم الأربعة: (شال) و (سالان) و (جوهر) و (زيلر) من إعلان ثورتهم يوم (22 نيسان - ابريل - 1961)، وسرعان ما نشروا سيطرتهم على عدد من المدن الجزائرية وأخذوا في تهديد فرسا ذاتها بالغزو، وأعلنوا أن الهدف الأول لحركتهم هو:(المحافظة على الجزائر فرنسية، وإنهاء الحرب فيها بالقوة). ووقفت فرنسا على أبواب الحرب الأهلية، ولكن (ديغول) صمد للفتنة، وجابه زعماء التمرد بحزم، واتخذ الإجراءات الضرورية للقضاء على العصيان، مستفيدا في ذلك من تأييد معظم الشعب الفرنسي لاجراءاته، ودعم قسم كبير من الجيش الفرنسي الموجود في الجزائر ذاتها وفي فرنسا وخارجها.

وهكذا لم تمض إلا أيام ثلاثة، حتى انهارت حركة التمرد في الجزائر، واستسلم قائدها الأول (شال)، وفر القادة الآخرون، وخرج (ديغول) من الأزمة وهو أقوى مما كان، وأشد اقتناعا من ذي قبل بضرورة الوصول إلى تسوية للمشكلة الجزائرية؛ إذ لم تعد المسألة في نظره تتعلق بالجزائر وحدها، وانما أصبحت أبعد مدى من هذا بكثير، إنها تتضمن تهديدا له شخصيا، وللسلطة في فرنسا بوجه عام.

بدأت المفاوضات في (إيفيان) في شهر أيار - مايو - 1961، وبعد جلسات عديدة متتالية، لم يتمكن الطرفان من الاتفاق على أي من النقاط الأساسية، فتوقفت، ثم اسؤتفت من جديد يوم (20 تموز - يوليو) لتتوقف بعد أسبوع بناء على طلب الوفد الجزائري، ومنذ ذلك الحين لم تجر أية مفاوضات رسمية بين الطرفين خلال بقية العام (1961).

ص: 219

جدت تطورات في هذه الاثناء، فحل (يوسف بن خده) محل (فرحات عباس) في رئاسة الحكومة المؤقتة، وكان أشد تصلبا من سلفه. ولما انعقد مؤتمر الدول غير المنحازة في (بلغراد) عاصمة (يوغوسلافيا) ألقى (بن خده) خطابا حدد فيه سياسة الجزائر المستقلة بأنها ستقوم على أساس (عدم الانحياز)، كما أعلن التضامن مع تونس في نزاعها مع فرنسا حول (مشكلة بنزرت)، وفي الوقت ذاته، شكل ظهور منظمة (الجيش الفرنسي السرية) خطرا على نظام الحكم في فرنسا ذاته، بسبب اتجاهاتها الفاشية.

اقترح رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (في 24 تشرين الأول - أكتوبر-1961) إجراء المفاوضات على مرحلتين؛ أولاهما الوصول من ناحية المبدأ إلى اتفاق حول موعد محدد للاستقلال، والأخرى تحديد مستقبل العلاقات مع فرنسا، وكذلك الضمانات الواجب توافرها للمستوطنين الفرنسيين، وكان يوسف ابن خده) يصر على أمرين أساسين:

أولا: أن تعترف فرنسا بوحدة الجزائر، ومعنى هذا هو الاعتراف بالسيادة الجزائرية على منطقة الصحراء.

ثانيا: تمثيل الجزائريين في المجلس التنفيذي الذي يتولى شؤون الجزائر، خلال الفترة الانتقالية السابقة لاجراء الاستفتاء.

دارت مباحثات سرية في (لي - روس) على مقربة من الحدود الفرنسية - السويسرية، ثم بدأت المفاوضات علنا في (إيفيان) يوم (7 - آذار- مارس- 1962) وتركزت المباحثات على الفترة الانتقالية، وتشكيل المجلس التنفيذي وسلطاته، وتكوين قوة الشرطة - البوليس - التي ستتولى حفظ الأمن والنظام، وتحديد

ص: 220

مراحل جلاء القوات الفرنسية، والعفو عن المعتقلين السياسيين، وتبادل الأسرى لدى الجانبين. وتم التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار يوم 18 آذار - مارس، وأصبح نافذ المفعول اعتبارا من اليوم التالي، كما نشرت نصوص الاتفاقيات الاخرى، وشكل بعد ذلك المجلس التنفيذي وكان عليه أن يتولى إدارة شؤون الجزائر عن طريق الأجهزة الإدارية العادية، باستثناء ما احتفظت به فرنسا وكان من اختصاص المندوب السامي الفرنسي، أما الوظيفة الثانية التي تضطلع بها هذه الهيئة فهي اتخاذ الاستعدادات اللازمة لإجراء الاستفتاء.

جرى الاستفتاء في الجزائر في اليوم الأول من تموز (يوليو) 1962، وكان السؤال الموجه إلى المقترعين: هل توافق على استقلال الجزائر، وتعاونها في إطار اتفاقيات ايفيان؟.

وجاءت النتيجة إيجابية بنسبة 97،3 في المائة، وفي يوم 3 تموز - يوليو - أعلن الجنرال (ديغول) ما يلي:(إن رئيس الجمهورية الفرنسية يعلن أن فرنسا تعترف رسميا باستقلال الجزائر). وهكذا استعاد الشعب الجزائري حريته، ودخل في عداد الدول المستقلة، وتحررت فرنسا من أعباء الاستعمار التي أرهقت كاهلها، وكلفتها خسائر فادحة في الأرواح والأموال وفي السمعة الدولية.

لقد تعرضت الاتفاقية (اتفاقية ايفيان) لكثير من النقد والتجريح، بسبب التنازلات الكثيرة التي قدمتها الجزائر لفرنسا، مثل: تأجير قاعدة (المرسى الكبير) لفرنسا لمدة (15) سنة قابلة للتجديد، فضلا عن احتفاظ فرنسا ببعض المواقع في الصحراء لمدة خمس سنوات، وأهمها (كولومب بيشار) و (رقان)، وكذلك

ص: 221

إعطاء فرنسا امتيازات فيما يتعلق (بشركات استغلال الثروة المعدنية والبترولية) وتعويض المستوطنين مقابل (تنازلهم) عن الأراضي التي كانوا يمتلكونها ومساحتها ثلاثة ملايين هكتار، ووضع الجزائر من جديد تحت هيمنة الفكر الفرنسي - من خلال الاتفاقات الثقافية - الخ

هنا لا بد من القول أن فرنسا التي أقامت فوق أرض الجزائر طوال (130) عاما، قد تركت رواسب عميقة (اجتماعية وثقافية وفكرية) فكان من الصعب على قادة الثورة التفكير في اجتثات هذه الرواسب دفعة واحدة.

وكانت جزائر الثورة مثخنة بالجراح، فكانت في حاجة لبلوغ أهدافها على مراحل، وعلى هذا فإن اتفاقيات إيفيان لم تكن أكثر من مرحلة لبلوغ الاستقلال؛ وذلك لإعادة بناء الجزائر وتضميد جراحها، وتصفية الرواسب حتى تستعيد الجزائر أصالتها ويعود إليها وجهها العربي - الإسلامي الأصيل.

لقد صمتت الأسلحة، وتوقف الصراع المسلح، وبدأت مرحلة جديدة من الصراع الشاق المرير ضد رواسب الاستعمار، وضد مخططاته العدوانية التي تأخذ أشكالا متطورة تحقق أهداف الاستعمار ولكن من غير الاحتكام إلى السلاح، وعن طريق رعاية (الجذور) التي خلفها الاستعمار ورعاها حتى تنبت باستمرار الأشواك الدامية، تدمي بها أقدام الاحرار وتعيقهم عن تحقيق أهدافهم في بناء الجزائر العربية الاسلامية التي لا يمكن لها أن تستعيد أصالتها إلا بالجهد المشترك مع جاراتها العربيات (المغرب وتونس) وإلا بإعادة تقويم عملية البناء باستمرار حتى تستعيد الجزائر أصالتها العربية والإسلامية.

ص: 222

الغزاة يغادرون الجزائر

ص: 223